هل انتحروا أم هناك من قتلهم؟

هل انتحروا أم هناك من قتلهم؟

مشاهدة

24/03/2021

يبدو أنّ الظروف الاجتماعيّة لواقعنا باتت مواتية لطرح قضايا، كانت لوقتٍ طويل تتقافز في ميدان النّخب الثقافية ولا تتعدّى حدودها، فمفاهيم اللاجدوى والعبث واللا معنى، التي تأسست بتأثيرٍ من ترجمات الفلسفة الوجودية ما بعد منتصف القرن المنصرم، كانت مفارقة لواقع مجتمعاتنا الثقافي آنذاك؛ فالجميع كانوا غارقين إلى آذانهم في شعارات المرحلة والإيديولوجيات السائدة، وبعد إفلاس المشاريع الكبرى مجتمعةً وضربات الواقع الموجعة، عادت المفاهيم السابقة لتتصدّر المشهد، ولكن خارج أسوار وأوهام المثقّف هذه المرّة، إنما في صلب الواقع، هذه المفاهيم التي لم تعد نتاج مزاجٍ متعالٍ للثقافة، أصبحت تشكل الحيّز اليومي من زمن الفرد في مجتمعاتنا، وأصبح معها الجميع محكوماً بانعدام المعنى.

 

تغدو الإدانة الإخلاقيّة والدينيّة والاجتماعيّة للمنتحر إدانة مُفرغة، طالما تتعامل مع النتيجة وتهمل السبب، خاصةً إذا كان المنتحرون أطفالاً

 

ما معنى أن يفقد كل شيء معناه؟ هذا يعني أنّ لا أهميّة لشيء على الإطلاق، وعندما تطبق هذه الكمّاشة على عنق الوجود، يفرد العبث جناحيه، وتصبح اللاجدوى هي الإجابة الوحيدة على كلّ الأسئلة، "فغياب المعنى يؤدي إلى اليأس والاغتراب والانتحار"، بحسب عالم النفس "أنتوني مارسيلا"، فما الفائدة في النهاية من حياة لا معنى لها؟ قد يبدو هذا السؤال مشروعاً في عالم الكبار، ولكن أن تفقد الحياةُ أهميّتها بالنسبة لطفل، هنا يعني أنّ على المجتمع بكلّ مؤسساته التفكيرَ جدياً بمصيره؛ إذ إنّ انتشار حالات الانتحار بين الأطفال هي المؤشر الأخطر على الحصاد المرّ الذي ينتظرنا، وعلى الجهة المظلمة التي نقذف العالم إليها.

اقرأ أيضاً: لماذا يُفكّر أطفالنا بالهجرة إلى المريخ؟

"أنا آسف يا أبي بس ما عاد اتحمل وهالشي بيريحني وبريّحكم مني وبريّح إمي"، "سئمنا من الحياة سامحونا، أحزناكم كثيراً، ظروف حياتنا تسوء يوماً بعد الآخر، نشعر بسوءٍ شديد ليس لدينا الحق في العيش"، "ملّيت ما عاد في شي عم يبسطني ما عاد في شي عم يساعدني عايش بس كجثة". إنها رسائل لأطفالٍ تركوها لنا، ولكنها ليست ككل الرسائل، لقد وصلتنا كلماتها بعد شهقتهم الأخيرة في الحياة، لقد قرأناها بعد موتهم، أو كما يقال "بعد انتحارهم"، وبينما كنّا نقرأها، كنّا نشخّص أسباب انتحارهم بدقّةٍ وثقة، فالكثير من الأسباب المرشّحة، تستفيض الدراسات والبحوث بتفنيدها، من الهشاشة النفسية إلى الاكتئاب إلى التنمّر، إلى عدم تقدير الذات، ومن السهل جداً أن نعلّق موتَ طفلٍ على إحداها، ولأنّ الانتحار سلوك اجتماعيّ مذموم، فإنّ القصة تُغلق هنا.

اقرأ أيضاً: كيف نصبح أرقاماً على عدّاد الوفيات؟

من أبرز الأسباب التي حددتها الدراسات النفسيّة والاجتماعيّة في دفع الأطفال إلى الانتحار، الألم النفسي الناتج عن الحرمان، القلق من الامتحان أو نتائج الامتحان، المشكلات الأسرية والعنف الأسري، الألعاب الإلكترونية، التنمر، الصفحات الإلكترونية التي تمجد الانتحار أو تبرره، انتشار المخدرات، ثم توفر السلاح بين أيدي الأطفال، وهذا ما تتكفّل به الحروب التي يصنعها الكبار؛ بالمجمل إنّ الجميع يتفق على أنّ الانتحار ردّ فعلٍ على ضغطٍ نفسيّ مهما اختلفت أسبابه، وردّة الفعل هذه إذا ما تجرأنا على قراءتها بواسطة الفيزياء، سنقرأها داخل قانون: لكلّ فعلٍ ردُّ فعلٍ يساويه بالقوة ويعاكسه بالاتجاه، مما يجعلنا نقرأ مباشرةً أين علينا البحث عن أسباب المشكلة.

اقرأ أيضاً: هل الخوف على أطفالنا يحميهم؟

 يؤكد أريك فروم في كتابه "جوهر الإنسان" : "إنّ حبّ الحياة هو جذر وجود الإنسان"، يتيح لنا هذا التعريف فهماً دقيقاً للانتحار، بإحالته المباشرة إلى أنّ الدافع الأقوى للوجود الإنساني إلى جانب الحفاظ على الحياة والدفاع عنها، هو الدافع الإيجابي: حبّ الحياة، فهذا الدافع يتشكل من الوعي العقلاني للذات والآخر، بما يعكسه من ميل الإنسان العميق إلى التواصل والفرح وكلّ ما يعزز الحياة ويدعمها، وإذا ما انعدم هذا الميل، هذا لأنّ هناك خطأ ما في المنظومة القيميّة  الكاملة للفرد، لهذا يرى "فروم": "أنّ حب الحياة ينمو في مجتمعٍ يتوافر فيه: الأمان، (بمعنى الشروط الماديّة الرئيسيّة لحياة كريمة غير مهددة، والعدالة، (بمعنى ألّا يكون أيّ إنسان غايةً لأهداف آخر)، والحرية، (بمعنى لكل إنسان الفرصة ليصبح عضواً فعالاً ومسؤولاً في مجتمعه)". بالنظر إلى الشروط السابقة أصبح من السهل الإشارة إلى الجهة التي تتحمّل مسؤوليّة الانتحار، فمن يقف ضد الأمان والعدالة والحريّة بالمعاني السابقة، يقف ضد الحياة كاملةً.

 

من أبرز الأسباب التي حددتها الدراسات النفسيّة والاجتماعيّة في دفع الأطفال إلى الانتحار، الألم النفسي الناتج عن الحرمان، التنمر، القلق من الامتحان أو نتائجه، المشكلات الأسرية...

 

بهذا تغدو الإدانة الإخلاقيّة والدينيّة والاجتماعيّة للمنتحر إدانة مُفرغة، طالما تتعامل مع النتيجة وتهمل السبب، خاصةً إذا كان المنتحرون أطفالاً، فهم لا يتحملون أيّة مسؤولية عن قرارٍ كنّا بالأصل قد دفعناهم إليه، حيث تعتبر الطبيبة النفسية الفرنسية "إميلي أولي" أنّ الألم الاجتماعي مكوّن أساسي من دوافع الانتحار؛ إذ يشمل هذا الألم  على فقدان الشعور بالانتماء وغياب التقدير الذاتي وعدم الشعور بأهمية الوجود، وهنا لابد أن نتساءل كيف يفقد الوجود معناه في عيني طفل؟ هذا فقط ما يحدث عندما نجعل من الطفل بالوعةً لكل القذارات التي يقذفها الكبار، في البيت والمدرسة والمجتمع بتأثير من سلطة قهرية تجعل من الجميع متساوين بكونهم لا شيء، ثم نستنكر وندين بثقةٍ أي سلوك ينتج عن الطفل لا يتلاءم مع غبائنا أو يزعزع استقرار غبائنا، دون أن نشعر بالعار عمّا حدث أو المسؤولية عنه.  

اقرأ أيضاً: السياسة والتربية: أيهما يتبع الآخر؟

قلائل من وضعوا الإدانة في مكانها الصحيح، فالمخرج والممثل الهندي "عامر خان" استطاع في فيلمه "الحمقى الثلاثة" أن يعرّي حقيقة فعل الانتحار في الإدانة الموجّهة  إلى البروفسور: "أنت من قتلهم"  إثر انتحار طالبين أحدهما ابنه، البروفيسور الذي يمّثل السلطة بما تمارسه من تسلط وإخضاع وإكراه وتهميش وتحقير وتقليل من شأن الفرد؛ فالسلطة أيّ سلطةٍ وأينما كانت، تجعل من الجميع عالقين في حقل أسفوديل ينتظرون اللاشيء، فإذا كان البقاء في واقع القهر لا يمكن احتماله، وشعارات الصمود باتت كذبة مكشوفة للجميع، والانتحار لا يشكّل حلاً لمعضلات الواقع المتفاقمة، بات علينا إذاً أن نوقف قتلنا وقتل أطفالنا. 


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية