كيف يواجه الفنان جيلالي بوجمعة التطرف بالفن؟

1734
عدد القراءات

2017-12-12

"كنت، وما أزال، جندياً أخوض المعركة ضد الأصوليين المنحرفين، والتكفيريين المتطرفين، ببندقية الخشبة، ورشاش الفكر وسيف الإبداع"، فما الفنّ إذا لم يواجه التطرف؟" كلمات وردت على لسان جيلالي بوجمعة، الذي وهب كل حياته لتكوين جيل من الشباب المنفتح على ثقافة الآخر، والمندفع إلى حبّ الحياة، والمؤمن بقيم الحرية قبل قيم الجمال.

أب المسرح الهاوي: أخوض معركتي ضدّ الإرهاب ببندقية الخشبة ورشاش الفكر وسيف الإبداع

يقول الفنان الجزائري: "أن تحمي شاباً واحداً من السقوط بين أيدي التعصب والفكر الظلامي، إنجاز رائع لا يقدَّر بثمن، وهذا ما عملت عليه يومياً".

واستذكر بوجمعة، في حوار مع "سكاي نيوز"، على هامش مهرجان دبي السينمائي، الكثير من الفنانين، أمثال: عبد قادر علولة، وصيراط بومدين، الذين اغتالهم الإرهاب، وكانوا ضحية أفكار تكفيرية زُرعت في عقول الشباب، للتضليل بهم، رغم أنّهم كسروا حاجز الخوف والممنوع، واستطاعوا إيصال إبداعاتهم إلى الناس.

أن تحمي شاباً واحداً من السقوط بين أيدي التعصب والفكر الظلامي إنجاز رائع لا يقدر بثمن

"أب المسرح الهاوي"، كما يلقبه الجزائريون، يروي تفاصيل العقود الخمسة التي أمضاها على خشبة المسرح، ممثلاً ومخرجاً ومدرباً، وكيف سهّلت عليه مهمة التعامل مع الآخرين، ويؤكّد أنّه "ليس ممن يحبون سرقة الأضواء لإبراز نفسه، بل لرسم الابتسامة على وجوه الآخرين، ودعوتهم إلى قلبه، مؤكداً أنّ تجربته المسرحية بنيت على الفعل ونقل الإحساس الحركي في (مسرح الموجة)، الذي أنشأه على شاطئ مدينة مستغانم"، المكان الذي نسج فيه تلك العلاقة الأسطورية مع مسرح الهواة؛ إذ بدأ ممثلاً في التاسعة عشر من العمر، ثمّ اختار أن ينشئ مسرحه الخاص، ومدرسته الخاصة، دون أن يفكر في ما سيتطلبه ذلك من إمكانيات مادية، وجهدٍ بدني.

بوجمعة يستذكر فنانين كباراً اغتالهم الإرهاب فقط لأنهم كسروا حاجز الخوف والممنوع

ولدى سؤال بوجمعة عن تجربة البطل، التي خاضها في فيلم "إلى آخر الزمن" للمخرجة ياسمينة شويخ، أوضح، دون تردد، أنّ "علاقته بالفنّ السابع، ليست أكثر من استراحة محارب أتعب الخشبة ولم يتعب"، لافتاً إلى أنّ قرار المشاركة في هذا الفيلم لم يكن سهلاً.

وأضاف أنّ الأمر تطلب أشهراً من "المفاوضات" مع صاحبة المشروع، وقراءة متأنية للسيناريو، وتفكير طويل في شخصية "حفّار القبور" التي جسدها.

ويسرد الفيلم قصة لقاء غريب يجمع رجلاً في عقده السادس بأرملة تزور قبر زوجها الراحل، ثم تتطور أحداث اللقاء إلى حميمية غامضة بين الشخصيتين، ويتخلل كل ذلك مشاهد تعج بالمفارقات، وبصور التناقضات الاجتماعية في جزائر اليوم.

وقد تكون هذه الالتفاتات الذكية من المخرجة، كما يقول بوجمعة، هي ما شجعه على دخول المغامرة، و"خيانة" علاقته الأزلية بالخشبة.

يذكر أنّ أستاذة الأنثروبولوجيا الأمريكية جين غودمان، التي أمضت عدة سنوات في الجزائر، لأغراض أبحاثها الأكاديمية، وتعرفت، عن قرب، على جيلالي بوجمعة، تقول في أحدث كتبها: "المسرح في الجزائر، هو المجتمع، والمجتمع مسرح في الجزائر".
الفنان بوجمعة، استحدث "مسرح الموجة"، وكان أحد أقطاب الحركة المسرحية في مدينة مستغانم، مهّد مسرح الهواة في الجزائر، وقلعته الأولى.

متخصص في تدريب الممثلين، وتهيئتهم جسدياً، حتى يكونوا أكثر مرونة في أداء أدوارهم، وبعد سنتين من تأسيس مسرح مستغانم للهواة، سنة 1967، على يد الراحل الجيلالي بن عبد الحليم وآخرين، وجد جيلالي بوجمعة نفسه ضمن فرقة "فنّ الخشبة"، التي سرعان ما غادرها ليؤسس مسرح الإشارة مع الفنان جمال بن صابر، لكنّه غادر تلك الفرقة باحثاً عن نوع من المسرح يشبهه كثيراً، ويعبّر عن نظرته الخاصة لهذا الفنّ، وسرعان ما تجسدت تلك الفكرة سنة 1978، دون إمكانياتٍ، ولا فضاء، وتم ذلك في إحدى غرف البيت الذي يسكنه، وبعد ذلك بسنتين، استطاع أن يقنع السلطات المحلية بتحويل حانة قديمة، تقع على شاطئ صلامندر بمستغانم، وكانت قد تأسست إبان الاحتلال الفرنسي، إلى مسرحٍ بسيطٍ وجميلٍ، تعرض فيه أجمل العروض المسرحية.

جيلالي، الذي أسس فرقة "الموجة" في إحدى غرف بيته، كانت حياته مسرحية بامتياز، فمنقضة السجائر التي يستعملها هي هيكل عظمي لسمكة "التونة"، حتى أولاده من هواة المسرح، مثلما كان ذلك مع ابنتيه أمينة وهاجر، ولأنّ الحانة، التي حوّلها إلى مسرح، تقع بالقرب من بيته، فإنّ حياته أصبحت أشبه ما تكون بخشبة مسرح تتنقل بين البيت ومسرح الموجة.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: