هل تراجع الحويني والسلفيون عن فساد المنهج؟

السلفية

هل تراجع الحويني والسلفيون عن فساد المنهج؟

مشاهدة

20/02/2020

أصبحت ملفات داخلية كثيرة محلّ نقاش وجدل كبيرين بين السلفيين بعد الانتقال إلى العمل السياسي الذي فرض هيكلة جديدة، وعلاقات بين المستويات السلفية المختلفة، وفرض تحديات لتطوير الخطاب الفكري والأيديولوجي، وعكس ذلك عدم توافق الرؤية بين الجناح الذي قرر ممارسة سلفية سياسية، ومشايخ السلفيين الكبار في الحركة، فالجناح الأول يبدو الأكثر تطوراً مع الأيام، والآخر لم ينزل إلى الملعب السياسي ومن ثم ظلّ أكثر انغلاقاً وتحفظاً على تقديم تنازلات، سواء في خطاب الحركة، أو في موقعها الحركي داخل النظام السياسي الجديد.

اقرأ أيضاً: هل جنت السلفية المدخلية والجهادية على السنّة؟
وبعد أعوام من نشر الفكر السلفي يأتي الداعية المصري السلفي، حجازي محمد يوسف، المعروف بــ "أبو إسحاق الحويني"، المقيم بقطر، ليعترف بأنّه "أفسد كثيراً من الشباب، وجنى على الناس بحماسته، وأنّه كان متسرعاً حماسياً يحب الشهرة، ولا يعرف أن الأحكام الشرعية درجات، وأنّه لم يكن يفرق بين المندوب والواجب، ناصحاً الشباب المتعلمين على يديه بعدم التسرع".

اقرأ أيضاً: السلفية في الأردن: الإسلام السياسي في مجتمع هادئ

أثارت اعترافات الحويني الإعلام المصري، الذي اعتبرها خطوة على الطريق الصحيح وكاشفة لفساد النهج والطريقة، ما أدّى إلى إشكاليات ضخمة وصلت لحدّ المواجهات الدامية، بسبب تقديس مشايخ هذا التيار دون نظرٍ أو دليلٍ، في وقت ارتأى التيار المناصر له أنّ ما يثار لم يخرج عن الحرب الدائرة ضدّ الإسلام ممثلة في القضاء على رمز ديني مثل الشيخ محمد حجازي.

من هو الحويني؟
نقلاً عن كتاب "أمراء الدم"، فإنّه في مدونة "لله ثم للإسلام"، التابعة للتيار السلفي المدخلي، بحث بعنوان "أبو إسحاق الحويني وأصوله الحرورية"، ذكرت فيه أجزاء من سيرة الرجل، ومنها: أنّ تلاميذ الحويني يذكرون أنّ الألباني قال ليس لي تلاميذ، لكن الحويني تلميذي، رغم أنّه عندما قدم الشيخ الألباني لمصر، وألقى محاضرة في المركز العام لجماعة أنصار السنّة المحمدية بعابدين، وحاول أن يقابله لكنّه رحل، فكيف يكون تلميذه إذاً؟

تراجع الحويني ليس كاملاً لأنّه لم يتراجع عن فساد منهجه الذي ضلّل غيره، لكنه اعترف بالحماس ورغبته في الشهرة

أبو إسحاق الحويني ذهب، وفق سيرته الذاتية المنشورة على موقعه، لمجالس الشيخ المطيعي، في بيت طلبة ماليزيا، بالقرب من ميدان عبده باشا بالعباسية، فأخذ عليه شروح كلّ من: صحيح البخاري، "المجموع" للإمام النووي، "الأشباه والنظائر" للإمام السيوطي، و"إحياء علوم الدين" للإمام أبي حـامد الغزالي، ولزم الشيخ المطيعي نحواً من أربعة أعوام حتّى توقفت دروسه، حينما تمّ ترحيله لبلده السودان.
يقول تلاميذه أيضاً إنّ الشيخ تتلمذ على دروس الشيخ سيد سابق، وهذه ليست فضيلة أيضاً؛ لأنّ المئات حضروا دروس الشيخ سيد سابق بالمعادي، يستكملون المديح له فيقولون؛ إنّه أخذ على بعض شيوخ الأعمدة في الجامع الأزهر، في أصول الفقه واللغة والقراءات.


يذكر تلاميذ الحويني أنّه كان قد نشر له كتاب "فصل الخطاب بنقد المغني عن الحفظ والكتاب"، وكان الشيخ الألباني يقول: ليس لي تلاميذ (أي: على طريقته في التخريج والنقد)، فلمّا قرأ الكتاب قال: نعم (أي: هذا تلميذه)، يقول صاحب المدونة، لم أجد مصدراً لهذا الكلام، ولم يذكر أحد دليل عليه؛ لأنّه سافر إلـى الشيخ الألباني في الأردن أوائل محرّم عام ١٤٠٧هـ، وكان معه لمدة شهر تقريباً، فكيف يكون تلميذاً نجيباً له لشهر فقط قضاه معه، وقد قابله مرة أخرى في موسم الحج في الأراضي المقدسة عام ١٤١٠هـ، وكانت أوّل حجة لأبي إسحاق، وآخر حجة للشيخ الألباني، فعلى هذا فإنّه لم يلقَ الشيخ الألباني إلا مرتين، وسجّل لقاءاته وأسئلته فيهما على أشرطة كاسيت، ونشرت هذه اللقاءات باسم "مسائل أبي إسحاق الحويني"، وهاتفه عدة مرات، وهذا لا يعطيه الحق لأن يدّعي أنّه خليفة الألباني، أو حتى تلميذه النجيب، أو يجيز له الفتوى، والكلام بعلم الحديث.

اقرأ أيضاً: السلفيون في غزة: إيمانهم العنف وعقيدتهم زرع العبوات الناسفة
هناك تسجيل على الشبكة، بسلسلة الهدى والنور، الشريط رقم ٥٩١، موقع الشيخ الألباني، لسائل يقول: "أخبرنا بعض الإخوة في مصر أنّ أبا إسحاق الحويني يقول إنّ معه إجازة منكم، فهل هذا صحيح؟ وكذلك يقول بعض الإخوة إنّ أبا إسحاق يدّعي أنّه خليفتكم في هذا العلم، أقصد علم الحديث، مع أننا نسمع، نحن في اليمن، أنّ الرجل الذي بعدكم في علم الحديث، هو الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، فما تعليقكم على هذا؟ الألباني: هذه الدعاوى كثيرة وكثيرة جداً، وأنا لا أعتقد أنّ أحد الرجلين صحّ عنه ما تنسبونه إليهما، أما أنا فلا أقول شيئاً من هذا في أحد ما دمت حياً، لأنني أرجو أن يكون الخلفاء من بعدي أكثر من واحد أو اثنين.

اقرأ أيضاً: كيف استجابت الحركات السلفية رقمياً في ظلّ الربيع العربي؟

الصغار والعناصر السلفية التي لا تعرف الحياة دون وجود قيّم ورئيس وأمير فوق رؤوسهم، لا تعرف هذه المعلومات، لذا فقد اكتملت أسطورة الحويني جيداً أمامها، حتى إنهم أطلقوا على حجازي محدّث العصر، بعد وفاة الألباني، والآن الحويني في قطر، يحاضر في مسجدها الكبير، وسافر إلى الدوحة بحجة العلاج، وأفردت له "الجزيرة" حلقات أسبوعية على هوائها، بعد أن أغلقت قناته "الحكمة"، التي أنشأها من أموال المتبرعين، وما يزال هناك يمارس دوره، ويستكمل تمثيل دور كبير صنّاع علم الحديث بمصر.

هل تراجع الحويني؟
رأى مراقبون وباحثون، ومنهم الباحث أحمد الشوربجي، في حديث لـ"حفريات"؛ أنّ تراجع الحويني ليس كاملاً؛ لأنّه لم يتراجع عن فساد منهجه العقدي الذي ضلّل غيره، لكنّه اعترف بالحماسة ورغبته في الشهرة، وقال: "الحقيقة؛ إنّ الرجوع للحق فضيلة تحسَب للرجل، لكنّ رجوعه واعترافه بالحماسة جاء بعد أن أفسد أجيالاً، و"محمد حسان" اعترف أيضاً أنّه كان حماسياً متسرعاً، ومؤسّس الإخوان "حسن البنا" اعترف الاعتراف نفسه؛ إنّه الحماس من أجل جمع الشباب واستغلال عواطفهم، سامح الله الجميع".

تعاني السلفية وقياداتها من التسرع في الأحكام، ومن خواء المحتوى البرامجي، وعدم القدرة على التحرر من الأصولية

وفي سؤال حول عدم توافر الإمكانات الحديثة لتدقيق الأحاديث وتسببها في أخطاء الرجل، قال: "لو بُعث بعض العلماء من الموت هل تظن بعد رؤيتهم للتطور العلمي بالبحث هل سيتراجعون أيضاً؟ إنّ المشكلة ليست في الإمكانات؛ بل بحرص هؤلاء المشايخ على جمع المريدين دون تدقيق حتى في أسهل المسائل، ومنها ركعتا المغرب، التي اعترف الحويني بأنّه لم يكن يعرف هل هي واجبة أم سنّة مندوبة، وهي أبسط المسائل التي يعرفها طالب الإعدادي الأزهري، وهو ما يدلل على عظم مشاكل هذا التيار.
ورأى القيادي السابق للجماعة الإسلامية، الدكتور ناجح إبراهيم، أنّ بعض السلفيين انقلبوا على مبادئهم وشعاراتهم التي كانوا يرددونها على المرأة، وكذلك فتاواهم، مثل فتوى أبي إسحاق الحويني، الذي حرّم خروج المرأة من بيتها إلا لظرفٍ شديدٍ، فإذا خرجت فلترتدِ "الملحفة" التي تجعل منها عبارة عن شيء أسود لا يظهر منها أيّ شيء، وفجأة طالبوا سيداتهم بالنزول للانتخابات، بل وأفتى برهامي بأن تنزل الزوجة دون إذن زوجها للتصويت في الاستفتاء إذا كان الزوج يرفض مشاركتها!

اقرأ أيضاً: المغرب: هل ينجح السلفيون التائبون في مواجهة التطرف؟
الدكتور محمد نصار، الأستاذ بجامعة الأزهر كتب على صفحته بالفيسبوك، منتقداً الحويني، ومستدلاً بفيديو للرجل، حين سأله السائل عن حديث "كلّ غلام مرهون بعقيقته"، هل يدلّ على أنّ العقيقة تبقى في ذمة المولود بعد بلوغه إذا عجز أبوه؟ فقال: هذا الحديث صحيح، وبه أوجب الإمام أحمد في بعض أقواله العقيقة، ثم قال: أما الولد إذا كبر فلا يستحب أن يعقّ عن نفسه؛ لأنّ الحديث الذي يقول إنّ النبي ﷺ عقّ عن نفسه، ضعيف جداً؛ لأنّ فيه عبد الله بن المحرّر، موضحاً أنّ الحويني أخطأ كالعادة، فالذي يسمع هذا الكلام من العامة يظنّ أنّ الفقهاء كانوا لا يعرفون الحديث، وأنّ معرفة الحديث وحدها كافية في استنباط الحكم الشرعي، وأنّه لا ينبغي أن يثق بهؤلاء الفقهاء، بل يجب الوثوق بالمحدثين "مثله" الذين يعرفون الحديث، والحكمان اللذان ذكرهما وطريقة عرضه لأدلة الفقهاء فيهما يدلان تماماً على أنّ الشيخ حجازي "أجنبي تماماً" عن الفقه، ولا ينبغي أن يتكلم في الفتوى، وفق قوله.

اقرأ أيضاً: لماذا يشعر السلفيون بالتفوق؟
في حديث لـ"حفريات"، قال الباحث هيثم أبو زيد: "الرجل أقرّ بأنّه أفتى وعلّم تلاميذه دون علم بين المندوب والواجب، وإن ذلك ليس مراجعات، لكن ما حدث هو إيجابي ليفهم الناس كيف يمكن أن تؤدي مثل هذه الأقوال وتجرّ إلى العبث بالأحكام، وتشجّع العوام على الازدراء بالأئمة".
ووفق ما قاله الباحث محمد الطناوي، لـ "حفريات" فإنّ "ما فعله الحويني هو من الأمثلة على التناقضات والتحولات السلفية، بين المبدأ والمنهج، بين السياسة والعقيدة، وكلّه بالآيات والأحاديث والفتاوى، وهي ستزداد تعمّقاً مع الوقت، وهذا يرجع لعمليات التسييس الجذرية التي تحدث لقواعده وقياداته في وقت لم يستكمل فيه السلفيون بعد الشروط المطلوبة للعمل السياسي، لا بمعناها البراغماتي إجرائياً، ولا بمعناها التمثيلي والتفاوضي للمصالح المختلفة موضوعياً".
وتعاني السلفية وقياداتها من التسرع في الأحكام، ومن خواء المحتوى البرامجي، وعدم القدرة على التحرر من الأصولية وإعادة إنتاج النظام القديم، وأقوال الحويني كانت خير دليل على فساد هذا المنهج.

الصفحة الرئيسية