إعادة النظر في الاستشراق

3136
عدد القراءات

2018-09-18

السيد ولد أباه

"إعادة النظر في الاستشراق" هو عنوان الكتاب الجديد لوائل حلاق الذي صدر بالانجليزية، وكما هو جلي يحيل مباشرة إلى كتاب إدوارد سعيد الشهير الذي يناقشه المؤلف بصرامة وحدة. أوجه الشبه عديدة بين الرجلين اللذين كلاهما باحث وأستاذ جامعي متميز من أصول فلسطينية مسيحية، وقد انتقل كلاهما إلى الولايات المتحدة الأميركية بل درسا في الجامعة نفسها (جامعة كولومبيا العريقة)، ولا يخفي حلاق تأثره بسعيد في نظرته النقدية للدراسات الغربية حول الإسلام من منظور تحليل علاقات القوة والمعرفة في الخطاب الاستشراقي.
بيد أن الفرق الجوهري بين الرجلين يتعلق بالاختصاص، فسعيد ناقد أدبي متميز مع تشبع عميق بالكتابات الفلسفية التفكيكية، ولم يتجاوز في نقده الاستشراق الوقوف على الصور النمطية العامة للإسلام والمسلمين في الأدبيات الغربية، في حين أن حلاق لا يبارى في الدراسات الفقهية والأصولية وتاريخ المذاهب الإسلامية وقد قوض بعمق ودقة الأطروحات الاستشراقية المألوفة في الفقه الإسلامي التي لا شك أن أهمها هي أطروحة المستشرق الألماني «جوزف شاخت».
بيد أن موضوع كتاب حلاق ليس نقد الاستشراق الفقهي الذي كتب حوله دراسات كثيرة، وإنما طموح المؤلف أوسع وأكبر، يلخصه حسب عباراته بنقد البراديغم الحداثي الغربي المتولد عن فكر الأنوار كما يتجلى في المقاربات المعرفية إجمالاً، بحيث لا يشغل الموضوع الإسلامي سوى الجانب العرضي من اهتمام المؤلف. ما يعيبه حلاق على سعيد هو أن نقده للاستشراق ظل ضيق الأفق، يطبعه التردد والغموض، فلم يدرك الجذور الحقيقية للاستشراق من حيث هو نمط من المعرفة والخطاب يتجاوز الحالات الفردية التي وقف عندها وكأنها استثناء في حين أنها تعكس موقفاً نظرياً عميقاً لا يتسنى ضبطه إلا من خلال إبراز طبيعة الرؤية الحداثية الغربية للطبيعة والأخلاق والسلطة كما تنعكس في النماذج والتقاليد المعرفية والبحثية والتربوية.
أن سبب قصور مقاربة سعيد حسب حلاق هو أنه يتبنى نفس الخلفية المعرفية للاستشراق التي هي «النزعة الإنسانية العلمانية» المتولدة عن فكر الأنوار في تصورها السلبي للحرية (أي اختزالها في الفردية المستقلة عن الجماعة) ونظرتها الأداتية للأخلاق من منطلقات قانونية إجرائية لا تقيم شأناً لآداب السلوك والتسامي الخلقي.
هذا الموقف الأداتي حسب حلاق هو البنية العميقة للفكر الأوروبي الحديث في محدداته الأبستمولوجية أي المعرفة من حيث هي تطبيق تقني ناجع وفي محدداته المعيارية أي النظرة العدوانية للطبيعة، التي هي الخلفية البعيدة لظواهر الاستعمار والكليانية الاستبدادية، التي يعكسها معرفياً نمط الخطاب التأويلي للآخر المختلف الذي يندرج فيه الاستشراق.
وهكذا يخلص «حلاق» إلى أن النقد الحقيقي للاستشراق لا بد أن يمتد إلى الأسس التي بلورتها حركية التنوير الأوروبي، وهي العقلانية المادية والفردية الانعزالية ونزعة الهيمنة على الطبيعة، في الوقت الذي كرس التقليد الإسلامي الوسيط الذي يطلق عليه الشريعة تصورات مغايرة تقوم على الأمانة والاستخلاف بدلاً من السيطرة والسيادة وأولوية الأخلاق على القانون، وأولوية الجماعة على الدولة.
«حلاق» يوظف عدة مفهومية كثيفة من المفاهيم والمصطلحات الفلسفية، انسياقاً مع المسلك الذي بدأه في «الدولة المستحيلة»، وهو هنا يرجع بوضوح إلى الأطروحات الجديدة في نقد الحداثة والتنوير لا من منطلق تفكيكي عدمي، وإنما بإعادة الاعتبار للتقليد والجماعة والمعايير المطلقة، بما يذكرنا بمفهوم «التنوير الوسيط» الذي طرحه الفيلسوف الألماني-الأميركي «ليو شتراوس» بديلا عن التنوير الحداثي التاريخاني الحديث. الإشكال الذي يطرحه هذا التصور هو ترجمته في خيار مجتمعي عملي قادر على التعامل الإيجابي مع تطلعات المجتمعات المسلمة المعاصرة في النهوض والإقلاع، فضلا عن ما يطرحه هذا النموذج الانفصالي مع التجارب الغربية الحديثة من أسئلة منهجية معرفية بالنظر لتداخل السياقات التاريخية والفكرية بين المجالين الغربي والإسلامي.
إن حلاق ينتهي إلى تخيير المسلمين بين تقليد يقدمه في صورة ناصعة ويدافع عن سموه الأخلاقي والمعرفي وحداثة تنويرية ينتقدها في جذورها العميقة ويرى أنها غير قابلة للتأقلم مع البنية الروحية والأخلاقية العميقة للإسلام، وبعبارة أخرى إن حلاق يغلق المنافذ على المسلم المعاصر ويرغمه على الانفصام بين ضميره الأخلاقي وواقعه التاريخي.

عن "الاتحاد"

اقرأ المزيد...

الوسوم: