إسطنبول العاصمة الجديدة "للخلافة الإخوانية"

4682
عدد القراءات

2018-04-08

قد يبدو العنوان غريباً ومستفزاً للقارئ العادي، الذي لم يُلمّ بالعقيدة العنصرية لحزب العدالة والتنمية التركي، وقد يتبادر إلى الذهن أنّ الاحتفال بالذكرى التسعين لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين، برعاية تركية، ما هي إلّا رسائل سياسية بعث بها التنظيم الإخواني للتأكيد على استمرار تواجده على الساحة بعد الضربات المتتالية التي تلقاها في العديد من الدول العربية، عجلت بأفول نجم تيارات الإسلام السياسي، وذلك بعد أن تمّ فضح حقيقة المخططات الباطنية لهذه الجماعة، التي ما دخلت دولة، أو بلداً، إلّا خلّفت وراءها رائحة الجثث والدماء والأشلاء.

غير أنّ العارف بمحددات البناءات السلوكية والأيديولوجية "للعثمانيين الجدد"، تترسّخ لديه القناعة بأنّ تركيا "الأردوغانية" تمتلك أجندة تتجاوز، في جوهرها، حتى الطموحات السياسية لجماعة حسن البنا.

تركيا الأردوغانية تمتلك أجندة تتجاوز في جوهرها حتى الطموحات السياسية لجماعة حسن البنا

في هذا السياق، احتفلت فعاليات إخوانية، الأحد الأول من نيسان (أبريل) الجاري، بالذكرى التسعين لتأسيسها، تحت شعار "تسعون عاماً من العطاء"، بمركز أمير أفندي الثقافي، بالطرف الأوروبي لمدينة إسطنبول. وشارك في الاحتفال العديد من قيادات الإخوان في العالم، بينهم، نائب المرشد العام للإخوان المسلمين ومسؤول التنظيم الدولي، إبراهيم منير، ورئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس خالد مشعل، هذا الأخير دافع، بحماس كبير، عن دور تركيا الجديد كحاضنة لمركز الخلافة الإخوانية، بعد انفراط عقد الإخوان في مصر، وذلك بقوله "تركيا العظيمة تفتح قلبها الكبير للإخوان المسلمين وغير المسلمين، ومن خلال هذا الاحتضان سيحفظ الله تركيا"، وأكّد مشعل: "نحن من ثمرات الإخوان المسلمين".

الاستعلاء العثماني يرفض الانضباط والخضوع للأطروحة الإخوانية في غير نسختها العثمانية

في الجانب الآخر، ما تزال أحلام الخلافة تراود اللاشعور العميق عند قيادات حزب العدالة والتنمية التركي، وما يزال صراخ أردوغان "نحن أحفاد العثمانيين" يشكّل شعاراً للحشد والتعبئة داخل المجتمع التركي؛ بل وكادت مصر أن تصبح "ولاية" تابعة لتركيا في عهد الرئيس الإخواني الأسبق محمد مرسي؛ حيث يتذكر الجميع زيارة أردوغان لمصر حين استقبله الإخوان بالصراخ: "أردوغان يا حبيب الإخوان"، غير أنّ هذا الحلم سيتحطم على صخرة الشعوب العربية التي استشعرت حقيقة المخطط الخبيث، الذي يتبنّاه الإخوان ليتم إسقاط هذا المشروع في كلّ من مصر وتونس والخليج، وتصبح الجماعة ضمن قوائم الإرهاب، في الوقت الذي كانت تبحث فيه سبل الوصول إلى مرحلة التمكين و"أستاذية العالم".

ما تزال أحلام الخلافة تراود اللاشعور العميق عند قيادات حزب العدالة والتنمية التركي

على هذا المستوى، وعلاقته بالأزمة الخليجية-القطرية الحالية، فإنّ تركيا ترى أنّ رهانها الحالي على قطر، إنّما أملته ظروف استثنائية محضة، كما يبقى، في جوهره، تحالفاً تكتيكياً ومرحلياً ينتهي، بحسب ما يتوهمه حكام أنقرة، بإخضاع المملكة العربية السعودية، من خلال دعم قطر مؤقتاً في أفق تحييد هذه الأخيرة، وفرض تبعيتها لتركيا، خصوصاً أنّ القرار السياسي والعسكري في الدوحة أصبح، عمليّاً، في أيدي أنقرة؛ حيث القوات التركية ترابط في قاعدة الريان القطرية.

وحيث إنّ النزعة التوسعية غالباً ما تكون بدوافع عرقية ولغوية وتاريخية محضة، فإنّ تركيا "أردوغان"، وإن كانت تتبنى الطرح الإخواني كتكتيك مرحلي للوصول إلى السلطة، إلّا أنّ "الاستعلاء العثماني" يرفض الانضباط والخضوع للأطروحة الإخوانية في "غير نسختها" العثمانية، وهنا لا يُمكن أن يَخفى على إخوان تركيا "الأردوغانية"، وهم يرعون الاحتفالات بالذكرى التسعين لتأسيس الجماعة، موقف مؤسسها حسن البنا من الأتراك حين يقول: "انتقال السلطة والرياسة إلى غير العرب، من الفرس تارة، والديلم تارة أخرى، والمماليك والأتراك وغيرهم، ممّن لم يتذوقوا طعم الإسلام الصحيح، ولم تشرق قلوبهم بأنوار القرآن لصعوبة إدراكهم لمعانيه" (رسائل حسن البنا، ص 70)

الطموحات التوسعية لأردوغان في المنطقة العربية، تحاول أن تُغطي فشل تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي

وتجدر الإشارة إلى أنّ رجب طيب أردوغان لم يكن يوماً ما تنظيمياً، ينتمي للإخوان المسلمين، وهو المعطى الذي أكّده،غير مرة، نجم الدين أربكان، زعيم حزب الرفاه (التنظيم الإخواني الأصلي)، الذي اتّهم أردوغان بأنّه يخدم أجندة وكالة المخابرات المركزية (CIA).

ويمكن القول، إنّ الطموحات التوسعية لأردوغان في المنطقة العربية، تحاول أن تُغطي فشل تركيا في الانضمام للاتحاد الأوربي، وبالتالي تحويل البوصلة نحو المنطقة العربية، مستغلاً في ذلك الامتداد الإخواني في العديد من الدول الإسلامية، من أجل الركوب عليها لتحقيق حلم حياة أردوغان في إعادة "الخلافة العثمانية"، ولو تطلَّب الأمر أن تَتَمسَّح بمسحة "إخوانية".

هذا الهدف الإستراتيجي، سيُمكّن تركيا من فرض نفسها كرقم صعب في المعادلة الدولية، دفعت أردوغان إلى التلويح، من السنغال، بضرورة مراجعة أنظمة مجلس الأمن الدولي، وضرورة تمكين الكتلة المسلمة من مقعد دائم في الأمم المتحدة.

وبالعودة إلى فعاليات الذكرى التسعين لتأسيس تنظيم الإخوان، صرّح إبراهيم منير بالقول: "تسعون عاماً مضت من تاريخ الدعوة، دافعت من خلالها عن دين الله، عزّ وجلّ، ورغم ما وقع عليها من قتل غير حق واضطهاد، فإنها تعتبر ذلك تثبيتاً على طريق الدعوة، وما تزال الجماعة تسعى للفهم الصحيح لدين الله".

ظلّ حلم الخلافة يراود حسن البنا إلى عام 1928 حين أعلن عن تنظيم أسماه الإخوان المسلمين

وحيث إنّ الكذب والتقية هي من صميم معتقد الإخوان المسلمين، فقد كان من اللازم، تقديم صورة للقارئ العربي عن مجمل تاريخ الإخوان؛ منذ تأسيس جماعتهم على يد المرشد حسن البنا بالإسماعيلية، في آذار (مارس) 1928.

لقد تأسست جماعة الإخوان عام 1928، كردّة فعل عكسية على بيئة إقليمية ودولية، تلاقت من خلالها مجموعة من الشروط الموضوعية، أدّت إلى الدفع بخروج الجماعة إلى الساحة المصرية، وقد شكّل سقوط الخلافة العثمانية في تركيا، عام 1924، على يد مصطفى كمال أتاتورك، صدمة للشعور الجماعي للأمة الإسلامية التي اعتادت على وجود دولة الخلافة، رغم استقلالية أغلب الدول الإسلامية على مركز القرار بالأستانة.

في هذا السياق؛ ظلّ حلم الخلافة يراود حسن البنا، إلى غاية عام 1928؛ حين أعلن عن تنظيم أسماه "الإخوان المسلمين"، وقد جاء الإعلان عن هذه الجماعة مقدمة لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسة:

-  محاولة استعادة الخلافة.

مواجهة التحديث أو التغريب.

-  التأكيد على أنّه ثمة طريق للخلاص من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والهوياتية يتمثل في الالتزام الديني والأخلاقي.

رأى حسن البنا أنّ العنف يبقى هو السبيل لحسم السلطة السياسية مع النظام المصري الحاكم

مع ثلاثينيات القرن الماضي، لعبت مجموعة من الظروف المرتبطة بالوضع المصري الداخلي والإقليمي، إلى موجة من "العسكرة" التي عرفتها القوى السياسية، من خلال الإسراع بتكوين أجنحة عسكرية لها، وقد ساعد على ذلك ما وقع في آذار (مارس) عام 1936، حين عقد حزب الوفد بزعامة مصطفى النحاس باشا، المعاهدة الشهيرة مع الإنجليز، وكان ذلك إيذاناً بانطلاق العمليات العسكرية التي تبنتها الأحزاب السياسية، بمختلف أطيافها، ضدّ الاحتلال الإنجليزي.

دفع هذا المناخ المتشنج حسن البنا إلى تبنّي فكرة إنشاء جناح عسكري لجماعته، انطلاقاً من فهمه الخاص للدعوة الإسلامية، على اعتبار أنّ الإسلام "عقيدة وعبادة ووطن وجنسية، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف"، ومن هنا جاء شعار الإخوان، مصحف وسيفان تتخللهما كلمة "وأعدّوا".

من هذا المنطلق، رأى حسن البنا أنّ العنف يبقى هو السبيل لحسم السلطة السياسية مع النظام المصري الحاكم، وكذا باقي القوى السياسية التي تنازعه المشروعية الشعبية، ونجده يقول في "مذكرات الدعوة والداعية": "إنّ من يشقّ عصا الجمع فاضربوه بالسيف، كائناً من كان"، ويضيف في مجلة "النذير" عام 1939: "وما كانت القوة إلّا كالدواء المرّ الذي تحمل عليه الإنسانية العابثة المتهالكة حملاً ليردّ جماحها ويكسر جبروتها وطغيانها".

اقرأ المزيد...

الوسوم: