إسطنبول العاصمة الجديدة "للخلافة الإخوانية"

إسطنبول العاصمة الجديدة "للخلافة الإخوانية"
5932
عدد القراءات

2018-04-08

قد يبدو العنوان غريباً ومستفزاً للقارئ العادي، الذي لم يُلمّ بالعقيدة العنصرية لحزب العدالة والتنمية التركي، وقد يتبادر إلى الذهن أنّ الاحتفال بالذكرى التسعين لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين، برعاية تركية، ما هي إلّا رسائل سياسية بعث بها التنظيم الإخواني للتأكيد على استمرار تواجده على الساحة بعد الضربات المتتالية التي تلقاها في العديد من الدول العربية، عجلت بأفول نجم تيارات الإسلام السياسي، وذلك بعد أن تمّ فضح حقيقة المخططات الباطنية لهذه الجماعة، التي ما دخلت دولة، أو بلداً، إلّا خلّفت وراءها رائحة الجثث والدماء والأشلاء.

غير أنّ العارف بمحددات البناءات السلوكية والأيديولوجية "للعثمانيين الجدد"، تترسّخ لديه القناعة بأنّ تركيا "الأردوغانية" تمتلك أجندة تتجاوز، في جوهرها، حتى الطموحات السياسية لجماعة حسن البنا.

تركيا الأردوغانية تمتلك أجندة تتجاوز في جوهرها حتى الطموحات السياسية لجماعة حسن البنا

في هذا السياق، احتفلت فعاليات إخوانية، الأحد الأول من نيسان (أبريل) الجاري، بالذكرى التسعين لتأسيسها، تحت شعار "تسعون عاماً من العطاء"، بمركز أمير أفندي الثقافي، بالطرف الأوروبي لمدينة إسطنبول. وشارك في الاحتفال العديد من قيادات الإخوان في العالم، بينهم، نائب المرشد العام للإخوان المسلمين ومسؤول التنظيم الدولي، إبراهيم منير، ورئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس خالد مشعل، هذا الأخير دافع، بحماس كبير، عن دور تركيا الجديد كحاضنة لمركز الخلافة الإخوانية، بعد انفراط عقد الإخوان في مصر، وذلك بقوله "تركيا العظيمة تفتح قلبها الكبير للإخوان المسلمين وغير المسلمين، ومن خلال هذا الاحتضان سيحفظ الله تركيا"، وأكّد مشعل: "نحن من ثمرات الإخوان المسلمين".

الاستعلاء العثماني يرفض الانضباط والخضوع للأطروحة الإخوانية في غير نسختها العثمانية

في الجانب الآخر، ما تزال أحلام الخلافة تراود اللاشعور العميق عند قيادات حزب العدالة والتنمية التركي، وما يزال صراخ أردوغان "نحن أحفاد العثمانيين" يشكّل شعاراً للحشد والتعبئة داخل المجتمع التركي؛ بل وكادت مصر أن تصبح "ولاية" تابعة لتركيا في عهد الرئيس الإخواني الأسبق محمد مرسي؛ حيث يتذكر الجميع زيارة أردوغان لمصر حين استقبله الإخوان بالصراخ: "أردوغان يا حبيب الإخوان"، غير أنّ هذا الحلم سيتحطم على صخرة الشعوب العربية التي استشعرت حقيقة المخطط الخبيث، الذي يتبنّاه الإخوان ليتم إسقاط هذا المشروع في كلّ من مصر وتونس والخليج، وتصبح الجماعة ضمن قوائم الإرهاب، في الوقت الذي كانت تبحث فيه سبل الوصول إلى مرحلة التمكين و"أستاذية العالم".

ما تزال أحلام الخلافة تراود اللاشعور العميق عند قيادات حزب العدالة والتنمية التركي

على هذا المستوى، وعلاقته بالأزمة الخليجية-القطرية الحالية، فإنّ تركيا ترى أنّ رهانها الحالي على قطر، إنّما أملته ظروف استثنائية محضة، كما يبقى، في جوهره، تحالفاً تكتيكياً ومرحلياً ينتهي، بحسب ما يتوهمه حكام أنقرة، بإخضاع المملكة العربية السعودية، من خلال دعم قطر مؤقتاً في أفق تحييد هذه الأخيرة، وفرض تبعيتها لتركيا، خصوصاً أنّ القرار السياسي والعسكري في الدوحة أصبح، عمليّاً، في أيدي أنقرة؛ حيث القوات التركية ترابط في قاعدة الريان القطرية.

وحيث إنّ النزعة التوسعية غالباً ما تكون بدوافع عرقية ولغوية وتاريخية محضة، فإنّ تركيا "أردوغان"، وإن كانت تتبنى الطرح الإخواني كتكتيك مرحلي للوصول إلى السلطة، إلّا أنّ "الاستعلاء العثماني" يرفض الانضباط والخضوع للأطروحة الإخوانية في "غير نسختها" العثمانية، وهنا لا يُمكن أن يَخفى على إخوان تركيا "الأردوغانية"، وهم يرعون الاحتفالات بالذكرى التسعين لتأسيس الجماعة، موقف مؤسسها حسن البنا من الأتراك حين يقول: "انتقال السلطة والرياسة إلى غير العرب، من الفرس تارة، والديلم تارة أخرى، والمماليك والأتراك وغيرهم، ممّن لم يتذوقوا طعم الإسلام الصحيح، ولم تشرق قلوبهم بأنوار القرآن لصعوبة إدراكهم لمعانيه" (رسائل حسن البنا، ص 70)

الطموحات التوسعية لأردوغان في المنطقة العربية، تحاول أن تُغطي فشل تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي

وتجدر الإشارة إلى أنّ رجب طيب أردوغان لم يكن يوماً ما تنظيمياً، ينتمي للإخوان المسلمين، وهو المعطى الذي أكّده،غير مرة، نجم الدين أربكان، زعيم حزب الرفاه (التنظيم الإخواني الأصلي)، الذي اتّهم أردوغان بأنّه يخدم أجندة وكالة المخابرات المركزية (CIA).

ويمكن القول، إنّ الطموحات التوسعية لأردوغان في المنطقة العربية، تحاول أن تُغطي فشل تركيا في الانضمام للاتحاد الأوربي، وبالتالي تحويل البوصلة نحو المنطقة العربية، مستغلاً في ذلك الامتداد الإخواني في العديد من الدول الإسلامية، من أجل الركوب عليها لتحقيق حلم حياة أردوغان في إعادة "الخلافة العثمانية"، ولو تطلَّب الأمر أن تَتَمسَّح بمسحة "إخوانية".

هذا الهدف الإستراتيجي، سيُمكّن تركيا من فرض نفسها كرقم صعب في المعادلة الدولية، دفعت أردوغان إلى التلويح، من السنغال، بضرورة مراجعة أنظمة مجلس الأمن الدولي، وضرورة تمكين الكتلة المسلمة من مقعد دائم في الأمم المتحدة.

وبالعودة إلى فعاليات الذكرى التسعين لتأسيس تنظيم الإخوان، صرّح إبراهيم منير بالقول: "تسعون عاماً مضت من تاريخ الدعوة، دافعت من خلالها عن دين الله، عزّ وجلّ، ورغم ما وقع عليها من قتل غير حق واضطهاد، فإنها تعتبر ذلك تثبيتاً على طريق الدعوة، وما تزال الجماعة تسعى للفهم الصحيح لدين الله".

ظلّ حلم الخلافة يراود حسن البنا إلى عام 1928 حين أعلن عن تنظيم أسماه الإخوان المسلمين

وحيث إنّ الكذب والتقية هي من صميم معتقد الإخوان المسلمين، فقد كان من اللازم، تقديم صورة للقارئ العربي عن مجمل تاريخ الإخوان؛ منذ تأسيس جماعتهم على يد المرشد حسن البنا بالإسماعيلية، في آذار (مارس) 1928.

لقد تأسست جماعة الإخوان عام 1928، كردّة فعل عكسية على بيئة إقليمية ودولية، تلاقت من خلالها مجموعة من الشروط الموضوعية، أدّت إلى الدفع بخروج الجماعة إلى الساحة المصرية، وقد شكّل سقوط الخلافة العثمانية في تركيا، عام 1924، على يد مصطفى كمال أتاتورك، صدمة للشعور الجماعي للأمة الإسلامية التي اعتادت على وجود دولة الخلافة، رغم استقلالية أغلب الدول الإسلامية على مركز القرار بالأستانة.

في هذا السياق؛ ظلّ حلم الخلافة يراود حسن البنا، إلى غاية عام 1928؛ حين أعلن عن تنظيم أسماه "الإخوان المسلمين"، وقد جاء الإعلان عن هذه الجماعة مقدمة لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسة:

-  محاولة استعادة الخلافة.

مواجهة التحديث أو التغريب.

-  التأكيد على أنّه ثمة طريق للخلاص من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والهوياتية يتمثل في الالتزام الديني والأخلاقي.

رأى حسن البنا أنّ العنف يبقى هو السبيل لحسم السلطة السياسية مع النظام المصري الحاكم

مع ثلاثينيات القرن الماضي، لعبت مجموعة من الظروف المرتبطة بالوضع المصري الداخلي والإقليمي، إلى موجة من "العسكرة" التي عرفتها القوى السياسية، من خلال الإسراع بتكوين أجنحة عسكرية لها، وقد ساعد على ذلك ما وقع في آذار (مارس) عام 1936، حين عقد حزب الوفد بزعامة مصطفى النحاس باشا، المعاهدة الشهيرة مع الإنجليز، وكان ذلك إيذاناً بانطلاق العمليات العسكرية التي تبنتها الأحزاب السياسية، بمختلف أطيافها، ضدّ الاحتلال الإنجليزي.

دفع هذا المناخ المتشنج حسن البنا إلى تبنّي فكرة إنشاء جناح عسكري لجماعته، انطلاقاً من فهمه الخاص للدعوة الإسلامية، على اعتبار أنّ الإسلام "عقيدة وعبادة ووطن وجنسية، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف"، ومن هنا جاء شعار الإخوان، مصحف وسيفان تتخللهما كلمة "وأعدّوا".

من هذا المنطلق، رأى حسن البنا أنّ العنف يبقى هو السبيل لحسم السلطة السياسية مع النظام المصري الحاكم، وكذا باقي القوى السياسية التي تنازعه المشروعية الشعبية، ونجده يقول في "مذكرات الدعوة والداعية": "إنّ من يشقّ عصا الجمع فاضربوه بالسيف، كائناً من كان"، ويضيف في مجلة "النذير" عام 1939: "وما كانت القوة إلّا كالدواء المرّ الذي تحمل عليه الإنسانية العابثة المتهالكة حملاً ليردّ جماحها ويكسر جبروتها وطغيانها".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



التبرع بالأعضاء: هل يصطدم بالشريعة؟

صورة رباب كمال
إعلامية وكاتبة مصرية
2020-01-22

حوّلتُ أسوأ يوم في حياتي إلى يوم سعادة ونجاة لأطفال آخرين وذويهم"، بهذه الكلمات واجه الأب المكلوم خبر وفاة ابنته ذات الستة أعوام بعد حادث أليم وقع في الـ11 من كانون الثاني (يناير) العام 2020، وعلى الفور وبدون تردد قرر الأب والأم معاً التبرع بأعضاء ابنتهما لأطفال آخرين، حيث تجلّت قيمة الحياة وسط آلام الفقدان.
الحادث الذي وقع في تكساس بالولايات المتحدة في مطلع العام سلب حياة الطفلة (ريفن غوف)، لكن إرادة الأم والأب تحولت إلى الرغبة في استمرار حياة ابنتهما بشكل مختلف، وهو أن تكون أعضاؤها نابضة حية في أجساد أطفال آخرين في أشد الاحتياج لبارقة أمل لهم ولذويهم.

تقبل هذا الفتح الطبي الذي أنقذ حياة الملايين حول العالم لم يمر في عالمنا العربي بتلك السهولة

لا يختلف موقف أسرة الطفلة الصغيرة (ريفن غوف) عن موقف الشاب المغربي (إسماعيل سلطان) الذي لم يتجاوز العشرين ربيعاً ويصارع السرطان منذ أربعة أعوام، هو أيضاً شعر بقيمة الحياة ومنحها للآخرين، بالرغم من آلام المرض وشبح الموت، فسجّل وصيته في المحكمة الابتدائية المدنية في بلاده بالتبرع بأعضائه السليمة من المرض لمن يحتاجها من بعده.
بالرغم أنّ هناك معايير طبية على تبرع مرضى السرطان بأعضائهم إلا أنّ لفتة إسماعيل سلطان كانت رغبة في منح الحياة لمن يعاني من أنين المرض الذي واجهه.
في كلتا الحالتين كان الإيثار والشعور بالآخر جزءاً من الإيمان الفطري الذي يفوق شكليات التدين؛ فالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة لأشخاص غير معلومين ولا صلة قرابة بينهم وبين المتوفى أياً كانت أصولهم العرقية أو عقائدهم، أصبح واحدة من أكبر اللافتات في الحراك الإنساني حول العالم، وكأنّه صرخة تمرد في وجه البشرية الممزقة بالحروب والنزاعات.

اقرأ أيضاً: فتاوى آثمة وضالة ومتكررة
لكن تقبل هذا الفتح الطبي، الذي أنقذ حياة الملايين حول العالم لم يمر في عقلنا الجمعي بتلك السهولة؛ إذ اصطدم بمعيقات مجتمعية انطلقت في مجملها من فتاوى متعجلة، كما أثبت شيخ الأزهر الراحل محمد سيد طنطاوي عندما أعلن تبرعه بقرنية عينه بعد وفاته، بعد أن استقرت معظم الهيئات الفقهية على رفض التحريم بالمطلق كما كان شائعاً.

ثورة نقل الأعضاء
عمليات وأبحاث نقل الأعضاء لها تاريخ مديد، ففي العام 1912، منحت لجنة نوبل جائزتها لعلوم الطب للجراج الفرنسي أليكسي كاريل (1873- (1944)، الذي هاجر من بلاده إلى كندا في مقتبل حياته ليعمل في الزراعة وتربية الماشية اعتقاداً منه أنّه لا يصلح طبيباً، قبل أن تأخذ حياته منعطفاً جديداً ويعود لممارسة الطب بعدما تم تعيينه العام 1906 في معهد حديث العهد حينها ألا وهو معهد روكفلر للأبحاث الطبية في نيويورك.

أشهر فتاوى تحريم التبرع بالأعضاء جاءت على لسان الشيخ الشعراوي في الثمانينيات

ومن خلال عمله هناك طوّر (كاريل) أساليب علاجية لخياطة الأوعية الدموية وجراحة الصدر ونقل الأنسجة، وكذلك قام بعمليات تجريبية لنقل الأعضاء على الكلاب بما فيها عملية نقل الكلى، فكان بذلك أول من اكتشف مشكلة طرد الأجسام الغريبة والتي ُتعرف طبياً بـ "رفض الطعم" Transplant Rejection، وهكذا فتح مجالاً لدراسات بحثية تضمن تثبيت العضو المنقول، واشتهر (كاريل) بلقب "رائد جراحات نقل الأعضاء".
تطور علم نقل وزراعة الأعضاء منذ ذلك الحين بالرغم من الاعتراضات المجتمعية وبعض الآراء الدينية الكاثوليكية على أبحاث كاريل في مطلع القرن العشرين والتي تراءى لها أنّ الحفاظ على الجسد كاملاً من متطلبات البعث من جديد.
لكن العلم والتطور الطبي والتشريعات المدنية استطاعت هزيمة أي آراء أو قيود من هذا النوع تعرقل العمل على منفعة البشر على الأرض، وأصبحت الشروط والمعايير التي تحيط بأبحاث نقل الأعضاء هي معايير مهنية وطبية وإنسانية، يعاقب من يخالفها بحكم القانون، خاصة فيما يخص الاتجار بالأعضاء والتلاعب بحياة البشر واستغلال الفقر الذي يوعز للبعض بيع أعضائهم، وتربص المتاجرين بالفقراء.

اقرأ أيضاً: مؤشر الفتاوى: استراتيجيات الإخوان تقترب من الجماعات المتطرفة
وتفيد البيانات الدولية أنّ هذا الاتجار يزداد في ظرفين أساسيين:
الأول: في خضم الحروب والنزاعات، فيصبح اللاجئون فريسة للاتجار بالبشر وأعضائهم، وهو الأمر الذي رصدته المنظمات الحقوقية العربية والأجنبية على حد سواء في مخيمات الحرب في سوريا، وأصدرت الأمم المتحدة تقريراً يفيد بهذا الوضع الماسأوي في العام 2017. ولعل هذه المأساة هي التي دفعت عدداً من اللاجئين السوريين الناجين إلى التبرع بأعضائهم بعد الوفاة كما فعلت الأم (ميديا محمود) بعد وصولها لاجئة إلى ألمانيا.
الثاني: عدم وجود قوانين تسمح بنقل الأعضاء ما يفتح مجالاً أوسع للسوق السوداء والاتجار الذي يستغل حاجة البشر سواء المتبرعين أو المتبرع لهم، وغالباً ما تتعثر التشريعات المُنظمة لنقل الأعضاء بسبب الفتاوى الشرعية في بعض البلدان.
ذريعة تحريم نقل الأعضاء
"طالما لا تملك ذاتك فلا حق لك التصرف فيها"، هكذا كانت أشهر فتاوى تحريم التبرع بالأعضاء في ثمانينيات القرن الماضي، على لسان الشيخ المصري محمد متولي الشعراوي (1911-1998) وهي الفتوى التي انتشرت بين الجماهير بكافة أطيافهم كالنار في الهشيم حينها وظلت مسيطرة على الوعي الجمعي لعدة أعوام لاحقة.

استند عدد لا بأس من المُحرّمين إلى فتوى الإمام النووي في تحريم وصل الشعر

أما تعقيباً على كلمة "التصرف" فيؤكد الشيخ الشعراوي أنّه يقصد البيع أو الهبة بلا مقابل سواء في حياة المتبرع أو بعد وفاته، والفتوى تذرعت بتأويل "المُلك لله"، وأنّه فليس من حق الإنسان أن يهب ما لا يملكه؛ لأنّ الله يسترد وديعته.
وكان الشيخ الشعراوي أطلق هذه الفتوى على شاشة التلفزيون المصري الرسمي من خلال برنامج (من الألف إلى الياء) الذي كان يقدمه الإعلامي الراحل طارق حبيب، وحينها لم يطلب فتوى بخصوص الاتجار بالأعضاء من خلال البيع، بل كان السؤال عن الهبة والتبرع، فلم تكن فكرة تحليل البيع مطروحة أصلاً، إلا أنّ إقحام تعبير "تحريم البيع" مثّل مدخلاً نفسياً للشحن الضدي ضد الفكرة من أساسها، فانتقى الشيخ الشعراوي مفردات حولّت قضية التبرع - من خلال الهبة من إنسان لإنسان بدون بيع ولا اتجار- إلى خطاب استعداء على ملكية الله تعالى المالكة لجسد الإنسان ليجد المتبرع والمتبرع له في موقف المعصية.

اقرأ أيضاً: مطالبة آبل بحذف تطبيق يحوي فتاوى للقرضاوي تروّج للتطرف والكراهية
ظلت هذه الفتوى حاضرة لأعوام، واستند عدد لا بأس من المُحرّمين، بمن فيهم الشعراوي، إلى فتوى الإمام النووي في تحريم وصل الشعر فيقول: "يَحْرُم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته، بل يُدْفَن شعره وظُفُره وسائر أجزائه" (المجموع شرح المهذب، في الفروع للنووي ج3، ص149، شرح مسلم ج14، ص103)
إلا أنّ تلك الفتوى بالتحريم في حد ذاتها لم تكن العقبة الوحيدة على المستوى التشريعي؛ فالإشكالية الأكبر كانت وماتزال، حضور المسألة الفقهية في ذهنية المشرعين المدنيين، بل وفي عقل بعض الأطباء الذين اعتمروا عمامة الفقيه دون علم. وهذه الظاهرة ليست حكراً على مسألة نقل الأعضاء وإنما كذلك ظهرت بشكل جدلي في مسألة ختان الإناث، فنجد طبيباً (أحمد الطحاوي) وعضواً بمجلس النواب المصري يطلب الرأي الشرعي في ختان الإناث (العام 2016) بعد تجريمه قانوناً وتحريمه من الأزهر بحوالي ثمانية أعوام في العام 2008.
الفتاوى وتشريع نقل الأعضاء
علمياً، ثمة تصنيفات متعددة لعمليات نقل الأعضاء، حيث تطورت تلك العمليات تطوراً مذهلاً منذ زراعة القرنية العام 1905 حتى زراعة الوجه كاملاً العام 2010 ولازالت تتطور عاماً بعد عام، وتم إدراجها في عدة تصنيفات ومن بينها: أعضاء مُتبرع بها من أحياء مثل عمليات نقل الكلى وجزء من الكبد أو جزء من الأمعاء وتعرف علمياً بـsplit Transplant (زراعة الأعضاء بالتقسيم)؛ أي تقسيمها بين المتبرع والمتبرع له الأحياء، وأخرى بعد الوفاة (مثل القلب والبنكرياس والمعدة).

اقرأ أيضاً: "مؤشر الفتوى"... هل يضبط فوضى الفتاوى عالمياً؟!
وقد تطورت الفتاوى الدينية، على مدار العقود الماضية، من حالة رفض نقل الأعضاء إلى الإجازة خاصة في حالات نقل العضو من متبرع حي لآخر حي، بالرغم من اعتراض عدد محدود من المشايخ على الأمر برمّته بحجة عدم امتلاك الإنسان لجسده على غرار فتوى الشعراوي.
كما يمكن نقل العضو من المتوفى سواء سريرياً أو المتوفى بفعل هبوط الدورة الدموية حسب المعايير المهنية والطبية، وهنا تتجلى أزمة الفتاوى الدينية في الوقت الراهن في معظم البلاد العربية؛ حيث تتمحور حول نقل الأعضاء من المتوفى إلى الحي؛ حيث ُيعد الأمر جائزاً لكن في ضوء التعريف الفقهي للموت، وقد يختلف هذا التعريف مع التعريف الطبي، هنا يذهب بعض الفقهاء أنّ الموت يصبح معترفاً به في حالة توقف التنفس، فلا عبرة بالموت الإكلينيكي أو ما يعرف بموت جذع المخ؛ لأنّه لا يعد موتاً شرعاً، لبقاء بعض أجهزة الجسم حية.
في هذه الحالة، نجد أنّ الفتوى تدخلت في العمل الطبي ومهنيته وتمسكت برأي فقهي غير دارس للطب، أو استعانت برأي طبيب يضع العلم الفقهي قبل التشريحي والطبي، وهي مثال على الحالات التي تعرقل البحث العلمي في مجمله.
حراك التبرع بالأعضاء
بالرغم من ذلك، هناك حالة حراك طبي في العالم العربي يسعى لتطوير مثل هذه الأبحاث وتقنين العمليات بالفعل وتقليل الحصار حول إجرائها بما لا يمتهن كرامة الإنسان ولا يعرضه للاتجار، وكل تلك المساعي تتم بالرغم من بعض الأزمات التشريعية والشرعية والجمود الذي لا يتناسب مع التطور العلمي الهائل.

ظاهرة التحريم لم تقتصر على نقل الأعضاء فظهرت بشكل جدلي في مسألة ختان الإناث

وربما ما يلفت الانتباه أكثر، هو ذلك الحراك المجتمعي (غير المنظم حكومياً) والذي يتبنى قضية التوعية بالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة.
تجلّى هذا الحراك من خلال التدوينات، ثم تتطور إلى تسجيل بعض الأشخاص لوصية موثقة بالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة في بلدانهم، مما يُعد بمثابة حركة تنويرية تسعى للتمرد على الأفكار المجتمعية الرافضة أو على بعض الأصوات المتشددة التي تعد جسد الإنسان غير مملوك له.
هذا الحراك انطلق من خلال أشخاص طوّعوا إيمانهم وتدينهم لخدمة الغرض الإنساني، واعتبروا أنّ التبرع يقع في إطار فلسفة من أحيا نفساً كمن أحيا الناس جميعاً، وبالرغم من الاختلافات العقائدية للراغبين في التبرع، يبقى الإيثار وتعاطفهم مع المريض إنسانياً هو ما جمع بينهم مما يعد مؤشراً لتغير الذهنية والثقافة العامة.

للمشاركة:

سيد قطب و"الظلال".. اختل المنهج فسقط البناء (5)

2020-01-22

عايش سيد قطب القرآن الكريم ولازمه لأعوام طويلة لا تقل عن العشرة، وتوقف خلالها عن الرجوع إلى غيره من الكتب والمراجع إلا عند الضرورة القصوى. وقد طلب من أبناء الحركة الإسلامية؛ بل ومن المسلمين عموماً، أن يفعلوا مثله ويحذوا حذوه، وأن يقطعوا صلتهم بأي نوع آخر من المصادر التي وصفها جميعاً بكونها "جاهلية " أو أنّها على الأقل اختلطت بها، مما يجعل منها مادة خطرة على عقل المسلم ووجدانه. ومن شدة ارتباطه بالقرآن الكريم وصفه بعض أتباعه بكونه "الرجل القرآني". ولا شك في أنّ توثيق العلاقة بالقرآن الكريم مسألة أساسية عند كل مسلم، خاصة إذا كان عالماً أو خبيراً في مجال له علاقة بالدين، لكن الإشكال الذي يطرح مع قطب يتعلق بدرجة أساسية في المنهج الذي اعتمده لقراءة القرآن الكريم وتفسيره وتأويله.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: تأملات في مشروع ملغوم (1)
وضع فرضية واستند إليها ليخوض مغامرة لم تكن عواقبها سليمة. تقوم أطروحته على الفرضية التالية وتتمثل في دعوة المسلم إلى التخلص من جميع الرواسب التي علقت بفكره والتي يعتبرها ثمرة من ثمرات الجاهلية، وأن يتجرد من كل التأثيرات والعوامل التي أثرت في بنائه، العقلي والنفسي والاجتماعي، قبل أن يتحول إلى الإيمان، حتى يصبح صفحة بيضاء، وأن يتهيأ نفسياً عند وصوله إلى هذه المرحلة ليتلقى القرآن الكريم وحده، وأن يجعل منه المصدر الوحيد الذي يستمع له، ويعمل على تنفيذ أوامره وتوجيهاته.

مهما كانت إرادة قارئ القرآن وجنسيته وقوته الروحية لن يستطيع التحول لمرآة عاكسة للنص وحقيقته مثلما افترض ذلك قطب

الفكرة تبدو مغرية ومقبولة نظرياً، على الأقل، لكنها عملياً تدفع نحو خوض مغامرة مستحيلة. فكل إنسان، والمسلم إنسان، لا يستطيع مهما حاول أن يتجرد من الرواسب الكامنة فيه، أو أن ينفصل كلياً عن محيطه المادي والاجتماعي والثقافي حتى لو كان هذا المحيط جاهلية محضة. فعلم الوراثة ينفي إمكانية تحقق مثل هذا الاحتمال، وكذلك علم النفس يقدم عشرات الأدلة على استحالة الفرضية، وأيضاً يجمع المختصون في مختلف العلوم الإنسانية على القول بأنّ الإنسان يبقى محكوماً بعديد المؤثرات التي تسبق وجوده وتتدخل في إرادته، وتجعل حريته ليست مطلقة.
لا يعني ذلك أنّ الإنسان آلة صماء، يخضع لعوامل خارجة عن سلطته مثلما هو الحال بالنسبة لما يطلقون عليه "الإنسان الآلي" أو "الروبو". هذه صورة كاركاتورية لا يمكن اعتمادها في هذا السياق. الإنسان خلق ليكون حراً، ولهذا السبب بالذات يتمتع بإرادة يقرر من خلالها أشياء كثيرة في حياته. وعلى هذا الأساس دافع الكثير من الفلاسفة والمتكلمون عن القول بأنّ الإنسان هو صانع أفعاله، وأنّ ذلك شرط أساسي يكون مسؤولاً عنها، وبدونه تسقط آلياً فكرة محاسبته على ما يقول ويفعل. لكن السلوك البشري معقد، تتشابك فيه عناصر كثيرة ومتداخلة، بعضها خاضع للسيطرة وبعضها الآخر مستقل عن الفرد ومسؤول عنها الأسرة أو المجتمع أو السياق التاريخي أو الطبيعة بقوانينها.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: الوجه المطمئن مقابل الوجه الآخر (2)
مهما كانت إرادة قارئ القرآن الكريم وجنسيته وقوته الروحية وتكوينه لن يستطيع أن يتجرد من كل ذلك ويتحول إلى مرآة عاكسة للنص وحقيقة النص مثلما افترض ذلك صاحب "معالم في الطريق" . إنّه سيقرأ القرآن الكريم من منظوره الشخصي، ووفق مداركه العقلية، وبناء على ثقافته وتجاربه السابقة للنص بقطع النظر عن مصادرها أو صحتها وخطئها. لهذا خضع كل مفسري القرآن الكريم لسياقاتهم التاريخية والمعرفية بمن فيهم سيد قطب نفسه، الذي لو وجد نفسه في سياق ديمقراطي، وتمتع بحرية الرأي والتفكير، وعاش حياته الشخصية بشكل مختلف، ولو تعامل معه الرئيس جمال عبد الناصر بطريقة مغايرة، وأدرك أهميته كمثقف وإنسان، لجاء تفسيره للقرآن الكريم مختلفاً تماماً عن "الظلال"، ولتعامل مع النص الإلهي بمنهجية مغايرة.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: القفز نحو المواقع الخطرة (3)
لقد تمحور الجزء الأكبر من تأملاته في القرآن الكريم حول 3 مصطلحات اعتقد بكونها مفردات أساسية للكشف عن أسرار الخطاب الإلهي الموجه إلى البشر، وهذه المصطلحات هي "الجاهلية" و"الربوبية" و"الحاكمية". واعتقد بأنّ هذه المصطلحات عبارة عن مفاتيح مترابطة تشكل مداخل رئيسية لكتاب مقدس يعج بالقضايا والمسائل والاهتمامات والرسائل. وافترض بأنّ تلك المعادلة كافية لتمكّنه من وضع المنهج الذي بحث عنه لتغيير الوضع القائم بمصر وبغيرها من دول العالم.

رغم تأثر الغنوشي بمالك بن نبي إلا أنّ تعلّقه بقطب جعله يسعى للتوفيق بينهما في معادلة لا تستقيم

هذه النظارات التي وضعها قطب فوق عينيه جعلته، على سبيل المثال، لا يدرك أهمية ما كتبه مثقف آخر عاش معه في نفس الفترة هو المهندس الجزائري مالك بن نبي، وواجه نفس القضية التي شغلته ولكن من زاوية أخرى وبمنهجية مختلفة. ذكر سيد في كتابه "معالم في الطريق" وتحت عنوان "الإسلام هو الحضارة" ما يلي: "لقد كنت قد أعلنت مرة عن كتاب لي تحت الطبع بعنوان "نحو مجتمع إسلامي متحضر"، ثم عدت في الإعلان التالي فحذفت كلمة متحضر مكتفياً بأنْ يكون عنوان البحث- كما هو موضوعه "نحو مجتمع إسلامي"، ولفت هذا التعديل نظر كاتبٍ جزائري يكتب بالفرنسية ففسَّره على أنَّه ناشئ عن عمليةِ دفاع نفسية داخلية عن الإسلام، وأسف لأنَّ هذه العملية- غير الواعية- تحرمني من مواجهة المشكلة على حقيقتها". وأضاف قطب "أنا أعذر هذا الكاتب؛ لقد كنت مثله من قبل أفكر على النحو الذي يفكر هو عليه الآن".

اقرأ أيضاً: سيد قطب: الجاهلية نظرية في الخروج من التاريخ (4)
كانت كلمات سيد كافية لكي تحجب الإخوان المسلمين والإسلاميين عموماً عن هذا الرجل الجزائري، وتحرمهم من الاستفادة من كتبه العميقة والنوعية. فالخلاف بين الكاتبين عميق وليس شكلياً كما تصور الكثيرون. حتى قطب لم ينتبه إلى ما رواء ملاحظة بن نبي. لم يدرك أنّ الحضارة غير مرتبطة عضوياً بالتدين. لهذا اعتبر أنّه بمجرد وجود مجتمع إسلامي يحصل تقدم حضاري، في حين أنّ الحضارة تكتسب عن طريق الالتزام بقوانين وشروط، يمكن أن يأخذ بها المسلم أو غير المسلم. وهو ما يفسر الحالة الراهنة؛ حيث يقود الغرب مسار الحضارة بعد أن أمسك بخيوطها، في حين لا يزال المسلمون يتحركون على الهامش ويوصفون بالتخلف رغم تديّنهم. ويعود ذلك إلى الفهم الخاطئ عند المسلمين لجوهر دينهم من جهة، ولجوهر الحضارة من جهة أخرى.

رغم تأثر الغنوشي بمالك بن نبي، إلا أنّ تعلّقه بقطب جعله يسعى نحو التوفيق بينهما في معادلة لا تستقيم تفسر جزءاً هاماً من تناقضات الكثير من الإسلاميين. قال "بعد تفكّر طويل وحيرة وتجاذب في نفسي بين الإمامين )يقصد قطب وبن نبي(، تجلّت في نفسي كالصبح مكانة الرجلين العظيمين وموقع كل منهما.. أدركت أنني إذا ابتغيت تفسيراً لآي من كتاب الله وبخاصة التفسير البياني والمنظور الشامل للسورة في ترابط وتماسك آيها ومحايثتها المستمرة للواقع باعتبارها قوة تغيير له وليس مجرد تشخيص، فليس أولى من )السيد ( صاحب "الظلال" أظفر عنده بمبتغاي، ولكن دون اقتصار عليه أو استغناء عنه.
أما إذا رمت بحثاً وتفكيكاً لظواهر التخلف والتحضر والوقوف على محركاتها في تاريخنا وواقعنا، فليس في الفكر الإسلامي المعاصر ما يسعف وينير الطريق إلى الواقع وإلى كتاب الله خير من مالك بن نبي صاحب سلسلة "الحضارة"، فإذا كان الحديث في الحضارة فلا يفتى ومالك في المدينة ". مع ذلك ما يبنيه مالك ينسفه سيد؟ !!.


هامش:

1- راشد الغنوشي "بين سيد قطب ومالك بن نبي"/موقع الجزيرة.

للمشاركة:

هل تحول الاحتجاجات في السويداء مجرى الأحداث في سوريا؟

2020-01-21

الحرب، التي ما تزال مستمرة على جبهات القتال، منذ تسعة أعوام، وإن في مناطق محددة، والتي حصدت حتى الآن أرواح ما يقرب من مليون شخص من الرجال والنساء والشباب والأطفال، وما يقرب من مليوني جريح وذوي إعاقة، وهجّرت أكثر من نصف السكان، في الداخل وإلى الخارج، ودمّرت البنى التحتية والمرافق العامة والمصانع والورش، سبّبتها ورافقتها حرب أخرى على المجتمع كلّه، قادتها قوى التسلط والاستبداد والفساد. 

اقرأ أيضاً: تركيا وازدواجية المواقف بين سوريا وليبيا
أسلحة هذه الحرب الممهدة والموازية هي التخويف والترهيب والتجويع، لا سيما أنّ التجويع صار سياسة معلنة لسلطة الأمر الواقع في دمشق وحلفائها، تحت شعار "الجوع أو الركوع"، وهذا تعبير صريح عن سياسة قديمة جعلت الاقتصاد والمال أداتين من أدوات السيطرة، ومصدرين لثروات المسيطرين كبارهم وصغارهم؛ فالأزمة الاقتصادية والمالية والمعيشية ليست جديدة؛ إذ كان أكثر من ثلثي السكان، قبل عام 2011، يعانون من الفقر العام، وحوالي ثلث السكان يعانون من الفقر المدقع أو الفقر الشديد، بحسب المكتب المركزي للإحصاء وأبحاث أخرى.

حفلت مواقع التواصل بمناشدات متتالية من مواطنين سوريين لتدارك أزمة الغاز ووقود التدفئة والكهرباء والغلاء وفوضى الأسعار

الجديد في الأزمة الاقتصادية والمالية أنّها بلغت مستويات غير مسبوقة، لم يعد يمكن تحملها، وفي المقابل بلغ الفساد والنهب والابتزاز والتعفيش وفوضى السوق وانهيار سعر الصرف مستويات غير مسبوقة، وزاد عدد أغنياء الحرب وتضاعفت ثرواتهم، وتذكر بعض البحوث الحديثة أنّ نسبة الفقر العام بلغت 92% وزادت نسبة الفقر المدقع أو الفقر الشديد عن 45%، وارتفعت نسبة البطالة إلى 40%، وليس انهيار قيمة الليرة السورية المريع سوى دليل واحد من أدلة كثيرة على تحويل سوريا الغنية بشعبها ومواردها دولة فقيرة وفاشلة ومدينة بعشرات المليارات لإيران وروسيا وغيرهما، فإذا كان هناك من يعتقد بالفعل أنّ الحرب على جبهات القتال هي مؤامرة كونية؛ فالحرب الممهدة والموازية سياسة وممارسة أكثر خطورة من أيّة مؤامرة.

اقرأ أيضاً: ما هدف أردوغان الحقيقي من التدخّل عسكرياً في سوريا وليبيا؟
حفلت مواقع التواصل الاجتماعي بمناشدات متتالية من مواطنين موالين، من فنانين وكتّاب وناشطين، لتدارك أزمة الغاز ووقود التدفئة والكهرباء والغلاء وفوضى الأسعار، التي التهمت الزيادة الهزيلة في الرواتب والأجور، لتأتي الإجابة عبر وسائل الإعلام الحكومية بـ "أنّ الأوضاع الاقتصادية أفضل خمسين مرة مما كانت عليه عام 2011".
الكذب و"التصحيف" من شيم كثير من وسائل الإعلام السورية، التي وصفها الراحل ممدوح عدوان بأنّها "تكذب حتى في نشرة الأخبار الجوية"، الكذب لا يسدّ الجوع، ولا يجلب حليب الأطفال، ولا يجلب دواء المرضى، ولا يدفئ أجسادهم، ولا ينير المنازل، ولا يلبّي حاجات المحتاجين.

اقرأ أيضاً: ما هي رسالة طهران إلى واشنطن من خلال وجودها في العراق؟
في ظلّ هذه الأوضاع الكارثية والسوريالية في الوقت نفسه لا عجب أن يدير شباب وشابات من محافظة السويداء حملة "بدنا نعيش"، وأن يتظاهروا، بأعداد قليلة في اليوم الأول (15 كانون الثاني/ يناير 2020)، وأكثر منها في اليوم الثاني في مدينة السويداء (مركز المحافظة)، وفي مدينة شهبا الواقعة بين دمشق والسويداء.
تعتمد محافظة السويداء على الزراعة، خاصّة الكرمة والتفاح، وعلى العمل في مؤسسات الدولة، وعلى تحويلات المغتربين، بصورة أساسية، ولم تنخرط في الانتفاضة الشعبية، عام 2011، بل وقفت على الحياد، منذ البداية، إنما كانت هناك تدخلات من جانب بعض المعارضين للنظام في المحافظة، دُفع مقابلها غالياً دماء عشرات من الشباب قضوا تحت التعذيب، ويعود عدم الانخراط في الثورة إلى عدة أسباب، منها؛ أنّ غالبية أهالي المحافظة من الأقليات الدينية في سوريا، وهم دروز ومسيحيون وبدو، خوّفتهم السلطة من التكفيريين. والسبب الثاني؛ ربما لأنّ المحافظة بدأت تستقبل الوافدين إليها "النازحين"، هرباً من الموت، فحافظت على عاداتها وتقاليدها في إكرام الضيف وإيوائه، وقد اتهمتها بعض التيارات من المعارضين للنظام بالموالاة الكلية له، وفي الحقيقة كانت السويداء ترقد على بركان خامد سينفجر في أيّة لحظة من اللحظات الحاسمة، وقد تكون تلك اللحظة تغييراً لمجرى ما حدث قبل تسعة أعوام، وما يحدث الآن على الأراضي السورية.

اقرأ أيضاً: هؤلاء يدفعون ثمن تطلعات أردوغان في سوريا..
شهدت الليرة السورية في الأيام العشرة الماضية انخفاضاً كبيراً في سوق الصرف المالي، مما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والتموينية ارتفاعاً كبيراً، انعكست آثاره على المواطنين، وارتفاع الأسعار يطال محافظة السويداء أكثر من بقية المحافظات السورية، نظراً لبعدها عن العاصمة دمشق وارتفاع أسعار نقل البضائع التي تضاف على سعر المادة المستهلكة، ونظراً لتردي الحالة المعيشية في سوريا عامةً، وفي السويداء على وجه الخصوص، فقد خرجت المحافظة عن صمتها الذي وضعها في خانة الموالاة المطلقة للنظام في أعوام خلت، وانتفضت تندد بالوضع المعيشي المتردي، مثلما يردد المنتفضون في لبنان والعراق.

اقرأ أيضاً: لماذا انقلب أمراء الحرب في سوريا إلى مرتزقة تقودهم تركيا؟
وإذ أطلق بعض الناشطين حملة "بدنا نعيش" على شبكات التواصل الاجتماعي، ودعوا فيها للنزول إلى الشارع للمطالبة بالحقوق المدنية للمواطنين، وتحسين الخدمات، لبّت شريحة واسعة من الشباب والشابات النداء لتلك الحملة، واعتصموا أمام السراي الحكومي في المحافظة، مطالبين الحكومة بالحدّ من الفساد، وتحسين الوضع المعيشي للشعب السوري كافة من دون تمييز بين محافظة السويداء وغيرها من المحافظات السورية. 
التحرك الشعبي، الذي بدأ في 15 كانون الثاني (يناير) الجاري، ما يزال مقتصراً على مدينة السويداء، ثم مدينة شهبا، ولم تشارك فيه أية محافظات أخرى، إلا بالمباركة والدعم المعنوي والشدّ على أيادي المحتجين والمحتجات من البعض، الذين يعانون مما تعانيه السويداء، والبعض الآخر يُبخس الحراك على أنّه "حراك من أجل العلف لا من أجل الكرامة".

أطلق بعض الناشطين حملة "بدنا نعيش" على شبكات التواصل الاجتماعي، ودعوا فيها للنزول إلى الشارع للمطالبة بتحسين الخدمات

وفي اليومين التاليين 16 و17 كانون الثاني (يناير) الجاري، تزايد عدد المحتجين وجابوا شوارع السويداء وشهبا، رافعين لافتات "بدنا نعيش"، هذا المطلب الذي يعني الفقير والغني في كافة أنحاء سوريا، قوبل بالتعتيم الإعلامي والتسخيف من قِبل الحكومة السورية والأوساط الشعبية، التي تميل إلى المواقف الرمادية منذ بداية الأزمة السورية حتى الآن.
لم يكن الشارع في السويداء هادئاً، إنما صاخب وساخط على كلّ من له يدٍ في تردي عيش المواطن وهدر كرامته الإنسانية، فقد التحق بالاحتجاجات الكثير من المواطنين على غير موعد مسبق؛ أي من المارة في الشارع، والغالبية العظمى هم من فئة الشباب الذين غرقوا في أوهام الوعود الكاذبة، التي أغرقتهم أيضاً في البطالة وعدم الجدوى، وقد تحول الشعار من "بدنا نعيش" إلى "بدنا نعيش بكرامة"، فربما تحول انتفاضة السويداء مجرى الأحداث في سوريا ما دامت انتفاضة حقّ مسلوب ومنهوب.

للمشاركة:



البرلمان العربي يوجه رسالة للمجتمع الدولي تتعلق بتدخّل تركيا في ليبيا..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

وجّه رئيس البرلمان العربي، مشعل بن فهم السلمي، رسائل مكتوبة لكلّ من الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس الاتحاد البرلماني الدولي، ورئيس البرلمان الأوروبي، ورئيس برلمان عموم أفريقيا، ورئيس الجمعية البرلمانية لحلف الناتو، بشأن تطورات الأوضاع في ليبيا.

 

 

وتضمّنت رسالة السلمي، وفق بيان نشره البرلمان العربي عبر وسائل الإعلام، بلاغاً  للأطراف الدولية بما اتخذه البرلمان العربي، في جلسة 15 كانون الثاني (يناير) الجاري، من قرار بشأن تطورات الأوضاع في ليبيا، الذي تضمن عدداً من البنود، وهي رفض وإدانة قرار البرلمان التركي بشأن إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا بوصفه انتهاكاً للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي، التي تحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا، وأن هذا التدخل العسكري التركي يزيد الأوضاع الليبية تعقيداً ويذكي الفرقة والخلاف بين الأطراف الليبية، ويسهم في إطالة أمد الصراع ويقوض جهود السلام، ويعرقل الحلّ السياسي في ليبيا، ويزعزع الاستقرار بالمنطقة، ويهدّد أمن دول الجوار الليبي والأمن القومي العربي.

السلمي يرفض ويدين قرار البرلمان التركي بشأن إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا بوصفه انتهاكاً للقانون الدولي

وحملت الرسالة "إدانة لجميع صور دعم الميليشيات المسلحة وتزويدها بالأسلحة والمعدات وتسهيل نقل الإرهابين الأجانب إلى ليبيا، والمطالبة بنزع سلاح هذه الميليشيات المسلحة، ومطالبة مجلس الأمن الدولي باتخاذ خطوات عاجلة لمنع نقل المقاتلين الأجانب إلى ليبيا، ووضع آلية واضحة للمراقبة والعقوبات ضدّ الأطراف المُمولة للصراع في ليبيا بالسلاح".

وتطرقت أيضاً إلى "ترحيب البرلمان باتفاق وقف إطلاق النار بين قوات الجيش الوطني الليبي وحكومة الوفاق، بوصفه خطوة مهمة لإحراز تقدم في العملية السياسية، وحقن دماء الليبيين ودعوة الأطراف كافة الالتزام بالاتفاق، وإيجاد حلّ سياسي ونهائي للأزمة في ليبيا".

وجدّد البرلمان العربي في ختام رسائله التأكيد على ضرورة وقف الصراع العسكري في ليبيا، وأنّ الحلّ فيها لا يمكن أن يكون إلا حلاً سياسيا ليبياً خالصاً، دون تدخلات خارجية، دعماً لطرف على حساب طرف آخر إلى جانب دعم مجلس النواب الليبي في قراره بشأن رفض التدخل التركي في الشؤون الداخلية لليبيا، ومطالبة المجتمع الدولي بالتحرك الفوري والعاجل لإيقاف هذا التدخل".

السلمي: التدخل العسكري التركي يزيد الأوضاع الليبية تعقيداً ويذكي الفرقة والخلاف بين الأطراف الليبية

من جهته، أكّد الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط؛ أنّ التدخلات التركية في الشأن الليبي واضحة ومباشرة وعلنية، وتناقض المصالح العربية المتمثلة في قرارات الجامعة العربية ومجلس الأمن الدولي.

وقال أبو الغيط، أمس، خلال برنامج "على مسؤوليتي"، الذي يذاع على قناة "صدى البلد" المصرية، نقلاً عن وكالة "سبوتنيك" الروسية: إنّ "تركيا ترسل العناصر الإرهابية من شمال سوريا إلى ليبيا"، مؤكداً أنّ "الخلاف احتدم بسبب قيام تركيا بتوقيع اتفاقيات مع حكومة الوفاق دون موافقة البرلمان الليبي الشرعي."

وأشار إلى أنّ وثيقة برلين تعالج المحاور الرئيسة والاقتصادية والأمنية وحقوق الإنسان في ليبيا، وتضمن حلّ التنظيمات والميليشيات الإرهابية، لافتاً إلى أنّه "تمّ تكليف مبعوث الأمم المتحدة، غسان سلامة، للتحرك مع الأطراف الأخرى للتوصل إلى تفاهم لوقف إطلاق النار".

كما شدّد الأمين العام للجامعة العربية على أنّ هناك حدود مشتركة بين مصر وليبيا، ولا أحد يستطيع أن يفرق بين سكان شرق ليبيا وسكان الساحل الشمالي المصري، المتمثلين في القبائل، بالتالي، فإنّ الأوضاع الليبية تهم مصر بشكل كبير.

أبو الغيط: التدخلات التركية في الشأن الليبي واضحة ومباشرة وعلنية وتناقض المصالح العربية

وأضاف: "ليبيا مليئة بتيارات وجماعات متأسلمة وإرهابية، وهناك تهريب للأسلحة، بالتالي، فإنّ مصر يهمها تأمين حدودها مع الدولة الليبية، ويهمها في الوقت ذاته حلّ الأزمة الليبية"، مبيناً أنّ تركيا دخلت خطّ الأزمة بتصرفات في شرق وجنوب المتوسط بشكل يهدّد مصالح أوروبية وغربية.

وكشف أبو الغيط؛ أنّ المشير خليفة حفتر سيرسل خلال الأيام القليلة القادمة 5 من القادة العسكريين التابعين له إلى جنيف، من أجل الجلوس مع 5 عسكريين تابعين لفائز السراج، رئيس حكومة الوفاق، من أجل محاولة الوصول إلى اتفاق، معرباً عن تمنياته بأن يكون هذا طريق إلى الحلّ برعاية الأمم المتحدة، خاصة أنّ السراج رفض الجلوس مع المشير خليفة حفتر" بحسب قوله.

وأوضح أبو الغيط؛ أنّ الجانب الأوروبي بدأ يتحدث عن قوة متابعة عسكرية وحفظ السلام على الأراضي الليبية، وهو ما اعترض عليه الجانبان الروسي والصيني، باعتباره قراراً لا بدّ من أن يصدره مجلس الأمن ويتم التصويت عليه.

 

للمشاركة:

مقتل قيادي في الباسيج.. من هو؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

أعلنت وكالة أنباء "فارس" (شبه رسمية)، اليوم، مقتل عبد الحسين مجدمي، قائد مركز الباسيج التابع للحرس الثوري الإيراني، في مدينة دارخوين، الواقعة بمحافظة خوزستان جنوب غرب إيران.

وأكدت الوكالة؛ أنّ الهجوم شنّه "مجهولون ملثمون" على مجدمي داخل منزله، وأطلقوا عليه النار من سلاح "كلاشينكوف"، ما أدّى إلى مقتله على الفور.

من جهتها، لم تعلق السلطات الإيرانية على هذا الخبر حتى الآن.

عبد الحسين مجدمي قائد مركز الباسيج التابع للحرس الثوري في مدينة دارخوين الواقعة بمحافظة خوزستان

ومجدمي هو من الضباط المشاركين في عمليات قوات الحرس الثوري الإيراني في سوريا خلال الأعوام الماضية، ويتهمه ناشطون بالمشاركة في حملة قمع الاحتجاجات في إقليم الأحواز، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، والتي راح ضحيتها أكثر من 200 متظاهر.

وشهدت أغلب مدن محافظة خوزستان، ذات الأغلبية العربية، احتجاجات شعبية واسعة خلال الفترة الماضية، رفضاً لقرارات اقتصادية وحينها تدخلت قوات "الباسيج" لقمع الاحتجاجات ما أدّى إلى سقوط ضحايا وجرحى.

مجدمي متهم بالمشاركة في حملة قمع الاحتجاجات في إقليم الأحواز والتي راح ضحيتها أكثر من 200 متظاهر

وتعدّ مدينة دارخوين مركز مقاطعة شادكان الواقعة في محافظة خوزستان، وتقع في منتصف الطريق الرابط بين الأحواز وعبادان، ويبلغ عدد سكانها قرابة 15 ألف نسمة.

ويأتي استهداف مجدمي بعد نحو أسبوعين من مقتل قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس"، التابع للحرس الثوري، المصنَّف إرهابياً، و"أبو مهدي المهندس" القيادي في ميليشيا الحشد الشعبي وآخرين، في غارة أمريكية قرب مطار بغداد في العراق.

يذكر أنّ الباسيج هي قوة شبه عسكرية من المتطوعين، تسيطر عليها ميليشيا الحرس الثوري الإيراني.

 

 

 

للمشاركة:

"الإخبارية" السعودية تعيد موضوع دعم قطر للجماعات المسلحة إلى الواجهة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

عرضت قناة "الإخبارية" السعودية تقريراً جديداً حول علاقة قطر بالجماعات المسلحة مستندة إلى بعض التقارير الإخبارية والقصص التي تؤكد تلك العلاقة، والتي يديرها النظام بالتعاون مع أمراء حروب في دول متعددة، موردة حادثة اختطاف الصحفي الأمريكي، ماثيو شرايفر، من قبل ميليشيات مرتبطة بالقاعدة في سوريا، والذي اكتشف أثناء اختطافها له أنّها مُمولة من قطر.

 

ووصفت قناة "الإخبارية" الرسمية السعودية، في تقريرها، دولة قطر بأنّها "الابن الضال للخليج"، قائلة إنّ "حكام الخليج حاولوا تقويم اعوجاجها عدة مرات لكن دون جدوى"، وفق ما نقلت "سي إن إن".

الإخبارية تعرض تقريراً جديداً يؤكد علاقة الدوحة بالجماعات المسلحة ويتحدث عن نشاطات القرضاوي

واتهمت قناة "الإخبارية" السعودية، في تقريرها الدوحة بـ"دعم منظمات مسلحة مالياً".

وتابعت القناة: "عندما نتحدث عن قطر، لا نتحدث عن الشعب والأرض، إنما نتحدث عن النظام؛ البنك المتحرك والحليف الصغير لعصابة الملالي (في إشارة إلى السلطة الحاكمة في إيران)، والمليء بالتناقضات (تقصد علاقات الدوحة مع تركيا)".

في حين رأت القناة الرسمية السعودية؛ أنّ "يوسف القرضاوي (الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) استفاد من الدعم المالي في نشر أفكاره ودعم الإخوان حول العالم عبر المؤسسات المالية القطرية، واستفادت منه قطر في وضع نفسها على خريطة النفوذ الإقليمي، خريطة ترسمها بالدماء".

"الإخبارية": قطر "الابن الضال للخليج" وحكام الخليج حاولوا تقويم اعوجاجها لمرات عدة

وأشارت "الإخبارية" السعودية إلى أنّ "الدول الأربع الداعمة لمكافحة التطرف اتّخذت إجراءات عاجلة لحماية دولها من الممارسات القطرية"، مُعتبرة أنّ "الطريق أمام قطر يبدو طويلاً لتصحيح مسار اختارته، أو اختاره لها القرضاوي".

وفي 5 حزيران (يونيو) 2017، قررت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين، إضافة إلى مصر، قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، بدعوى دعمها للإرهاب، وهو ما تنفيه الدوحة.

وكانت الأجواء الإيجابية خلال القمة الخليجية، المُنعقدة بالرياض، في 10 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، قد عززت احتمالات حدوث تقارب بين الدوحة والعواصم الخليجية المختلفة معها، لا سيما مع مساعي الكويت للوساطة، وإجراء محادثات سرية، تمّ الإعلان عنها فيما بعد، بين السعودية وقطر.

 

 

 

للمشاركة:



ليبيا والمواجهة المصرية ـ التركية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

عبد الرحمن الراشد

لأنَّ الأتراك على وشك أن يخسروا الحرب في ليبيا، ذهبوا إلى برلين، ساحة الحرب الأخيرة، نتيجة استيلاء الجيش على مدينة سرت قبل أسبوعين ومحاصرته طرابلس. هناك تفاوض المنتصرون والخاسرون، آملين أن تدفع الواقعية الجميع إلى التوصل الى اتفاق ينهي سنوات العنف. الاتفاق تم توقيعه من الأطراف المعنية، ورعته الأمم المتحدة، لكن الأرجح أن يعود كل فريق للاقتتال على الأميال الأخيرة.
للحرب مراحل مؤلمة في ليبيا، و2015 كانت السنة التي قضت على آمال المصالحة، حيث أغلقت السفارات في طرابلس، وسحبت الأمم المتحدة قوتها، وعمَّت الفوضى العاصمة. وتسبب تنافس القوى الإقليمية والكبرى في استمرار الحرب، وتركيا من بينها. لها ميليشيات معظم أفرادها أجانب، ويبرر الأتراك انخراطهم في الحرب بأنَّ لهم ديوناً ضخمة على ليبيا، موَّلت بها مشاريع في آخر عهد القذافي، وتدَّعي أن في ليبيا مليونَ مواطن هم من أصول تركية، وهذا طبعاً غير صحيح.
أما لماذا تُصرّ على القتال وليبيا بعيدة عنها، يُقال لأنها تريد بناء إمبراطورية، وهو أمر غير ممكن، لأنَّها لا تملك الموارد، حتى بالدعم القطري غير المحدود لها. الحقيقة لم يبقَ لتركيا سوى ليبيا، من مكاسب «الربيع العربي». وليبيا ممر خطير لزعزعة أمن مصر، وكذلك ضد أوروبا.
فقد راهنت بشكل خاص على جماعة الإخوان في سوريا ومصر والسودان وليبيا، خسروا الحكم، ومعهم خسرت تقريباً كل هذه الدول. لم يتبقَ لها سوى ليبيا، وحتى في ليبيا بقي لحليفها «الوفاق» 15 في المائة، في طرابلس ومصراته. كما خسروا مناطق النفط، من قبل.
في هذا الوضع السيئ، تهدّد أنقرة بإرسال المزيد من المدد للدفاع عن طرابلس. خبراء أتراك، والقوة التركية هم من المقاتلين الأجانب من حرب سوريا. فتركيا بعد الاتفاق مع الروس في إدلب، تريد التخلص من تركة الحرب السورية، وعلى أرضها آلاف المقاتلين الأجانب الذين سيصبحون مشكلة لها. وفي حال فشل اتفاق برلين سيقاتلون مع حكومة الوفاق، وإذا خسروا واستولى الجيش الليبي على طرابلس، سيكون للمقاتلين الأجانب في ليبيا مهمة زرع الفوضى. وورقة يساوم إردوغان بهم في ضغوطه على دول جنوب أوروبا. هذا التصور من وحي تهديدات الرئيس التركي نفسه الذي كرَّر بأنَّ أوروبا لن تكون آمنة إن سقط حلفاؤه في ليبيا!
مصر هي الهدف الآخر للأتراك في ليبيا، وكما قال الرئيس المصري في تعليقه على تزايد التدخل التركي بأنَّ مصر معنية باستقرار ليبيا، والتدخل التركي يمثّل خطراً كبيراً على مصر وقد تكون الهدف التالي. لهذا نرى القاهرة رفعت صوت خطابها معلنة بأنَّها لن تبقى متفرجة إن دخل الأتراك الحرب. في ليبيا، بمقدورهم إطالة أمد وتوسيع الفوضى، لكنَّهم لن يستطيعوا حكم ليبيا، والجميع يحاول دفع أنقرة لتكون واقعية وتتعاون بدعم أي حكومة مشتركة، تشكل وفق اتفاق برلين، حتى تنتهي هذه المأساة العبثية. ولا ننسى أنَّ الحرب الحالية بسبب إفشال فرصة سابقة للتشارك في الحكم، عندما طمع المتطرفون الذين تدعمهم تركيا، في كل السلطة. الأتراك الذين يريدون استخدام ليبيا لتعزيز وضع فشلهم في سوريا ستكون ليبيا عبئاً وفشلاً إضافياً إن أصرُّوا على دعم الحرب.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

اتفاق أردوغان-السراج والإرهاب في شمال أفريقيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

باسم عدلي

تحاول الدولة التركية استعادة مكانتها الدولية والإقليمية من خلال الدعم للجماعات الإرهابية، وتصعيدها إلى سدة الحكم في بعض الدول العربية والأفريقية، وذلك من خلال عدة أدوات إنسانية، واقتصادية وسياسية، ومعها تأتي الأداة التسليحية والعسكرية والأمنية، خاصة في الدول الاستراتيجية التي يمكن من خلالها تحقيق أكثر من هدف، مستغلة المشاعر الدينية، والتقاربات الأيديولوجية، والحالة الأمنية، والمراحل الانتقالية.

هذا ما تم تنفيذه في الحالة السورية، وتحاول تركيا تكرار ذلك النموذج مع الدولة الليبية، من خلال مذكرة التفاهم للتعاون العسكري والأمني التي تم توقيعها بين أردوغان وحكومة الوفاق الليبية بقيادة فايز السراج في 26 نوفمبر 2019، والذي يعد نسخة أوسع من الاتفاق الإطاري للتعاون العسكري المبرم بين الطرفين في وقت سابق، هذا إلى جانب اتفاق بحري تم توقيعه في ذات الفترة يهدف إلى تحديد الحدود البحرية بين البلدين.

وأثارت مذكرة التفاهم تلك العديد من ردود الأفعال الدولية والإقليمية، وخاصة من دول الجوار المباشر لليبيا، وخاصة مع التخوف من أن يؤدي ذلك الاتفاق إلى نقل مسلحين دواعش إلى الأراضي الليبية، أو تهديد حالة الاستقرار في حقول غاز شرق المتوسط، إلى جانب الانتفاضة العربية تجاه محاولة تركيا انتهاك سيادة دولة عربية، ويمكن رصد تأثير مذكرة التفاهم العسكرية بين تركيا وحكومة على نشاط الجماعات الإرهابية في النقاط الآتية:

المحور الأول: التعريف بمذكرة التفاهم والاتفاق البحري:
على الرغم من عمومية نصوص مذكرة التفاهم، وتضمنها مبادئ يمكن القول إنها مبادئ تكافح من خلالها تركيا الإرهاب، لكن التخوف ينبع من تعريف من هو الإرهابي، ومن ستواجهه القوات التركية، ومن ستعزز من قدراته، ومن ستزوده بالأسلحة والتدريب، ومن ستغطيه بوحدات الدفاع الجوي، أي مع أي طرف ستقف، وضد أي طرف؟

فقد نصت مذكرة التفاهم على ضرورة الحفاظ على الأمن والسيادة الليبية، وتعزيز قدرات حكومة الوفاق في مكافحة الإرهاب والهجرة غير المنظمة والجريمة، وتؤسس لمهام تدريب وتعليم، ونقل خبرات بين الجيشين التركي، والجيش التابع لحكومة الوفاق، والتعاون في تبادل المعلومات الأمنية بين الطرفين، وتغطية جميع الجوانب الأمنية.

في حين تم النص في الاتفاق البحري بين الطرفين على تحديد مناطق السيادة البحرية، وحدود المناطق الاقتصادية لكل دولة من الدولتين، بحسب الإحداثيات، وبهدف إطلاق السيادة على بعض المناطق، وهو ما يمنع بعض الدول المشاطئة، وخاصة اليونان، من توقيع وتفعيل اتفاقيات بعينها للتنقيب عن الغاز، أو تحديد حدودها البحرية كما كان متصوراً، ويؤثر على عمل منتدى الغاز الذي أسسته مصر بعضوية 7 دول بحر متوسطية باستثناء تركيا، بل ويؤثر على النشاط التنقيبي في شرق المتوسط كاملاً، وخاصة النشاط المصري، مع احتمالية المواجهة أو عدم الاستقرار في تلك المنطقة.

واعتمدت تركيا في هذا التقسيم البحري على مبدأ المناطق الاقتصادية الخالصة، والتي تحددها الأمم المتحدة والمادة 55 من قانون البحار بأنها منطقة تمارس الدولة فيها حقوقها السيادية خاصة في الاستغلال واستخدام الموارد البحرية، والتي تمتد إلى مسافة 200 ميل بحري.

وعند إعلان ليبيا في مايو 2009 حدودها البحرية ومناطقها الاقتصادية، أعلنت أيضاً أنها منفتحة مع كافة الدول لترسيم الحدود البحرية، وهو ما دفع اللواء البحري التركي "جهاد بايجي" إلى نشر كتابه "ليبيا جارة تركيا في البحر"، والذي أشار إلى أهمية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا لإفساد ما تخطط له اليونان وقبرص الجنوبية، والاستفادة من احتياطات الغاز في شرق المتوسط التي تقدر بنحو 3 تريليونات دولار.

مواقف دول شمال أفريقيا من مذكرة التفاهم
كان لهذا الاتفاق العديد من الأثار والتداعيات التي ترجمتها مواقف دول شمال القارة، بخاصة مع معرفة تلك الدول وقادتها بطبيعة الدور التركي في تكوين المليشيات، وتسليح الجماعات التي تدين بالفكر الإخواني المنحرف عن الإسلام، والتي تناهض الدولة الوطنية، وما يمكن أن يحمله ذلك من تداعيات على دول الجوار، وهو ما ظهر في الموقف المصري، الذي تم ترجمته من خلال الاتصالات، والزيارات، واللقاءات بين مصر وعدد من الدول الأوروبية، ومع الولايات المتحدة، وعدد من الدول العربية التي لا تزال تهتم بالقومية العربية والسيادة الوطنية للدول التي تضمها هذه القومية، وخاصة بعد إعلان أردوغان عن وصول عسكريين إلى ليبيا من جنسيات مختلفة، ونجاح الجيش الوطني الليبي في تحرير سرت.

وحاول أردوغان شق الصف العربي من خلال زيارة مسؤولين أتراك إلى تونس والجزائر، رغبة إظهار أن هناك تنسيقا ما على التدخل التركي في ليبيا، خاصة مع وجود حركة النهضة الإخوانية على رأس البرلمان التونسي، ومع طبيعة ما تواجهه المرحلة الانتقالية في الجزائر، ووجود جماعات تركية داخل الدولة الجزائرية، وهي المحاولات التي باءت بالفشل، وتم رفض التدخل التركي في الدول العربية، واعتبرت تونس والجزائر أن الحل السياسي هو الأفضل، وعلى إثر ذللك عُقد في القاهرة يوم 8 يناير 2020 اجتماع على مستوى بين مصر وعدد من الدول الأوروبية على رأسها اليونان، وإيطاليا، وفرنسا، وهو الاجتماع الذي اعتبر اتفاقية أردوغان مع السراج باطلة، وهو نفسه موقف البرلمان الليبي المنتخب.

ومع كل هذه المواقف، والهزائم التي تلحق بالمليشيات المدعومة من قبل تركيا في الداخل الليبي، وما يتكشف من رفض لأجهزة الدولة الليبية لهذا الاتفاق، لا تزال تركيا وحكومة السراج تدافعان عن هذا الاتفاق، رغبة في خدمة المشروع الإخواني في واحد من آخر معاقله، ورغبة في الاستفادة من غاز ليس من حق تركيا في إعطاء قبلة الحياة لمشروع السلطنة التركية الإخوانية، والتي كانت تقوم على تولي ولي إخواني لكل دولة عربية، يتبع مباشرة الولي التركي الإخواني، واستبدال الصفة العثمانية بالصفة الإخوانية.

الاتفاق ونشاط الجماعات الإرهابية.. مصادر التهديد
يعتبر كثيرون أن الاتفاق التركي مع حكومة السراج لا يهدف فقط إلى التدخل في الشأن الليبي، وتهديد عدد من دول الجوار من خلال دعم جماعات إرهابية، ونقل مقاتلي داعش، بل يهدف كذلك إلى رفع معنويات المليشيات والجماعات المسلحة التي لقت العديد من الهزائم على يد الجيش الليبي، واستخدامها في تقوية الموقف التركي في المفاوضات حول غاز شرق المتوسط، وهو ما يجعله عنصرا مؤثرا على أمن دول شمال أفريقيا، وجنوب أوروبا من خلال الجماعات التي يمكن استخدامها ودعمها، ويمكن أن يكون مصدر تهديد من خلال:

1. نقل إرهابيي داعش من سوريا: وهي عناصر ترى في مصر ودول أوروبا أعداء لها، وترى في العديد من الدول العربية معوقاً أمام مشروع الخلافة الإسلامية في ثوبها الإخواني، ومن الطبيعي أن تضع كل هذه الدول ومصالحها في الدول الأوروبية وأمريكا محل استهداف.

2. استخدام الأجواء الليبية الجوية والبرية والبحرية للتأثير على عدد من الدول: خاصة التي تقع في الجوار المباشر، ودعم الجماعات المسلحة التي تؤثر على استقرار تلك الدول، وهو ما يهدد الدول العربية، ودول الساحل الأفريقي.

3. هدم الجيش الوطني الليبي: وإتاحة المجال للمليشيات للسيطرة على دولة استراتيجية مثل الدولة الليبية، وتوفير ساحة لممارسة نشاط تلك الجماعات.

4. قاعد عسكرية تركية في المستقبل: يعتبر من الأهداف الاستراتيجية في الفكر الأمني التركي أن تتخذ من الأراضي الليبية مستقراً لقاعدة عسكرية، وهو ما سيمكنها من التأثير على الأمن القومي لعدد من الدول، ودعم الجماعات والتنظيمات الإرهابية في دول أفريقية وعربية من ناحية أخرى.

5. منتدى ومشروعات غاز شرق المتوسط وخط الغاز لأوروبا: تحاول تركيا من خلال كافة تلك التحركات التأثير على سبل الانتفاع بالغاز الطبيعي في البحر المتوسط، إلى جانب محاولة خدمة مشروعها الأيديولوجي الإخواني، وهو ما دفعها لترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، بطريقة تخالف القانون والاتفاقيات والأعراف الدولية.

6. دعم الجماعات الموالية من خلال نقل سلاح أو عمليات تدعم دورها: وهو ما قامت به تركيا مع المليشيات الموالية لحكومة الوفاق، ويمكن أن يتسع مجاله وأنماطه، خاصة مع الهزائم التي تلحق بهذه المليشيات، وتقدم الجيش الوطني الليبي نحو طرابلس.

7. شد أطراف نظم سياسية قائمة بما يؤثر على خططها التنموية: خاصة النظام المصري، الذي بدأت ملامح تجربته تظهر وتؤكد أنه على الطريق الصحيح، وتحاول تركيا أن تحبط تلك التجربة، أو أن تستدرج النظام المصري نحو مواجهة وحرب تعطل الخطط التنموية، وتتيح فرصة لعودة الجماعات الإرهابية إلى هذه الدولة.

8. محور جذب لأبناء الجماعات من الدول وتكوين بؤرة تأثير على الحدود: وخلق بديل مكاني لهذه الجماعات عن سوريا والعراق ليصبح شمال أفريقيا هو المقر الجديد للجماعات الإرهابية، مع الظهير الصحراوي الأفريقي في منطقة الساحل الأفريقي، وهو ما سيؤثر على الأمن القومي للعديد من الدول العربية والأفريقية.

9. إضعاف الدولة الليبية: بما يسمح للمرتزقة والمهاجرين غير الشرعيين ومن يعملون في الجريمة المنظمة بالتدفق إليها، وجمعيهم سيتم استخدامهم لخدمة المشروع التركي في تكوين مليشيات، أو التأثير على دول الجوار، أو التأثير على الجنوب الأوروبي.

10. نهب الغاز والبترول الليبي، والتأثير على توازن سوق البترول الدولي، بما يسمح له ليس فقط التأثير على دول الجوار المباشر لليبيا، بل التأثير على كافة الدول المصدرة للبترول والغاز، واستخدام فائض تلك الثروات في تمويل الجماعات الإرهابية.

11. ساحة مواجهة جديدة مع دول ترغب في استعادة الدولة الليبية: منها دول خليجية ودول أفروعربية، وتحاول تركيا إثبات أنها من القوى المؤثرة في التوازنات الإقليمية، وفي التطورات الداخلية في الدول العربية، وأن مشروعها الاستيطاني لا يزال قادرا على التمدد.

12. الانشقاقات الداخلية الليبية وتأثيراتها الإرهابية: والتي بدأت في صفوف مؤسسات الدولة الليبية التي لا تزال تعمل، وتأثير ذلك على الجبهة الداخلية وعلى سبل مواجهة الجماعات الإرهابية.

سبل مواجهة التغلغل التركي في الشأن الليبي

يحتاج التدخل التركي في الشأن الليبي إلى العديد من الأدوات التي يمكن تفعيلها لمواجهته، وللتخفيف من آثاره، لعل من أهم تلك الأدوات:

-تكوين جبهة إقليمية ودولية رافضة لذلك التدخل، وتوضيح الآثار والأهداف الفعلية التي تحرك تركيا نحو ليبيا.

- العمل على التوعية الدولية والإقليمية بمخاطر هذا التدخل، وعدم قانونية الاتفاقات التي تعقدتها حكومة السراج مع تركيا.

- تكوين جبهة من دول الجوار ترفض أن تستخدم تركيا أرضها في احتلال الأراضي الليبية.

- دعم الجيش الليبي الوطني، ومحاولة بذل جهد لرفع حظر التسليح عنه، حتى يستطيع مواجهة المليشيات.

- توفير الحماية اللازمة لمشروعات غاز المتوسط، وهي حماية قانونية، وحماية عسكرية.

- العمل على تقوية مؤسسات الدولة الليبية، بما يمكنها من مواجهة هذا الاحتلال التركي.

- استصدار قرارات أممية، من الأمم المتحدة والجمعية العامة، ومؤسسات أفريقية، ومن المؤسسات العربية والإسلامية التي تدين هذا التحرك وتوضح حقيقة نواياه.

- العمل على فصل ليبيا عن الساحل الأفريقي في تحرك الجماعات الإرهابية، بما يمنع تلك الجماعات داخل ليبيا من مصادر التمويل البشري.

في النهاية يمكن القول إن التحرك التركي للتأثير على الأمن الليبي، ودعمه للجماعات الإرهابية لن يتوقف عند هذا الحد، لن تكون ليبيا هي المحطة الأخيرة، فما يحرك أردوغان ليس المصلحة التركية، إنما مصلحة إخوانية تعبر عن مشروع فكري يسعى أردوغان إلى القيام بجزء مهم فيه، يستهدف التهام الدول العربية، ووضعها تحت لواء السلطنة التركية الإخوانية بثوبها الأردوغاني.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

من هو جمال حمدان الذي تنبأ بمستقبل قاتم لنهر النيل في مصر؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

يفتتح معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الحادية والخمسين أبوابه يوم الأربعاء، 22 يناير/كانون الثاني، في مركز مصر للمعارض الدولية بمنطقة التجمع الخامس شرقيّ القاهرة. وقد وقع اختيار الهيئة المنظمة للمعرض على المفكر الجغرافي الراحل جمال حمدان ليكون شخصية المعرض هذا العام.

عُرف حمدان بعشقه الشديد لمصر والذي تجلى في كتابه الأهم "شخصية مصر - دراسة في عبقرية المكان" الذي يقع في أربعة أجزاء ضمت أربعة آلاف صفحة من القطع الكبير، وصدر على مدى عشر سنوات كاملة.

اقرأ أيضاً: جمال حمدان: فيلسوف عبقرية المكان

يقول حمدان: "ببساطة إن مصر، أقدم وأعرق دولة في الجغرافيا السياسية للعالم، غير قابلة للقسمة على اثنين أو أكثر مهما كانت قوة الضغط والحرارة. مصر هي "قدس أقداس" السياسة العالمية والجغرافيا السياسية".

واشتهر حمدان بدفاعه عن الناصرية والقومية العربية وحركة الضباط الأحرار في يوليو/تموز 1952، وكان يرى أن جمال عبد الناصر هو أول زعيم مصري يكتشف جوهر شخصية مصر السياسية.

وعن القومية، يقول حمدان: "إلى الآن، الحقيقة المحورية الوحيدة التي تدور حولها الحياة السياسية والوجود السياسي في العالم هي: القومية لا بديل عنها ولا مفر منها ولا مبيد لها ... كقطعة الفلين على الماء، مهما غمرتها بالقسر في غياهب الماء تطفو إلى السطح حتما .. القومية هي سنة الحياة السياسية".

"نبوءات" حمدان

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أشار غير مرّة إلى حمدان، مستشهدا ببعض أقواله، كما في حفل افتتاح قناة السويس الجديدة، وفي ذكرى تحرير سيناء.

وفي كتاب بعنوان "قناة السويس نبض مصر"، قال حمدان إن "قناة السويس هي نبض مصر، والقلب النابض فى النظام العالمي، وهي مركز النقل الأول في أوروبا"، داعيا إلى توسيع القناة كـ "مصل مضاد لوباء الناقلات العملاقة".

وقال السيسي في افتتاح قناة السويس الجديدة في أغسطس/آب 2015: "ها هي نبوءة جمال حمدان تتحقق".

ولكن لحمدان نبوءات كثيرة وردت في مذكراته التي عُني بجمعها ونشر بعضها أخوه الباحث عبد الحميد صالح حمدان.

ووصفت تلك "النبوءات" بأنها ذات طابع شديد التشاؤم، وربما كان للمحبس الاختياري -الذي لجأ إليه حمدان وظل فيه حتى وفاته الغامضة- أثر كبير فيه.

"مستقبل نهر النيل"
وفي بعض هذه النبوءات، يقول جمال حمدان إن مصر إذا لم تتحرك لكي تكون "قوة عظمى تسود المنطقة بأثرها، فسوف يتداعى عليها الجميع يوما ما "كالقصعة!" أعداء وأشقاء وأصدقاء أقربين وأبعدين".

ويقول في فقرة أخرى، لقد "ظهر لمصر منافسون ومطالبون ومدّعون هيدرولوجيا. كانت مصر سيدة النيل، بل مالكة النيل الوحيدة - الآن فقط انتهى هذا إلى الأبد، وأصبحت شريكة محسودة ومحاسبة ورصيدها المائي محدود وثابت وغير قابل للزيادة، إن لم يكن للنقص، والمستقبل أسود".

ويرصد حمدان أن مصر الوطن تعني عنصري الأرض والشعب. ويشير إلى أن أرض مصر بعد بناء السد العالي لم تعد تتسع بل أخذت في الانحسار في الوقت الذي بلغ فيه تعداد شعبها "الذروة غير المتصوّرة قط، وهكذا بينما تشهد القاعدة الأرضية والمائية انكماشا أو ثباتا أو انقراضا، وصل الطفح السكاني إلى مداه، ولم يبق سوى المجاعة وبقي عامل السكان الذي تعدى إمكانيات الأرض".

ويبلغ حمدان ذروة التشاؤم فيقول: "سيأتي اليوم الذي تطرد فيه الزراعة تماما من أرض مصر، لتصبح كلها مكان سكن، دون مكان عمل، أي دون عمل، أي دون زراعة، أي دون حياة أي موت! لتتحول في النهاية من مكان سكن على مستوى الوطن إلى مقبرة بحجم دولة".

ويضيف حمدان أن المتغيرات الخارجية من "انقلاب عالمي وهيمنة أمريكية" تعصف بمكانة مصر.

محبس اختياري
وكان حمدان قد اختار لنفسه محبسا في شقة صغيرة في منطقة الدقي بمحافظة الجيزة جنوبي القاهرة حيث قرر اعتزال العالم بعد أن تعرض لما وصفه البعض ب"مظلمة أكاديمية لم ينصفه فيها أحد" رغم وضوح موقفه.

وبحسب الروايات، فإن أحد زملائه في الجامعة قد سطا على أبحاثه وسبقه بها إلى نيل درجة علمية لم يكن هو قد حصل عليها بعد.

وإذا كان حمدان قد انقطع عن العالم في محبسه هذا، فإن أعماله لم تنقطع، حيث والى نشر العديد منها ليثري المكتبة العربية بذخائر على رأسها ملحمته "شخصية مصر - دراسة في عبقرية المكان" وكتاب "بترول العرب"، وكتاب "اليهود، أنثروبولوجيا" وكتاب "قناة السويس"، وكتاب "أفريقيا الجديدة" وغيرها من المؤلفات المنشورة باللغتين العربية والإنجليزية.

وتوفي حمدان في ظروف غامضة في شقته في شهر أبريل/نيسان 1993.

وكان حمدان قد ولد في قرية ناي بمحافظة القليوبية بمصر في الرابع من فبراير/شباط 1928 لأسرة تنحدر من قبيلة "بني حمدان العربية".

وحصل حمدان على ليسانس الآداب في الجغرافيا من الجامعة المصرية بتقدير ممتاز عام 1948، وعُيّن معيدا بالكلية وسافر في بعثة في السنة التالية إلى إنجلترا لاستكمال دراساته العليا ليعود عام 1953 وقد حصل على درجة الدكتوراة، وانضم إلى هيئة التدريس بقسم الجغرافيا إلى أن استقال عام 1969 وتفرغ للبحث والتأليف حتى وفاته.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية