هكذا استقرت صور الجنة والنار في العقل الجمعي المسلم

9435
عدد القراءات

2018-07-25

عرجت الباحثة التونسية، لطيفة كرعاوي، في كتابها: "الفردوس والجحيم في المتخيل الإسلامي"، على إشكالية شديدة الالتباس والحساسية؛ حول مفهومي الجنة والنار، في العقل الجمعي المسلم، الذي تشكل وصاغ وعيه، بناءً على مقررات القصص الديني، وكتب التراث الكلاسيكية، وما عبرت عنه، من صور وتمثلات ومشاهد متعددة، لشكل الثواب والعقاب، في الحياة الأخروية؛ حيث اعتمدت نصوصاً دينية، وردت في القرآن والسنة؛ ساهمت في منح الشرعية والقداسة لكل العناصر التي ورد ذكرها في العالم اللامرئي، وتأبيد سرديتها.

كرعاوي: يصعب فهم طبيعة التصورات الإسلامية المتعلقة بالعالم الأخروي وتمثلها ما لم نقارنها بتصورات سابقة لها

الجهد العلمي الذي قدمته الباحثة، المتخصصة في الحضارة الإسلامية، هو إعادة تعيين ذلك المتخيّل الديني، بكل ما يحويه من عناصر، فضلاً عن سنده في القرآن والمرجعيات الإسلامية، وتحريره من آليات الاشتغال الديني الثابتة والمغلقة، ودوغمائيتها، لحساب الرهانات المعرفية وأدواتها من نقد وتحليل وتفكيك.

وتخطت، الباحثة، في كتابها، الذي هو في الأصل بحث علمي، نالت به رسالة الماجستير، في اللغة والآداب العربية، بالجامعة التونسية، عام 2009، تراكمات تاريخية عديدة وملغمة، آلت بالنص الديني، إلى مجرد دور وظيفي، وتحويله إلى أيديولوجيا؛ فتم مصادرته في خضم صراع المذاهب والفرق، والعبور به من كونه سيرورة تاريخية، وتجربة حية، يمكن فحصها وتجديدها، وفق الشروط التاريخية المتغيرة، إلى مقولات جامدة تتسم بالعنف الذي يأخذ صفة المقدس.

الباحثة التونسية، لطيفة كرعاوي

الجنة والنار: سردية العقل أم الدين؟

انطلقت الباحثة التونسية نحو فهم الوضع التاريخي وشروطه التي شكلت الوعي الديني في مراحل متفاوتة؛ تغيرت معها معالم ذلك المتخيل وعناصره، والحالة المعرفية للمجتمع، والإحاطة بالهم الإنساني والوجودي للبشر، في لحظة تدشين النص، والحمولات المعنوية له، وما قدمه من أجوبة وتأملات، وتعرية المكبوت "المحلي" للمكون البشري الذي يستهدفه النص، ويتعاطى مع قلقه الوجودي.

تقول كرعاوي: "يصعب فهم طبيعة التصورات الإسلامية، المتعلقة بالعالم الأخروي، وتمثلها، ما لم نقارنها بتصورات سابقة لها. ونشاط المتخيل الإسلامي ينخرط في مسار المتخيل الكوني، وإن وجدت اختلافات، فهذا بديهي، لأن كل متخيل يعبر عن خصوصية المجتمع الذي إليه ينتمي".

اقرأ أيضاً: رحمة الله عز وجل وعذابه في تصور الإسلامويين

وتعد الكلمة المفتاحية، في ذلك البحث الرصين وقوامه الرئيسي، هو "المتخيل"؛ كمصطلح ومفهوم ومنهج، الذي أصبح حقلاً معرفياً قائماً بذاته، في النصف الثاني من القرن العشرين، منذ خرجت الكثير من المفاهيم، مثل؛ المقدس والأسطورة والدين والجسد والخيال، في علم التاريخ والأنثروبولوجيا وتاريخ الأديان، من دوائر التهميش، واستعادة حضورها في البحث والمعرفة، في ظل تراجع العقل الغربي عن يقينياته السابقة، وتحرره من هيمنة الخطاب الديني والفلسفة والأخلاق.

فالمتخيل، كما توضح الدراسة، يمثل جزءاً من حقل التمثل الذهني، باعتباره متولداً من صيرورة تجريدية. وما يميز الصورة الخيالية من الصورة الذهنية، هو علاقة الأولى بالرغبة، ونزعتها إلى اختراق المألوف، وقدرتها على الخلق والإبداع، إذ ينزع المتخيل -دوماً-، إلى تجاوز حدود الذهن.

مصادر المتخيل الإسلامي

في غضون ذلك، رصدت الباحثة التناسل الذي يتعاقب على النص التأسيسي؛ فبقدر النسب والأصل الواحد الذي يجمعهم، لكن تقطع النصوص الجديدة الحبل السري، مع "الرحم الأصلي" (تقصد القرآن)، وتنجح في الإفلات منه، وتؤسس وجوداً مستقلاً وتاماً، ينافس ويزاحم الأصل.

وتبعاً لذلك، كشفت عن الانحراف، الذي أدى بالقصص الديني، أن يتحول عن غايته الحقيقية، في حض النفوس، على الخير والفضيلة، وأضحى بمثابة "عرض فرجوي مسرحي"، كما تشير.

سرديات "أدب القيامة" لم تترك شاردة وواردة عما ينتظر المسلم في عالم ما بعد الموت إلا وقدمته كاملاً

كرعاوي اعتمدت على مصدرين رئيسيين، في مبحثها، وهما: دقائق الأخبار في ذكر الجنة والنار، لعبد الرحيم بن أحمد القاضي، والدرر الحسان في البعث ونعيم الجنان، لجلال الدين السيوطي. ولم يفتها أن تنعطف تجاه البعد النفسي، وحضوره المؤثر، الذي استدعى حالة محددة تجذب الوجدان الإسلامي، تبرزها القرائن اللفظية، حول المتخيل الأخروي، الذي اقترنت فيه "الرغبة بالرهبة، والخوف بالرجاء، والوعد بالوعيد، والشدة بالفرج، والحرمان بالإشباع النفسي".

يحوي الكتاب ستة فصول رئيسية؛ تبدأ بـ "المدونة عرض وتعريف"، و"العالم الآخر في المتخيل الكوني"، و"جغرافيا الفردوس"، و"جغرافيا الجحيم"، و"آليات اشتغال المتخيل الإسلامي، وخصائصه"، وأخيراً "مصادر المتخيل الإسلامي"، وهو ضمن منشورات مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، بالرباط، و"المركز الثقافي العربي"، بالدار البيضاء وبيروت.

غلاف كتاب: "الفردوس والجحيم في المتخيل الإسلامي"

الموت بعث دائم لحياة متخيلة

ويشتبك الكتاب مع مجموعة من الأسئلة، يمكن صياغة عنصرها الرئيسي، الذي تنبني عليه فرضيتها، من خلال مساءلة "المتخيل" الإسلامي، الذي يتمثل العالم الأخروي، ثواباً وعقاباً، وآليات ذلك وروافده، بالإضافة إلى البحث عن الصلات العضوية، ومدى القطيعة والتقاطع التي أحدثتها مع الثقافات السابقة عليه، وموروثها الديني؛ وذلك عبر النظام اللغوي، الذي ينشئ عبر رموزه، خطاباً كاملاً، يستجمع فيه الإنسان علاقته ورؤيته بالعالم.

كرعاوي: الأسطورة أعرق النصوص التي تستلهم منها المعاني وفي مراوحة بين العمق والسطح تُستخرج اللآلئ

تقع الباحثة على نقطة مركزية، في العوامل التي تجتمع عندها رغبة الإنسان، في الاعتقاد بوجود عالم أخروي؛ وهو الموت، بما يرافقه من سؤال، دائم، حول المصير الوجودي والمآل الإنساني، ومحاولة فهم أو تنظيم العالم الملغز، بظواهره وتشكلاته المستمرة. هذا الإلحاح الذي يجذب المرء، نحو الوجود الميتافيزيقي، عُدّ القاسم المشترك بين الإنسان "الديني"، عبر التاريخ، ومراحل الوعي الديني، وبمختلف الصيغ والحيل، الفنية والجمالية، التي وثقتها أشكال الدفن، والرسوم الجدارية، والأساطير والتماثيل التي ألهمت حسه الديني، البدائي، العزاء وتهدئه قلقه الوجودي، بقدر ما عبرت عن تأملاته ومخاوفه.

ولئن كان التفكير في الفردوس، تحايلاً على الشعور بالفقد ومواجهة نذر الموت، بصفة مستمرة؛ فقد قدمت الميثولوجيا الإغريقية والبابلية والبوذية، ومعها الإسلامية، بطبيعة الحال، تصورات عديدة ومتقابلة، حول العوالم، التي تمر عبرها الأرواح، حتى تسكن مملكة الموت، وفي المقابل، توضح ذلك الهم الإنساني المشترك، تحت وطأة الحاجة، إلى النجاة الأخروية، من حتمية الموت.

اقرأ أيضاً: "دعاة على أبواب جهنم" يقصف السلفيين

ولطالما عمدت الأساطير القديمة والنصوص الدينية، إلى التعبير عن مأزق الإنسان الوجودي ومأساته، حين فقد الخلود، وذلك، منذ خرج أو بالأحرى، طرد من فردوسه، بحسب التصور الإسلامي، إثر عصيانه ربه، وما ترتب على ذلك، من حدوث الموت، كقدر يلاحق الجنس البشري، كونه، نقيض البقاء الأزلي.

الإنسان يبحث عن الأبدية

العديد من القصص الأسطورية، ألحّت على وجود الأبطال، الذين يقاومون ذلك "الكائن اللامرئي الذي يهدّدهم بالموت". وهو ما يتوافق، مع رمزية الكبش، في الآخرة بمفهومها الديني الإسلامي، وذبحه الذي سيعلن عن تدشين نفس اللحظة والنتيجة المصيرية، بالقضاء نهائياً على الموت وتلاشي الخطر، بصورة تامة، وتحقيق حلم الخلود.

وتعتبر، كرعاوي، "الأسطورة" في تلك المقاربة المدهشة، بأنها: "أعرق النصوص التي تستلهم منها المعاني، وفي مراوحة بين العمق والسطح تستخرج لآلئ الأشياء"

اقرأ أيضاً: دليل التدين العاقل: الإيمان بعيداً عن أيديولوجيا القهر

وتشير في ضوء ذلك إلى أنّ ثمة رغبة في اللاوعي لدى الإنسان للعود الأبدي، وحنيناً إلى الفضاء الجنيني والرحم الأمومي، في البدايات الأولى، التي يسكنها الراحة الأبدية والخلود.

عالم الفردوس، وفق الباحثة، هو "أجمل ما ابتدعته مخيلة الإنسان، التي اجتهدت لخلق صورة عالم تمنحها إحساساً أنها تموت لتحيا من جديد".

وثمة تناقض، تفصح عنه الباحثة، وظل محرضاً على التقدم في بحثها، ومساءلة النصوص، التي تزعم تقديم صورة عن العالم الماورائي؛ برز في الكم الهائل وراء سرد وقائع وأحداث وتفاصيل، العالم الأخروي، الذي هو عالم "الغيب"، والمنحصر في علم "الله"، وحده، بيْد أنّ سرديات "أدب القيامة"، لم تترك شاردة وواردة، عما ينتظر المسلم، في عالم ما بعد الموت، إلا وقدمته كاملاً ومتحققاً، في صورته المتخيلة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: