هل تنوب الأيديولوجيا القومية عن الدولة الوطنية؟

هل تنوب الأيديولوجيا القومية عن الدولة الوطنية؟

مشاهدة

22/11/2020

منذ انبثاق الفكر القومي العربي في أواخر القرن التاسع عشر، والشعوب العربية تحلم بالوحدة فيما بينها، لكنّ الحلم شيء والواقع شيء آخر، فكُلما تقدّمت دول العالم خطوة إلى الأمام، ازدادت النزاعات بين الدول العربية وتمدّدت الفجوة بينها إلى العمق.

المجتمع المدني لا يلغي المجتمع الأهلي، وإنّما يطوره وينقله من البداوة إلى المدنية والحرّية والحضارة الإنسانية

ورغم كل هذه النزاعات إلّا أنّ حاملي الفكر القومي يزدادون تشبثاً بالقومية العربية، حتى صارت أيديولوجيا غير قابلة للنقاش، وعقيدة غير قابلة للنقد، وقد عجزت تلك الأيديولوجيا عن إنشاء دولة وطنية، مثلها مثل جميع الأحزاب السياسية المؤدلجة، كما عجزت العقائد الدينية والأنظمة الاجتماعية التي تسيطر على المجتمعات من خلال سلطاتها القائمة إلى جانب السلطات السياسية المُستبدة.

جميعنا نعرف أنّ الأيديولوجيا هي مجموعة من المُعتقدات والأفكار التي تؤثر على نظرة الأفراد أو الجماعات إلى العالم، ولها أنواع متعددة لا مجال لذكرها، لكنّ أخطرها على الإطلاق الأيديولوجيا السياسية والأيديولوجيا الدينية، فهما اللتان تسيّران المجتمعات حسب أهوائهما ورغباتهما ومصالحهما، تحاشياً للمساس بسلطتهما والرغبة في بسط السيطرة المُطلقة على المجتمعات. أمّا مفهوم الدولة؛ فقد لخّصه ماركس بــ "الحياة الأخلاقية للشعب"؛ أي إنّها الحاجة الأساسية للأفراد والجماعات داخل المجتمع لتلبية احتياجاتهم والحفاظ على حقوقهم وصون كرامتهم الإنسانية، وتحقيق العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع.

اقرأ أيضاً: لم تفشل الدولة الوطنية.. بل فشلت الإسلاموية

إنّ الدولة الوطنية تستحضر المجتمع المدني الذي هو "اجتماع الأسر النووية وتعاقد الأفراد الأحرار المستقلين بذواتهم؛ حيث إنّ هوية كل فرد منهم هي ما ينتجه أو يصنعه أو يبدعه بوصفه عضواً في المجتمع والدولة، لأنّه ما من إنتاج أو إبداع يمكن أن يتحقق خارج المجتمع ونمط حياته وثقافته وخارج الدولة".

وبحسب الباحث جاد الكريم الجباعي؛ فإنّ المجتمع المدني، على عكس المجتمع الأهلي الذي يتأثر بالموروث الشعبي ويخضع لنظام العشيرة والقبيلة والعائلة والعقيدة وأحكامها ويعمل بدلالتها وليس بدلالة الفكر والمعرفة ولا بدلالة الحق والقانون، فلا يكون المجتمع المدني (مدنياً وحراً) إلّا في دولة وطنية حرّة؛ فالوطنية بالضرورة حرّة بالفعل، دولة المواطنة والحق والقانون، دولة العدالة الاجتماعية والحرية الثقافية والدينية، وتفضي في النهاية إلى الهوية فوق الوطنية أو الهوية الإنسانية، كما ذكرنا في مقالة سابقة. المجتمع المدني لا يلغي المجتمع الأهلي، وإنما يطوره، وينقله من البداوة إلى المدنية والحرّية والحضارة الإنسانية.

لقد حوّل الاستبداد الشعوب إلى "جماهير توليتاترية" حسب حنة أرندت، وساهم في التعصب والجهل والتشبث في العقيدة والمذهب، ليس المذهب الديني فحسب؛ بل المذهب السياسي والعقيدة السياسية والثقافية، والعرف الاجتماعي، فلم يعد الشعب شعباً سياسياً؛ أي لم يعد شريكاً في الدولة أو الوطن شراكة حرّة أو ينتمي إليها، والدولة لم تعد بدورها دولة وطنية، إنما تصنّف أفراد المجتمع حسب انتماءاتهم السياسية وولاءاتهم لها؛ فالقومي العربي هو مواطن شريف ووطني، والبعثي في سوريا والعراق كذلك الأمر، أمّا من يعارضهما، فهو عميل للقوى الخارجية المعادية للدولة الوطنية في تقدير حكامها.

حوصرت فكرة القومية العربية بالأيديولوجيا؛ فهي غير قابلة للتحرّر من ربقها، وغير قابلة للنقاش في أذهان معتنقيها

لقد حوصرت فكرة القومية العربية بالأيديولوجيا، فهي غير قابلة للتحرر من ربقها، وغير قابلة للنقاش في أذهان معتنقيها، ولا للحوار الحر، فقد أصبحت سلطة غير خاضعة للتحولات العميقة والجذرية، للوصول إلى دولة وطنية أو هوية موحدة، فالمكونات القومية والدينية في العالم العربي بوجه عام، وفي سوريا ولبنان بوجه خاص، عاجزة عن فهم شامل للهوية الوطنية. 

في سوريا؛ تصدّرت المشهد الأحزاب السياسية اليسارية في الجبهة الوطنية التقدمية، وقدّمت نفسها "للجماهير" على أنّها المخلّص الشرعي والوحيد من الصهيونية، في استعادة الأراضي المحتلة وتحرير فلسطين تحت مُسمى "المقاومة والممانعة"، وكانت تلك هي الهوية الوطنية في منظورها، وكل ما عداها فهو باطل، وقد أصبحت الممثل الشرعي والوحيد للوطنية، تؤثّم من يخالفها وتكافئ من يواليها، وأغفلت التاريخ المشترك بين مكونات الشعب السوري والتعاقدات الاجتماعية والوطنية المبنية على العدالة والحرّية والمساواة لتشكيل هوية وطنية موحدة، وبهذا حكمت على نفسها وعلى الشعب أو الجماهير بالحبس داخل الأيديولوجيا القومية القائمة على التعصّب القومي والوهم الوحدوي، وإقصاء الآخر المختلف سياسياً ودينياً وإثنياً.

اقرأ أيضاً: كيف ابتلعت جماعة الإخوان الدولة الوطنية؟

وأدى كل ذلك إلى تشكيل هوية رخوة، تتراوح بين الهوية الوطنية والهوية القومية، ووقوف الدول العربية في منتصف الطريق، والدليل الأكبر على إخفاق "المقاومة والممانعة" في سوريا ولبنان في تشكيل الهوية الوطنية؛ هو لجوء بعض الدول العربية إلى إحلال الحلول السلمية بدلاً من المقاومة العسكرية، وعقد اتفاقات سلمية مع إسرائيل تخدم المصالح المشتركة فيما بينها، ولا يمكننا القول إنّ هذه الاتفاقات قادرة على تشكيل هوية وطنية للدول المتفقة، لكنها قد تكون رداً على إخفاقات تاريخية للقومية العربية.

فهل ما زال القوميون العرب يظنون أنّ القومية العربية تنوب عن الدولة الوطنية؟

الصفحة الرئيسية