السودان... عملية "الطائر الطنان" النسخة الإخوانية

1440
عدد القراءات

2018-05-06

أحمد يونس

لا يدري أحد، أو حتى يستطيع التكهن بما قد يحدث في السودان في غضون الأيام أو الأشهر القريبة المقبلة، فالأزمة الاقتصادية «استحكمت حلقاتها»، فأنهكت هياكل البلاد، وطحنت عظم المواطنين، وحمي صراع السلطة، ليس بين الحكومة ومعارضيها وحدهم، بل حتى داخل المجموعة المتنفذة نفسها.

وانتقلت «الخلافات والصراعات المكتومة» لعقود من دائرة التذمر والهمس إلى العلن، في شكل تصريحات صادرة عن القادة وأحاديث المسؤولين وتذمر المواطنين وأصوات المحذرين من تغيير قد يؤدي إلى «انهيار الدولة»، وتحركت رمال البلاد كلها باتجاه تغيير وشيك، أطرافه معارضون وحكوميون، وإسلاميون وعسكريون.

ويخشى على نطاق واسع من نسخة سودانية لما عرف إبان «ألمانيا النازية» بـ«عملية الطائر الطنان» أو «ليلة السكاكين الطويلة». خلال تلك العملية، نفذ الجيش النازي سلسلة تصفيات سياسية ضد فرقتين شبه عسكريتين اتسمتا بالعنف والطموح، وقتل في ليلة واحدة أكثر من 85 من قيادات الفرقتين، رغم دورهما في تثبيت أركان النازية. ثم استغل أدولف هتلر الحادث لتصفية منتقدي حكمه من بين قادة الجيش النازي الذين نفذوا العملية التي أخذت الاسم الكودي: «الطائر الطنان»!

في محاولة للملمة الصراع الإسلاموي، شهد المقر الكلاسيكي للإسلاميين السودانيين، بضاحية العيلفون شرق الخرطوم، يوم الجمعة 27 أبريل (نيسان) الماضي، أعمال اجتماع مجلس شورى الحركة الإسلامية (الاسم الكودي لإخوان السودان)، بعد تعثر طويل راجت أثناءه أحاديث عن اتجاه لحل الجناح الآيديولوجي للنظام السوداني (الحركة الإسلامية)، أو في أحسن الأحوال دمجه في الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني)، الذي حين أنشئ كان الهدف أن يكون واجهة لها.

وعلى غير العادة، عقد الاجتماع في سرية تامة، بعيداً عن كاميرات وأعين الصحافيين والإعلاميين، ولم تسمع وسائل الإعلام به إلا بعد أن أكمل انعقاده وأعلن توصياته. وأهم أجندة في هذا الاجتماع كانت «حسم مستقبل الحركة»، بين حلها ودمجها وتذويبها في الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني)، لكن الاجتماع خلص إلى تعزيز وجودها، وقرر عقد مؤتمرها العام في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، بعد إلغائه - أو تأجيله - لعام كامل.

واللافت في الاجتماع كان حضور الرئيس عمر البشير، بصفته رئيساً للهيئة القيادية العليا، بعد أن راج قبلها أنه «غاضب» عليها، وأن ما يتم تداوله بشأن حلها يجئ بإيعاز منه شخصياً، لكن مشاركته في اجتماع الجمعة قد تؤكد تغيراً في موقفه، لكن بعض المحللين رأوا أن القصد من المشاركة «الإشراف مباشرة» على ما قد يدور في كواليس الاجتماع. وما يعضد هذا التحليل غياب نائبه الأول رئيس الوزراء بكري حسن صالح، ساعده الموثوق الذي يشغل في الوقت ذاته منصب نائب رئيس الهيئة القيادية، أي تطبيق لـ«ثنائية تبادل الأدوار».

الرئيس البشير، الذي يتردد أنه على خلاف مع بعض رموز وقيادات الحركة الإسلامية التقليدية، طلب في كلمته للاجتماع «إفساح المجال أمام الشباب» في الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، ورهن مستقبل البلاد بمشاركتهم، كما طالب بحسب صحيفة «الصيحة»، المملوكة لأحد أقاربه، بالنزول للقواعد ودعمهم، بمواجهة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، بما يمكن تفسيره بأنه دعوة للقيادات التاريخية للتنحي.

ومنذ الانقلاب الذي نفذته الحركة الإسلامية السودانية في 30 يونيو (حزيران) 1989، فإن الصراعات بين الإسلاميين الحاكمين بدأت ولم تنته؛ بدأت أثناء عملية التمويه الماكرة لإخفاء هوية الانقلاب، التي كشفها الترابي بمقولته الشهيرة ساعة الانقلاب: «قلت للبشير: اذهب إلى القصر رئيساً، وسأذهب إلى السجن حبيساً».

وتم حبس الترابي مع قادة الأحزاب والحكم المنقلب عليه تمويهاً، وراج بعدها أن نائب الترابي وقتها، علي عثمان محمد طه، أبقى شيخه في السجن أكثر من الفترة المتفق عليها، ورتب الأوضاع بحيث تمكنه من السيطرة على مكامن القوة في النظام.

اللعبة الماكرة لم تنطل على المعارضين ورفاق الحبس، ونقل عن زعيم الشيوعيين الراحل محمد إبراهيم نقد أنه قال للترابي في المعتقل: «كفاك سجناً، فقد جاملتنا كثيراً»، لكنها على ما يبدو انطلت على إسلاميين كثر فأصبحوا «شاهد ما شافش حاجة»، ما أتاح لمجموعة طه التمكين على حساب قائدهم التاريخي.

وتردد بعد فترة من عودة الترابي للأضواء أنه «حل» الحركة الإسلامية لصالح حزب المؤتمر الوطني، الذي أنشئ في الأصل ليكون واجهة أكثر مرونة للإخوان السودانيين، ومنح قادتها «مصحفاً» فهم منه أن حركتهم أصبحت خارج اللعبة السياسية فعلياً.

ثم تواصل التذمر والتنافس و«التعارك» بين الإسلاميين الحاكمين، الذين انقسموا إلى تيارين: «القصر» وهو موال للرئيس، و«المنشية» الموالي لحسن الترابي، نتيجة لما عرف بـ«مذكرة العشرة»، التي وقعها عشرة من قادة الإسلاميين البارزين ضد الترابي، وأدت لاحقاً إلى «المفاصلة» التي قسمت الإسلاميين في الرابع من رمضان 1999.

وبحسب مقال للسياسي المعارض علي السيد، فإن من أعدوا مذكرة العشرة دفعتهم السلطة لمواجهة «كبيرهم الذي علمهم السحر»، أو أنهم لم يقدروا الأمر حق تقديره، وأن الترابي حين رأى أن أمر المذكرة يستهدفه مباشرة وشخصياً، اختار أن ينازلهم في ميدان الحزب الحاكم، مستعيناً بقواعد الحزب وجماهيره، ولسان حاله يقول: «الفيصل هو الجماهير والقواعد، والعمل عبر مؤسسات الحزب وأجهزته، وليس التدبير بليل، كما حدث بشأن مذكرة العشرة، التي حجبت عنه وتفاجأ بها تماماً في لحظة تقديمها».

يقول السيد إن الترابي حقق انتصاراً تكتيكياً حصل بموجبه على إعادة انتخابه أميناً عاماً للحزب الحاكم، وبذلك سجل نصراً تكتيكياً مؤقتاً على أصحاب المذكرة، فاستعانوا عليه بما سماه الكاتب «السلطة القاهرة وسيف الرئيس»، فسارع في الرابع من رمضان 1999 بحل المجلس الوطني «البرلمان»، الذي يترأسه الترابي ويقود عبره معركته، ثم أعلن حالة الطوارئ في البلاد.

بتلك القرارات، أبعد البشير «الإسلامي» شيخ الإسلاميين نهائياً عن دائرة التأثير، وراجت مقولة أن «الثورة السودانية أكلت أباها»، ولم يكتف الرئيس البشير بحل المجلس الوطني، بل جمد الأمانة العام للحزب الحاكم، التي كان يقودها الترابي أيضاً.

ولم تتوقف الانشقاقات و«الصراعات» داخل جسد الإسلاميين السودانيين بعد ذهاب الترابي، وتأسيسه للحزب الضرار «المؤتمر الشعبي»، فبعد انفصال جنوب السودان في يوليو (تموز) 2011، برزت إلى السطح جماعة «سائحون»، وهي جماعة مكونة في الأصل من مقاتلين (مجاهدين) سابقين إبان الحرب مع جنوب السودان، وقدمت ما عرف بمذكرة «الألف أخ»، وطالبت بإجراء إصلاحات إدارية، لكنها كانت أكثر حصافة لأنها أقرت بقاء الرئيس البشير رئيساً للحزب والدولة.

ثم جاءت مجموعة أخرى، تكونت أساساً من «أساتذة جامعات»، وانتقدت في مذكرات الأداء السياسي للنظام الحاكم، في 28 سبتمبر (أيلول) 2013، ولكن النظام قمع الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد آنذاك، ومن أبرز قادتها الإسلامي غازي صلاح الدين.

وبلغ الصراع بين هذه الجماعة ومركز السلطة وقتها (الحزب) ذروته، فبعض رجال الحزب اعتبر ما قاموا به «تطاولاً» على سلطة الحزب والدولة، فتكونت لجنة محاسبة ل 46 قيادياً وموقعاً على المذكرة، قررت في 21 أكتوبر 2013 تجميد عضوية بعضهم في الحزب الحاكم، وفصل آخرين، وتكونت تبعاً لذلك «حركة الإصلاح الآن»، بقيادة غازي العتباني.

ثم توالت أجواء الصراع تباعاً، وبلغت ذروتها بقرارات الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2013، التي أطاحت برجلي الإسلاميين القويين: علي عثمان محمد طه ونافع علي نافع، وعدد آخر من كبار المسؤولين. وقيل وقتها إن الغرض من إبعادهم «إتاحة الفرصة للشباب»، لكن التشكيلات الحكومية اللاحقة لم تلتزم بالشباب كثيراً، إذ أبقت على عدد كبير من «شيوخ الحكم» في مواقعهم، وأبرزهم رئيس الوزراء الحالي بكري حسن صالح، ورئيس المجلس الوطني إبراهيم أحمد عمر، إضافة للرئيس عمر البشير.

ووصفت المعارضة وقتها ما حدث بأنه «انقلاب»، ونقلت «الشرق الأوسط» عن المتحدث باسم تحالف المعارضة الموالي لحزب الترابي، كمال عمر، تشكيكه في الرواية الرسمية، وقوله: «هذه إقالة كاملة الدسم»، وقوله: «الرئيس منذ فترة يبحث عمن يطمئن لهم في مقبل حياته، لذا اختار أكثر الناس قرباً له، وهو نائبه الأول الجديد بكري حسن صالح».

ونسبت الصحيفة إلى عمر أن الرئيس البشير غير مطمئن لنائبه الأول، وأنه أجرى ترتيبات كثيرة الهدف منها إقصائه ومجموعته، وأنه لم يعد يرغب في سماع أصوات معارضة تحول بينه وبين وضع كل السلطات تحت يده، وقوله: «المقالون يضمرون شراً كبيراً للنظام، لكنهم انحنوا للعاصفة مؤقتاً».

المجموعة المعزولة نفسها ليست على وفاق، فقد تم تداول واسع عن صراع قوي بين طه ونافع على خلافة البشير، ظهر أول مرة بشكل لافت في مؤتمر شورى الحزب الحاكم في 2015، الذي انتهى بانقسام غير معلن، وانعكس على انتخابات 2015 التي خالفت نتائجها النسبة المألوفة للفوز (99.9) في المائة من جملة الأصوات، وتردد وقتها أن مخاشنة أعقبت الانتخابات، اتهم فيها الرئيس قيادات لا ترغب في ترشيحه بأنها خططت لتلك النتيجة المخيبة لآماله.

لكن الصراع تجدد وأخذ شكلاً جديداً مع قرب نهاية الدورة الرئاسية الحالية، التي ينص الدستور على أنها الأخيرة للبشير في السلطة، متمثلة في تيارين: يدعو أحدهما لتعديل الدستور لإتاحة دورة رئاسية جديدة للرئيس، والآخر يدعو للالتزام بالدستور، واختيار رئيس جديد من بينهم.

ورغم أنف الدستور، الذي ينص على أن الدورة الحالية للرئيس البشير في الحكم هي الأخيرة، نهضت حملة منسقة في الولايات وبعض الدوائر تدعو لتعديل الدستور، وإعادة ترشيح الرئيس البشير مجدداً في انتخابات 2020، بل وأطلق بعضهم تصريحات مثل «الدستور ليس قرآناً»، وهم يستندون أساساً إلى فرضية أن أوضاع البلاد لا «تحتمل تغييراً»، ومن الأنسب التجديد للبشير.

ويقود هذه المجموعة من خلف الكواليس النائب الأول السابق علي عثمان محمد طه، وعدد من العسكريين، وتبريرها المعلن أن بقاء البشير هو الضامن لعدم تفجر الأوضاع، لذلك تدعو لتعديل الدستور، وإتاحة دورة رئاسية أخرى للبشير. لكن المبرر غير المعلن أن «جماعة طه» لا تؤيد البشير إلا نكاية في مجموعة أخرى، وتلبس قضيتها ثوب الحرص على التيار الإسلامي من الفناء، بـ«الانحناء قليلاً» للموجة الدولية الآتية من الغرب، بتقليل نفوذ الإسلاميين في الحكم، والحيلولة دون القضاء على التيار الإسلامي كلياً.

أما المجموعة المناوئة، التي تعمل من خلف «الساتر»، فترى أن سكوت البشير على الحملة غير الرسمية لإعادة ترشيحه يعني رضاه عنها، وبالتالي خرقه لاتفاق «غير معلن» بأن يتنحى بحلول عام 2020، ليخلفه رئيس الوزراء الحالي بكري حسن صالح، ونافع علي نافع نائباً للرئيس.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة «السوداني» المستقلة، فإن صوت المجموعة المناوئة لإعادة ترشيح البشير لم يعد خافتاً. ويذكر التقرير أن أبرزهم نافع علي نافع وأمين حسن عمر، وآخرين يسندونهما سراً، ويضيف: «إنهم يتسمون بالقدرة على المواجهة، والوضوح في مواقفهم دون مواربة، ولبعضهم وجود قاعدي معتبر، يراهن عليه في حسم الأمر».

الرئيس البشير بدوره، ورغم أنه لم يعلن بعد تراجعه عن تصريحاته السابقة بزهده في الحكم، اتخذ إجراءات وقرارات أعفى بموجبها بعض رموز الحكم، وعين بموجبها آخرين.

ومن بين القرارات المثيرة التي اتخذها أخيراً، قراره إعادة مدير الأمن والمخابرات السابق صلاح عبد الله «قوش» إلى منصبه، بعد عزله عنه قبل عقد من الزمن، بل واتهامه بالضلوع في انقلاب عسكري، بالتعاون مع عسكريين إسلاميين، أبرزهم العميد محمد إبراهيم «ود إبراهيم»، وسجنه في محابس جهازه التي أسسها بنفسه، قبل تقديمه للمحاكمة ثم الإفراج عنه.

وتروى الخرطوم حكاية «عودة قوش» بعدد من الروايات التي تقول إن الرجل لم يكن مشاركاً في انقلاب من حيث الأصل، لكن مجموعة من إخوانه الإسلاميين انتهزوا فرصة انقلاب العميد محمد إبراهيم «ود إبراهيم»، وألحقوه به لإبعاده من طريقهم، فيما تقول رواية أخرى إنه كان ضالعاً في ذلك الانقلاب، لكن موازين القوى والاصطراع الداخلي اضطرت البشير للاستعانة به، ليس ضد المعارضين بل ضد «إسلاميين» يملكون نفوذاً داخل الأجهزة الأمنية والاستخبارية، يشكل وجودهم خطراً على بقاء الرئيس.

وفي حكومته الأخيرة، حرص الرئيس على توظيف «عسكريين» في مناصب مهمة، فقد أوكل منصب رئيس الوزراء إلى رفيقه ومرافقة خلال حكمة بكري حسن صالح، ثم أوكل منصب وزير المالية لعسكري، وأعاد تكوين هيئة الأركان العامة بهيئة جديدة، وضع على رأسها العميد كمال عبد المعروف، بديلاً لرئيسها السابق عماد الدين عدوي.

ويقول القيادي الإسلامي رئيس جهاز الأمن الأسبق د. قطبي المهدي إن «أزمة» إعادة انتخاب الرئيس لدورة رئاسية جديدة أربكت حزب المؤتمر الوطني الحاكم، لأنها جاءت من خارجه في شكل تأييد من الولايات ومناسبات جماهيرية.

ويرى المهدي أن طرح قضية إعادة انتخاب الرئيس قبل أوانها استفزت قيادات حزبية، فخرجت عنها تصريحات متضاربة، بعضهم أيد الفكرة دون تحفظ، فيما اعترض عليها بعضهم، مضيفاً: «وضعت الحملة الحزب في حرج بالغ لأنه لم يستطع أن يقول رأياً مؤسسياً، وكان عليه التدخل كمؤسسة، لكنه لم يستطع أن يقول أي شيء».

ووصف المهدي في تعليقه على استفسار «الشرق الأوسط» عجز الحزب الحاكم عن تقديم رأي مؤسسي، وفشله في تحديد توجه جاد من المسألة، بأنه ضعيف، وقال: «للأسف، المؤتمر الوطني أصبح حزباً ضعيفاً خائفاً غير قادر على أخذ زمام المبادرة».

وأرجع المهدي تضارب المواقف بين قيادات الحزب إلى حالة الارتباك التي تشهدها الساحة السياسية، وإلى فشل الحزب في قول رأيه كمؤسسة بوضوح.

ومنذ أعوام، كان المهدي قد أعلن لـ«الشرق الأوسط» أن صلاحية حكومة الإنقاذ الحاكمة في السودان لأكثر من 3 عقود قد انتهت، بمقولته الشهيرة: «الإنقاذ دواء جيد انتهت صلاحيته». ومثله يتساءل الكاتب يس أبو صالح، وفقاً لموقع «راديو دبنقا»، لكن بلغة معارضة، عما إن كانت دورة حكم الإسلاميين للسودان قد اكتملت، وأن التحالف بينهم وبين العسكر قد بلغ ذروته، ويقول: «هناك مؤشرات كثيرة تدلل على أن التحالف القائم بين الإسلاميين والعسكر يلفظ أنفاسه».

والخطوات المتسارعة نحو صدام أو صدامات تطرح سؤالاً في غاية الأهمية حول لحظة المواجهة، سؤالاً لا يكتفي المحللون بمجرد طرحه، بل يذهبون إلى أن صراعات الإسلاميين تذهب باتجاه مواجهة وشيكة بينهم وبين العسكريين، بعد انتقال الأمر من الكواليس إلى العلن. وبرز ذلك في تصريحات على ألسنة مسؤولين رفيعي المستوى أشاروا دون مواربة إلى «مؤامرات يطلقها البعض»، بل يهمس بعضهم بأن «الأزمة الاقتصادية» الحالية، وما نتج عنها من أزمة المحروقات وارتفاع كلفة المعيشة، نتيجة تخطيط «إسلاميين» يسعون إلى الضغط على العسكريين ومؤيدي الرئيس لإفشالهم.

وجاء تحذير نائب الرئيس لشؤون الحزب ومساعده في الرئاسة د. فيصل حسن إبراهيم، في مخاطبة حزبية بحاضرة ولاية جنوب كردفان، مدينة كادوقلي، من تصفية الحسابات، مستخدماً مصطلح «الحفر»، ويعني التآمر المكتوم، تجاوزاً جريئاً للهمس إلى العلن. فقد نقلت عنه صحف الخرطوم تحذيره شديد اللهجة من التآمر الداخلي في الحزب الحاكم.

كما أن قيادياً إسلامياً شهيراً ومعروفاً بمواقفه الناقدة للنظام قطع بأن «العسكريين» بشكل عام ينحازون إلى «رفاق السلاح»، بغض النظر عن انحيازاتهم الآيديولوجية. وفي حال نشوب مواجهة بين «العسكري» البشير وإسلاميين، عبر تنظيماتهم و«ميليشياتهم» الخاصة، فإن العسكر سيتحدون «خلف قائدهم».

والقيادي الإسلامي، الذي تحفظ على ذكر اسمه لأول مرة، أشار أيضاً إلى دور جهاز الأمن والمخابرات الذي أعيد إليه «قوش» لـ«تطهيره» من العناصر الإسلامية المناوئة للرئيس، كما ألمح إلى أن قوات «الدعم السريع»، التي لا علاقة لها بالإسلاميين بل بقائدها و«مكونها»، لن تتردد لحظة في حسم أي «شغب إسلامي أو غير إسلامي» ضد البشير.

ومع تفاقم الأزمات، وانسداد آفاق الحلول، يضع الجميع أيديهم على قلوبهم، مستبطئين أو مستعجلين «عملية الطائر الطنان»، أو «ليلة السكاكين السودانية الطويلة»، وهو السؤال الوجودي الذي طرحه الكاتب المعارض فتحي الضو قبل فترة: «هل يمكن أن يؤدي اختلاف الرؤى والآراء بين الفرقاء لأن نشهد (ليلة السكاكين الطويلة) السودانية، بدوافع حب السلطة، وفقه المصالح، وغريزة البقاء»؟!

عن "الشرق الأوسط"

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كتل نيابية وخبراء: حزب الله "عقدة" أمام مطالب اللبنانيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

أحمد فتحي

قالت كتل نيابية لبنانية وخبراء بالشأن السياسي، في أحاديث خاصة لـ"العين الإخبارية"، إن مليشيا حزب الله تقف خلف "عقدة التشكيل"، وأنها تلعب "دورا معطلا" لحلحلة الأزمة الحالية، مشيرين في الوقت ذاته إلى محاولاته منذ بداية الانتفاضة على "تقويض الثورة".

ورغم مرور نحو أسبوعين على استقالة سعد الحريري من الحكومة، لا تزال الأزمة اللبنانية "محلك سر" حتى اللحظة، بسبب تعثر التوصل إلى اتفاق بين الفرقاء السياسيين على شكل وطبيعة الحكومة المزمع تشكيلها، في وقت تأخذ فيه الاحتجاجات زخما جديدا كل يوم مع إطالة أمد حل الأزمة.

ولم تسفر المشاورات التي يجريها الرئيس اللبناني ميشال عون مع كتل نيابية وقوى سياسية مختلفة طيلة الفترة الماضية، عن اختراق حقيقي لجدار أزمة التشكيل، فيما تتجه أنظار الجميع إلى ما سيعلنه عون، مساء اليوم في حواره مع إعلاميين وصحفيين يتناول فيه التطورات الراهنة.

وبخلاف موقف الشارع الذي يتمسك بضرورة تشكيل حكومة "تكنوقراط" (خبراء) من غير الحزبيين، يصر الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله على تشكيل حكومة تمثل المكونات السياسية، وهو ما جدد التأكيد عليه بدعوته إلى تشكيل "حكومة سيادية".

وكانت مصادر لبنانية مطلعة قد أكدت لـ"العين الإخبارية"، اليوم، أن رئيس الوزراء المستقيل سعد الحريري رفض كل العروض المقدمة إليه لتشكيل الحكومة الجديدة، ولا يزال متمسكا بشرط "التكنوقراط".

حزب الله يعتمد الحرب النفسية

وقال الدكتور سليم الصايغ نائب رئيس "حزب الكتائب" في حديث لـ"العين الإخبارية" عبر الهاتف من بيروت: "حزب الله لا يدخر جهدا ناعما أو خشنا متاحا له لتقويض هذه الثورة".

وأوضح قائلا: "هو (حزب الله) وعد أن تصريف الأعمال من قبل الحكومة المستقيلة سيكون طويلا، وهو ما نحن بصدده، ويعتمد الحرب النفسية أيضا من أجل تعزيز منعته الداخلية، وزرع القلق عند الآخرين، وهي تكتيكات أصبحت مكشوفة من قبل الجميع".

وشدد نائب رئيس حزب الكتائب (كتلته النيابية تتشكل من 3 نواب) على أنه "لا حرب أهلية في لبنان، ولا عودة إلى العنف والخيار الوحيد هو الخيار السلمي شاء حزب الله أم أبى".

وأكد الصايغ أن شكل الحكومة الأنسب هو "تكنوقراط من الخبراء ومستقلة، من أجل إدارة ملفات واضحة أهمها الإشراف على انتخابات نيابية مبكرة، والالتزام بسلة الإصلاحات المالية والسياسية المعروفة".

التقاط الإشارات والاستجابة للشارع
ومن جهته، دعا رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق فؤاد السنيورة حزب الله أن يلتقط الإشارات الواضحة والعمل بموجبها مما يجري في لبنان، وهناك إشارات مماثلة فيما يجري بالنسبة لأحزاب شقيقة له بالعراق.

وأكد السنيورة في تصريح لـ"العين الإخبارية" أن الإنكار لن يفيد، ولن يجدي وعليه الاستجابة لهذا المد الشعبي الكبير من الشباب والشابات.

وواصل السنيورة: "على حزب الله وجميع الكتل النيابية والقوى السياسية التوصل إلى حلول تتجاوب مع أفكار الشباب في الساحات، ومع ما يحتاجه لبنان من تناغم مع المتغيرات الجارية في لبنان وحولنا، ويلبي الحاجة إلى إجراء الإصلاحات اللازمة السياسية والمالية والاقتصادية".

الإفلات من فكي الكماشة
كما أكد خبراء وسياسيون لبنانيون دور حزب الله "المعطل" لحل الأزمة.

وقال فادي عاكوم المحلل السياسي اللبناني إن "وجود حزب الله في الحياة السياسية كتنظيم عسكري وسياسي معا وتابع لجهة خارجية وهي الحرس الثوري الإيراني، هو أمر يعرقل جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان".

وبيَّن عاكوم أن حزب الله يرى في إسقاط حكومة سعد الحريري بهذه الطريقة تهديدا مباشرا لسلاحه وإسقاطا لحكومة العهد الذي كان يسيطر على الرئاسات الثلاثة (الحكومة والبرلمان والجمهورية).

وأكد المحلل السياسي اللبناني أن حزب الله يحاول "الإفلات من فكي الكماشة" عبر تقويض أي عمل سياسي مقبل في البلاد، لإبقاء الأوضاع كما هي عليه، أو العودة لشكل الحكومة السابقة التي كان يسيطر على أغلبها، خاصة أن المنطقة تشهد انقلابا على سيطرة الحرس الثوري الإيراني، وهو ما يجري بالعراق.

وتوقع عاكوم عدم رضوخ حزب الله لمطالب الشارع، قائلا: "سيلجأ حزب الله إلى الضغط السياسي، وما لم ينجح في ذلك فربما سيقوم بمغامرة مجنونة ستكون بداية نهايته الفعلية في لبنان، حين فرض الحزب نفسه بالقوة في 7 مايو/أيار 2008"، مستدركا "لكن هذا السيناريو سيؤدي لانفجار الأوضاع في لبنان ومواجهات داخلية عديدة".

وكان الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، قد أكد في كلمته بـ"يوم الشهيد" أمس أنه يرفض الحديث عن تشكيل الحكومة، لأن التداولات مستمرة حولها حتى الآن، فاتحا الباب لتأويل حديثه على أنه إشارة منه لعرقلة هذا التشكيل. وتابع "لن أتكلم على وضع الحكومة الآن، لأن الاستشارات قائمة، وكل الأبواب مفتوحة للوصول إلى أفضل نتيجة لبلدنا".

وزاد "مطلب إلغاء الطائفية السياسية ليس مطلبا يُجمع عليه كل اللبنانيين".

حزب الله في موقف حرج جدا
من جهته، قال الدكتور محمد سعيد الرز، الكاتب والمحلل السياسي اللبناني، إن العقدة الأساسية لتحقيق مطالب الشارع في تشكيل حكومة من أخصائيين تترأسها شخصية وطنية نزيهة تتمثل في عقدة الثنائي "حزب الله - وحركة أمل".

وبيَّن "الرز" أن حزب الله لا يريد تغيير المعادلة السياسية القائمة، لارتباطها بحسابات محلية وإقليمية، مشيرا إلى أنه يريد الإبقاء على جميع الأوراق بيده، لأسباب مرتبطة بالواقع الإقليمي، حتى يثبت لطهران سيطرته على الأوراق السياسية، لذا عمل منذ البداية على توجيه الاتهامات للانتفاضة.

غير أن "الرز" أكد أن "جميع الأوراق أصبحت خارج يد حزب الله، فلم يعد هناك شارع في مواجهة شارع، بل هناك شوارع وساحات في مواجهة عقدة سياسية يحاول الحزب أن يستخدمها".

ورأى "الرز" أن حالة الحراك الشعبي وضعت حزب الله في "موقف حرج جدا" فلا هو قادر على التنكر لمطالب الانتفاضة التي تحمل شعارات الإصلاح ومحاربة الفاسدين التي طالما نادى بها، أو الرضوخ لها وتنفيذها، مردفا "فوجئ حزب الله بأن الانتفاضة الشعبية تحمل الأسلوب المدني والسلمي والإنساني والحضاري والوطني، لذا فشلت محاولات الأمين العام لحزب الله للهجوم المضاد عليها".

ورأى المحلل السياسي اللبناني أن الانتفاضة الشعبية أصبحت من القوة حتى تفرض رأيها، ولا تستطيع أي قوة تجاوزها، بعد أن استطاعت التأثير داخل معاقل حزب الله، مع امتداد مطالب الشارع لجمهور الحزب، وخلخلة الواقع الذي كان سائدا لمصلحة الولاء للبنان فقط.

وبخلاف توقعات الخبير السياسي "عاكوم"، استبعد "الرز" سيناريو نزول حزب الله للشارع بالسلاح على غرار ما جرى في 7 مايو/أيار 2008، حين اجتاح العاصمة بيروت، قائلا: "هذا السيناريو سيضع لبنان في طريق مجهول وسيؤدي لحدوث فتنة وسيسمح بالتدخلات في الشأن اللبناني من كل حدب وصوب".

كما شدد على أن مفهوم الحرب الأهلية انتهى في لبنان، ولم يعد بمقدور حزب الله وحركة أمل إعادة إنتاج الحرب الأهلية، وليس أمام الحزب إلا خطوة واحدة بأن يرضخ للإجراءات الإصلاحية ويتراجع قليلا، فالأمور لم تعد تحتمل المماطلة، حتى لو من باب المناورة لاستعادة دوره.

وعلى صعيد سيناريوهات الخروج من الأزمة اللبنانية الحالية، عاد الخبير السياسي "عاكوم" ليؤكد أن حزب الله ربما يوافق على تشكيل حكومة تكون بعيدة عن الوجوه التقليدية مع "تحييد الوزارات السيادية" عبر أشخاص يمثلون حل وسط بين جميع الأطراف وتعهدات داخلية لعدم التطرق لسلاح حزب الله خلال الفترة المقبلة، لافتا إلى أن "الحكومة ستكون أول خطوة من ألف ميل للتخلص من السيطرة الطائفية على المنحنى السياسي في لبنان".

أما الدكتور محمد سعيد الرز فأكد أن "حفاظ الانتفاضة الشعبية على وحدتها والتمسك بأهدافها والابتعاد عن التأثيرات الأجنبية ومحاولات الاختراق، هو الضامن لفك عقدة الثنائي حزب الله - حركة أمل، وسرعة تشكيل الحكومة الجديدة".

وميدانيا، سجل اللبنانيون في اليوم الـ27 للاحتجاجات التزاما شبه تام بالإضراب العام المصاحب بالعودة إلى استراتيجية قطع الطرقات في بعض المناطق.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

تغلغل الحركة الإسلامية في السودان لا يمنع تفكيكها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

محمد أبوالفضل

تحاول الحركة الإسلامية الحفاظ على مكاسبها السياسية والاقتصادية والأمنية في السودان وخارجه، وتسعى منذ الإطاحة بنظام الرئيس عمر حسن البشير في أبريل الماضي نحو تخفيف حدة الاحتقانات المنصبة على قياداتها وأدواتها وأذرعها، وتأجيل المعركة الحاسمة لأطول فترة ممكنة، حيث تريد خوضها بعد أن تعيد ترتيب أوراقها وتستعيد عافيتها وجاهزيتها، وتنتهي فورة الحراك الثوري الذي أطاح بها من على كرسي الحكم.

اضطرت السلطة الانتقالية السودانية أخيرا للتخلّي عن حذرها في التعامل مع الحركة الإسلامية، وباغتتها بخطوات متلاحقة لخلع أنيابها، استجابة لضغوط كبيرة مارسها تحالف إعلان الحرية والتغيير.

ويرى هذا التحالف أن نكبة السودان الحقيقية في ابتلائه بهذه الحركة والقوى المختلفة المتحالفة معها وتعمل تحت جناحها، وأي ترحيل أو تسويف في خوض المعركة يؤدي إلى صعوبة اقتلاعها من جذورها، ويساعد على تمترسها في خندق الدولة العميقة، ويقلّل من فرص التغيير الناعم، وقد يفرض الدخول في مواجهة مسلحة مكلفة.

قناة سياسية موازية

اتخذ مجلس السيادة في السودان خطوة مهمة الاثنين، وأقدم على حلّ ما يسمى بـ”مجلس الأحزاب الأفريقية”، وقرّر مصادرة ممتلكاته، وتحويل داره إلى مقرّ لمفوضية السلام، وهو معروف بأنه من أهم الواجهات السياسية للحركة الإسلامية، امتطته خلال السنوات الماضية لتسهيل دورها على الساحة الأفريقية، ومحاولة التغلغل إلى وجدان وعقل ساسة وجماهير من خلال شراكة مفتعلة مع عدد من أحزاب مؤثرة، وتحسين صورة السودان وتقديمه كواجهة مدنية لها وكدولة منفتحة على الجميع، لعدم حصره في شق النظام الإسلامي، بما يساهم في توسيع الأطر أمام الحركة وجذب أنصار جدد إليها.

تأسس هذا الكيان في عهد الرئيس المعزول عمر البشير عام 2013، من 45 حزبا تنتمي إلى نحو 25 دولة أفريقية، ورأسه نافع علي نافع، القيادي في الحركة الإسلامية، بغرض تطوير العلاقات مع الأحزاب الحاكمة في الدول الأفريقية، لكن أدت لعبة الصراع الداخلي إلى إقدام البشير على عزل نافع في أكتوبر من العام الماضي، وتعيين مساعده فيصل حسن بدلا منه.

تعزز الإطاحة الدرامية البعد البراغماتي لدى القيادات الإسلامية عموما، وتكشف أيضا الأهمية السياسية التي حملها “مجلس الأحزاب الأفريقية” لمن يرأسه بالنسبة للحزب الحاكم، فهو قناة اتصال موازية لوزارة الخارجية، وربما تفوقها في المردودات السياسية.

وامتلك المجلس من الصلاحيات ما جعله رأس حربة في رسم كثير من المعالم الإقليمية للسودان، وأفادته الصبغة الحزبية- الشعبوية في التوسع والانتشار دون ضوابط دبلوماسية.

وفي الوقت ذاته منحته مساحة للهروب من المحاسبة عند وقوع أخطاء، الأمر الذي حصد من ورائه حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك، وفوقه الحركة الإسلامية، مغانم مختلفة، فتعدد الجهات والأدوار مكّن الأخيرة من وضع أقدامها بالقرب من أحزاب أفريقية حيوية.

وفي الوقت ذاته منحته مساحة للهروب من المحاسبة عند وقوع أخطاء، الأمر الذي حصد من ورائه حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك، وفوقه الحركة الإسلامية، مغانم مختلفة، فتعدد الجهات والأدوار مكّن الأخيرة من وضع أقدامها بالقرب من أحزاب أفريقية حيوية.

تؤكد هذه المعطيات أن المواجهة مع الحركة الإسلامية السودانية وأفرعها لن تكون سهلة.

الأمر الذي تراهن عليه القيادات الكبيرة والوسيطة، مستفيدة من تراكم الأزمات الاقتصادية والأمنية التي تواجه السلطة الانتقالية، فكلما تعثرت خفّت حدة المطالبات للوفاء بالوعود التي قطعتها على نفسها أمام الشارع وقواه المصممة على عدم التراجع عن المواجهة، مهما كلفت البلاد، فاستمرار الحركة الإسلامية كجسم عنقودي متشعب يتمتع بمزايا نوعية يضع عراقيل كثيرة لتقدّم السودان على الصعيد الخارجي.

ولا يزال ملف الإرهاب يلاحق السودان في بعض المحافل الدولية، وما لم تتخذ السلطة الحاكمة خطوات جادّة على مستويات مختلفة، ظاهرة وخفية، سوف يظل شبحه يطاردها على الدوام، ولعل الموقف المعقّد من رفع اسم السودان من على اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب في مقدمة التحديات التي تحتاج وضع تصورات دقيقة للتخلص من الإرث الأيديولوجي الذي تركه البشير.

ويحتاج الموقف إجراءات عملية لإقناع دوائر أميركية باستكمال مهمة رفع العقوبات الاقتصادية، وفتح أفق جديد أمام البلاد، فالأزمة الخانقة تسهّل دور الحركة الإسلامية في القبض على زمام أمور رئيسية، وتعرقل عملية التخلّص من سيطرتها على بعض المؤسسات الرسمية، وتمنحها درجة من المرونة لتحجيم استهدافها.

بؤرة تشدد
فتحت الحركة الإسلامية أحضانها لشخصيات من دول مختلفة، وتحوّلت الخرطوم إلى بؤرة لتجمع قيادات متشددة، بعضها متهم في قضايا عنف وإرهاب، وكانت الأراضي السودانية معبرا أساسيا إلى دول أفريقية عديدة، ما أضاف أهمية نسبية لمجلس الأحزاب الأفريقية كواجهة يمكن من خلالها أن تتستر عناصر محسوبة على الحركة، وتمكينها من تلقي مساعدات لوجستية بلا منغصات سياسية أو بقليل منها.

خلقت هذه التوجهات عثرات كبيرة للحكومة السودانية الحالية، وفرضت عليها اتخاذ مجموعة من الإجراءات لتطويق الهيئات التي لا تزال تستغلها بعض العناصر الإسلامية، وتمارس أدوارا تسيء إلى السلطة الانتقالية، وتيقنت أن تأجيل الحسم وعدم وضع جدول زمني يمكن أن تترتب عليه نتائج أشد خطورة، توحي أن السلطة الانتقالية مترددة أو مخترقة من جانب شخصيات حزبية وأمنية تعمل على زيادة الارتباك في المشهد السوداني، وتعطيل التوجهات الراغبة في تقويض نفوذ الحركة الإسلامية.

طريق غائم
في هذه الأجواء، وجد السودانيون أنفسهم يدخلون طريقا غائما، لا يشعرون فقط بعدم وجود تغيير كبير في حالهم وأحوالهم، بل تسيطر على البعض هواجس بأن الحركة الإسلامية لم ينفرط عقدها، وتسعى إلى استهلاك المزيد من الوقت وبث الإحباط في نفوس المواطنين، وهو ما فرض على السلطة الانتقالية الإقدام على سلسلة من الخطوات السريعة تعزز عدم التوقف عن المواجهة، وتزيل الالتباس حول أي شكوك في وجود ارتدادات سياسية.

ظهرت معالم هذا الاتجاه في قضيتين، الأولى تتعلق بالإصرار على فتح محاكمات ما يسمى بـ”ثورة الإنقاذ” قبل ثلاثين عاما، واتخذتها وقتها الحركة الإسلامية مطية للقفز على السلطة، وتوجيه اتهامات مباشرة للقيادات التي لا زالت على قيد الحياة، بالتزامن مع عدم التراخي في محاكمة البشير عن الجرائم السياسية والأمنية التي ارتكبها، وإلحاح بعض القوى الحزبية على محاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية.

القضية الثانية، تخص حصول اللجنة المكونة من قوى الحرية والتغيير، والسلطة الانتقالية بفرعيها المجلس السيادي والحكومة، على دفعة معنوية قوية بشأن دراسة الجوانب القانونية والتداعيات السياسية لحل حزب المؤتمر الوطني، كواحدة من الواجهات التي يريد قادة الحركة الإسلامية إعادة الحياة لها وضخ دماء في شرايينها، حيث جرى انتخاب إبراهيم غندور وزير الخارجية الأسبق، بعد أن انقلب عليه البشير في أواخر أيامه، والإيحاء بالتجديد والانفصال عن المرحلة السابقة.

تتواءم هذه الخطوة مع قرار رئيس الحكومة عبدالله حمدوك، بإقالة عدد كبير من القيادات المنتسبة لحزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية عموما، وتغيير شريحة واسعة من الشخصيات المشكوك في انتماءاتها الوطنية وانحيازها للنظام البائد وعقيدته الدينية، وقام البنك المركزي في السودان بتجميد حسابات مصرفية لأسماء وشركات عمل مملوكة لقيادات إسلامية بارزة.

وأصدر يوسف آدم الضي وزير الحكم الاتحادي، الأسبوع الماضي، قرارا بتنظيم “لجان التغيير والخدمات” في الأحياء والقرى لتعزيز المشاركة الشعبية والتعبير عن احتياجات المواطنين، كنوع من الامتداد للجان المقاومة ومواصلة دورها ضمن ما يطلق عليه عملية الإصلاح المؤسسي والتنظيمي القاعدي لتقديم الخدمات والرقابة عليها.

ويلغي هذا القرار اللجان الشعبية والميليشيات التي أنشأها البشير كأذرع أمنية وسياسية ومجتمعية له في الشارع.

يحتاج تقويض الحركة الإسلامية في السودان خطوات مبتكرة على جبهات متعددة، فالفترة التي قضتها في السلطة ليست هيّنة، مكّنتها من الوصول إلى قواعد وفئات كبيرة في المجتمع، وأوجدت شبكة مصالح متداخلة، تجعل عملية اجتثاثها بحاجة إلى إرادة وحسم وتعاون مشترك من القوى الوطنية المتشرذمة حاليا، قبل حلول موعد الاستحقاق الانتخابي التشريعي الذي تستعد له الحركة جيدا لأنه سبيلها للعودة إلى الواجهة بصورة ديمقراطية.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

إيران... خسارة المبررات الجيو ـ عقائدية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

مصطفى فحص

لم يعد سراً أن القيادة الإيرانية تقود مباشرة عملية إجهاض الانتفاضة العراقية، وهي في الظاهر تدَّعي، أو تتصرفُ كأنها تقف إلى جانب نظام يواجه حالة تمرد وفوضى تأخذ العراق - أي عراقها - إلى المجهول، ولكنها ضمنياً - أي في عمق الأزمة - تدافع عن نفوذها ومستقبل نظامها، فالأزمة الإيرانية المركبة في العراق تأخذ أبعاداً حساسة تفرض على نظام الملالي خوض مواجهة قاسية ودموية حتى النهاية، حتى لو كانت نتائجها غير مضمونة، كونه يدرك حجم الارتباط ما بين مشروعه التوسعي ومشروعيته العقائدية التي تبدأ وتنتهي في العراق.
فبالنسبة لطهران، يمثل العراق ما بعد 2003 رمزية نفوذها وشرط استمراره؛ حيث تمكنت من خلال هيمنتها عليه من شرعنة توسعها الجيو - عقائدي، مستفيدة من عدة عوامل تربطها اجتماعياً وثقافياً وروحياً مع الأغلبية الشيعية في العراق، إضافة إلى صلتها التاريخية مع الحواضر الدينية والمدارس الفقهية (الحوزات). فمما لا شك فيه أن هذه العوامل الثابتة في العلاقة ما بين إيران والعراق، على مدى قرون، قد حققت لها مشروعية مركبة في نسج حضورها وتعزيز نفوذها، الذي تعزز بعد سقوط نظام صدام حسين نتيجة لظروف سياسية وأمنية معقدة دفعت شيعة العراق إلى أحضانها، ولكن نتيجة لتعاملها مع اللجوء العراقي الظرفي إليها بعقلية التبعية، وإلغاء الخصوصيات الوطنية العامة والاجتماعية الخاصة، انفجرت بوجهها الحساسيات الوطنية والثقافية، خصوصاً في البيئة الشيعية، وتحولت إلى تمرد شعبي شبابي؛ فاجأها وفاجأ وكلاءها في العراق برفضه المطلق لاستمرار العملية السياسية، وفقاً لمثلث اللعنات (طائفي، مكوناتي، مناطقي) الذي تفرضه على العراقيين بمباركة أميركية. وتَمكنت الانتفاضة سريعاً من تغيير قواعد اللعبة السياسية، بعدما أعاد شبابها تعريف الهوية الوطنية، وضبط الهوية العقائدية طبقاً لشروط اجتماعية، مرتبطة بوعي جمعي متمسك بتحقيق أهدافه التي في حال نجاحها ستجرد النفوذ الإيراني من المشروعية الجغرافية، التي تؤّمن المبررات العقائدية لدعاة تصدير الثورة، وهي أصعب أزمة عقائدية سيواجهها نظام طهران منذ تأسيس الجمهورية الإيرانية سنة 1979.
عملياً، وضعت طهران نفسها في مواجهة الأغلبية الشيعية العراقية، وهي تواجه الآن خطر مواجهة شيعية شيعية تنحاز فيها للسلطة ضد الشعب في تكرار للتجربة السورية، وهي على الرغم من قسوة المواجهة والخسائر التي ستصيب كافة الأطراف، إلا أنها لن تتراجع عن خوضها، كونها تدرك جيداً حجم التداعيات السلبية، ليس فقط على دورها ونفوذها، بل على مستقبل نظامها، لو تمكنت الانتفاضة العراقية بخصوصيتها الشيعية من منح العراقيين هامشاً من حرية القرار والاستقلالية، الأمر الذي سيحرر الموقف الشيعي العراقي من هيمنتها، والأخطر أنه سيجعل العالم الشيعي برأسين، وسيمنح الطرف العراقي مصداقية أكبر وحضوراً أوسع نتيجة للنفوذ المعنوي الذي تتمتع به حوزة النجف مقابل حذر إقليمي عالمي من مشروعات طهران التوسعية على حساب شعوب المنطقة، واستغلالها للشيعة غير الإيرانيين، ومحاولة سلخهم عن مجتمعاتهم، مستفيدة من الصراعات الطائفية في المنطقة، وفشل الدول الوطنية.
في الذاكرة السوفياتية، سبق انعقاد مؤتمر المندوبين والمفوضين عن جمهوريات روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا وجمهوريات ما وراء القوقاز، في ديسمبر (كانون الأول) 1922، للتوقيع على معاهدة إنشاء اتحاد الجمهوريات السوفياتية الاشتراكية، سبقه جدل حول استقلال جمهورية أوكرانيا السوفياتية عن الاتحاد المزمع إنشاؤه، إلا أن الزعيم الثورة البلشفية فلاديمير لينين، اعتبر حينها أن أوكرانيا رأس الثورة، وإذا قطع الرأس ماتت الثورة، وفي الحالة الإيرانية يُعتبر العراق رأس الثورة الإيرانية، الذي لن تتخلى عنه طهران، لأنها بذلك ستتخلى عن وجودها، ودفاعاً عن هذا الوجود، أرسلت طهران كبير حراس ثورتها ومهندس تصديرها الجنرال قاسم سليماني، إلى بغداد، منذ الأيام الأولى لاندلاع المواجهات، في مهمة ليست فقط حماية رؤوس وكلائه في السلطة، بل من أجل حماية رأس الثورة، لكن الصدمة أن سليماني، الذي نجح في قمع الشعب الإيراني والسوري، لم ينجح حتى الآن في إخماد انتفاضة العراقيين، رغم الإفراط في استخدام العنف، لعله يجبر هؤلاء الشباب الذين فقدوا الثقة بكل الطبقة السياسية على التراجع.
وعليه، تتسع أزمة طهران بسبب مكابرتها، وفي اختلاقها الذرائع، ولكنها الآن أمام خيارات صعبة، حيث نفوذها المهدد بخسارة الجغرافيا، ودورها بخسارة غطائه العقائدي، خصوصاً بعد موقف المرجعية الدينية في النجف، التي أكدت أن المتظاهرين لن يعودوا إلى بيوتهم قبل تحقيق مطالبهم، فباتت النجف بثقلها المعنوي والعقائدي، وقدرة تأثيرها الواسعة على الشيعة في العالم، أقرب إلى ساحة التحرير من المنطقة الخضراء، وباتت طهران على تماس حاد معها - أي النجف - بشكل يهدد شرعيتها الجيو - عقائدية... وللحديث بقية.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:



انطلاق القمة العالمية للتسامح في الإمارات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

انطلقت اليوم فعاليات الدورة الثانية من القمة العالمية للتسامح، تحت شعار "التسامح في ظلّ الثقافات المتعددة: تحقيق المنافع الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية وصولاً إلى عالم متسامح"، التي ينظمها المعهد الدولي للتسامح التابع لمؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، في قاعات مدينة جميرا بدبي.

القمة تنظق بمشاركة 3000 من القادة العالميين والخبراء ومسؤولين حكوميين من أكثر من 100 دولة

ويشارك في القمة، التي تعقد تحت رعاية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، نحو 3000 مشارك من القادة العالميين والخبراء الدوليين ومسؤولين حكوميين ومتخصصين من أكثر من 100 دولة، لبحث سبل نشر قيم التسامح عالمياً، ودعم الحوار البناء بين مختلف الحضارات والثقافات والأديان، والتأكيد على احترام المبادئ الأساسية للعدالة وحقوق الإنسان، وكيفية تدريب الشباب تمكينهم من ممارسة وتبنــي نهـج التسامـح، وفق ما نشرت صحيفة "البيان".

كذلك يتمّ تقديم نماذج من تجارب الدول في التسامح، ودور وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في بثّ الرسائل الاجتماعية، بما يكفل احترام التعددية الثقافية والدينية، والالتزام المشترك بقيم الحوار واحترام الآخر وإذكاء الوعي بالحاجة الملحة إليهما، ودور المناهج في تعزيز قيم التسامح والسلام، إلى جانب التطرق لأهمية المشاركة في المبادرات المجتمعية والعالمية لتعزيز قيم التسامح.

وتتضمن القمة جلسات حوارية ملهمة، وورشات عمل يقدمها أكثر من 70 متحدثاً، إلى جانب فعاليات أخرى عدة بمشاركة بارزة لطلبة الجامعات؛ حيث تجمع أكثر من 1000 طالب، وذلك ضمن رؤية اللجنة العليا المنظمة الرامية إلى ضمان مشاركة كلّ فئات المجتمع الإنساني بكافة أطيافه وتوجهاته.

 

 

للمشاركة:

بلجيكا.. جريمة كراهية جديدة والأمن يحقّق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

"إنها المرة الأولى التي يتم فيها إشعال حريق متعمَّد في مركز استقبال لطالبي اللجوء في بلجيكا: وأعلنت السلطات أنها ستفتح تحقيقاً في ذلك. وأثار تحويل المركز احتجاجات كبيرة، خاصة من اليمين المتطرف في البلاد.

فتحت السلطات البلجيكية تحقيقاً، أمس، بعد إحراق مركز من المفترض أن يستقبل طالبي لجوء في بلدة بيلزين الصغيرة.

بلجيكا تفتح تحقيقاً في حرق مركز لاستقبال طالبي اللجوء وفي خطاب الكراهية عبر الإنترنت

واندلع الحريق، الذي لم يتسبَّب في إصابات، في وقت متأخر من يوم الأحد، في مأوى سابق للمتقاعدين، أدّت خطط تحويله إلى مركز لاستقبال طالبي اللجوء لاحتجاجات غاضبة، خاصة من قبل مؤيدي حزب "فلامس بيلانغ" اليميني المتطرف، أحد أكبر الأحزاب في إقليم فلاندرز الناطق باللغة الهولندية، وفق ما أوردت "فرانس برس".

وصرّح المتحدث باسم "فيداسيل"، الوكالة الفدرالية المسؤولة عن استقبال طالبي اللجوء بينوا مانسي: "إنها المرة الأولى التي يتمّ فيها إشعال حريق متعمَّد في مركز استقبال في بلجيكا".

وصفت وزيرة الهجرة البلجيكية، ماغي دي بلوك، في تصريح صحفي، الحريق بـ "المتعمَّد"، وقالت: "إنّه عمل إجرامي مصدره الكراهية وعدم التسامح"، وإضافة إلى التحقيق الجنائي، يجري التحقيق كذلك في احتمال انتهاك قوانين الحدّ من خطاب الكراهية على الإنترنت.

وبحسب صحيفة "دي مورغن"؛ ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي تعليقات تؤكّد أنّ العمل مصدر الكراهية، من بينها: "حسناً فعلتم، واصلوا ما تفعلونه"، و"أخيراً شخص ما تولى الأمر بيديه".

وكان من المقرر أن يستقبل المركز، الذي تديره اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 140 طالب لجوء، ابتداءً من 15 كانون الأول (ديسمبر) المقبل، ورغم الاجتماعات مع السكان المحليين لاطّلاعهم على المعلومات، فقد واجه تحويل المركز اعتراضاً، وأدّى إلى خروج العديد من الاحتجاجات.

وأظهرت صورة على تويتر نحو 15 متظاهراً يحملون لافتة لحزب "فلامز بيلانغ" كتب عليها: "لا لمركز لجوء في بيلزين".

 

للمشاركة:

استقالات جديدة من الحزب الحاكم في تركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

شهد حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، أمس، موجة استقالات جديدة، شملت 3 رؤساء لفروعه بعدد من الولايات المختلفة.

وتقدّم بالاستقالة من الحزب؛ كلّ من رئيس فرع الحزب بولاية كوتاهية (غرب) علي تشتين باش، ورئيس فرع الحزب بولاية مانيسا (غرب) برْك مرسينلي، ورئيس فرع الحزب بولاية قيرشهر، مظفر آصلان، بحسب ما ذكره الموقع الإلكتروني لصحيفة "يني جاغ" التركية المعارضة.

حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا يشهد موجة استقالات جديدة شملت 3 رؤساء لفروعه

وأوضحت الصحيفة؛ أنّ أعضاء الحزب الثلاثة أعلنوا استقالاتهم في بيانات منفصلة، ولم يشيروا خلالها إلى دوافعهم في ذلك، غير أنّ الحزب شهد خلال الآونة الأخيرة انشقاق عدد من أعضائه الرافضين للسياسات التي ينتهجها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وحكومته.

ويفقد "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا عدداً من مؤسسيه وقاعدته الشعبية، منذ فشله في انتخابات البلدية، لا سيما فقدانه أحد رموز سيطرته وهي بلدية إسطنبول.

ويشهد الحزب التركي الحاكم منذ فترة سلسلة استقالات؛ كانت أبرزها استقالة رئيس الوزراء الأسبق، أحمد داود أوغلو، ونائب رئيس الوزراء الأسبق، علي باباجان، اللذان أعلنا نيتهما تأسيس أحزاب سياسية جديدة بحلول نهاية العام الجاري.

وانخفض عدد أعضاء الحزب خلال عام واحد، بمقدار 788 ألفاً و131 عضواً، بحسب ما أعلنته المحكمة العليا، في 1 تموز (يوليو) الماضي، إذ سجّل عددهم 9 ملايين و931 ألفاً و103 أعضاء، بعد أن كانوا 10 ملايين و719 ألفاً و234 عضواً.

وخلال الشهرين الآخرَين، الممتدَّين من 1 تموز (يوليو) حتى 9 أيلول (سبتمبر) الماضي، انخفض أعضاء الحزب كذلك بمقدار 56 ألف شخص، ما شكّل حالة كبيرة من الذعر في أروقة العدالة والتنمية، دفعته للبحث عن حلول وصيغ لوقف هذا الانهيار.

انخفاض عدد أعضاء الحزب خلال عام واحد بمقدار 788 ألفاً و131 عضواً بسبب سياسة أردوغان

وذكرت العديد من وسائل الإعلام أيضاً؛ أنّ هناك تسريبات من داخل الحزب تتحدث عن أنّ أردوغان سيلجأ لاستخدام ورقة التعديلات الوزارية لوقف تراجع شعبية حزبه التي تأثرت كثيراً بنتائج الانتخابات المحلية الأخيرة، التي جرت 31 آذار (مارس) الماضي، وصبّت في مصلحة الأحزاب المعارضة.

وأوضحت مصادر داخل الحزب؛ أنّ وزير العدل، عبد الحميد جول، ووزير الصناعة والتكنولوجيا، مصطفى فارناك، سيكونان أول المطاح بهما في التعديل الوزاري، بسبب غضب المجموعة منهما.

وأشارت المصادر إلى أنّ الحزب من الداخل بدأت فيه أصوات تتهم الوزير جول بالتعاطف مع حركة رجل الدين فتح لله غولن، التي تعدّها الحكومة إرهابية، خاصة مع صدور العديد من القرارات القضائية لصالح أفراد ينتمون إلى الحركة.

هذه الانشقاقات والاضطرابات دفعت كثيرين، مراقبين ومعارضين، إلى التكهن باحتمال إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة.

 

 

للمشاركة:



لهذه الأسباب يعتبر 1979 عاماً محورياً في تاريخ الشرق الأوسط

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-13

ترجمة: مدني قصري


يعدّ عام 1979 عاماً محورياً في تاريخ الشرق الأوسط؛ حيث مهّدت الثورة الإيرانية واحتلال أفغانستان لحرب استمرت أربعين عاماً، هذا ما يشرحه المحلل حميد بوزارسلان.

مع الثورة الإيرانية والحرب في أفغانستان دخلنا في فترة أصبح فيها النزاع بالشرق الأوسط يُحسَب أساساً حساباً إسلاموياً

وحول هذا الموضوع؛ كان هذا الحوار، الذي أجرته "lesclesdumoyenorient"، مع المحلل بمعهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، حميد بوزارسلان.
وحميد بوزارسلان؛ حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ والعلوم السياسية، ومدير الدراسات في معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية "EHESS"، وفي هذا التحليل الثري للغاية، يرسم هذا المحلل صورة بانورامية واسعة للمنطقة، الواقعة في قبضة المشاكل الطائفية، من خلال طرح مسألة المسؤولية السياسية؛ إنّه يشير أولاً، وقبل كلّ شيء، إلى عام 1979، وهو العام المحوري في المنطقة، فضلاً عن إشكالية السلطة في الشرق الأوسط، ويركز بعد ذلك على العديد من القضايا، فيما يتعلق بالأحداث الحالية: مسألة الأكراد في ضوء قرار دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من روجافا، وموقع تركيا وروسيا في هذا السياق، وأحداث المملكة العربية السعودية وإيران، والوضع الحالي في لبنان، كما يعود إلى قضية المرأة والبيئة.

حميد بوزارسلان

هنا نص الحوار:

أنت تقدّم عام 1979 كعامٍ محوريّ في تاريخ الشرق الأوسط مع الثورة الإيرانية واحتلال أفغانستان اللذين كانا بداية لحرب استمرت أربعين عاماً؛ أين نحن الآن من هذه الحلقة الزمانية؟
حتى عام 1979، كانت أنظمة الاحتجاج في الشرق الأوسط يُحدّدها اليسار، إلى حدّ كبير، وكان هذا الفضاء جزءاً من حركة ثلاثية قارية، مع آسيا وأمريكا الوسطى؛ فهو كيانٌ وهميٌّ حقيقي، لكنّه كان يحدّد البناء السياسي لهذه الفترة، ثم، بين 1979-1980، حدثت قطيعة.

بوزارسلان: التدخّل الخارجي ليس العنصر الرئيس للمأساة بالشرق الأوسط فالجهات الفاعلة المحلية تساهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي

مع الثورة الإيرانية والحرب في أفغانستان، دخلنا في فترة أصبح فيها النزاع في الشرق الأوسط، يُحسَب أساساً حساباً إسلاموياً، مما أدّى إلى انكماش البعد العالمي، وهكذا، لم تعد حركات الاحتجاج تقاتل ضدّ الإمبريالية، لكنّها تنطلق من الصراع بين "الإسلاموية" و"الغرب"، رمزياً؛ أصبحت القطيعة تمثل نهاية التحدي اليساري في الشرق الأوسط.
علاوة على ذلك، بعد عام 1979؛ دخلنا في حلقة احتجاج ذات عنف شديد: كانت الثورة الإيرانية، ثم الحرب الإيرانية العراقية، حرباً وحشية جداً، تماماً مثل الحرب في أفغانستان، وظهرت في ذلك الوقت المنظومة الاحتجاجية الشيعية التي أدّت إلى تشكيل حزب الله اللبناني والمنظومة السنّية التي تولدت عنها حركة القاعدة، لا يمكن للمرء أن يفهم الوضع الحالي للنزاعات الإسلامية في الشرق الأوسط، دون مراعاة هذه السنة (1979) المحورية، ويجب أن نذكر أيضاً الحرب الأهلية اللبنانية، التي بدأت عام 1975؛ إنّها مكان لجوء وتأسيس سياسي، كما هو الحال بالنسبة إلى حزب العمال الكردستاني الكردي، ولا ينبغي أن ننسى أنّ حرب حزب العمال الكردستاني الأولى وقعت عام 1982 ضدّ إسرائيل، وهكذا فإنّ عام 1979 يمثل تغييراً جذرياً في خطوط القوة السياسية، ويشكل عاماً للقطيعة عندما نعود إلى تاريخ نشوء الحركات الإسلامية.

تقول إنّ قادة الشرق الأوسط "يُرجِعون مصدر نكباتهم ومصائبهم إلى مؤامرات "الإمبرياليين الصهاينة" التي لا تنتهي، وأنت ترفض، إلى حدٍّ ما، الحجج ما بعد الاستعمارية، في تحليلك، لكن ألا تعتقد أنّ العمل الإمبريالي ما يزال من خلال أعوانه المحليين في المنطقة يُجرِّد سكانَ الشرق الأوسط من مصائرهم؟
أنا لا أنكر أهمية القضية الفلسطينية، خاصة من حيث رمزيتها المركزية، ولا التدخّل الأمريكي في العراق، ولا تدخّل أوباما، الذي كان باهظ الثمن في بداية الحرب الأهلية السورية، بالمثل؛ فإنّ التدخل الروسي في سوريا، منذ عام 2015، كان لعبة دموية، ساخرة ومحسوبة حساباً بارداً؛ إذ يلعب بوتين دور الحَكم في سوريا، لكنّني لا أعرف كيف سيتمكن من السيطرة على الموقف.
ومع ذلك، لا أعتقد أنّ التدخل الخارجي هو العنصر الرئيس للمأساة في الشرق الأوسط، الجهات الفاعلة المحلية، تساهم مساهمة كبيرة في زعزعة الاستقرار الإقليمي مع بعض الدعم للميليشيات الطائفية أو الأنظمة الدكتاتورية.
هل يمكنك التوسّع في مفهوم مسؤولية قادة الشرق الأوسط؟
إذا أدّت التدخلات الخارجية إلى تفاقم المواقف، فقد عززت سلطات الشرق الأوسط نفسها الطائفية وتدمير مجتمعاتها، ولا ينبغي أن ننسى أنّ سجل صدام حسين، خارج الحرب، هو ثلاثمئة ألف حالة وفاة، وأنّ الطائفية الدينية تعود إلى ما قبل التدخل، عام 2003، وكذلك الحال بالنسبة إلى الطائفية وتفتيت الأراضي في سوريا قبل عام 2011، المجتمعات نفسها مفككة ومهزومة، كما يتضح من آلاف الهجمات الانتحارية التي زعزعت العراق بين عامي 2003 و2010.

اقرأ أيضاً: "حفريات" توثّق عمليات مصادرة ممتلكات الأكراد في سوريا وسرقة أعضائهم في أنقرة
إلقاء المسؤولية على الغرب يعني فشل القادة السياسيين والمفكرين ومواطني الشرق الأوسط في التفكير في مسؤوليتهم الخاصة وقراءة تاريخهم قراءة نقدية، مسألة المسؤولية أمر أساسي في الفلسفة، وتصدير المسؤولية إلى الغرب حلّ سهل، من الضروري من الآن فصاعداً أن يَطرح الشرق الأوسط ككل مسألةَ المسؤولية، يمكن أن يفكر في الأمثلة المضادة لتايوان أو كوريا، اللتين، رغم ماضيهما الاستعماري، تبليان بلاءً حسناً اليوم.
ما رأيك بالسجل العسكري والسياسي لاستثمار الجنود الأكراد لمقاومة داعش، وسحب دونالد ترامب لجنوده؟ لقد كتبت أنّ تركيا، مثل روسيا، هي جزء من الأنظمة الوطنية الفاسدة، وتهتم بمشاريع الهيمنة في الشرق الأوسط وغزو كردستان يؤكد هذه الأطروحة؟
اندلع الصراع الكردي ضدّ داعش بمجرد تهديد مدينة كوباني، عام 2014، بالتالي فهي حركة عفوية غير مهيأة، وهي مقاومة بالتعبئة؛ لذلك جاء التفكير الإستراتيجي والعسكري بعد الأحداث؛ لأنّ الأمر كان يتعلق بالسيطرة على منطقة كبيرة تحتاج إلى مؤسسات، لقد تطلبت الحرب ضدّ داعش بالفعل تعبئة قوية وكلّفت من عشرة إلى 11 ألف قتيل بين الأكراد.

تكمن قوة داعش الكبيرة في الضعف الحالي للديمقراطيات كما كان حال الديمقراطيات الضعيفة في الثلاثينيات من القرن الماضي

انسحاب دونالد ترامب الحالي هو، بالنسبة إليّ، ميونيخ العصر الحديث، وتراجع واستسلام الديمقراطيات؛ لأنّها تفتقر إلى الشجاعة والتصميم، تكمن قوة داعش الكبيرة، بالنسبة إلي، في الضعف الحالي للديمقراطيات، كما كان حال الديمقراطيات الضعيفة في الثلاثينيات من القرن الماضي، من خلال التحايل على البنتاغون وإهانة الكونغرس، يدمر ترامب الديمقراطية الأمريكية، رغم أنّ الكونغرس كان قادراً على التوصية بعقوبات ضدّ تركيا، في 29 تشرين الأول (أكتوبر)، إلا أنّ أردوغان وبوتين قد أدركا أنّ أمريكا ترامب لم تعد تتمتع بالمصداقية أو المكانة والامتياز، لقد فهمت روسيا هذا منذ عام 2013، وفي أثناء غزو أوكرانيا، قال بوتين: "لم يعد للغربيين شرف"، إنّ انسحاب الجنود الأمريكيين من سوريا هو أيضاً عمل خيانة ضدّ الأكراد الذين اضطروا إلى الاستسلام لروسيا، بالتالي للنظام السوري.
كان هدف تركيا، أولاً وقبل كلّ شيء، تدمير المقاومة الكردية ككل، مثلما دمّر نظام سريلانكا معارضة التاميل قبل عشرة أعوام، والهدف الثاني لتركيا هو تحويل هذه المنطقة إلى جهادستان؛ لأنّ حلفاء تركيا جهاديون، وأخيراً تغيير الديموغرافيا من أجل توطين اللاجئين العرب في المنطقة الكردية، يتم تحقيق هذه الأهداف الثلاثة جزئياً، لكن يجب على الأكراد قبول الحكم الروسي لتجنب وقوع كارثة.
اندلع الصراع الكردي ضدّ داعش بمجرد تهديد مدينة كوباني عام 2014

هل هناك اليوم هوية، شعور بالانتماء إلى لبنان رغم الطائفية الراسخة في المجال الاجتماعي؟
يريد كثيرون من اللبنانيين الخروج من صراعات الشرق الأوسط والطائفية، ومن هذا التمثيل السياسي الذي يعوق اللعبة السياسية، اللبنانيون يريدون الخروج من هذه الهيمنة الخانقة، الإقليمية بالتأكيد، لكنّها هيمنة داخلية أيضاً، من قبل طبقة سياسية صغيرة فاسدة جداً، هذه الطبقة نصف سياسية ونصف عسكرية، وما تزال متمسكة بالسلطة وبقوة على حساب البلاد.
لقد بنى حزب الله شرعيته من خلال الردّ على الفراغ الذي خلفته الدولة اللبنانية، خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية؛ هل يمكنه الحفاظ على هذه الشرعية الشعبية مع البقاء في السلطة في مثل هذا السياق؟
لحزب الله هوية مزدوجة، في المقام الأول، بفعل هويته كحزب اجتماعي، لكنّه حزب اجتماعي شيعي، ثم هويته كميليشيا تقدم نفسها على أنّها قومية، لكنّها ميليشيا ما تزال طائفية.
إذاً؛ إذا أصبح حزب الله حزباً لبنانياً، لكلّ اللبنانيين، هل يعني أنّه يجب أن يتوقف عن أن يكون حزباً شيعياً وطائفياً؟ في هذه الحالة، لا يمكن أن يُسمَّى حزب الله، وميليشياته يجب أن تندمج في الجيش اللبناني، تجدر الإشارة إلى أنّه، رغم أنّ الشيعة كانوا بالتأكيد مهمشين، وبلا اعتبار في التاريخ اللبناني، فقد خرجوا منتصرين من الحرب الأهلية، لأنّهم الطائفة التي أضحت الأكثر قوة خلال هذه الفترة من خلال حزب الله.
لاحظنا مظاهرات مضادة عنيفة من جانب حركة أمل الشيعية، رغم تعليمات حزب الله بعدم التدخل؛ هل يمكن للحزب السيطرة على قاعدته السياسية والاجتماعية؟
الأمر مرهون بآليات إعادة التوزيع والقيود التي سيستخدمها حزب الله، يجب ألا ننسى أنّ حزب الله جيشٌ وحزب، ونظام إعادة توزيع، ونظام اندماج المجتمع الشيعي ونظام خضوع جزء من المجتمع المسيحي، خاصة مخيم عون، حزب الله لديه، إذاً، كثير من الأوراق الفاعلة في يده.
مسألة مكانة المرأة في مجتمعات الشرق الأوسط: هل تطورها هو العنصر الأساسي لتغيير المجتمع المدني الذي يمكن أن يتوافق مع فكرة المسؤولية التي كنا نتحدث عنها قبل قليل؟
هذا أمرٌ تصعب جداً معرفته، على أيّ حال، فالرغبة في المشاركة النسوية قوية للغاية، وهذا واضح للغاية، منذ عام 2011، لقد رأينا هذا في النزاعات في مصر وتونس واليمن ولبنان والجزائر والسودان؛ حيث الوجود النسائي قوي جداً، باستثناء العراق، لكنّها مجتمعات تظل فيها سيطرة الذكور حاضرة للغاية.

اقرأ أيضاً: تركيا... تاريخ حافل بالقمع ضد الأرمن والأكراد
دمجُ المرأة في السياسة في الشرق الأوسط شرطٌ ضروري لكلّ شيء، بادئ ذي بدء، القدرة على الفكر الديني وتدبره، والتفكير في السيطرة على مساحة الرؤية، قبل كلّ شيء، إنّه إعادة النظر في اعتبار المرأة: من وجهة النظر هذه، يعد دمج المرأة في السياسة أمراً مهماً للغاية في بناء السلطة، وبناء الفضاء والمسؤولية، فمن دون تحرر المرأة، من الصعب للغاية التفكير في التحول الاجتماعي أو التحول الديمقراطي.
أخيراً؛ يطرح السؤال الإيكولوجي بشكل متزايد على الشرق الأوسط ويحدث إدراك بطيء (في إيران، على سبيل المثال)؛ ما هو الدور الذي تعتقد أنّه سيلعبه في العقود القادمة في الشرق الأوسط؟
عندما يتم الحديث عن البيئة في الشرق الأوسط؛ فهو حديث على السطح حقاً، بالنسبة إلى دولة قطر، على سبيل المثال؛ فإنّ البيئة بالنسبة إلى القطريين هي إنشاء ملعبٍ فائق البرودة (مكيف)، أو إنشاء خطوط مترو، من ناحية أخرى؛ يمكننا أن نرى كيف تمّ ذبح الطبيعة في تركيا، بما في ذلك في إسطنبول، والتي تتعرض لخطر زلزال كبير في الأعوام المقبلة، في السابق كان هناك 450 مكاناً للتجمع في العاصمة، للتعامل مع هذا الاحتمال، واليوم لا يوجد سوى 70 مكاناً؛ لأنّ الخرسانة احتلت بقية الأماكن الأخرى، وبالمثل؛ فإنّ سياسة التخطيط الحضري في مصر سياسة انتحارية للغاية من حيث البيئة، بالطبع، هذا لا يمنع الجميع من التحدث عن البيئة والإلحاح عليها، لكنّ الوعي الحقيقي ضعيف.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient

للمشاركة:

كتل نيابية وخبراء: حزب الله "عقدة" أمام مطالب اللبنانيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

أحمد فتحي

قالت كتل نيابية لبنانية وخبراء بالشأن السياسي، في أحاديث خاصة لـ"العين الإخبارية"، إن مليشيا حزب الله تقف خلف "عقدة التشكيل"، وأنها تلعب "دورا معطلا" لحلحلة الأزمة الحالية، مشيرين في الوقت ذاته إلى محاولاته منذ بداية الانتفاضة على "تقويض الثورة".

ورغم مرور نحو أسبوعين على استقالة سعد الحريري من الحكومة، لا تزال الأزمة اللبنانية "محلك سر" حتى اللحظة، بسبب تعثر التوصل إلى اتفاق بين الفرقاء السياسيين على شكل وطبيعة الحكومة المزمع تشكيلها، في وقت تأخذ فيه الاحتجاجات زخما جديدا كل يوم مع إطالة أمد حل الأزمة.

ولم تسفر المشاورات التي يجريها الرئيس اللبناني ميشال عون مع كتل نيابية وقوى سياسية مختلفة طيلة الفترة الماضية، عن اختراق حقيقي لجدار أزمة التشكيل، فيما تتجه أنظار الجميع إلى ما سيعلنه عون، مساء اليوم في حواره مع إعلاميين وصحفيين يتناول فيه التطورات الراهنة.

وبخلاف موقف الشارع الذي يتمسك بضرورة تشكيل حكومة "تكنوقراط" (خبراء) من غير الحزبيين، يصر الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله على تشكيل حكومة تمثل المكونات السياسية، وهو ما جدد التأكيد عليه بدعوته إلى تشكيل "حكومة سيادية".

وكانت مصادر لبنانية مطلعة قد أكدت لـ"العين الإخبارية"، اليوم، أن رئيس الوزراء المستقيل سعد الحريري رفض كل العروض المقدمة إليه لتشكيل الحكومة الجديدة، ولا يزال متمسكا بشرط "التكنوقراط".

حزب الله يعتمد الحرب النفسية

وقال الدكتور سليم الصايغ نائب رئيس "حزب الكتائب" في حديث لـ"العين الإخبارية" عبر الهاتف من بيروت: "حزب الله لا يدخر جهدا ناعما أو خشنا متاحا له لتقويض هذه الثورة".

وأوضح قائلا: "هو (حزب الله) وعد أن تصريف الأعمال من قبل الحكومة المستقيلة سيكون طويلا، وهو ما نحن بصدده، ويعتمد الحرب النفسية أيضا من أجل تعزيز منعته الداخلية، وزرع القلق عند الآخرين، وهي تكتيكات أصبحت مكشوفة من قبل الجميع".

وشدد نائب رئيس حزب الكتائب (كتلته النيابية تتشكل من 3 نواب) على أنه "لا حرب أهلية في لبنان، ولا عودة إلى العنف والخيار الوحيد هو الخيار السلمي شاء حزب الله أم أبى".

وأكد الصايغ أن شكل الحكومة الأنسب هو "تكنوقراط من الخبراء ومستقلة، من أجل إدارة ملفات واضحة أهمها الإشراف على انتخابات نيابية مبكرة، والالتزام بسلة الإصلاحات المالية والسياسية المعروفة".

التقاط الإشارات والاستجابة للشارع
ومن جهته، دعا رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق فؤاد السنيورة حزب الله أن يلتقط الإشارات الواضحة والعمل بموجبها مما يجري في لبنان، وهناك إشارات مماثلة فيما يجري بالنسبة لأحزاب شقيقة له بالعراق.

وأكد السنيورة في تصريح لـ"العين الإخبارية" أن الإنكار لن يفيد، ولن يجدي وعليه الاستجابة لهذا المد الشعبي الكبير من الشباب والشابات.

وواصل السنيورة: "على حزب الله وجميع الكتل النيابية والقوى السياسية التوصل إلى حلول تتجاوب مع أفكار الشباب في الساحات، ومع ما يحتاجه لبنان من تناغم مع المتغيرات الجارية في لبنان وحولنا، ويلبي الحاجة إلى إجراء الإصلاحات اللازمة السياسية والمالية والاقتصادية".

الإفلات من فكي الكماشة
كما أكد خبراء وسياسيون لبنانيون دور حزب الله "المعطل" لحل الأزمة.

وقال فادي عاكوم المحلل السياسي اللبناني إن "وجود حزب الله في الحياة السياسية كتنظيم عسكري وسياسي معا وتابع لجهة خارجية وهي الحرس الثوري الإيراني، هو أمر يعرقل جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان".

وبيَّن عاكوم أن حزب الله يرى في إسقاط حكومة سعد الحريري بهذه الطريقة تهديدا مباشرا لسلاحه وإسقاطا لحكومة العهد الذي كان يسيطر على الرئاسات الثلاثة (الحكومة والبرلمان والجمهورية).

وأكد المحلل السياسي اللبناني أن حزب الله يحاول "الإفلات من فكي الكماشة" عبر تقويض أي عمل سياسي مقبل في البلاد، لإبقاء الأوضاع كما هي عليه، أو العودة لشكل الحكومة السابقة التي كان يسيطر على أغلبها، خاصة أن المنطقة تشهد انقلابا على سيطرة الحرس الثوري الإيراني، وهو ما يجري بالعراق.

وتوقع عاكوم عدم رضوخ حزب الله لمطالب الشارع، قائلا: "سيلجأ حزب الله إلى الضغط السياسي، وما لم ينجح في ذلك فربما سيقوم بمغامرة مجنونة ستكون بداية نهايته الفعلية في لبنان، حين فرض الحزب نفسه بالقوة في 7 مايو/أيار 2008"، مستدركا "لكن هذا السيناريو سيؤدي لانفجار الأوضاع في لبنان ومواجهات داخلية عديدة".

وكان الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، قد أكد في كلمته بـ"يوم الشهيد" أمس أنه يرفض الحديث عن تشكيل الحكومة، لأن التداولات مستمرة حولها حتى الآن، فاتحا الباب لتأويل حديثه على أنه إشارة منه لعرقلة هذا التشكيل. وتابع "لن أتكلم على وضع الحكومة الآن، لأن الاستشارات قائمة، وكل الأبواب مفتوحة للوصول إلى أفضل نتيجة لبلدنا".

وزاد "مطلب إلغاء الطائفية السياسية ليس مطلبا يُجمع عليه كل اللبنانيين".

حزب الله في موقف حرج جدا
من جهته، قال الدكتور محمد سعيد الرز، الكاتب والمحلل السياسي اللبناني، إن العقدة الأساسية لتحقيق مطالب الشارع في تشكيل حكومة من أخصائيين تترأسها شخصية وطنية نزيهة تتمثل في عقدة الثنائي "حزب الله - وحركة أمل".

وبيَّن "الرز" أن حزب الله لا يريد تغيير المعادلة السياسية القائمة، لارتباطها بحسابات محلية وإقليمية، مشيرا إلى أنه يريد الإبقاء على جميع الأوراق بيده، لأسباب مرتبطة بالواقع الإقليمي، حتى يثبت لطهران سيطرته على الأوراق السياسية، لذا عمل منذ البداية على توجيه الاتهامات للانتفاضة.

غير أن "الرز" أكد أن "جميع الأوراق أصبحت خارج يد حزب الله، فلم يعد هناك شارع في مواجهة شارع، بل هناك شوارع وساحات في مواجهة عقدة سياسية يحاول الحزب أن يستخدمها".

ورأى "الرز" أن حالة الحراك الشعبي وضعت حزب الله في "موقف حرج جدا" فلا هو قادر على التنكر لمطالب الانتفاضة التي تحمل شعارات الإصلاح ومحاربة الفاسدين التي طالما نادى بها، أو الرضوخ لها وتنفيذها، مردفا "فوجئ حزب الله بأن الانتفاضة الشعبية تحمل الأسلوب المدني والسلمي والإنساني والحضاري والوطني، لذا فشلت محاولات الأمين العام لحزب الله للهجوم المضاد عليها".

ورأى المحلل السياسي اللبناني أن الانتفاضة الشعبية أصبحت من القوة حتى تفرض رأيها، ولا تستطيع أي قوة تجاوزها، بعد أن استطاعت التأثير داخل معاقل حزب الله، مع امتداد مطالب الشارع لجمهور الحزب، وخلخلة الواقع الذي كان سائدا لمصلحة الولاء للبنان فقط.

وبخلاف توقعات الخبير السياسي "عاكوم"، استبعد "الرز" سيناريو نزول حزب الله للشارع بالسلاح على غرار ما جرى في 7 مايو/أيار 2008، حين اجتاح العاصمة بيروت، قائلا: "هذا السيناريو سيضع لبنان في طريق مجهول وسيؤدي لحدوث فتنة وسيسمح بالتدخلات في الشأن اللبناني من كل حدب وصوب".

كما شدد على أن مفهوم الحرب الأهلية انتهى في لبنان، ولم يعد بمقدور حزب الله وحركة أمل إعادة إنتاج الحرب الأهلية، وليس أمام الحزب إلا خطوة واحدة بأن يرضخ للإجراءات الإصلاحية ويتراجع قليلا، فالأمور لم تعد تحتمل المماطلة، حتى لو من باب المناورة لاستعادة دوره.

وعلى صعيد سيناريوهات الخروج من الأزمة اللبنانية الحالية، عاد الخبير السياسي "عاكوم" ليؤكد أن حزب الله ربما يوافق على تشكيل حكومة تكون بعيدة عن الوجوه التقليدية مع "تحييد الوزارات السيادية" عبر أشخاص يمثلون حل وسط بين جميع الأطراف وتعهدات داخلية لعدم التطرق لسلاح حزب الله خلال الفترة المقبلة، لافتا إلى أن "الحكومة ستكون أول خطوة من ألف ميل للتخلص من السيطرة الطائفية على المنحنى السياسي في لبنان".

أما الدكتور محمد سعيد الرز فأكد أن "حفاظ الانتفاضة الشعبية على وحدتها والتمسك بأهدافها والابتعاد عن التأثيرات الأجنبية ومحاولات الاختراق، هو الضامن لفك عقدة الثنائي حزب الله - حركة أمل، وسرعة تشكيل الحكومة الجديدة".

وميدانيا، سجل اللبنانيون في اليوم الـ27 للاحتجاجات التزاما شبه تام بالإضراب العام المصاحب بالعودة إلى استراتيجية قطع الطرقات في بعض المناطق.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

تغلغل الحركة الإسلامية في السودان لا يمنع تفكيكها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

محمد أبوالفضل

تحاول الحركة الإسلامية الحفاظ على مكاسبها السياسية والاقتصادية والأمنية في السودان وخارجه، وتسعى منذ الإطاحة بنظام الرئيس عمر حسن البشير في أبريل الماضي نحو تخفيف حدة الاحتقانات المنصبة على قياداتها وأدواتها وأذرعها، وتأجيل المعركة الحاسمة لأطول فترة ممكنة، حيث تريد خوضها بعد أن تعيد ترتيب أوراقها وتستعيد عافيتها وجاهزيتها، وتنتهي فورة الحراك الثوري الذي أطاح بها من على كرسي الحكم.

اضطرت السلطة الانتقالية السودانية أخيرا للتخلّي عن حذرها في التعامل مع الحركة الإسلامية، وباغتتها بخطوات متلاحقة لخلع أنيابها، استجابة لضغوط كبيرة مارسها تحالف إعلان الحرية والتغيير.

ويرى هذا التحالف أن نكبة السودان الحقيقية في ابتلائه بهذه الحركة والقوى المختلفة المتحالفة معها وتعمل تحت جناحها، وأي ترحيل أو تسويف في خوض المعركة يؤدي إلى صعوبة اقتلاعها من جذورها، ويساعد على تمترسها في خندق الدولة العميقة، ويقلّل من فرص التغيير الناعم، وقد يفرض الدخول في مواجهة مسلحة مكلفة.

قناة سياسية موازية

اتخذ مجلس السيادة في السودان خطوة مهمة الاثنين، وأقدم على حلّ ما يسمى بـ”مجلس الأحزاب الأفريقية”، وقرّر مصادرة ممتلكاته، وتحويل داره إلى مقرّ لمفوضية السلام، وهو معروف بأنه من أهم الواجهات السياسية للحركة الإسلامية، امتطته خلال السنوات الماضية لتسهيل دورها على الساحة الأفريقية، ومحاولة التغلغل إلى وجدان وعقل ساسة وجماهير من خلال شراكة مفتعلة مع عدد من أحزاب مؤثرة، وتحسين صورة السودان وتقديمه كواجهة مدنية لها وكدولة منفتحة على الجميع، لعدم حصره في شق النظام الإسلامي، بما يساهم في توسيع الأطر أمام الحركة وجذب أنصار جدد إليها.

تأسس هذا الكيان في عهد الرئيس المعزول عمر البشير عام 2013، من 45 حزبا تنتمي إلى نحو 25 دولة أفريقية، ورأسه نافع علي نافع، القيادي في الحركة الإسلامية، بغرض تطوير العلاقات مع الأحزاب الحاكمة في الدول الأفريقية، لكن أدت لعبة الصراع الداخلي إلى إقدام البشير على عزل نافع في أكتوبر من العام الماضي، وتعيين مساعده فيصل حسن بدلا منه.

تعزز الإطاحة الدرامية البعد البراغماتي لدى القيادات الإسلامية عموما، وتكشف أيضا الأهمية السياسية التي حملها “مجلس الأحزاب الأفريقية” لمن يرأسه بالنسبة للحزب الحاكم، فهو قناة اتصال موازية لوزارة الخارجية، وربما تفوقها في المردودات السياسية.

وامتلك المجلس من الصلاحيات ما جعله رأس حربة في رسم كثير من المعالم الإقليمية للسودان، وأفادته الصبغة الحزبية- الشعبوية في التوسع والانتشار دون ضوابط دبلوماسية.

وفي الوقت ذاته منحته مساحة للهروب من المحاسبة عند وقوع أخطاء، الأمر الذي حصد من ورائه حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك، وفوقه الحركة الإسلامية، مغانم مختلفة، فتعدد الجهات والأدوار مكّن الأخيرة من وضع أقدامها بالقرب من أحزاب أفريقية حيوية.

وفي الوقت ذاته منحته مساحة للهروب من المحاسبة عند وقوع أخطاء، الأمر الذي حصد من ورائه حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك، وفوقه الحركة الإسلامية، مغانم مختلفة، فتعدد الجهات والأدوار مكّن الأخيرة من وضع أقدامها بالقرب من أحزاب أفريقية حيوية.

تؤكد هذه المعطيات أن المواجهة مع الحركة الإسلامية السودانية وأفرعها لن تكون سهلة.

الأمر الذي تراهن عليه القيادات الكبيرة والوسيطة، مستفيدة من تراكم الأزمات الاقتصادية والأمنية التي تواجه السلطة الانتقالية، فكلما تعثرت خفّت حدة المطالبات للوفاء بالوعود التي قطعتها على نفسها أمام الشارع وقواه المصممة على عدم التراجع عن المواجهة، مهما كلفت البلاد، فاستمرار الحركة الإسلامية كجسم عنقودي متشعب يتمتع بمزايا نوعية يضع عراقيل كثيرة لتقدّم السودان على الصعيد الخارجي.

ولا يزال ملف الإرهاب يلاحق السودان في بعض المحافل الدولية، وما لم تتخذ السلطة الحاكمة خطوات جادّة على مستويات مختلفة، ظاهرة وخفية، سوف يظل شبحه يطاردها على الدوام، ولعل الموقف المعقّد من رفع اسم السودان من على اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب في مقدمة التحديات التي تحتاج وضع تصورات دقيقة للتخلص من الإرث الأيديولوجي الذي تركه البشير.

ويحتاج الموقف إجراءات عملية لإقناع دوائر أميركية باستكمال مهمة رفع العقوبات الاقتصادية، وفتح أفق جديد أمام البلاد، فالأزمة الخانقة تسهّل دور الحركة الإسلامية في القبض على زمام أمور رئيسية، وتعرقل عملية التخلّص من سيطرتها على بعض المؤسسات الرسمية، وتمنحها درجة من المرونة لتحجيم استهدافها.

بؤرة تشدد
فتحت الحركة الإسلامية أحضانها لشخصيات من دول مختلفة، وتحوّلت الخرطوم إلى بؤرة لتجمع قيادات متشددة، بعضها متهم في قضايا عنف وإرهاب، وكانت الأراضي السودانية معبرا أساسيا إلى دول أفريقية عديدة، ما أضاف أهمية نسبية لمجلس الأحزاب الأفريقية كواجهة يمكن من خلالها أن تتستر عناصر محسوبة على الحركة، وتمكينها من تلقي مساعدات لوجستية بلا منغصات سياسية أو بقليل منها.

خلقت هذه التوجهات عثرات كبيرة للحكومة السودانية الحالية، وفرضت عليها اتخاذ مجموعة من الإجراءات لتطويق الهيئات التي لا تزال تستغلها بعض العناصر الإسلامية، وتمارس أدوارا تسيء إلى السلطة الانتقالية، وتيقنت أن تأجيل الحسم وعدم وضع جدول زمني يمكن أن تترتب عليه نتائج أشد خطورة، توحي أن السلطة الانتقالية مترددة أو مخترقة من جانب شخصيات حزبية وأمنية تعمل على زيادة الارتباك في المشهد السوداني، وتعطيل التوجهات الراغبة في تقويض نفوذ الحركة الإسلامية.

طريق غائم
في هذه الأجواء، وجد السودانيون أنفسهم يدخلون طريقا غائما، لا يشعرون فقط بعدم وجود تغيير كبير في حالهم وأحوالهم، بل تسيطر على البعض هواجس بأن الحركة الإسلامية لم ينفرط عقدها، وتسعى إلى استهلاك المزيد من الوقت وبث الإحباط في نفوس المواطنين، وهو ما فرض على السلطة الانتقالية الإقدام على سلسلة من الخطوات السريعة تعزز عدم التوقف عن المواجهة، وتزيل الالتباس حول أي شكوك في وجود ارتدادات سياسية.

ظهرت معالم هذا الاتجاه في قضيتين، الأولى تتعلق بالإصرار على فتح محاكمات ما يسمى بـ”ثورة الإنقاذ” قبل ثلاثين عاما، واتخذتها وقتها الحركة الإسلامية مطية للقفز على السلطة، وتوجيه اتهامات مباشرة للقيادات التي لا زالت على قيد الحياة، بالتزامن مع عدم التراخي في محاكمة البشير عن الجرائم السياسية والأمنية التي ارتكبها، وإلحاح بعض القوى الحزبية على محاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية.

القضية الثانية، تخص حصول اللجنة المكونة من قوى الحرية والتغيير، والسلطة الانتقالية بفرعيها المجلس السيادي والحكومة، على دفعة معنوية قوية بشأن دراسة الجوانب القانونية والتداعيات السياسية لحل حزب المؤتمر الوطني، كواحدة من الواجهات التي يريد قادة الحركة الإسلامية إعادة الحياة لها وضخ دماء في شرايينها، حيث جرى انتخاب إبراهيم غندور وزير الخارجية الأسبق، بعد أن انقلب عليه البشير في أواخر أيامه، والإيحاء بالتجديد والانفصال عن المرحلة السابقة.

تتواءم هذه الخطوة مع قرار رئيس الحكومة عبدالله حمدوك، بإقالة عدد كبير من القيادات المنتسبة لحزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية عموما، وتغيير شريحة واسعة من الشخصيات المشكوك في انتماءاتها الوطنية وانحيازها للنظام البائد وعقيدته الدينية، وقام البنك المركزي في السودان بتجميد حسابات مصرفية لأسماء وشركات عمل مملوكة لقيادات إسلامية بارزة.

وأصدر يوسف آدم الضي وزير الحكم الاتحادي، الأسبوع الماضي، قرارا بتنظيم “لجان التغيير والخدمات” في الأحياء والقرى لتعزيز المشاركة الشعبية والتعبير عن احتياجات المواطنين، كنوع من الامتداد للجان المقاومة ومواصلة دورها ضمن ما يطلق عليه عملية الإصلاح المؤسسي والتنظيمي القاعدي لتقديم الخدمات والرقابة عليها.

ويلغي هذا القرار اللجان الشعبية والميليشيات التي أنشأها البشير كأذرع أمنية وسياسية ومجتمعية له في الشارع.

يحتاج تقويض الحركة الإسلامية في السودان خطوات مبتكرة على جبهات متعددة، فالفترة التي قضتها في السلطة ليست هيّنة، مكّنتها من الوصول إلى قواعد وفئات كبيرة في المجتمع، وأوجدت شبكة مصالح متداخلة، تجعل عملية اجتثاثها بحاجة إلى إرادة وحسم وتعاون مشترك من القوى الوطنية المتشرذمة حاليا، قبل حلول موعد الاستحقاق الانتخابي التشريعي الذي تستعد له الحركة جيدا لأنه سبيلها للعودة إلى الواجهة بصورة ديمقراطية.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية