هل جنت السلفية المدخلية والجهادية على السنّة؟

هل جنت السلفية المدخلية والجهادية على السنّة؟
صورة عبدالباسط سلامة هيكل
أستاذ علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر
9636
عدد القراءات

2020-01-26

ليس كلّ جدل حول السنّة هو سعْي إلى إنكارها، وإنّما هو نقاش مشروعٌ حول موقع السنّة من التشريع، وهل السنّة مساوية للقرآن الكريم في الدرجة التشريعية؟ ومدى كفاية المناهج المتبعة في فهم/دراسة/قراءة السنّة؟ فالسنّة لا تنطق بالأحكام لكن ينطق باستنباطها عقول الرجال، وهذا سبب للاختلاف والتعدد، وليس هذا الحوار وذاك الجدل وليد عصرنا وإنّما هو قديم يعود إلى بدايات الحركة العلمية في  القرن الثامن الميلادي/ الثاني الهجري.

فإذا كان جيل الصحابة، رضوان الله عليهم، ربط طاعة الرسول، صلى الله عليه وسلم، الواجبة إلهياً بما يبلغه الرسول من الوحي فقط؛ لذلك تكرّر سؤالهم عن قول أو فعل الرسول: "هل هو الوحي أم الرأي والمشورة"؟ "أهو أمرٌ من الله أم شيء يصنعه لهم"؟ وأحياناً كانوا يطرحون اجتهادات أخرى مخالفة لاجتهاد النبي، صلى الله عليه وسلم، وكثيراً ما كان يطلب منهم ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله "أشيروا عليّ". فإنّه برحيل النبي، صلى الله عليه وسلم، والجيل الأول من الصحابة، رضي الله عنهم، تحوّلت المسلّمة التي تفرّق بين وجود شخصيّتين للرسول بمقتضى صفتَيْه "بشراً نبياً" - يصدر في أقواله وأفعاله عن الوحي المقدس تارة، وعن الرأي البشري تارة أخرى - إلى نقطة خلاف بين مَنْ عُرفوا تاريخياً بـ "أهل الرأي" و"أهل الحديث" قبل أن يُحسم الخلاف بقوة السلطة السياسية وجمود العقلية الدينية لصالح أهل الحديث.

توجّه الخطاب السلفي لقراءة الأخبار المسندة إلى النبي قراءة نفعية أدت لسيادة حالة من السلبية تارة ومن العنف تارة أخرى

فرأت مدرسة الرأي متمثلة في اجتهادات الإمام أبي حنيفة (٨٠-١٥٠هـ/٦٩٩-٧٦٧م) ضرورة التمييز تشريعياً بين نوعين من السّنة: "سنّة الوحي" الثابتة، وهي أقوال النبي، صلى الله عليه وسلم، وأفعاله الشارحة والمبينة لما ورد مجملاً في تعاليم القرآن الكريم التي قد تختلف أفهام العلماء قديماً وحديثاً حول غير قطعي الدلالة منها. و"سنة العادات" المتغيّرة، وهي ما سوى ما تقدّم من أقوال وأفعال تُدرج في سياق الوجود الاجتماعي والزمني له صلى الله عليه وسلم.
واعتمدت مدرسة الرأي في موقفها الرافض؛ لأن تكون السنّة في درجة مساوية للقرآن الكريم في التشريع، على ما بين القرآن والسنة من فروق:
أولاً: القرآن الكريم قد اتخذ له الرسول، صلى الله عليه وسلم، كُتّاباً يكتبونه، ويُرتّبونه بآياته وسوره حسب ما أمر به من الله تعالى، بينما السنّة لم يُتخذ لها كُتّاب، ولم يُكتب منها إلا القليل، بل ورد نهي عن كتابتها اكتفاء بحفظها في الصدور، فلو كانت الأحاديث جميعها تشريعاً عاماً كالكتاب، لأمر الرسول بتدوينها وحفظها، كما فعل ذلك في القرآن الكريم.

اقرأ أيضاً: السلفية في الأردن: الإسلام السياسي في مجتمع هادئ
ثانياً: القرآن الكريم نُقل إلينا بالتواتر حفظاً وكتابة، بينما السنّة نقلت في معظمها بطرق الآحاد، ولم يتواتر منها إلا القليل.
ثالثاً: القرآن لم يُنقل منه شيء بالمعنى، ومنع ذلك فيه منعاً باتاً، بينما السنّة أُبيح فيها ذلك، ونُقل كثير منها بالمعنى، ولا يخفى تفاوت الناس في فهم المعنى وأسلوب التعبير والنقل، وما يملكه اللفظ من تأثير في تحديد المعنى.
رابعاً: كان الصحابة، رضي الله عنهم، يُراجعون النبي، صلى الله عليه وسلم، عند اختلافهم في حرف من القرآن الكريم، وكان يحكم بينهم فيه، إما بتعيين إحدى القراءتين أو بإجازتهما، بينما السنّة لم يعهد فيها شيء من ذلك.
ولعل تأخّر التدوين أدّى إلى إثارة جدل حول ثبوت الكثير منها مما دفع الإمام البخاري إلى أن يكتفي بأربعة آلاف حديث من ستمائة ألف حديث كان قد جمعها، كما نتج عن تأخير التدوين تعدد الروايات وخلافات بين المحدثين تارة، وبين الفقهاء تارة أخرى، وبين هؤلاء وهؤلاء في تصحيح حديث أو رفضه، والتعويل عليه في الدلالة أو عدم التعويل.

اقرأ أيضاً: "سلفيو كوستا" أين ذهبوا؟
على نقيض موقف مدرسة الرأي جاء موقف مدرسة "أهل الحديث" التي أصرّت على التوحيد بين سنّة الوحي وسنّة العادات، التي حُسم الخلاف لصالحها تاريخياً وساد خطابها في الأوساط الدينية.. ومضت قرون من التوقف والجمود أنتجت حالة من الخروقات الصوفية بلغت ذروتها في القرن الثامن عشر الميلادي عندما أصبح تراب البقيع حيث قبور الصحابة يُباع بوزنه ذهباً، مما كان له أثره في ظهور تيار سلفي مقاوم ليس للبدعة والخرافة فحسب بل لكل محاولة اجتهادية سيقوم بها الإصلاحيون انطلاقاً من فقه المقاصد الذي يربط الأحكام بعللها ثبوتاً وانتفاء، ورغم تعسّر بدايات السلفية المعاصرة في القرن الثامن عشر إلا أنّها نهضت بدعمٍ من بعض الأنظمة السياسية ومهادنة الأخرى، حتى أصبحت أكثر صور التّدين انتشاراً، وأقدرها على مزاحمة التديّن الصوفيّ، وأصبح المتدين في العالم الإسلامي يرى السنّة بعيون التيار السلفي الذي قدّم مفهوماً أحادياً للسنّة، وموقفاً تراثياً واحداً في طريقة الاستدلال بها، وصوّر كلّ ما نُقل عنه، صلى الله عليه وسلم، بأنّه شرْعٌ، واجب، أو مندوب، واستند - كخصمه التدين الصوفي - إلى الأحاديث الآحاد في تقديم مسائل العقيدة متجاهلين أنّ اليقين كسمة أصيلة للعقيدة لا يثبت إلا بالعقل والنقل المتواتر الذي رواه الكافة عن الكافة بلا خلاف، وتمسّك بظاهر الأخبار مدعياً "النصيّة القطعية" المستوجبة للوجوب أو التحريم، فمثل هذا الخطاب هو الأقدر على استمالة العامة بزعم أنّ النّاطق بالحكم والحاسم للاختلاف في المسألة السياسية أو الاجتماعية هو صوت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقيناً دون اعتبار لاحتمالية الدلالة التي تحملها بعض الأخبار، ودون النظر في أثر السياق الداخلي والخارجي في تحديد المدلول.

اقرأ أيضاً: السلفيون في غزة: إيمانهم العنف وعقيدتهم زرع العبوات الناسفة
بهذه الظاهرية توجّه الخطاب السلفي المنقسم على نفسه إلى قراءة الأخبار المسندة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، قراءة نفعية بدافعٍ من واقعه بكلّ ما يحمله هذا الواقع من تخلّف مما أدى إلى سيادة حالة من السلبية تارة، وحالة من العنف تارة أخرى، فحرّمت "السلفية المدخلية" إبداء النصيحة للحاكم في العلن، ورأت في إتيان ذلك ما يتناقض مع أصول عقيدة أهل السنّة والجماعة، مستدعية من سنن الترمذي أن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللهِ فِي الأَرْضِ أَهَانَهُ اللَّهُ". وأنّ سَلَمَة بْنُ يَزِيد الْجُعْفِي سأل رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا.. قَالَ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ".

اقرأ أيضاً: لماذا يشعر السلفيون بالتفوق؟
وعلى النقيض منها كفّرت "السلفية الجهادية" الأنظمة الحاكمة متبعةً المنهجية السلفية نفسها في الاستدلال، ودخلت في حرب مفتوحة مع العالم مستدعية من السّنن أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إنّ الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب"، "بُعثت بالسيف بين يدي الساعة، وجعل رزقي تحت ظلّ رمحي"، "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا "لا إله إلا الله"، "لقد جئتكم بالذبح".
فأهدر كلا الطرفين تعددية مفاهيم السنّة، وتنوّع المواقف التراثية إزاءها، وساعده في ذلك جمود الخطاب الديني، وقصور البحث في الإسلاميات، فلم نستفد من تنوّع الموقف التراثي من السنّة في إعادة تصنيف وتبويب السنّة وفق رؤية مدرسة الرأي، التي تُميّز بين سنّة الوحي، التي هي بيان نبويّ لمراد الله تعالى، وسنّة العادات الخاضعة لسياق الوجود الاجتماعي والزمني له صلى الله عليه وسلم.

يُمكننا استكمال الدرس اللغوي للسنّة بالاستفادة من اللسانيات الحديثة وفهم مفردات علوم السنّة بدراسة تاريخ كلّ مفردة بضوء المنهج العلمي

فـ "لو أننا تتبعنا المرويّ عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأعطيناه نظرة فاحصة يتميز بها ما كان صادراً عن كل شخصية من هذه الشخصيات ولم نخلط بعضها ببعض، ورتّبنا على كلّ منها آثاره، وأعطيناه حقّه، لسهُل على المسلمين أن يَتَفاهموا فيما شجَر بينهم من خلاف، ولتصافح المتخالفون، ولما رمى أحد سواه بالكفر أو الزندقة، ولعلم الجميع ما هو شرع دائم عام لا سبيل إلى مخالفته أو الخروج عنه، وما هو تشريعٌ خاص، أو مُؤقت" ( ). ولما تعطّلت جهود موسوعية ضخمة نحتاج إليها في دراسة متن وسند سنّة الأخبار، مستفيدين مما توفّر لدينا من أدوات تكنولوجيا البحث والتحليل وحوسبة المعلومات في تطوير مناهج نقد السّند التي عُرفت عند القدامى بمناهج (الجرح والتعديل).
أخيراً ما دامت سُنّة الأخبار استقرّت في صورة لغوية، فإنّ هذا يستوجب دراستها وفق آليات الدّرس اللغوي، فنستكمل السّلم المعرفي الذي بدأه الدرس اللغوي التراثي عندما استوقف أبا عبيدة معمر بن المثنى (١١٠-٢٠٩هـ/ ٧٢٨-٨٢٤م) قضية المجاز والحقيقة، وركّز عبد القاهر الجرجاني (٤٠٠-٤٧١هـ/ ١٠٠٩-١٠٧٨م) على أثر السّياق الداخلي والخارجي في تحديد مدلول الخبر، ولن يُمكننا استكمال الدرس اللغوي للسنّة دون الاستفادة من اللسانيات الحديثة في تحليل بنية خطابها، وأن نُدرك ضرورة فهم مفردات علوم السنّة والعقيدة والفقه وأصوله بدراسة تاريخ كلِّ مفردة من المفردات في ضوء المنهج العلمي؛ لنفرز ما هو من الإسلام وما هو غريب عن فضائه، وفي ذلك ضمان لديمومة العقيدة وسلامتها وحيويتها.


هامش:

(1) الإمام محمود شلتوت، مجلة الرسالة، ص١٥٣:١٥٠، عدد ٤٤٩، ٩فبراير ١٩٤٢م.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف يسيطر رجال الدين على العامة؟

2020-02-25

لا شك أنّ رجال الدين يمثلون سلطة في العالم الإسلامي، على امتداد تاريخه، وهي سلطة على عقول وقلوب الناس، وعلى أدق تفاصيل حياتهم اليومية، وهي كذلك سلطة موازية للسلطة المدنية التي هي سلطة الدولة، فمن أين حصلوا على هذه السلطة؟ وكيف تكونت؟ وما هي عناصرها وآليات عملها؟
يسيطر البعض على العامة بابتكار مصطلح "رجال الدين"، وهم لا يفضلون هذا الاسم لدلالاته السلبية التي يعرفونها جيداً، ولذلك يفضلون اسم "علماء الدين"، لكن المعنى واحد.

اقرأ أيضاً: ما سر عداء رجال الدين للفلسفة والمنطق؟
إنّهم يحاولون إخفاء ما يحوزون عليه من سلطة تجعل منهم كهنوتاً داخل الدين والمجتمع المسلم بالتخفي تحت كلمة "علماء"، وهي الكلمة المخففة التي تدل على أنّ الدين علم مثله مثل أي علم آخر، ولما كان علماً فهو في حاجة إلى "علماء"؛ أي فئة متخصصة فيه تستبعد غيرها وتحتكر المعرفة الدينية ونتاجها الذي هو الفتوى والتفسير. وإلحاق العلم والتخصص والأهلية بفئةٍ ما يسحب من غيرها على نحو تلقائي أي قدرة على القول أو الرأي الديني، ويجعل المعرفة الدينية حكراً في أيدي هذه الفئة وحدها.

إلحاق العلم والتخصص والأهلية بفئةٍ يسحب من غيرها تلقائياً أي قدرة على القول أو الرأي

قد تكون هذه السيطرة مفهومة في عصور سابقة، نظراً لانتشار الأمية وندرة التعليم الذي كان قاصرة على أعداد معدودة من أعضاء الطبقات الموسرة؛ حيث كان رجل الدين هو المتعلم وسط محيط أمّيّ، والممتلك لناصية العلوم الدينية التي أساسها اللغة والتفسير والفقه.
لكن غير المفهوم هو استمرار سيطرة رجال الدين في عصر الحداثة وبعد انتشار التعليم وشيوع الثقافة وإتاحة المعرفة الدينية في المجال العام من خلال الطباعة وامتلاء المكتبات بالكتب التراثية وغيرها؛ فليس هناك أي شيء يمنع المثقف من التبحر في المعارف الدينية بمجرد قراءته للكتب التراثية، وما "علماء الدين" سوى أشخاص قرأوا ودرسوا نفس هذه الكتب المنتشرة والمتاحة للجميع الآن، لكن لم تسهم هذه الظواهر الجديدة في كسر احتكار رجال الدين للمعرفة الدينية؛ لأنّ سلطتهم معترف بها اجتماعياً، بل وسياسياً من الدولة، ونظراً لتقديم أنفسهم على أنّهم حماة الدين والقائمين عليه، الأوصياء عليه وعلى الناس، وحفظة التراث الديني وحملة الدين الممثلون له المتحدثون بإسمه.

اقرأ أيضاً: هل بمقدور البشر معرفة شؤون العقيدة بمعزل عن رجال الدين؟
كل هذه التوصيفات تجعل منهم كهنوتاً لا شك فيه، وهو ليس كهنوتاً وظيفياً تراتبياً مثلما نجد في المسيحية الكاثوليكية أو الأرثوذكسية، بل كهنوت يجد أساسه من النصوص التراثية، تلك النصوص التي تكون ملكية خاصة لهم من حيث التفسير والتوظيف الفقهي؛ أي من حيث الحراسة والحماية والاحتكار.
يستند رجال الدين على بعض العناصر لتدعيم سلطتهم، وهي الحاضرة بوضوح في النص القرآني، ومنها: السمع والطاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صحيح أنّ هذين المبدأين عبارة عن وصيتين قرآنيتين، إلا أنّهما في السياق القرآني لا يعنيان أبداً تكوين فئة خاصة من الناس تتولى فرض السمع والطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إنّ الدلالة القرآنية أن يكونا عامَّين شائعين بين المسلمين، والخطورة هي في احتكارهما في أيدي فئة ما، تفرض السمع والطاعة لها، وتتولى هي وحدها الأمر والنهي.

إنّهم يحاولون إخفاء ما يحوزون عليه من سلطة تجعل منهم كهنوتاً بالتخفي تحت كلمة "علماء"

واللافت للنظر أنّ الآية الكريمة التي ورد فيها الأمر الصريح بالطاعة لا تدل أبداً على طاعة رجال دين، فهي تقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء 59).
الآية توصي بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر، وأولو الأمر هم الحكام، مما يعني أنّ رجال الدين ليس لهم وضع في هذه الوصية، وتوصية الآية بطاعة أولي الأمر نابعة من حال عرب شبه الجزيرة وقت الدعوة المحمدية، فهم لم يكونوا خاضعين لسلطة دولة مركزية، ولم يجمعهم نظام سياسي واحد، وعودتهم حياتهم في الصحراء على عدم الانقياد لأحد، وكان هذا طبيعياً فيهم نظراً لافتقادهم حياة الاستقرار وعيشهم في حالة من التنقل الدائم في الصحاري؛ وقد قال عنهم ابن خلدون إنّهم "أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة، وبُعد الهمة والمنافسة في الرئاسة؛ فقلما تجتمع أهواؤهم" بسبب "التحاسد والتنافس".

اقرأ أيضاً: العلمانية.. عندما ينصح بطرس البستاني بإبعاد رجال الدين عن العمل في السياسة
وبذلك كانت اللّبنة الأولى في النظام السياسي الذي يمكن أن ينشأ فيهم هي الطاعة لأولى الأمر، ولم يكن من الممكن أن تنشأ فيهم هذه الطاعة إلا بأمر ديني صريح ومباشر في القرآن نفسه؛ إذن الطاعة في القرآن هي لأولى الأمر من الحكام المدنيين لافتقاد العرب لسلطة جامعة ونظام سياسي معترف به ومستقر؛ ولم تكن أبداً طاعة لما سوف يُسمى بعد ذلك برجال/ علماء الدين.
لكن يعمل رجال الدين على نقل الوصية القرآنية بالطاعة لأولي الأمر المدنيين إليهم هم أنفسهم كقائمين على الدين، ونقل الوصية القرآنية بالسمع والطاعة إلى سمع وطاعة لأوامر رجال الدين، وهذا ما يمثل نقلاً غير مشروع لمبدأ الطاعة من مجاله الأصلي إلى مجال آخر غريب عنه، ولم يكن مقصوداً في النص القرآني وهو مجال السلطة الدينية لرجال/ علماء الدين.

اقرأ أيضاً: صنع الله إبراهيم لـ"حفريات": رجال الدين لا يحلون المشكلات بل يفاقمونها
وعلاوة على ذلك فإنّ رجال/ علماء الدين يستغلون مبدأ الترغيب والترهيب كآلية للسيطرة على العامة، الموظف في الأصل لأهداف معينة في النص القرآني كلها أخلاقية، منها التنبيه والتحذير من فعل السيئات، والتشجيع والتحبيب على فعل الخيرات. فهم يقلدون الطرائق القرآنية ويوظفونها لبث الطمع والخوف في نفوس الناس، وهما من الانفعالات البشرية البدائية البعيدة عن التعقل والتوسط والاعتدال.
كما يتم استغلال الشعور الأصلي بالخطيئة وعقدة الذنب والخوف من الوقوع في المحظور والرغبة الأصلية في نيل الرضا والرحمة والمغفرة، أو الخلاص، فيصير الوعد بهذه الأشياء وضمانها حكراً في يد رجال/ علماء الدين، ويتعاملون معها على أنّهم هم وحدهم المسؤولون عن توزيعها على الناس.

غير مفهوم استمرار سيطرة رجال الدين في عصر الحداثة وبعد انتشار التعليم وشيوع الثقافة وإتاحة المعرفة الدينية

ويحول توزيع الوعد والضمان بالخلاص، أو الرحمة والمغفرة وتخليص الناس من عقدة الذنب وإيلام الضمير، إلى "سلع دينية"، وهي كما قال عالم الاجتماعي الفرنسي بيير بورديو (1930 – 2002)، سلعاً رمزية تصنع "رأس مال رمزي" Symbolic Capital، يكون حكراً في يد فئة حصرية مغلقة على نفسها تتولى إنتاجه وتوزيعه. وبذلك يصير رجال الدين هم حَمَلة رأس المال الديني، الرمزي في طبيعته، المحتكرين له والمالكين الحصريين، القائمين وحدهم على إنتاجه وتوزيعه، ويشكلون سلطة ثانية موازية للسلطة المدنية، منافِسَة لها ومنازٍعَة، مما يهيئ لكل احتمالات الصدام معها. وغالباً ما تكون السلطة السياسية المدنية ضعيفة تجاه تلك السلطة الموازية لرجال الدين، نظراً لسيطرتهم على العامة، طالما ظلوا "عامة" غير قادرة على التفكير لنفسها والاستقلال برأيها وبالقدرة على تنظيم شؤونها لشخصية بنفسها.
إنّ مجرد وجود فئة تدعي لنفسها التخصص في الدين وتحتكر لنفسها إنتاج المعرفة الدينية على نحو حصري وسري وإقصائي لمن سواها، هو الذي يخلق فئة من العامة العاجزة المعتمدة في أدق شؤون حياتها على من يحتكر توزيع السلع الدينية، أهمها الفتوى والوعد بالخلاص.
لكن التفقه في الدين ليس في حاجة إلى متخصصين، فيكفي أن نقرأ وندرس الكتب التي درسوها وادعوا منها أنّهم متخصصون، التخصص أو بالأحرى الإيهام به واستغلاله، والمتاجرة به هو احتكار للدين وسيطرة على العامة، وهو ما يشكل عقبة أمام بناء أي شخصية مستقلة.

للمشاركة:

هل نحن أمام إيران جديدة بعد الانتخابات البرلمانية؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2020-02-24

انتخابات بطعم الهزيمة للثورة الإسلامية وللمشروع الإيراني برمّته، عكستها نسبة المشاركة الأقل في تاريخ الانتخابات الإيرانية منذ انطلاق الثورة قبل أربعين عاماً، والمشكوك أصلاً أنّها وصلت "42%"، حسب إعلان وزير الداخلية الإيراني، والذي بررها بأسباب مرتبطة بـ "الأحوال الجوية التي شهدتها إيران يوم الانتخابات، وانتشار فيروس كورونا، وتحطم الطائرة الأوكرانية"، فيما قال خامنئي، عبر حسابه الرسمي على تويتر: "مارست الوسائل الإعلامية الأجنبية ضخها الإعلامي السلبي منذ عدة أشهر وكثفته مع اقتراب موعد الانتخابات ولم يتوانوا خلال اليومين الأخيرين عن استغلال أدنى فرصة وتحججوا بمرض وفيروس من أجل ثني الناس عن المشاركة في الانتخابات".

يواجه مشروع الثورة الإسلامية في إيران مأزقاً حقيقياً إذ يطرح عمق أزمة الإسلام السياسي بنسخته الشيعية وتساؤلات حول مستقبله

ما سبق ذرائع لكنها تجانب الحقائق التي تقول مخرجاتها إنّ مشروع الثورة الإسلامية في إيران يواجه مأزقاً حقيقياً، وصل ذروته، ويطرح عمق أزمة الإسلام السياسي بنسخته الشيعية، ويطرح تساؤلات جادة وعميقه حول مستقبله.
لا يمكن اليوم للمحللين والمعنيين بالشأن الإيراني أن يتعاملوا مع رواية وزير الداخلية الإيراني ولا حتى تصريحات المرشد إلا بوصفها منفصلة عن الواقع؛ فانخفاض نسبة الاقتراع كانت تحدياً معروفاً يدركه المرشد الأعلى للثورة ومعه رئيس الجمهورية، اللذان نزلا بثقلهما لمخاطبة الشارع باستعطاف غير مسبوق، وبخطاب يخلط بين الديني والوطني لدفع الغالبية من الناخبين للإدلاء بأصواتهم، فيما كان تمديد الاقتراع لساعتين إضافيتين يؤكد أنّ التمديد جاء لتجاوز عتبة الـ "40%" للاقتراع، في الوقت الذي لم يكن قرار التمديد بسبب طوابير الناخبين الطويلة أمام مراكز الاقتراع.
تدرك القيادة الإيرانية بشقيها؛ الإصلاحي والمتشدد، أنّ العقوبات الاقتصادية وتداعياتها فعلت فعلها لدى الناخب الإيراني في ظل عجز عن مواجهة آثار العقوبات المعروفة، وخاصة الانتفاضة التي أعقبت قرار زيادة أسعار البنزين، وربما أخطأت في الاعتقاد بأنّ شعبية القيادة الايرانية ما زالت عالية بعد رد الفعل الشعبي "المبرمج" في أعقاب مقتل قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني، تلك الشعبية التي ذهبت أدراج الرياح بعد يومين من دفن سليماني، إثر حادثة الطائرة الأوكرانية التي أعقبتها بمظاهرات عارمة نفّذها طلبة الجامعات الإيرانية، كما تدرك القيادة الإيرانية أنّ مشروعها الإقليمي القائم على مذهبية مرفوضة شعبياً في المنطقة، يترنّح في بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء، وأنّ دلالات هذا الترنح ورسائله "غير المشفرة" ترد من بغداد، أقرب العواصم لطهران، رافضة مقولات المظلومية من قواعد محسوبة على المرشد الأعلى مذهبياً.

اقرأ أيضاً: المحافظون المتشددون يسيطرون على البرلمان الإيراني.. ما هو مستقبل روحاني؟

نسبة الاقتراع المتدنية تشكل ضربة موجعة للقيادة الإيرانية، التي أرادت أن ترسل رسالة للعالم بأنّ هناك ثقة وقبولاً شعبياً للنظام الإيراني بالداخل، وفوز المتشددين بأكثر من ثلثي مقاعد البرلمان "190 مقعداً من أصل 290" فيما فاز الإصلاحيون بـ "16" مقعداً، وهو ما  يعني أنّ الانتخابات كانت بدائرة مغلقة بين المتشددين، وهو ما يطرح تساؤلات حول حقيقة تمثيل النظام الإيراني للشعب الإيراني.

تدرك القيادة الإيرانية أنّ مشروعها الإقليمي القائم على مذهبية مرفوضة شعبياً في المنطقة يترنّح في بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء

لقد طرحت الانتخابات الإيرانية وبصورة واضحة الإسلام السياسي بنسخته الشيعية، الذي لم يتعرض لامتحان حقيقي كما هو اليوم، في الوقت الذي تعرض فيه الإسلام السياسي بنسخته السنّية لامتحانات صعبة في؛ السودان ومصر والمغرب العربي، فيما امتحانه الأصعب تعيشه تركيا، تثبت اليوم أن لا فرق بين الإسلام السياسي بنسختيه؛ شيعية كانت أم سنّية، وأنّ الإسلام السياسي غير قادر على استيعاب المكونات السياسية الوطنية ومنحها فرصاً في إطار تعددية واسعة، وأنّه لا يستطيع أن يعمل إلا في إطار الاستحواذ الكامل على السلطة وإقصاء الآخر حتى لو كان قريباً منه، وهو ما تم مع التيار الإصلاحي، بقيادة رئيس الجمهورية حسن روحاني، فرغم خلافاته مع المرشد إلا أنّه الأقرب له، رغم المرونة المزعومة التي كان يبديها في محطات مفصلية، فقد قدم غطاءات للحرس الثوري الإيراني أمام العالم، وللتذكير فإنّ روحاني هو صاحب مقولة: "إن طهران تسيطر على أربع عواصم عربية وليس المرشد الأعلى للثورة".

اقرأ أيضاً: ثوران البرلمان الإيراني الجديد
وإذا كانت إيران قادرة ولو بصورة محدودة أن تتواصل مع العالم الخارجي من خلال صيغة "حسن روحاني وجواد ظريف" وإرسال رسالة بأنّ هناك تياراً في إيران يمكن التفاهم معه، وتقدم من خلال وزراء إصلاحيين خطاب تهدئة للشارع الإيراني المنتفض، بوعود تخفف من حدة احتقانه، فكيف سيكون الحال اليوم بخطاب منفرد يقوده المرشد الأعلى وأعوانه، خطاب لطالما قدم الإيرانيون إجابات عليه منذ أواخر عام 2017، وكيف سيتعاطى العالم مع خطاب إيراني متشدد، مع مزيد من العقوبات الأمريكية والمزيد من العزلة الدولية لإيران؟ الإجابات واسعة ومتعددة على تلك التساؤلات وغيرها، إلا أنّ المؤكد أنّنا على أبواب إيران جديدة عنوانها التكيف مع التحولات الدولية العميقة، وليس مواجهتها والتصدي لها.

للمشاركة:

كيف نجعل من متلازمة داون متلازمة محبة؟

2020-02-24

متلازمة داون، التي تصيب نسبة قليلة من الأفراد وهم أجنة، وتسمى أيضاً "التثالث الصبغي"؛ وهي متلازمة صبغوية أو جينية المنشأ، تنتج عن تغيّر في الكروموسومات؛ حيث يتسبب وجود نسخة إضافية من كروموسوم 21 أو جزء منه في الخلايا، بتغيّر في المورثات، حسب ما جاء في الموسوعة الحرة؛ ويكيبيديا. وتتسم الحالة بوجود تغيّرات كبيرة أو صغيرة في بنية الجسم، وكثيراً ما تترافق مع ضعف في القدرات الذهنية.

اقرأ أيضاً: "هدف".. مطعم مغربي يدعم ذوي الاحتياجات الخاصة
ولا يمتلك أفراد هذه الفئة المهمشة في بعض المجتمعات، كالمجتمع السوري، على سبيل المثال، إلاّ بعض الخصائص الفطرية، التي تظهر على سلوكهم مع الأفراد الأصحاء، ومع الأفراد المصابين مثلهم؛ مثل "الحب" والنقاء والصفاء.
وقبل أن أتجه إلى جمعية "أنا أستطيع"، التي تضم مجموعة متفاوتة الأعمار من أطفال وشبان مصابين بمتلازمة داون، في محافظة السويداء السورية؛ كنت أحسب أنّ "الحب" يحتاج إلى ذكاء ليصبح "فناً"، حسب رأي إريك فروم، لكنني أيقنت أنّه يحتاج إلى رعاية واهتمام، كما لاحظت في تلك الجمعية.

كنت أحسب أنّ الحب يحتاج إلى ذكاء ليصبح فناً لكنني أيقنت أنه يحتاج إلى رعاية واهتمام

تعدّدت أنواع الحب، وتعددت الأحاديث عنه واختلفت مقاربات الفلاسفة والمفكرين لـ "الحب اللاهوتي" و"الحب العذري" و"الحب الحسي"، الذي أصبح عيد الحب موسوماً به عند بعض المجتمعات، أما تلك الفئة فإنّ أفرادها لا ينشدون عيداً للحب؛ بل ينشدون عالماً يسوده الحب النقي، المجرد من كل ما يوصف به وكل ما ينسب إليه من أنواع وأنماط، إنهم ينشدون أن يقابلوا بابتسامة تشبه ابتسامتهم، ونظرة مهتمة، بريئة من أمراض التمييز والتباهي والتعالي والتعصب التي يتصف بها كثير من الأفراد العاديين.
لعلّ مبعث الحب الذي يغمر أرواحهم البريئة ويفيض عنها ابتسامات عذبة، أنّهم لا يعرفون الكذب، ولا يستطيع أحدنا أن يكذب عليهم؛ لأنهم يفهمون العالم والناس بحواسهم وفطرتهم، لذلك يمكن أن نتعلم منهم أنّ الحب لا يحتاج إلى ذكاء ليصبح فناً، بل يحتاج إلى صدق، ولا بأس بالذكاء.

اقرأ أيضاً: بمناسبة اليوم العالمي لمتلازمة داون.. شاهد كيف تحتفل أمهات بأطفالهن المصابين
تبعث السيدة "حياة"، التي أسست جمعية "أنا أستطيع"، في كل لحظة، الحياة والحب في قلوب أفراد يعتبرهم المجتمع مرضى "غير عاديين"، وينظر إليهم بازدراء وقسوة، علّمتهم الأعمال اليدوية؛ كصناعة الإكسسوارات النسائية بالخرز والإبرة والخيط، رغم أنّ جميع من في الجمعية ذكور تتراوح أعمارهم بين 10 و20 عاماً، وعلمتهم صناعة ذوات حرة ومستقلة عن التبعية الاقتصادية، كي لا يكونوا عالة على ذويهم وعلى المجتمع الذي يعتبرهم كذلك.
وتساعد الجمعية هذه الفئة، التي تعاني من أشد أنواع الإقصاء؛ ابتداءً من المجتمع وانتهاءً بالمؤسسات الحكومية؛ كمؤسسة التربية والتعليم، ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، والتأهيل الذهني والنفسي، في تحقيق الاندماج في الحياة الاجتماعية على أدنى تقدير؛ فالجمعية قائمة على التبرعات من المجتمع الأهلي والأقارب والأصدقاء.    
تلك الفئة، صاحبة الكروموسوم الزائد في جيناتها، الذي يبدو أنّه يمنحها الابتسامة الدائمة والحب الفطري، الذي لا يعرف التفريق بين إنسان أبيض وآخر أسود، ولا يعرف التفريق بين مسلم أو مسيحي، ولا يعرف التعصب السياسي أو الديني أو الاجتماعي، مع هذا كله فهي فئة تعاني من الإقصاء وأقصى درجات التهميش من قبل المجتمع والدولة.

ليس غريباً أن تكون متلازمة داون مهمشة ومقصيّة في مجتمعات تعاني من الجهل والمرض والتخلف والصراعات

ليس غريباً أن تكون متلازمة داون مهمشة ومقصيّة في مجتمعات تعاني من الجهل والمرض والتخلف، والصراعات السياسية والدينية والاجتماعية، وتعاني أيضاً من نزاعات مسلحة تتآكل خلالها البنى الاجتماعية والبنى التحتية للدولة. هذه العوامل تتسبب في تهميش الأفراد الفاعلين والفاعلات، والمتفاعلين والمتفاعلات، في المجتمع، وتقضي على كل أشكال الحب والتواصل الإنساني؛ ليحل محلها الدفاع البدائي عن النفس من أجل البقاء، فكيف لا تُهمش فئة ساكنة لا تجيد الفعل أو التفاعل في المجتمع.
لكنّ السيدة "حياة"، تجاوزت كل هذا التهميش وعملت على بناء القدرات الذهنية لتلك الفئة وإدماجها في المجتمع والمؤسسة التربوية والتعليمية، لتصبح فئة فاعلة، تجيد العمل والرقص والآداب العامة؛ كإلقاء التحية وآداب الطريق وآداب الطعام واللعب، وتجيد التواصل مع الآخرين، والأهم من ذلك أنّها أصبحت فئة مُنتِجة تستطيع أن تعتمد على ذاتها في الحياة العامة.

اقرأ أيضاً: الإعاقة الحركية لا تمنع ممارسة الكاراتيه في غزة
قبل 6 أعوام، صادقت اليابان على اتفاقية "حقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة"، بعد أن أصدرت قانوناً يحمي هؤلاء الأشخاص، ويعاقب كل من ينظر إليهم نظرة ساخرة أو يعنّفهم جسدياً ونفسياً، كما جهزت لهم تسهيلات في الأماكن العامة، والطرقات ووسائل النقل، وأحدثت مراكز للتنمية الذهنية والتأهيل النفسي، ممّا جعلهم يندمجون في المجتمع بشكل طبيعي، ويشعرون بذواتهم وعدم اختلافهم عن بقية أفراد المجتمع، مع أنّ تلك الخطوة أتت متأخرة بالنسبة لبلدٍ مثل اليابان.

من أخطر الأمراض الاجتماعية؛ التمييز والتفاضل بين الأفراد والتفاوت في الإنسانية والمواطنة غير المتساوية

إذن، الدولة هي المسؤول الأول عن ذوي الاحتياجات الخاصة، فالدولة هي الحياة الأخلاقية للشعب، بحسب تعبير "ماركس"، من ثمّ المجتمع، الذي هو جسم الدولة وروحها الديناميكية، فإذا اعتنت الدولة بجسمها وروحها ستكون بعيدة عن الأمراض الاجتماعية، ومن أخطر هذه الأمراض؛ التمييز والتفاضل بين الأفراد، والتفاوت في الإنسانية، والمواطنة غير المتساوية، كما هي الحال في سوريا، التي تعاني من حرب أنتجت ضعفاً وترهلاً في الحياة الاجتماعية (الإنسانية) وأزمات اقتصادية تسببت في عدم القدرة على احتواء ذوي الاحتياجات الخاصة، وكبار السن وغيرهم من القوى غير الفاعلة في المجتمع، والعاجزة عن إدارة الحياة الطبيعية التي تعطيها الحق بالفعل والتفاعل.
فعندما تنعدم خيارات الأفراد، يزداد منسوب القهر والاغتراب والاستلاب، لينتج هدراً لكرامة الإنسان وحريته وحقه في العيش الكريم، وهذا ما يسميه مصطفى حجازي بالهدر الإنساني أو المعنوي؛ "هو التنكر لإنسانية الإنسان، أو تجاهلها، أو التلاعب بها، أو الحرب عليها"، فإذا كان الفرد هو المحور الأساسي في تنمية المجتمعات ونموها وازدهارها، وتقدمها نحو الحداثة، فكيف لمجتمع أن يخطو خطوة واحدة إلى الأمام ونسبة كبيرة من خلايا جسده مريضة؟ هل سترتقي إنسانيتنا يوماً فننظر إلى المصابين بمتلازمة داون وغيرهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، نظرة إنسانية بعيدة عن التمييز العقلي؟

للمشاركة:



وفاة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

غيّب الموت الرئيس المصري الأسبق، محمد حسني مبارك، اليوم الثلاثاء، عن عمر يناهز 91 عاماً، وفق ما أعلن التلفزيون المصري.

وتدهورت صحة الرئيس الأسبق على مدار الأيام القليلة الماضية، حيث نقل إلى العناية الحثيثة، حسبما ذكر نجله علاء.

وأكدت أسرة مبارك،  نبأ وفاته، وذكرت مصادر مقربة منها، لـ "العربية نت"؛ أنّه سيتم تشييع الجثمان من مسجد المشير طنطاوي بالتجمع الخامس شرق القاهرة.

وبدأ مقربون من علاء مبارك، نجل الرئيس الأسبق، في نشر برقيات العزاء على مواقع التواصل الاجتماعي.

وكان علاء مبارك، النجل الأكبر للرئيس المصري الأسبق، قد أعلن منذ عدة أيام أنّ والده يتواجد حالياً داخل غرفة العناية المركزة في إحدى المستشفيات، نتيجة إصابته بوعكة صحية.

صحة مبارك تدهورت على مدار الأيام القليلة الماضية حيث نقل إلى العناية الحثيثة

وتنحى مبارك عن حكم مصر، في شباط (فبراير) 2011، على خلفية احتجاجات شعبية ضدّ حكمه.

وكانت محكمة النقض المصرية قد أصدرت، في 2 آذار (مارس) الماضي، حكماً نهائياً ببراءة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، من قضية قتل المتظاهرين عام 2011، وصدر الحكم بعد مثول مبارك أمام المحكمة في أكاديمية الشرطة بالقاهرة الجديدة مرات عديدة.

وأمضى الرئيس المصري الأسبق قرابة ثلاثين عاماً في حكم مصر، وحفلت حياته بكثير من الأحداث.

ولد مبارك في الرابع من أيار (مايو) 1928 في قرية كفر المصيلحة في محافظة المنوفية، بمنطقة الدلتا شمال القاهرة.

وعقب انتهائه من تعليمه الثانوي التحق بالكلية الحربية في مصر حصل على البكالوريوس في العلوم العسكرية، عام 1948، وعلى درجة البكالوريوس في العلوم الجوية، عام 1950، من الكلية الجوية.

وتدرج في سلم القيادة العسكرية؛ فعيّن، عام 1964، قائداً لإحدى القواعد الجوية غرب القاهرة.

وتلقى دراسات عليا في أكاديمية "فرونز" العسكرية في الاتحاد السوفييتي السابق.

وفي تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1967؛ عُيّن مديراً للكلية الجوية في إطار حملة تجديد لقيادات القوات المسلحة المصرية، عقب هزيمة حزيران (يونيو) 1967.

ثم أصبح رئيساً لأركان حرب القوات الجوية المصرية، وهو المنصب الذي ظلّ يشغله حتى تعيينه قائداً للقوات الجوية ونائباً لوزير الدفاع، عام 1972.

وعام 1973؛ اشترك في التخطيط لحرب 6 تشرين الأول (أكتوبر)؛ حيث بدأ الهجوم المصري على القوات الإسرائيلية التي كانت تحتل شبه جزيرة سيناء بغارات جوية مكثفة ساعدت في دعم عبور القوات المصرية لقناة السويس واقتحام خط بارليف ما كان له أثر كبير في تحويل مبارك إلى بطل قومي، وتمّت ترقيته في العام التالي للحرب إلى رتبة فريق، ثم اختاره الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، نائباً له، عام 1975.

وقد اغتيل الرئيس السادات خلال عرض عسكري، في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 1981، وكان مبارك جالساً إلى جواره، خلال العرض العسكري، حين تعرضت المنصة الرئيسة للهجوم الذي قتل فيه السادات بينما نجا مبارك.

وفي 14 تشرين الأول (أكتوبر) 1981؛ أدّى محمد حسني مبارك اليمين الدستورية كرئيس للبلاد.

وأعيد انتخابه رئيساً للبلاد في استفتاءات شعبية، كان المرشح الأوحد فيها في أعوام 1987 و1993و1999؛ حيث إنّ الدستور المصري يحدد فترة الرئاسة بستة أعوام دون حدّ أقصى.

وعام 2005؛ أقدم مبارك على تعديل دستوري جعل انتخاب الرئيس بالاقتراع السرّي المباشر، وفتح باب الترشيح لقيادات الأحزاب، وأعيد انتخابه بتفوق كاسح على منافسيه، إلى أن تمّت الإطاحة به عام 2011.

 

 

 

للمشاركة:

اعتراف جديد لأردوغان..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

اعترف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بمقتل جنديين تركيين في ليبيا؛ حيث أرسلت أنقرة جنوداً لدعم ميليشيات السراج في حربها ضدّ الجيش الليبي.

وقال أردوغان، في مؤتمر صحفي في أنقرة، وفق ما أوردت وكالة "رويترز": "سقط قتيلان هناك في ليبيا"، ولم يحدّد الرئيس التركي متى قتل الجنديان ومن الجهة التي قتلتهما.

وكانت المعارضة التركية قد اتهمت أردوغان بإخفاء معلومات حول قتلى الجيش التركي في ليبيا.

أردوغان يعترف بمقتل جنديين تركيين في ليبيا دون الإفصاح عن معلومات إضافية حولهما

وتشير تقديرات الجيش الليبي، وتقارير إعلامية، إلى سقوط عدد أكبر من الجنود الأتراك يقدر بـ 16 عنصراً من الجيش التركي، وسط أنباء عن مقتل قائدهم الميداني.

وتنخرط تركيا في دعم حكومة السراج والمليشيات المسلحة التابعة له بالمال والسلاح، رغم قرار مجلس الأمن الدولي بحظر توريد السلاح إلى ليبيا، منذ 2011.

ومنذ بدء عملية "طوفان الكرامة"، التي أطلقها الجيش الليبي، في نيسان (أبريل) الماضي، لتحرير طرابلس من التنظيمات الإرهابية والمليشيات المسلحة، أسقطت القوات المسلحة أكثر من 30 طائرة تركية مسيرة تابعة للمليشيات.

وكان أردوغان قد اعترف قبل أيام بسقوط قتلى من جيشه في ليبيا؛ حيث يحارب إلى جانب ميليشيات السراج التي تبسط سيطرتها على طرابلس، وسط استنكار دولي ورفض إقليمي.

هذا ونقلت وسائل إعلام تركية، أمس؛ أنّ العقيد السابق بالجيش التركي، أوكان ألتناي، الذي تقاعد بعد انقلاب 15 تموز (يوليو) 2016، قتل في ميناء طرابلس، وتمّ دفنه في مسقط رأسه، في ظلّ تعتيم كبير.

 

 

للمشاركة:

هل تشهد أستراليا عمليات إرهابية قريباً؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

توقّع مايك بورجيس، المدير العام لمنظمة الاستخبارات الأمنية الأسترالية، اليوم، استمرار التهديدات الإرهابية في البلاد، قائلاً: "تهديد الإرهاب في الداخل أمر محتمل وسيظلّ مرتفعاً بشكل غير مقبول في المستقبل القريب".

وأوضح مايك بورجيس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الألمانية؛ أنّ "الإرهاب المتطرف ما يزال يشكل مصدر القلق الرئيس للأجهزة الأمنية في البلاد".

وأشار إلى أنّ هناك "تهديداً حقيقياً" من الجماعات اليمينية المتطرفة، مثل النازيين الجدد في البلاد، مؤكداً أنّ "التهديد اليميني المتطرف في أستراليا حقيقي ويتزايد".

وكشف أنّ اليمين المتطرف محط أنظار الأجهزة الأمنية منذ فترة، لكنّه وقع تحت تركيز مكثف بعد هجوم كرايستشيرش، الإرهابي الذي استهدف مصلين في مسجدين بنيوزيلندا العام الماضي.

الاستخبارات الأمنية الأسترالية: التهديد الإرهابي في الداخل أمر محتمل وسيظلّ مرتفعاً في المستقبل القريب

ومن جانبه، قال رئيس الوزراء، سكوت موريسون، للصحفيين، الثلاثاء: "الإرهاب والتطرف يأتيان بالعديد من الأشكال والألوان المختلفة ومن المهم أن تحافظ جميع جهودنا على سلامة الأستراليين".

بدوره، أكد وزير الشؤون الداخلية، بيتر دوتون، أنّ الحكومة ستتعامل مع من يريدون "إلحاق الأذى بالأستراليين؛ سواء كانوا في أقصى اليمين أو أقصى اليسار أو بينهما".

وأصدرت الشرطة الفيدرالية الأسترالية مؤخراً مذكرات اعتقال بحق 42 رجلاً وامرأة، سبق أن سافروا إلى سوريا، لدعم تنظيم داعش الإرهابي أو خوض القتال إلى جانبه.

وبحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية؛ فقد أكّد متحدث باسم الشرطة الأسترالية أنّ التحقيقات الجنائية جارية مع جميع الأستراليين المشتبه بسفرهم إلى منطقة النزاع في سوريا.

 

 

للمشاركة:



هل يرعى حزب الله اللبناني جميع وكلاء إيران في الشرق الأوسط؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-25

ترجمة: مدني قصري


في 29 كانون الأول (ديسمبر) 2019، استهدفت سلسلة من الغارات الجوية الأمريكية مواقع لميليشيا حزب الله الشيعية في العراق، ما أسفر عن مقتل 25 عنصراً من مقاتليها، وتدمير جزء من معداتها العسكرية، لتعلن القوة شبه العسكرية في أعقاب تلك الغارات؛ "أنّ معركتها ضد أمريكا ومرتزقتها مفتوحة الآن أمام كل الاحتمالات"، فيما شجبت إيران هذا العمل الذي وصفته بـ "الإرهابي"، كما أدان المرجع الشيعي العراقي؛ آية الله السيستاني، "العدوان الأمريكي الرهيب"، وبعد 3 أيام، قُتل راعي الميليشيات الشيعية؛ اللواء الإيراني قاسم سليماني، بغارة جوية أمريكية في بغداد، إلى جانب "أبو مهدي المهندس"؛ الرجل القوي في قوات الحشد الشعبي (PMF)، ممّا تسبب في تعبئة حقيقية معادية للولايات المتحدة بين الميليشيات الشيعية في بلاد الشام.

الميليشيات: الدين المشترك والولاء لإيران
تعمل طهران، منذ التدخل العسكري الإسرائيلي في لبنان، يوم 6 حزيران (يونيو) 1982، على تجنيد وتدريب وتجهيز مقاتلين أجانب من خلفيات متنوعة؛ مثل لبنان والعراق وسوريا واليمن وأفغانستان وباكستان، قاسمها المشترك هو مرجعيتهم الشيعية وولاؤهم لإيران، وقد طوّر هؤلاء المقاتلون قدراتهم ومعداتهم وخبراتهم العسكرية على مرّ السنين، إلى درجة زادت من اهتمام وتوتر الولايات المتحدة وحلفائها، خاصة الإسرائيليين، بشكل مطرد.

اقرأ أيضاً: استنساخ نموذج الحرس الثوري: كيف عملت إيران على تصدير ثورتها؟
فما هي هذه الميليشيات الشيعية؟ ولماذا وكيف يجد عناصرها أنفسهم مرتبطين بإيران؟ ما هو وزنهم في التوازن الجيوسياسي اليوم؟. تسعى هذه المقالة إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، من خلال إعادة بناء التوليد الاجتماعي للميليشيات الشيعية في لبنان وسوريا، وكذلك في العراق، وبالتالي قيمتها اليوم في المعادلة الأمنية والدبلوماسية في الشرق الأوسط.
حزب الله، نقطة الانطلاق لإنشاء وكلاء الشيعة الإيرانيين
منحت الحروب في سوريا والعراق، إيرانَ الفرصة لتوسيع شبكات الميليشيات الشيعية في الشرق الأوسط وإضفاء الطابع الرسمي عليها، حيث تعمل حالياً وحدات شبه عسكرية كبيرة، مؤلفة من عراقيين وسوريين ولبنانيين وأفغان، وحتى من الباكستانيين، في مختلف مسارح العمليات التي تشارك فيها إيران، بشكل مباشر أو غير مباشر، وقد تم تعزيز هذا البرنامج وتوجيهه والإشراف عليه بواسطة قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني؛ قاسم سليماني، الذي اغتالته الولايات المتحدة في 2 كانون الثاني ( يناير).

ذهب بعض الباحثين حدّ تصنيف حزب الله على أنّه شريك على قدم المساواة مع إيران وليس مجرد وكيل

في الواقع، إنّ هذه الشبكة من المقاتلين الشيعة ليست ظاهرة جديدة، ومن الضروري العودة إلى الروابط بين إيران وحزب الله اللبناني، المُصنفّ حالياً كمنظمة إرهابية من قبل جامعة الدول العربية والولايات المتحدة، وإسرائيل، ودول أخرى، لِفهم الوضع الحالي وتحديد خصائص وعموميات الميليشيات الشيعية في بلاد الشام، حيث يعود التقارب بين الجمهورية الإسلامية، والمنظمة اللبنانية إلى التدخل العسكري الإسرائيلي في لبنان يوم 6 حزيران (يونيو) 1982، والذي أدى إلى تشكيل حزب الله بشكل رسمي في 16 شباط (فبراير) 1985، ولكن الحقيقة هي أنّ هذا التنظيم الغامض، كان موجوداً بشكل غير رسمي منذ بداية عقد الثمانينيات من القرن العشرين، كمجموعة من المقاتلين الشيعة الذين تركوا صفوف حزب الدعوة الإسلامي وحركة أمل الشيعية.

اقرأ أيضاً: هل باتت ميليشيا الحوثي الأداة المفضلة لـ"الحرس الثوري"؟!
وبدأت المساعدات الإيرانية لحزب الله، منذ بداية الصراع اللبناني - الإسرائيلي، حيث وصل 1500 مقاتل من نخبة أفراد قوة القدس الإيرانية، الذين أخذتهم من الجبهة العراقية، حيث كانت إيران والعراق منخرطتين في صراع وحشي هائل منذ عدة سنوات، إلى منطقة البقاع في بريتال وبابشيت وبعلبك، لتوفير الدعم المادي للمقاتلين الشيعة اللبنانيين، وتدريبهم في مجالات التجنيد الأيديولوجي والتدريب العسكري، ما يشي باهتمام إيران الشديد بحزب الله، فقد ثبت أنّ العلاقة بين إيران وحزب الله أصبحت "حميمة" إلى حد كبير، منذ تلك اللحظة، حتى أنّ بعض الباحثين ذهبوا حدّ تصنيف حزب الله على أنه "شريك على قدم المساواة مع إيران، وليس مجرد وكيل".

الحرس الثوري وتطوير نموذج "تدريب المدرب"
شمل التدريب الذي قدّمه الحرس الثوري الإيراني، اكساب حزب الله مهارات محددة؛ تهدف إلى القيام بمهام الاستطلاع وجمع المعلومات الاستخبارية، وتنفيذ الخطط التي شكل فيها الانتحاريون حجرَ الزاوية. وفي هذا السياق، زاد التدريب الذي قدمته إيران لصالح حزب الله من القدرات التشغيلية للمجموعة بشكل كبير، كما منح المنظمة اللبنانية، الخبرة التي أفادت بها مجموعات أخرى؛ مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين، ويُسخدم هذا النموذج من "تدريب المدرب" في سوريا اليوم، حيث عمل حزب الله، بالتعاون الوثيق مع الحرس الثوري، على تدريب المقاتلين الأجانب المؤيدين للنظام السوري، في مناطق حرب العصابات والحرب غير المتماثلة، ثم تم اختيار أفضل المتدربين، للحصول على المزيد من التدريب، بهدف إنتاج وحدات النخبة المختلطة، القادرة على محاربة الجهات الفاعلة؛ الحكومية وغير الحكومية، بفعالية وبشكل عشوائي، وهكذا وُلدت ميليشيا "لواء الإمام الباقر" عام 2012، ونشطت في محافظة حلب وجنوب منطقة تدمر، بشكل أساسي.
ميليشيات شيعية في سوريا
انخرط حزب الله بكثافة في عدة جبهات، ضد الجماعات الجهادية وحركات التمرد السورية، بسبب كفاءته العالية، إلا أنه مُني بخسائر فادحة في القتال، وصلت لما يقارب الـ 1600 مقاتل بين عامي 2011 و2019، وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، حيث لعب الحزب دوراً بارزاً في الدفاع عن المناطق العلوية السورية، وكذلك المدن والمحاور الإستراتيجية، وبهدف تخفيف الضغط على أفرادها، عملت المنظمة اللبنانية، على تجنيد عدد كبير من المقاتلين السوريين، لتشكيل "حزب الله السوري"، ما دفع العديد من الميليشيات الشيعية العراقية للمشاركة في القتال في سوريا، وخاصة في المنطقة الحدودية بين العراق وسوريا، التي تحدها مدينتا "أبو كمال والقائم"، في وادي الفرات الأوسط، وهذا هو الحال، على وجه الخصوص، بالنسبة لميليشيا حركات العبدل Harakat al-Abdal، أو كتائب الإمام علي.

وُعِدَ العديد من المقاتلين الأفغان اللاجئين في إيران بوثائق هوية قانونية لأفراد أسرهم إن وافقوا على القتال في سوريا

رغم الدلائل التي قد توحي، بأنّ بعض الخلافات يمكن أن تحدث بين قادة مختلف الميليشيات الشيعية مع مرور الوقت، استمرت هذه الجماعات بالتوسع والتعاون الوثيق فيما بينها، كما شوهد في سوريا؛ حيث إنّ الانقسام الذي أحدثته الميليشيا الشيعية؛ كتائب سيد الشهداء، على حساب كتائب "حزب الله العراقي"، في أوائل عام 2013، أو الذي أحدثه "حزب الله النجباء" على حساب "عصائب أهل الحق"، على سبيل المثال، لم يمنع هذه الجماعات من مواصلة التعاون والقتال في سوريا من أجل الدفاع عن نظام بشار الأسد.
بدوره، قام نظام دمشق، بتأسيس لواء "أبو فضل العباس"، كأول محاولة كبرى لإنشاء ميليشيات شيعية خاصة به، تستند أساساً إلى نموذج حزب الله اللبناني، الذي ساعد النظام كثيراً في تحقيق هدفه، كما دعم حزب الله تشكيل جماعات شيعية سورية أخرى؛ مثل لواء الإمام الباقر، الذي قاتل إلى جانب الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران.
وقد تم نشر قوات الشهيد محمد باقر الصدر (الاسم الحربي للقوات التي أرسلتها منظمة بدر إلى سوريا)، والمؤلفة من عراقيين شيعة، في جميع أنحاء سوريا، من أجل مدّ يد العون للنظام، ولكن قبل كل شيء، لإنشاء ميليشيات شيعية سورية جديدة، تشبه حزب الله اللبناني في طريقة عمله، وقد وُلدت عدة ميليشيات من هذه المبادرة؛ مثل لواء الإمام الحسين، ويتم استخدامها كقوات رد سريع.

الميليشيات الأفغانية والباكستانية في سوريا: قوات صدمة تخدم دمشق
أجبر الصراع في سوريا نظامَيْ الأسد وطهران على التفكير في تجنيد ميليشيات شيعية خارج منطقة الشرق الأوسط؛ آسيا تحديداً، ولا سيما باكستان وأفغانستان، إذ سرعان ما جذبتا الاهتمام بسبب المجتمعات الشيعية الكبيرة التي تعيش فيها (حوالي 7 ملايين في عام 2017 في أفغانستان، و30 مليوناً في باكستان عام 2018)، وتعرف السلطات الإيرانية الكثير عن ذلك، حيث يعيش حوالي 3 ملايين أفغاني في إيران، بمن فيهم حوالي 95 ألف لاجئ رسمي هناك، وقد سهّل هذا المجتمع الأفغاني القوي على الأراضي الإيرانية تجنيد مقاتلين جدد للجبهة في المناطق المعنية، إلى حدّ كبير.
الإغراء المالي والتعبئة الدينية
في الواقع، بالإضافة إلى اللبنانيين والسوريين والعراقيين، فإنّ الميليشيات الشيعية لديها عدد كبير من المجندين الأفغان والباكستانيين، إذ يتراوح عدد المقاتلين الأفغان الذين تجمعوا تحت راية لواء "فاطميون" بين 10000 و 12000 مقاتل، تم إرسالهم إلى الجبهات الأكثر عنفاً؛ مثل حلب ودرعا ودمشق واللاذقية وجبال القلمون، وتشير بعض التقارير، إلى أنّ لواء "فاطميون" تكبّد خسائر فادحة، قُدّرت بمئات القتلى. هؤلاء المقاتلون الأفغان، "الهزارة" في الغالب، مدفوعون بمزيج من الإغراء المالي والتعبئة الدينية، حيث تأثر الكثير منهم بخطاب حماية المقدسات الشيعية في سوريا؛ مثل مسجد السيدة زينب في دمشق، كما تشير دراسات أخرى إلى أنّ العديد من المقاتلين الأفغان، تم تجنيدهم مباشرة من مخيمات اللاجئين في إيران، حيث وُعِدوا بوثائق هوية إيرانية قانونية لأفراد أسرهم، في حال وافقوا على الذهاب للقتال في  سوريا.

اقرأ أيضاً: تحليل: الملالي والحرس الثوري وكفاح إيران من أجل العملة الصعبة
وطأت أقدام أولى الوحدات الباكستانية، الأرض السورية عام 2013، وهي وحدات قادمة من قبيلة توري الشيعية في منطقة كورام، ومن مجموعة "الهزارة" العرقية في منطقة كويته، حيث تم دمجهم مع الميليشيات الشيعية الأخرى دون أي تنسيق، قبل إنشاء ميليشيات خاصة للباكستانيين، حملت اسم لواء "زينبيون" في كانون الثاني (يناير) 2015.
ويستخدم كل من لواء "فاطميون" وولاء "زينبيون"، مواقع الإنترنت والصفحات المكتوبة باللغة الأوردية على الشبكات الاجتماعية، في تجنيد المقاتلين الباكستانيين، وإشراكهم بالصراع السوري، خاصة ضد داعش وغيرها من الجماعات السنية المتطرفة، إلّا أنّ هؤلاء المجنّدين شاركوا في معركة خشام، ضد الولايات المتحدة والأكراد، في 7 شباط (فبراير) 2018، والتي شنت خلالها الميليشيات الشيعية هجوماً مفاجئاً ضد القوات الأمريكية الخاصة، وقوات سوريا الديمقراطية، بالقرب من مدينة خشام في منطقة دير الزور، وأدى الردّ الأمريكي إلى مقتل 68 مقاتلاً شيعياً، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

مسار سياسي - عسكري يشبه مسار حزب الله اللبناني
من مناطق المستنقعات على الحدود الإيرانية العراقية، إلى الجبال الوعرة في لبنان، انخرطت الميليشيات الشيعية في جميع المعارك الإيرانية المباشرة وغير المباشرة، في الشرق الأوسط، على مدار العقود الثلاثة الماضية، وتمكنت خلالها من زيادة مهاراتها العسكرية والتكتيكية، وقدرتها على التكيف مع أنواع جديدة من الصراع، المتكافئ وغير المتكافئ.

الحكومة الفيدرالية في بغداد غير قادرة على معارضة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران عسكرياً أو حتى دبلوماسياً

ويشبه مسار الميليشيات الشيعية العراقية في هذا الصدد، مسار حزب الله في لبنان، مرة أخرى، من خلال الصراع غير المتماثل، حيث برزت المنظمة اللبنانية أولاً، من أوائل الثمانينيات حتّى انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان في 25 أيار (مايو) من العام 2000، ورغم ما عانته الحركة من انتكاسات، إلا أنّها نجحت في كثير من الأحيان باستهداف القوات الإسرائيلية وحلفائها في جيش لبنان الجنوبي "قوات لحد"، على سبيل المثال، وكانت المجموعة قد أثبتت بالفعل نشاطها قبل الإعلان الرسمي عن إنشاء حزب الله عام 1985، خاصة بعد هجومها بسيارة مفخخة على مقر أجهزة المخابرات والأمن الإسرائيلية في صُورْ، يوم 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1982، ممّا أسفر عن مقتل 75 شخصاً.

اقرأ أيضاً: الأطفال في إيران وسوريا وقود لأيديولوجيا الحرس الثوري

واتضح أنّ الوضع مشابه في العراق، من منتصف الثمانينيات إلى التسعينيات، فقد كان المنشقون الشيعة العراقيون، والأسرى السابقون الذين خدموا ضمن المجندين في جيش صدام حسين، خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، وجماعات متمردة عراقية شيعية أخرى مدعومة من طهران، وُضِعت من قبل فيلق الحرس الثوري، تحت رعاية منظمة بدر، التي تعهدت بعد ذلك بتدريب هؤلاء المقاتلين الجدد، وعلى غرار حزب الله في لبنان؛ طورت المجموعة على مرّ السنين مهارات وخبرات عسكرية في الحرب غير المتكافئة، من خلال هجماتها المختلفة على قوات الأمن التابعة لصدام حسين.

وفي ظلّ الحرب بين إسرائيل وحزب الله (12 تموز (يوليو) - 14 آب (أغسطس) 2006)، واحتلال الولايات المتحدة للعراق من عام 2003 إلى عام 2011، طوّرت الميليشيات الشيعية مهاراتها وترسانتها العسكرية المتزايدة على مر السنين، ليكون 14 تموز (يوليو) 2006 تاريخاً رئيسياً في هذا الصدد، حيث أطلق مقاتلو حزب الله صاروخاً أرضياً على السفينة الحربية الإسرائيلية لأوّل مرة، ما تسبب بأضرار جسيمة في السفينة، ومقتل 4 بحارة، وقد تمت مشاركة هذه التجربة، بالإضافة إلى سلاسل الإمداد بالصواريخ البالستية، القادمة من إيران، مع الحوثيين في اليمن اعتباراً من عام 2016، حيث أطلقوا، على سبيل المثال، صواريخ أرض - جو، على بارجة حربية أمريكية، وعلى قاعدة سعودية.
وخلال الحرب ضد قوات الاحتلال الأمريكية، أصبحت كتائب حزب الله متخصصة في الأجهزة المتفجرة المرتجلة، التي صممها حزب الله أثناء الحرب ضد إسرائيل عام 2006، كما تم إطلاق الصواريخ المرتجلة، التي أطلقت عليها المليشيات الشيعية اسم "عشتار"، بأعداد كبيرة ضد القوات الأمريكية على مر السنين، وقد طورت الميليشيات هذه الصواريخ وحسّنتها، خلال النزاع، مما زاد من مداها ومدى تأثيرها.

اقرأ أيضاً: الحرس الثوري يقود حملة لتصفية معارضي خط إيران في العراق
لقد ثبت أنّ إدخال الطائرات بدون طيار، في الفضاء العسكري، يمثل أحد النواقل الجديدة لرفع القدرات التشغيلية لحزب الله، وبالتالي للميليشيات الشيعية الأخرى، فقد اقتصر الأمر في البداية على مهام الاستطلاع والمراقبة، وبسرعة تم نشر الطائرات بدون طيار في سماء إسرائيل من قِبل حزب الله؛ الذي أثبت مراراً وتكراراً قدرته على تحويل مسار الطائرات الإسرائيلية بدون طيار. هذه الخبرة، التي طورها حزب الله بمساعدة الحرس الثوري، سرعان ما تم توسيعها وتبادلها مع الميليشيات الشيعية الأخرى، حيث تمكنت كتائب حزب الله "العراقي"، على سبيل المثال، من اختراق طائرة أمريكية بدون طيار في العراق، من خلال استغلال نظام اتصالات غير محمي عام 2009.
من خلال القتال جنباً إلى جنب، زودت هذه المجموعات بعضها البعض بالمهارات والخبرة العسكرية، سواء في التكتيكات غير المتماثلة أو التكتيكات التقليدية، وبسرعة كبيرة فرضت هذه الميليشيات نفسها كأداة هائلة لطهران في العراق والشرق الأوسط بشكل عام، ما دفع إيران إلى تمويل وتدريب وتسليح هذه القوات شبه العسكرية على نطاق واسع.

الحرب ضد تنظيم داعش أو التكريس السياسي - العسكري للميليشيات الشيعية
كرّس الصراع ضد "تنظيم الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا، دورَ الميليشيات الشيعية ووزنها في المعادلة العسكرية الإقليمية، خاصة في العراق، حيث ثبت أنّ دور هذه الميليشيات في الصراع كان حاسماً في عدة مناسبات، فقد فرضت الميليشيات الشيعية الانقلاب على "تنظيم الدولة الإسلامية" خلال شهر حزيران (يونيو) 2014، على سبيل المثال، بينما كان الأخير يهرع إلى بغداد، حاصدةً أرواح القوات المسلحة العراقية النظامية، في طريقها، وفي هذه الظروف، دعا آية الله العظمى علي السيستاني؛ زعيم الشيعة العراقيين، إلى التعبئة العامة في أوائل صيف 2014 بموجب فتوى دينية، لتشجيع العراقيين على حمل السلاح، من أجل إنقاذ العراق من التهديد الجهادي، لينضم العراقيون الشيعة إلى الميليشيات الشيعية الموجودة بالفعل، بالإضافة إلى الميليشيات الأخرى التي تم إنشاؤها لهذه المناسبة، بموافقة رئيس الوزراء في ذلك الوقت؛ نوري المالكي، الذي منحها وضعاً شبه رسمي، بموجب رعاية ميليشيات الحشد الشعبي، وفي الحال، دعمت إيران، وبشكل كبير هذه الوحدات الجديدة من الميليشيات الشيعية، التي سرعان ما فرضت نفسها كقوة عسكرية لا يمكن تعويضها، لتعمل حوالي 50 ميليشيا شيعية تحت قيادة الحشد الشعبي عام 2019. 

لقد فرضت المليشيات الشيعية نفسها بالفعل، مُخيبة بذلك أمل قوات الأمن العراقية، ففي حين أظهرت هذه الأخيرة ضعفها، وعدم فعاليتها واستعدادها  للقتال، تاركة المجال مفتوحاً أمام داعش لشن هجمات واسعة النطاق في المناطق الواسعة، أظهرت الميليشيات الشيعية حماسها في القتال؛ ففي خريف عام 2017 ظهرت قوات الحشد الشعبي، بما في ذلك سرايا الخراساني، في طليعة الهجوم ضد داعش في الحويجة، واستعادت السيطرة على الحي في 20 يوماً (21 أيلول (تموز) - 11 تشرين الأول (أكتوبر) 2017).

اقرأ أيضاً: "الحرس الثوري العراقي"
وبفضل هذا النجاح، جمعت هذه الميليشيات عدداً متزايداً من المجندين والمتطوعين، إلى أن أصبحوا أحد العناصر الأساسية للجيش العراقي، إن لم يكونوا بديلاً عنه، ومنذ عام 2010، تضاعف عدد الميليشيات الشيعية في العراق 20 مرَة؛ فبعد أن كانت تضم 4 آلاف مقاتل في بداية العقد الماضي، أصبحت الميليشيات الشيعية اليوم تضم بين 81 و84 ألف مقاتل، وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2017، في أعقاب الاستفتاء على استقلال كردستان العراق، يوم 25 أيلول (سبتمبر) من نفس العام، شنت قوات الأمن العراقية هجوماً واسعاً، أثبتت الميليشيات الشيعية أنها رأس الحربة الحقيقي فيه.
الوضع الحالي والآفاق
أياً كان مستوى حكمها الذاتي، تبقى الميليشيات الشيعية خاضعة بعمق إلى طهران، فلم تكن مشاركة الحشد الشعبي في هجوم تشرين الأول (أكتوبر) 2017 ضد حكومة إقليم كردستان، بإرادةٍ من بغداد، بل بأمرٍ من إيران، في الواقع، قبل الهجوم ببضعة أيام، ذهب الجنرال قاسم سليماني، إلى السليمانية؛ العاصمة السياسية للاتحاد الوطني الكردستاني، للتفاوض مع ممثلي الأخير، من أجل انسحاب البيشمركة من الاتحاد الوطني الكردستاني، في حال حدوث هجوم إيراني، وذلك ما تم بالفعل؛ فتحت ضغط طهران وتقدّم الميليشيات الشيعية، انسحب البيشمركة من الاتحاد الوطني الكردستاني عن طيب خاطر، دون تبادل فعلي للرصاص، على النقيض من الحزب الديمقراطي الكردستاني.

ميليشيا تجسد هيمنة نظام الملالي على العراق
تَظهرُ الميليشيات الشيعية اليوم، من نواحٍ كثيرة، بوصفها تجسيداً لهيمنة نظام الملالي على العراق، فقد كانت هذه الميليشيات، التي لا يمكن السيطرة عليها، موضوع مشاريع قوانين تهدف إلى إعادتها تحت رعاية الجيش النظامي العراقي، في مناسبات عديدة؛ ففي 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، أقرّ البرلمان العراقي قانوناً يعترف رسمياً بقوات الحشد الشعبي، باعتبارها فرعاً مستقلاً لقوات الأمن العراقية، وأذِن لها، في هذا الإطار، بتلقي تمويل من الدولة العراقية، ومع ذلك، فإنّ القانون يشترط في المقابل أن تتنازل قوات الحشد الشعبي عن سلاحها لبغداد، وأن تتخلى عن أي ميل أو أي نزوة سياسية تجاه إيران.

اقرأ أيضاً: إيران: تجارة المخدرات المربحة التي يديرها "الحرس الثوري"
ولم تمتثل قوات الحشد الشعبي لهذا القانون، ولا للمراسيم الرئاسية التي تلت ذلك، ولسبب وجيه، لا تستطيع الحكومة الفيدرالية في بغداد، في الوقت الحالي، معارضة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران عسكرياً، أو حتى دبلوماسياً، لذلك تنتشر قوات الشرطة العسكرية الخاصة في جميع أنحاء البلاد، وتتطور عسكرياً وسياسياً؛ ففي أيلول (سبتمبر) 2019، كانت قوات الحشد الشعبي قد أعربت عن رغبتها في امتلاك مكوّن جوي عسكري خاص بها، ورغم أنّ هذه المعلومات لم يتم تأكيدها أو الإعراب عنها من جديد، إلا أنّها توضح مدى الاستقلالية والقوة المتوفرة لدى الحشد الشعبي.
الحشد الشعبي الفائز الأكبر في الانتخابات
أصبح ثقل الميليشيات الشيعية في الحياة السياسية العراقية أكثر وضوحاً خلال الانتخابات البرلمانية، التي جرت في 12 أيار (مايو) 2018، حيث كانت قوائم اثنين من مسؤولي الحشد الشعبي من الفائزين الكبار؛ وهم تحالف "سائرون"، بقيادة رجل الدين الشيعي وزعيم ميليشيا سرايا السلام؛ مقتدى الصدر، الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد (54 من أصل 329)، يليه تحالف فتح (47 مقعداً)، بقيادة هادي الأميري، قائد منظمة بدر.

تصاعد الحمى السياسية بين الميليشيات
استعداداً للانتخابات المحلية المُقبلة، والمقرر إجراؤها في 21 شباط (فبراير) 2020، تصاعدت الحمى السياسية بين الميليشيات الشيعية، التي تحشد المزيد والمزيد لمحاولة كسب معظم السياسيين من صفوف الميليشيات الشيعية، إلا أنّ وفاة عراب هؤلاء؛ قاسم سليماني، قد غيرت الوضع؛ فليس لهذا المعشوق في إيران، بديلاً قادراً على ضمان الاستمرارية الكاملة في قيادة الميليشيات الشيعية، وإن كان قد تم تعيين ساعده الأيمن وزوج شقيقه؛ اللواء إسماعيل قاآني في طهران، فإنّ الميليشيات الشيعية، التي لا يمكن السيطرة عليها، لن تتبناه بالضرورة على النحو الذي تريده إيران.


مصدر الترجمة عن الفرنسية :

lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

أردوغان والبحث الدائم عن "الأمان"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

محمد حسن الحربي

في التاريخ البشري المعاصر، توجد فئة محدودة من السياسيين، أينما ذهبوا أخفقوا في مساعيهم، وخلّفوا لشعوبهم خيبات صادمة تدوم لأجيال، ويعدُّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أحدهم بامتياز. فبعيداً عن الهوى، واعتماداً لوقائع على الأرض، وفي ضوء تحليلات متخصصين في الشأن، يصل المراقب بموضوعية إلى نتيجة بأن الرجل مصرٌّ على المضي في سياسته الخارجية المتخبّطة. فما أن يعلن عن إبرام اتفاق، سواء كان لتصدير الأجبان والأقمشة، أو تصدير المقاتلين المرتزقة لرسم خرائط البحار، أو لإنجاح هروبه من حلفاء الأمس، إلى آخرين جدد أقل ذكاءً منهم، بحثاً عن تنوّع في مصادر الطاقة.. ما أن يُعلن عن أيٍ من تلك الاتفاقات، طبعاً عبر خطاب جماهيري، تحريضي وحربي اللهجة، إلا وطلّت الأزمات برأسها تباعاً لتتدحرج ككرة الثلج وتسد منافس شعب مخنوق في الأساس بتهمة (فتح الله غولن) الأزليّة التي لا تنقضي.
آخر الأزمات، التوتر التركي مع المغرب، إذ هددت الرباط بالانسحاب من اتفاقية التبادل الحر بين البلدين، بسبب الخسائر الفادحة التي تكبدها الاقتصاد المغربي، قدّرها مولاي حفيظ العلمي، وزير الصناعة والتجارة والاقتصاد، بملياري دولار. من بين الأسباب المباشرة لها، التفاف تركيا على الاتفاقية وإغراق الأسواق المحلية بمنتجاتها، وتعثير إجراءات دخول المنتجات المغربية إلى الأسواق التركية. وكان دائماً هدف تركيا من الاتفاقية هو (التجارة الآمنة). والجزائر، البلد الجار، لم تنج هي الأخرى من أردوغان الذي غادرها بعد زيارة، ليخلّف فيها استياءً عاماً، إذ أطلق وابلاً من التصريحات النارية تجاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وظّف فيها معلومات مغلوطة (= إحصائيات) استنبطها خطأً في الجزائر، مما دفع الأخيرة إلى استنكار محتوى التصريحات والمعلومات المغلوطة الواردة فيها، والزج باسمها بطريقة خارجة على الأعراف الدبلوماسية.
وفي السياسة كما الاقتصاد، هدف أردوغان إلى تحقيق (الحدود الآمنة) فما كان يدفعه في الملف السوري هو عاملان معلنان، الأول (الحدود الآمنة) التي يرى أنها شريط حدودي خالٍ من الكرد السوريين. والثاني اللاجئون السوريون المقدّرين بـ(3.6) مليون لاجئ يبتز بهم أوروبا. إن شعار (الحدود الآمنة) الذي رفعه أردوغان، هدفه المضمّر كان احتلالاً لموقع جيوسياسي في أرض سورية، إضافة إلى توافره على سلة خيرات زراعية، وأيدٍ عاملة فنية، وورقة ضغط سياسي في أية مفاوضات مقبلة. المقياس ذاته حينما يريد المرء تطبيقه على إدلب، يكتشف كان شعار (الحدود الآمنة) كاذباً، فإدلب لا كُرد فيها بل هي خزان يعج بالمتطرفين من كل الدنيا. وأدلب كانت فخاً رتّبه بحنكة الرئيس فلاديمير بوتين لأردوغان في أستانة ثم سوتشي، وما الصرخات التي تُسمع اليوم لأردوغان ووزرائه كنتيجة لأدلب، سوى انعكاس لحقيقة المأزق في الحفرة التي دفعَ إليها جيشه. أما في ليبيا التي ذهب إليها بشعار مختلف (رسم خرائط البحار) بين ضفتي المتوسط، وكان يحمل مضمّراً هو (الطاقة الآمنة). فاللجوء إلى تعويم «حكومة الوفاق»، غايته كانت استثماراً استباقياً في اقتصاد ما بعد الحرب، فعين الرئيس أردوغان على النفط الليبي الذي سيخلصه من الأسر الأبدي للحليفين الروسي والإيراني في مجال الطاقة.
من يريد معرفة سبب تخبط أردوغان في السياسة الخارجية، ودخوله في مناظرات مقلقة فيما يخص العالم، عليه معرفة معاناته الداخلية ومشكلاته، فالمعارضة النشطة يمثلها اليوم حزبان، الأول أنشأه رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، والثاني يقوده وزير المالية والاقتصاد السابق باباجان بدعم مباشر من عبد الله غُول، رئيس الوزراء الأسبق. والاقتصاد التركي يعاني من ضعف الأداء، فنسبة النمو تراجعت إلى 2% في السنوات الأخيرة، في مقابل 9% في السنوات السابقة، وبالتالي فالمطلوب العاجل تحقيق نسبة 4% لضمان مستوى معيشة المواطنين، في مواجهة ضغوط الزيادة السكانية.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

ما الذي يجمع الإخوان وكتائب حزب الله في العراق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

عبدالجليل معالي

استقبل الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي، رشيد العزاوي، الأحد، وفدا من المكتب السياسي لكتائب حزب الله في العراق. وبحث الجانبان العلاقات الثنائية، وتطورات الوضع السياسي على الساحة العراقية، وملف تشكيل الحكومة المؤقتة، والاستجابة المطلوبة لمطالب المتظاهرين، والتعاون من أجل عودة المهجرين إلى المناطق المحررة. وأكد الطرفان على ضرورة تحديد موعد للانتخابات المبكرة، وأهمية تحشيد كافة الجهود لتوفير الظروف المناسبة لإنجاحها.

يذكرُ أن رشيد العزاوي هو صديق مقرب للإيرانيين وعاش في إيران جزءا كبيرا من حياته. قدمت له كتائب حزب الله تهنئة متأخرة على تسلمه مسؤولية قيادة الحزب الذي سبق له أن توفي سياسيا. وقد يبدو لقاء الحزبين، متصلا في الظاهر ببحث صعوبات ومعوقات تشكيل حكومة محمد توفيق علاوي، (وهذا أمر موجود في اللقاء) إلا أنه في العمق يخفي إشارات سياسية وأيديولوجية أكثر خطورة من معلن الاجتماع.

اجتماع قيادات الحزب الإسلامي السني، سليل  الإخوان المسلمين، مع وفد من كتائب حزب الله،  أحد أكبر الفصائل الشيعية المسلحة في العراق والذي يتبع أيديولوجيا نظام ولاية الفقيه في إيران، يمكن أن يقرأ  بوصفه حالة “تجاوز” للطائفية السياسية في العراق، وهي مظهر سياسي استشرى منذ مفصل أبريل 2003، إلا أن ربط اللقاء بالتوقيت السياسي الذي جرى فيه، يسمح باستخراج جملة مضامين سياسية وأيديولوجية لا تمتّ بصلة لما يمكن أن يُعدّ تجاوزا للطائفية.

وقد وصفت مصادر سياسية عراقية اللقاء بأنه استعراضي ولا أهمية له. فلا الحزب الإسلامي ولا الكتائب قوة سياسية مؤثرة في تشكيل الحكومة، والطرفان لا أهمية سياسية لهما. لكن ذلك لا يحول دون القول إن الأحزاب الإسلامية، الشيعية والسنية، في العراق استشعرت خطرا مدنيا قادما يمكن أن يهدد مصالحها وهيمنتها على السلطة، ويمكن أن يهدد تبعا لذلك إيران. على ذلك سارعت هذه القوى إلى إعلان وحدتها في وجه التعبيرات المدنية التي تعالت أصواتها في ساحات الاحتجاج.

ففي مواجهة الخطاب المدني، تلجأ الأحزاب الدينية إلى الاتحاد، ولا ترى ضيرا في تجاوز اختلافاتها المذهبية والأيديولوجية، والهدف المشترك هو تأبيد البقاء في السلطة ومنع النقيض السياسي من فرض مقولاته السياسية.

دأبت أحزاب الإسلام السياسي، في أكثر من قطر عربي إسلامي، وخاصة في العراق على تجاوز ما يفرقها فكريا ومذهبيا، من أجل التصدي لـ“خطر مشترك”، والخطر الماثل اليوم كامن في إصرار الاحتجاجات ومرابطتها على شعاراتها المدنية، الرافضة لحكم الأحزاب الدينية، والمعبرة عن وكالة سياسية لإيران، وهنا بالتحديد كان توجس الأحزاب الدينية مزدوجا، إذ قرأت الاحتجاجات على أنها تهديد مزدوج على بقائها في السلطة بما تعنيه من منافع سياسية ومادية، وأيضا على ارتباطها بإيران التي تمثل القاعدة السياسية والأيديولوجية لوجودها السياسي.

وفي لقاء الحزب الإسلامي مع كتائب حزب الله، بعد آخر متصل بالراهن العراقي، وله أيضا دلالات تضفي على الاجتماع المزيد من الأهمية. إذ لا يمكن إغفال ما صدر إعلاميا عن اللقاء من كونه بحث “تطورات الوضع السياسي على الساحة العراقية وملف تشكيل الحكومة المؤقتة”، ولو أنه ادعى “الاستجابة المطلوبة لمطالب المتظاهرين” و“التعاون من أجل عودة المهجرين إلى المناطق المحررة” والمحور الأخير يرادُ له أن يشير إلى أنه من بنات أفكار الحزب الإسلامي الذي يزعمُ الذود عن مطالب المكون السني، والذي كان في صدارة المتضررين من الحملة على تنظيم داعش الإرهابي وما صاحبها من تنكيل بالعرب السنة في العراق.

وفي التاريخ العراقي القريب صفحات كثيرة دالة على “براغماتية” الحزب الإسلامي، الذي كان من أول الأحزاب العراقية التي رحبت بالاحتلال الأميركي وشارك في العملية السياسية المترتبة عن ما بعد مفصل أبريل 2003، حيث تم اختيار محسن عبدالحميد، الأمين العام للحزب وقتذاك، عضوا لمجلس الحكم العراقي الذي أسسه بول بريمر، ثم تقلد منصب رئيس المجلس ابتداء من شهر مارس 2004.

ففي حاضر الحزب الإسلامي وماضيه ما يعبر عن ذلك النزوع نحو إدارة الظهر للانتماء الوطني، والاستعاضة عنه بالانتصار للانتماء المذهبي والديني، سواء كان انتماء لجماعة الإخوان المسلمين أو الانتماء لمنظومة الإسلام السياسي بشكل عام. وهذا ما يبرر التقاءه مع كتائب حزب الله، وهو تجمع يضم كتائب لواء أبي الفضل العباس وكتائب كربلاء وكتائب السجاد وكتائب زيد بن علي، أعلنت توحدها تحت اسم “حزب الله العراقي” في العام 2006.

على أن الالتقاء التكتيكي الذي حصل الأحد، حول مفردات سياسية راهنة عنوانها الأساسي أزمة الحكومة، لا يخفي التقاء أيديولويجا عنوانه الأبرز المزيد من تكريس مقولات “الإسلام هو الحل” والإيغال في الذهاب بالعراق نحو الدولة الدينية أو على الأقل تجنب كل تهديد لهذا الملـمح الديني الذي تبتغيه هذه الأحزاب الإسلامية للعراق.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية