جنان الجابري: منظمات المجتمع المدني للإسلام السياسي قناع لخدمة الأيديولوجيا

3350
عدد القراءات

2019-01-24

أجرى الحوار: سامح إسماعيل


قالت الباحثة العراقية الدكتورة جنان الجابري إنّ منظمات المجتمع المدني في العالم العربي لعبت دوراً بارزاً، خاصّة فيما يتعلق بتقديم الخدمات المجتمعيَّة، في ظلّ تراجع دور الدولة تحت وطأة الأزمات الاقتصادية.
وأشارت، في حوارها مع "حفريات"، إلى أنّ هذا ما فطنت إليه الحركات والأحزاب الإسلامية، التي نشطت في هذا المجال للاستفادة منه في تعبئة الجماهير، وبناء ظهير شعبي يُمكّنها من الاقتراب من دوائر السلطة، والتقدم خطوات من أجل تفعيل مشروعها السياسي.

منظمات المجتمع المدني المرتبطة بأحزاب سياسية تقوم بنقل السياسات والأيديولوجيات عبر تقديم المساعدات الخيرية

ورأت الباحثة، المهتمة بالشؤون السياسية وقضايا المرأة والمجتمع المدني، أنّ شعور المجتمع العراقي بالإنهاك جراء التناحر الطائفي دفع بعض الأحزاب الدينية لتبني خطاباً عابراً للطائفية، "التي لم تعد ورقة رابحة، بسبب الفشل السياسي الذي نتج عنها"، مستدركةً أنّ كلّ "منظمة تقوم بمنح مساعدات يكون لديها أجندة سياسية، طالما ارتبطت بحزب سياسي؛ حيث تقوم بإشباع الحاجات في مقابل التصويت".
يذكر أنّ الباحثة جنان الجابري حاصلة على درجة الدكتوراة من جامعة "باث" البريطانية، حول منظمات المجتمع المدني الدينية، ولها العديد من الدراسات والمداخلات العلمية في هذا المجال.

خطاب الطائفية  لم يعد ورقة رابحة بسبب الفشل السياسي الذي نتج عنه

وهنا نصّ الحوار:

صعود منظمات المجتمع المدني
هل تتفقين مع من يعتبر منظمات المجتمع المدني استجابة لأوضاع اقتصادية ضاغطة، أو تلبية لتوجهات سياسية بعينها؟ 

ظهرت المنظمات المدنية، غير الحكومية، الفاعلة في المجتمع، منذ القرن التاسع عشر، تحت مسمى الجمعيّات الخيريّة، لكنَّ تبلورها في القالب المؤسسي بشكله الحالي، يرجع إلى حقبة الثمانينيات من القرن الماضي؛ حيث بدأت منظمات المجتمع المدني تنشط في بريطانيا والولايات المتحدة؛ بسبب السياسات النيوليبرالية التي اتخذتها رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك، مارجريت تاتشر، والرئيس الأمريكي، رونالد ريجان، لتقليص دور الدولة، فيما يتعلّق بتقديم الخدمات الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: هل كانت "مؤسسة قطر الخيرية" في كوسوفو واجهة لتمويل الجماعات المتشددة؟
ومن ثم انتشرت تلك التوجهات في أوروبا؛ حيث تعرضت سياسات دول الرفاه القائمة على الضمانات الاجتماعية للضغط، من أجل تخفيف حمل العلاج المجاني وبدلات البطالة، وغيرها من الخدمات؛ لذلك كان يجب استدعاء طرف آخر، ليحلّ محلَّ الدولة في تقديم الخدمات الاجتماعية، هنا ظهرت المنظمات غير الحكومية.
وبالطبع كانت هناك مؤسسات لها تاريخ طويل في العمل الخيري، مثل الكنيسة، فعادت لتمارس هذا الدور بقوة، إضافة إلى منظمات أخرى شرعت في العمل على تقديم المساعدات للفقراء والمرضى، وأصبحت هناك مؤسسات دولية انطلقت من أوروبا، لتقوم بتقديم هذه الخدمات في دول العالم الثالث.

اقرأ أيضاً: الشعبوية ويمين الإسلام السياسي
وفي العالم العربي، وتحت ضغط الأزمات الاقتصادية، مع تصاعد المدّ الليبرالي، وسياسات الانفتاح الاقتصادي، وفي ظلّ تراجع المشروع القومي، وفشل الدول الاشتراكية في الإجابة على الحاجات الاقتصادية للمجتمع، بدأ الضغط من صندوق النقد الدولي، كي تقلّص الدولة دورها، وظهر نوع من الانفتاح السياسي، مع شيوع ما يسمى بقيم الديمقراطية، وهو ما أفسح المجال لظهور منظمات المجتمع المدني، لتمارس دورها الاقتصادي، الذي أخذ في التزايد في حقبة التسعينيات.

بسبب تقلّص دور الدولة ظهرت منظمات المجتمع المدني المرتبطة بالحركات الإسلامية

اختراقات الإسلام السياسي

كيف تمكنت جماعات الإسلام السياسي من اختراق مساحات العمل في منظمات المجتمع المدني؟ وهل نجحت عبرها في كسر عزلتها عن مؤسسات الدولة؟
في التسعينيات، وبسبب تقلّص دور الدولة، ومع الانفتاح النسبيّ للمجال العام، ظهرت منظمات المجتمع المدني المرتبطة بالحركات والأحزاب الإسلامية، ومع تصاعد دور هذه الأحزاب في التسعينيات، تقوت منظمات المجتمع المدني التابعة لها، واختبرت أدوارها الجديدة، وأثبتت فاعلية كبيرة؛ ففي أثناء الزلزال الذي ضرب الجزائر، قدّمت مساعدات كبيرة للمتضررين، تجاوزت بكثير ما قدمته الدولة، والأمر نفسه جرى في مصر، حتى أنّ أحد المسؤولين صرَّح بأنّ هذه الحركات أصبحت تؤسّس لدولة داخل الدولة.

بعد الربيع العربي بدأ دور منظمات الحركات الإسلامية بالتراجع نسبياً بسبب اللاقبول الاجتماعي للأحزاب الدينية

لا أستطيع القطع بأنّ منظمات المجتمع المدني التابعة للحركات الإسلامية نجحت رغم اختراقها الشعبي للمجتمع في كسر عزلتها عن مؤسسات الدولة، ففي العراق مثلاً، كانت المنظمات غير الحكومية، الخيرية منها والنسوية، مرتبطة بالدولة، وتستخدم كأداة ضمن أدواتها، في عهد صدام حسين، وبعد العام 2003، أصبح هناك منظمات مجتمع مدني خاضعة للاستقطاب المذهبي، السنّي/ الشيعيّ، وعدد كبير منها تأسس بواسطة الأحزاب الدينية، ذات الأهداف والطموحات السياسية، وبالتالي أصبحت هذه المنظمات تقدم خدماتها، بما يضمن تحقيق هذه الأهداف والطموحات، وصار هناك نوع من التنسيق، وتقسيم الأدوار بينها وبين الحزب الذي أوجدها، بهدف تحقيق مكاسب انتخابية، فأصبحت هذه المنظمات تقوم بالدور التعبوي والتثقيفي.

اقرأ أيضاً: الجمعيات الخيرية.. الاختراق الإخواني الناعم للنسيج الاجتماعي
بعد الربيع العربي، بدأ دور هذه المنظمات في التراجع نسبياً، بسبب اللاقبول الاجتماعي للأحزاب الدينية، التي تقع هذه المنظمات في نطاق سيطرتها، وعلى كلٍّ، فإنّ دور هذه المنظمات يضعف ويقوى، بحسب مدى قوة الظهور السياسي للأحزاب المهيمنة عليها.

ينطلق خطاب المظلومية الشيعي من الإيمان بفكرة الاضطهاد الطويل

التعبئة الطائفية

وماذا عن الفئوية التنظيمية التي تتميز بها جماعات الإسلام السياسي بشكل عام، هل تجاوزت مفهوم الفئوية الضيقة، لصالح أهداف وطنية عامة؟
فيما يخص الحالة العراقية؛ ركزت المنظمات غير الحكومية، التابعة للأحزاب الدينية، على التعبئة الطائفية، في ظلّ تأجج الصراع الطائفي؛ فالخطاب التعبوي الشيعي القائم على المظلومية، يختلف عن الخطاب السنّي، الذي يطرح نفسه بديلاً للدولة، تحت شعار "الإسلام هو الحلّ".

عراقياً ركّزت المنظمات التابعة للأحزاب الدينية على التعبئة الطائفية في ظلّ تأجج الصراع الطائفي

ينطلق خطاب المظلومية الشيعي من الإيمان بفكرة الاضطهاد الطويل، القائم منذ أكثر من ألف وأربعمئة عام، والذي أمعن نظام صدام حسين في تكريس المزيد منه، هنا أصبح خطاب المظلومية جزءاً من الخطاب التعبوي، الذي تصدر المشهد العراقي في انتخابات عامي 2005 و2010.
لكن، مع شعور المجتمع بالإنهاك جراء التناحر الطائفي والصراعات الدموية، باعتبار هذا الخطاب الطائفي الحادّ غريباً على المجتمع العراقي، بدأت بعض الأحزاب تتحرّر منه، وتتخذ خطاباً عابراً للطائفية، التي لم تعد ورقة رابحة، بسبب الفشل السياسي الذي نتج عنها، على كافة الأصعدة.
الأمر نفسه فعله حزب الله، في لبنان؛ حيث كانت مساعداته مقتصرة على أبناء الطائفة الشيعية فقط، لكن مع انخراطه في العملية السياسية، بدأ يوظف الجمعيات التابعة له، لتحقيق شعبية أكبر، وكسب أرض جديدة، من خلال تقديم مساعدات عابرة للطائفية، لكسب الشرعية وجني أكبر عدد من المقاعد.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي.. يشوّه العمل الخيري الإنساني
لكن يجب عدم تجاهل أنّ حزب الله مرتبط بالوضع في لبنان؛ حيث قدم نفسه باعتباره قوة قومية، تواجه عدواً مشتركاً، وهو ما منحه نوعاً من الشرعية، نجح في فترات كثيرة في استثمارها سياسياً بشكل براجماتي، ويمكن القول إنّ الوضع العام في لبنان خدم حزب الله وأيديولوجيته، وهو ظرف إقليمي لم يتوفر للكيانات الشيعية الأخرى.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي.. وتمثيلات خطاب الهوية
كلّ حزب وكلّ منظمة مرتبطة به، يظلّ محكوماً بالجغرافيا السياسية، والنزاعات والتحديات الإقليمية؛ فهي التي تحدد وتوجه إستراتيجية أيّ حزب للوصول إلى السلطة كهدف مطلق؛ إذا اختفت إسرائيل من الوجود، سوف يعود حزب الله إلى طبيعته، كحزب سياسي له شعاراته المذهبية، وارتباطاته الأيديولوجية بإيران، وطموحه السياسي مثل سائر الأحزاب الشيعية في العراق.

إذا اختفت إسرائيل من الوجود سيعود حزب الله إلى طبيعته كحزب سياسي له شعاراته المذهبية
تحوّلت منظمات المجتمع المدني على يد الحركات الإسلامية، إلى أهداف بعيدة عن روح وأهداف المؤسسات غير الحكومية، كيف جرى ذلك؟
هذا يقود إلى مفهوم "الأحزمة الناقلة" تعبيراً عن الدور السياسي الذي تلعبه منظمات المجتمع المدني المرتبطة بأحزاب سياسية؛ بنقل السياسات والأيديولوجيات عبر تقديم المساعدات الخيرية، ومن خلال المشاركة في المناسبات الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: كارثة الإسلام السياسي ومظلتها الغربية
في العراق مثلاً؛ تقوم هذه المنظمات التابعة للأحزاب الدينية، بتنظيم الحملات التوعوية والدعوية، على هامش المناسبات وحفلات الزواج الجماعي، لاستقطاب المواطنين بشكل مذهبي، فيتم الترويج لارتداء الحجاب من سنّ التكليف الشرعي، وهو عند الشيعة تسعة أعوام، وهكذا، وتحت ستار الخدمات الاجتماعية، يجري تحقيق أهداف مذهبية وسياسية.

اقرأ أيضاً: هل فشل الإسلام السياسي في غزة.. ولماذا؟
في كتاب "عودة الله"، للباحثين دافيز وروبنسون، جرت دراسة وتحليل تجربة الحركات الإسلامية في مصر، من خلال جماعة الإخوان المسلمين، مع دراسة حركة يهودية في إسرائيل، وأخرى مسيحية في إيطاليا وأمريكا، هذه الحركات على اختلافاتها الدينية، ثبت من خلال الدراسة أنَّها تستخدم الإستراتيجيات نفسها، وتمارس الأدوار المتعددة نفسها، الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والتربوية والسياسية، فهذه الأدوار دوماً تأتي مترابطة، وبناء عليه يمكن القول، ومن خلال العديد من الدراسات؛ إنّ كلّ منظمة تقوم بمنح مساعدات، يكون لديها أجندة سياسية، طالما ارتبطت بحزب سياسي؛ حيث تقوم بإشباع الحاجات في مقابل التصويت.

لا يوجد خطاب يساري حقيقي في المنطقة

فشل اليسار اجتماعياً

لماذا نجحت جماعات الإسلام السياسي اليمينية في حشد الفقراء للتصويت لها، فيما فشلت الحركات اليسارية، رغم أنَّ هذه الطبقات الفقيرة تمثل قضية اليسار الرئيسة؟
هذا سؤال في غاية الأهمية، دعني أولاً أطرح تساؤلاً مقابلاً، من الذي يمثّل اليسار في العالم العربي؟

نجحت الأحزاب الإسلامية في جذب الفقراء من خلال إعطائهم الفتات لسد رمقهم مقابل كسب ولائهم السياسي

فالشيوعية، بحسب ما جاء في البيان الشيوعي لماركس، تعني إلغاء النظام الرأسمالي، وإلغاء العمل المأجور، باعتبار أنَّ فائض القيمة يمثل جوهر النظام الرأسمالي، يتم ذلك عبر سيطرة الطبقة العاملة على السلطة، وإقامة النظام الاقتصادي الاشتراكي، هذا ما أفهمه من الشيوعية، فما هو الحزب اليساري الذي قام بتبني هذا الخطاب، أو عمل على تطبيقه؟ بحسب معرفتي؛ لم أرَ جهة يسارية تتمحور حول هذه النقطة، الحزب الشيوعي العراقي وحده طرح فكرة إلغاء العمل المأجور، وإلغاء الرأسمالية، لكنّه طرحَ في المقابل فكرة الديموقراطية والتنمية، والتنمية مفهوم رأسمالي محض.
هل كان هناك خطاب يساري حقيقي في المنطقة؟ لا أعتقد، الخطاب كان موجوداً في روسيا العام 1917، ثم اختفى بعد ذلك.

اقرأ أيضاً: في غياب السؤال النظري لدى الإسلام السياسي
نجحت الأحزاب الإسلامية في جذب الفقراء عن طريق الزبائنية؛ أي أصل إلى الفقير، ثم أعطيه الفتات ليسدّ رمقه، مقابل كسب ولائه السياسي، ونتيجة وجود الفقر في المنطقة، تمكّنت تلك الحركات من الوصول إلى قطاع عريض، مع وجود الإمكانيات المالية، أعطت للفقراء وأخذت المقابل، وهو الولاء السياسي، وهذه هي الزبائنية ببساطة، استغلال فقر الناس لتحقيق أهداف سياسية.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



جنان الجابري: منظمات المجتمع المدني للإسلام السياسي قناع لخدمة الأيديولوجيا

عدد القراءات

2019-01-24

أجرى الحوار: سامح إسماعيل


قالت الباحثة العراقية الدكتورة جنان الجابري إنّ منظمات المجتمع المدني في العالم العربي لعبت دوراً بارزاً، خاصّة فيما يتعلق بتقديم الخدمات المجتمعيَّة، في ظلّ تراجع دور الدولة تحت وطأة الأزمات الاقتصادية.
وأشارت، في حوارها مع "حفريات"، إلى أنّ هذا ما فطنت إليه الحركات والأحزاب الإسلامية، التي نشطت في هذا المجال للاستفادة منه في تعبئة الجماهير، وبناء ظهير شعبي يُمكّنها من الاقتراب من دوائر السلطة، والتقدم خطوات من أجل تفعيل مشروعها السياسي.

منظمات المجتمع المدني المرتبطة بأحزاب سياسية تقوم بنقل السياسات والأيديولوجيات عبر تقديم المساعدات الخيرية

ورأت الباحثة، المهتمة بالشؤون السياسية وقضايا المرأة والمجتمع المدني، أنّ شعور المجتمع العراقي بالإنهاك جراء التناحر الطائفي دفع بعض الأحزاب الدينية لتبني خطاباً عابراً للطائفية، "التي لم تعد ورقة رابحة، بسبب الفشل السياسي الذي نتج عنها"، مستدركةً أنّ كلّ "منظمة تقوم بمنح مساعدات يكون لديها أجندة سياسية، طالما ارتبطت بحزب سياسي؛ حيث تقوم بإشباع الحاجات في مقابل التصويت".
يذكر أنّ الباحثة جنان الجابري حاصلة على درجة الدكتوراة من جامعة "باث" البريطانية، حول منظمات المجتمع المدني الدينية، ولها العديد من الدراسات والمداخلات العلمية في هذا المجال.

خطاب الطائفية  لم يعد ورقة رابحة بسبب الفشل السياسي الذي نتج عنه

وهنا نصّ الحوار:

صعود منظمات المجتمع المدني
هل تتفقين مع من يعتبر منظمات المجتمع المدني استجابة لأوضاع اقتصادية ضاغطة، أو تلبية لتوجهات سياسية بعينها؟ 

ظهرت المنظمات المدنية، غير الحكومية، الفاعلة في المجتمع، منذ القرن التاسع عشر، تحت مسمى الجمعيّات الخيريّة، لكنَّ تبلورها في القالب المؤسسي بشكله الحالي، يرجع إلى حقبة الثمانينيات من القرن الماضي؛ حيث بدأت منظمات المجتمع المدني تنشط في بريطانيا والولايات المتحدة؛ بسبب السياسات النيوليبرالية التي اتخذتها رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك، مارجريت تاتشر، والرئيس الأمريكي، رونالد ريجان، لتقليص دور الدولة، فيما يتعلّق بتقديم الخدمات الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: هل كانت "مؤسسة قطر الخيرية" في كوسوفو واجهة لتمويل الجماعات المتشددة؟
ومن ثم انتشرت تلك التوجهات في أوروبا؛ حيث تعرضت سياسات دول الرفاه القائمة على الضمانات الاجتماعية للضغط، من أجل تخفيف حمل العلاج المجاني وبدلات البطالة، وغيرها من الخدمات؛ لذلك كان يجب استدعاء طرف آخر، ليحلّ محلَّ الدولة في تقديم الخدمات الاجتماعية، هنا ظهرت المنظمات غير الحكومية.
وبالطبع كانت هناك مؤسسات لها تاريخ طويل في العمل الخيري، مثل الكنيسة، فعادت لتمارس هذا الدور بقوة، إضافة إلى منظمات أخرى شرعت في العمل على تقديم المساعدات للفقراء والمرضى، وأصبحت هناك مؤسسات دولية انطلقت من أوروبا، لتقوم بتقديم هذه الخدمات في دول العالم الثالث.

اقرأ أيضاً: الشعبوية ويمين الإسلام السياسي
وفي العالم العربي، وتحت ضغط الأزمات الاقتصادية، مع تصاعد المدّ الليبرالي، وسياسات الانفتاح الاقتصادي، وفي ظلّ تراجع المشروع القومي، وفشل الدول الاشتراكية في الإجابة على الحاجات الاقتصادية للمجتمع، بدأ الضغط من صندوق النقد الدولي، كي تقلّص الدولة دورها، وظهر نوع من الانفتاح السياسي، مع شيوع ما يسمى بقيم الديمقراطية، وهو ما أفسح المجال لظهور منظمات المجتمع المدني، لتمارس دورها الاقتصادي، الذي أخذ في التزايد في حقبة التسعينيات.

بسبب تقلّص دور الدولة ظهرت منظمات المجتمع المدني المرتبطة بالحركات الإسلامية

اختراقات الإسلام السياسي

كيف تمكنت جماعات الإسلام السياسي من اختراق مساحات العمل في منظمات المجتمع المدني؟ وهل نجحت عبرها في كسر عزلتها عن مؤسسات الدولة؟
في التسعينيات، وبسبب تقلّص دور الدولة، ومع الانفتاح النسبيّ للمجال العام، ظهرت منظمات المجتمع المدني المرتبطة بالحركات والأحزاب الإسلامية، ومع تصاعد دور هذه الأحزاب في التسعينيات، تقوت منظمات المجتمع المدني التابعة لها، واختبرت أدوارها الجديدة، وأثبتت فاعلية كبيرة؛ ففي أثناء الزلزال الذي ضرب الجزائر، قدّمت مساعدات كبيرة للمتضررين، تجاوزت بكثير ما قدمته الدولة، والأمر نفسه جرى في مصر، حتى أنّ أحد المسؤولين صرَّح بأنّ هذه الحركات أصبحت تؤسّس لدولة داخل الدولة.

بعد الربيع العربي بدأ دور منظمات الحركات الإسلامية بالتراجع نسبياً بسبب اللاقبول الاجتماعي للأحزاب الدينية

لا أستطيع القطع بأنّ منظمات المجتمع المدني التابعة للحركات الإسلامية نجحت رغم اختراقها الشعبي للمجتمع في كسر عزلتها عن مؤسسات الدولة، ففي العراق مثلاً، كانت المنظمات غير الحكومية، الخيرية منها والنسوية، مرتبطة بالدولة، وتستخدم كأداة ضمن أدواتها، في عهد صدام حسين، وبعد العام 2003، أصبح هناك منظمات مجتمع مدني خاضعة للاستقطاب المذهبي، السنّي/ الشيعيّ، وعدد كبير منها تأسس بواسطة الأحزاب الدينية، ذات الأهداف والطموحات السياسية، وبالتالي أصبحت هذه المنظمات تقدم خدماتها، بما يضمن تحقيق هذه الأهداف والطموحات، وصار هناك نوع من التنسيق، وتقسيم الأدوار بينها وبين الحزب الذي أوجدها، بهدف تحقيق مكاسب انتخابية، فأصبحت هذه المنظمات تقوم بالدور التعبوي والتثقيفي.

اقرأ أيضاً: الجمعيات الخيرية.. الاختراق الإخواني الناعم للنسيج الاجتماعي
بعد الربيع العربي، بدأ دور هذه المنظمات في التراجع نسبياً، بسبب اللاقبول الاجتماعي للأحزاب الدينية، التي تقع هذه المنظمات في نطاق سيطرتها، وعلى كلٍّ، فإنّ دور هذه المنظمات يضعف ويقوى، بحسب مدى قوة الظهور السياسي للأحزاب المهيمنة عليها.

ينطلق خطاب المظلومية الشيعي من الإيمان بفكرة الاضطهاد الطويل

التعبئة الطائفية

وماذا عن الفئوية التنظيمية التي تتميز بها جماعات الإسلام السياسي بشكل عام، هل تجاوزت مفهوم الفئوية الضيقة، لصالح أهداف وطنية عامة؟
فيما يخص الحالة العراقية؛ ركزت المنظمات غير الحكومية، التابعة للأحزاب الدينية، على التعبئة الطائفية، في ظلّ تأجج الصراع الطائفي؛ فالخطاب التعبوي الشيعي القائم على المظلومية، يختلف عن الخطاب السنّي، الذي يطرح نفسه بديلاً للدولة، تحت شعار "الإسلام هو الحلّ".

عراقياً ركّزت المنظمات التابعة للأحزاب الدينية على التعبئة الطائفية في ظلّ تأجج الصراع الطائفي

ينطلق خطاب المظلومية الشيعي من الإيمان بفكرة الاضطهاد الطويل، القائم منذ أكثر من ألف وأربعمئة عام، والذي أمعن نظام صدام حسين في تكريس المزيد منه، هنا أصبح خطاب المظلومية جزءاً من الخطاب التعبوي، الذي تصدر المشهد العراقي في انتخابات عامي 2005 و2010.
لكن، مع شعور المجتمع بالإنهاك جراء التناحر الطائفي والصراعات الدموية، باعتبار هذا الخطاب الطائفي الحادّ غريباً على المجتمع العراقي، بدأت بعض الأحزاب تتحرّر منه، وتتخذ خطاباً عابراً للطائفية، التي لم تعد ورقة رابحة، بسبب الفشل السياسي الذي نتج عنها، على كافة الأصعدة.
الأمر نفسه فعله حزب الله، في لبنان؛ حيث كانت مساعداته مقتصرة على أبناء الطائفة الشيعية فقط، لكن مع انخراطه في العملية السياسية، بدأ يوظف الجمعيات التابعة له، لتحقيق شعبية أكبر، وكسب أرض جديدة، من خلال تقديم مساعدات عابرة للطائفية، لكسب الشرعية وجني أكبر عدد من المقاعد.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي.. يشوّه العمل الخيري الإنساني
لكن يجب عدم تجاهل أنّ حزب الله مرتبط بالوضع في لبنان؛ حيث قدم نفسه باعتباره قوة قومية، تواجه عدواً مشتركاً، وهو ما منحه نوعاً من الشرعية، نجح في فترات كثيرة في استثمارها سياسياً بشكل براجماتي، ويمكن القول إنّ الوضع العام في لبنان خدم حزب الله وأيديولوجيته، وهو ظرف إقليمي لم يتوفر للكيانات الشيعية الأخرى.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي.. وتمثيلات خطاب الهوية
كلّ حزب وكلّ منظمة مرتبطة به، يظلّ محكوماً بالجغرافيا السياسية، والنزاعات والتحديات الإقليمية؛ فهي التي تحدد وتوجه إستراتيجية أيّ حزب للوصول إلى السلطة كهدف مطلق؛ إذا اختفت إسرائيل من الوجود، سوف يعود حزب الله إلى طبيعته، كحزب سياسي له شعاراته المذهبية، وارتباطاته الأيديولوجية بإيران، وطموحه السياسي مثل سائر الأحزاب الشيعية في العراق.

إذا اختفت إسرائيل من الوجود سيعود حزب الله إلى طبيعته كحزب سياسي له شعاراته المذهبية
تحوّلت منظمات المجتمع المدني على يد الحركات الإسلامية، إلى أهداف بعيدة عن روح وأهداف المؤسسات غير الحكومية، كيف جرى ذلك؟
هذا يقود إلى مفهوم "الأحزمة الناقلة" تعبيراً عن الدور السياسي الذي تلعبه منظمات المجتمع المدني المرتبطة بأحزاب سياسية؛ بنقل السياسات والأيديولوجيات عبر تقديم المساعدات الخيرية، ومن خلال المشاركة في المناسبات الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: كارثة الإسلام السياسي ومظلتها الغربية
في العراق مثلاً؛ تقوم هذه المنظمات التابعة للأحزاب الدينية، بتنظيم الحملات التوعوية والدعوية، على هامش المناسبات وحفلات الزواج الجماعي، لاستقطاب المواطنين بشكل مذهبي، فيتم الترويج لارتداء الحجاب من سنّ التكليف الشرعي، وهو عند الشيعة تسعة أعوام، وهكذا، وتحت ستار الخدمات الاجتماعية، يجري تحقيق أهداف مذهبية وسياسية.

اقرأ أيضاً: هل فشل الإسلام السياسي في غزة.. ولماذا؟
في كتاب "عودة الله"، للباحثين دافيز وروبنسون، جرت دراسة وتحليل تجربة الحركات الإسلامية في مصر، من خلال جماعة الإخوان المسلمين، مع دراسة حركة يهودية في إسرائيل، وأخرى مسيحية في إيطاليا وأمريكا، هذه الحركات على اختلافاتها الدينية، ثبت من خلال الدراسة أنَّها تستخدم الإستراتيجيات نفسها، وتمارس الأدوار المتعددة نفسها، الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والتربوية والسياسية، فهذه الأدوار دوماً تأتي مترابطة، وبناء عليه يمكن القول، ومن خلال العديد من الدراسات؛ إنّ كلّ منظمة تقوم بمنح مساعدات، يكون لديها أجندة سياسية، طالما ارتبطت بحزب سياسي؛ حيث تقوم بإشباع الحاجات في مقابل التصويت.

لا يوجد خطاب يساري حقيقي في المنطقة

فشل اليسار اجتماعياً

لماذا نجحت جماعات الإسلام السياسي اليمينية في حشد الفقراء للتصويت لها، فيما فشلت الحركات اليسارية، رغم أنَّ هذه الطبقات الفقيرة تمثل قضية اليسار الرئيسة؟
هذا سؤال في غاية الأهمية، دعني أولاً أطرح تساؤلاً مقابلاً، من الذي يمثّل اليسار في العالم العربي؟

نجحت الأحزاب الإسلامية في جذب الفقراء من خلال إعطائهم الفتات لسد رمقهم مقابل كسب ولائهم السياسي

فالشيوعية، بحسب ما جاء في البيان الشيوعي لماركس، تعني إلغاء النظام الرأسمالي، وإلغاء العمل المأجور، باعتبار أنَّ فائض القيمة يمثل جوهر النظام الرأسمالي، يتم ذلك عبر سيطرة الطبقة العاملة على السلطة، وإقامة النظام الاقتصادي الاشتراكي، هذا ما أفهمه من الشيوعية، فما هو الحزب اليساري الذي قام بتبني هذا الخطاب، أو عمل على تطبيقه؟ بحسب معرفتي؛ لم أرَ جهة يسارية تتمحور حول هذه النقطة، الحزب الشيوعي العراقي وحده طرح فكرة إلغاء العمل المأجور، وإلغاء الرأسمالية، لكنّه طرحَ في المقابل فكرة الديموقراطية والتنمية، والتنمية مفهوم رأسمالي محض.
هل كان هناك خطاب يساري حقيقي في المنطقة؟ لا أعتقد، الخطاب كان موجوداً في روسيا العام 1917، ثم اختفى بعد ذلك.

اقرأ أيضاً: في غياب السؤال النظري لدى الإسلام السياسي
نجحت الأحزاب الإسلامية في جذب الفقراء عن طريق الزبائنية؛ أي أصل إلى الفقير، ثم أعطيه الفتات ليسدّ رمقه، مقابل كسب ولائه السياسي، ونتيجة وجود الفقر في المنطقة، تمكّنت تلك الحركات من الوصول إلى قطاع عريض، مع وجود الإمكانيات المالية، أعطت للفقراء وأخذت المقابل، وهو الولاء السياسي، وهذه هي الزبائنية ببساطة، استغلال فقر الناس لتحقيق أهداف سياسية.