عاملات لا يصرخن عبر "هاشتاغات" .. نسويات بلا نسوية

صورة إيمان النمر
كاتبة وباحثة مصرية
2828
عدد القراءات

2019-03-28

في الأعوام الأخيرة الماضية، وإلى الآن، يشهد سوق العمل غير الرسمي تزايداً في أعداد النساء العاملات؛ إذ تفاوتت النسبة في مصر ما بين 70 إلى 80%، وفق الإحصائيات للعام 2016؛ نظراً إلى الأعباء الثقيلة التي وقعت على كاهل الأسر جراء برامج التكيف الهيكلي؛ إذ ارتفعت ضغوط الإنفاق المعيشي مقارنةً بتدني الأجور، وأحياناً كثيرة غياب مصادر الدخل، مما دفع بكثير من النساء إلى المجال العام بحثاً عن عمل خدمي أو تجاري، فيما تدير بعضهنّ مشروعات منتجة من منازلهن، مثل: الحياكة، وتربية الدواجن والحيوانات، وصناعة الحلوى والمخبوزات والألبان، وكذلك الأشغال اليدوية، مثل الكروشيه والجلود والحلي.

تضطر بعض النساء لارتفاع المصروفات الدراسية لإيقاف تعليم الأبناء عند مرحلة تعليمية معينة أو التضحية بتعليم الإناث لصالح الذكور

  
ليس هذا فحسب؛ بل نجد بعضهن يشاركن في إدارة ورشات اللحام والميكانيكا الخاصة بصيانة السيارات والمعدات الثقيلة، وورشات المصنوعات الخشبية، وذلك بدوافع عدة؛ منها توفير تكلفة العمالة المرتفعة، أو غياب العائل لأسباب مختلفة، أو الحافز الذاتي وامتلاك المهارة. كما يحدث في بعض القرى؛ إذ نجد فتيات يقدن جرارات الحرث الزراعية، وعادة كثيرات من الريفيات إلى الحقل يقفن جنباً إلى جنب مع الرجال.
  
يقتصر الحديث هنا على النساء العاملات، اللواتي يخرجن إلى مجال العمل التجاري، مثل: البائعات في الأسواق، والعاملات بالمشروعات المنزلية؛ وذلك لأنهنّ يواجهن العديد من المشكلات، تأتي على رأسها مسألة التمويل؛ حيث يبدأن مشاريعهن برأس مال متواضع، دون الحصول على قروض تمويلية، لأسباب تتعلق بتعقيد إجراءات وشروط الاقتراض، عدا عن ضآلة المبالغ المخصصة مقارنةَ بنسب الضرائب والفائدة المرتفعة، غير أنهن في أحوال كثيرة يجهلن كيفية الحصول على تلك القروض، أما الوسائل، فغالباً ما تكون وسائل الإنتاج بدائية (بعض الريفيات، وفي ظل ارتفاع أسعار الوقود، قد عُدن إلى استخدام الأفران البلدية المُصّنعة من الطين).

اقرأ أيضاً: المرأة والحداثة: سقوط وهم الأمومة المثالية

كما تفتقد أغلب النساء العاملات، الحماية التأمينية التي تقيهن من الانقلابات الطارئة، وترعى مشروعاتهن، إذا مررن بضائقة مالية، أو وعكة صحية، على سبيل المثال. كما تنعدم ضمانات حماية البائعات الجائلات بالأسواق العمومية، في حال تعرضن لمضايقات وابتزازت، أو سوء الطقس، أو الحريق وغيره، وما قد يؤدي إلى إتلاف بضائعهن، وتكاتل الديون عليهنّ، سيما إذا كنّ يتعاملن بالسداد لآجله.

اقرأ أيضاً: لطيفة الزيات.. الباب المفتوح دائماً للبحث عن الذات الحرة

تساهم النساء العاملات في إعالة الأسرة وتحسين مستوى المعيشة الاقتصادي، وفي أحيان كثيرة قد تكون المرأة هي المعيل الوحيد لأسرتها، في حال كان الزوج مريضاً وعاجزاً عن العمل، أو يعمل دون انتظام، والأبناء صغار غير مؤهلين للاندراج في سوق العمل، أو ما يزالون في سلك التعليم، مما ينذر بتحملها مزيداً من الأعباء، سواء الخاصة بالرعاية أو العمل المنزلي المعيشي، إلى جانب العمل الربحي.

تفتقر معظم النساء العاملات إلى التدريب المهني والخبرات الكافية بما لا يسمح بتطوير مهاراتهن وتنويع مصادر دخلهن

وفي بعض الأحيان، قد تضطر الأم لاصطحاب أطفالها معها إلى السوق أو الحقل، مما يتسبب بتعرضهم بنسب أكبر للعدوى الفيروسية أو البكتيرية من بيئة العمل غير الصحية، أو سوء التغذية؛ لأنها تلجأ إلى إطعامهم مما هو متوافر لديها، ولا يناسب تكوينهم الجسماني الطفولي.

وفي أحوال أخرى، قد تضطر الأم إلى الاستعانة بأطفالها في العمل، حال تجاوزوا سنّ السادسة مثلاً، وربما أقل، خاصةً فترة الإجازات المدرسية.

يحيلنا الحديث عن الإعالة المؤنثة، إلى مشكلة التسرب من التعليم، والتي قد تنتج جراء اضطرار بعض النساء، بسبب ارتفاع المصروفات الدراسية المتصاعدة، لإيقاف تعليم الأبناء عند مرحلة تعليمية معينة، أو التضحية بتعليم الإناث لصالح الذكور في هذه المرحلة، فضلاً عن حرمان الأبناء، سيما الإناث، من الالتحاق بالكليات العملية التي تتطلب تكلفة مالية ومظهراً اجتماعياً ليس بوسعهن توفيره.
اقرأ أيضاً: الثقافة الشعبية بين السخط والامتداح.. من يملأ فراغ الهدم؟

ارتباطاً بهذه الحال، قد يُحرم الأبناء من توظيف مهاراتهم وذكائهم في اكتساب فرصة تعليم أو وظيفة أرقى يستحقونها، وفي ظلّ استمرار الأفكار الاجتماعية التقليدية التي تؤصل بنفعية، لمنطق الفتاة "مصيرها البيت والزواج"، فلا لزوم للتعليم، مما يؤثر على معدلات زواج القاصرات، بما يبقيها في تزايد مستمر، على الرغم مما يلحق بهذه المسألة من أعباء أخرى.
ففي زواج الفتيات، وخضوعاً للتقاليد الاجتماعية والرغبات الاستهلاكية، يتطلب أمر تجهيزهن، توفير رأس مال كبير، قد تلجأ معه النساء المعيلات إلى الشراء بالأجل، وفي حال عدم السداد لظروف مختلفة، يتعرضن للسجن سداداً للغرامات المستحقة.

من الجدير بالذكر؛ أنّ العاملات بالمشروعات الإنتاجية المنزلية، غالباً ما يكن أكثر استقلالية وأكبر دخلاً، مقارنة بالعاملات بالتجارة أو الخدمة، ومن الضروري أن ننوه إلى افتقاد معظم هؤلاء النساء العاملات إلى التدريب المهني والخبرات الكافية ومحدودية الثقافة، بما لا يسمح بتطوير مهاراتهن، وتنويع مصادر دخلهن، ومعرفة آليات التسويق الناجعة، والوعي بقضاياهنّ حال تعرضن لانتهاك جسدي أو ابتزاز، سيما أنّ نسبة لا يُستهان بها منهنّ أميات، معظمهن الريفيات، وقاطنات المناطق العشوائية وأطراف الحضر.

اقرأ أيضاً: الظهور العلنيّ للنساء.. جدل الحداثة والطبقة والتحرش!

بمعنى آخر؛ هذا التوازن أو التفاوض، غالباً ما يكون عملية تبادل اجتماعي نفعي؛ أي إنهنّ يمتثلن للمعايير المجتمعية والتقليد، ويحافظن على صورة الرجل النمطية؛ الرجل "القوي، الحارس، الوصي"؛  لأنه بتلك الصورة يوفر لهنّ الحماية في مجتمع أعرافه السارية تمثل قوة فوق القانون؛ لذلك، في حال غياب الزوج لأسباب عدة، يعوضن وجوده بالأب أو الأخ، وتحرص هؤلاء النساء على تربية أبنائهن الذكور على الخشونة وشدة المراس والسيطرة، وألا يخضع لكلمة امرأة، للسبب نفسه؛ كي يكون حامياً لها ولأخواته، وبالتالي إعادة إنتاج الهيمنة الذكورية، وفق منطقهنّ التفاوضي، وليس مجرد "مساهمة في تأبيد أو زيادة رأس المال الرمزي الممسوك من الرجال" في المجتمعات الأبوية، كما يرى "بيير بورديو" وغيره.

اقرأ أيضاً: مفهوم الله في وعي الطفل من واقع الموروث الشعبي

هذا غير أنّ الامتثال، أو بمعنى أدق، الالتزام بالاتفاق الضمني للمجتمع "العرف"، سيما فيما يخص مظاهر الاحتشام، وعدم الاختلاط بالرجال، باستثناء حدود ضرورة العمل، يسمح لهنّ بحرية الحركة وممارسة أعمالهنّ، والحظي بالقبول والاحترام، مما يعمق الإحساس بالانتماء والأمان، وتقوية الاندماج في الروابط الاجتماعية التي تمنحها قيم التكافل والتضامن حال الاحتياج، إلا أنّ كل هذا المنطق التفاوضي يبقى مقيداً بعدة اشتراطات، تتفاوت بحسب التوزيع الجغرافي وطبيعة العرف الساري، مثلاً: غالباً ما يكون العرف الاجتماعي قوة أكثر إلزاماً في الجنوب مقارنةَ بالشمال، وعليه تتباين الصورة النمطية للمرأة وتتحدد مكانتها، وعلاقة ذلك بقياس درجة الانعزال أو الاندماج بالمجتمع المحيط، وأيضاً الحالة الاجتماعية؛ كونها متزوجة أم عازبة أم مطلقة، ...إلخ.

لن تستجيب النساء العاملات لذلك الخطاب التثويري ضدّ الأعراف والهيمنة الذكورية وخلافه لأن من شأنه الإضرار بمعادلة تفاوضهن

نفهم من ذلك، أنّ الخطاب النسوي الراديكالي يجب عليه إدراك تلك المعادلة وتفاوتات النسق الاجتماعي؛ لأنّ هؤلاء النساء لن يستجبن لذلك الخطاب التثويري ضدّ الأعراف والهيمنة الذكورية وخلافه؛ لأن من شأنه الإضرار بمعادلة تفاوضهن، ومن ثمّ تعرضهن لمزيد من الضغوط والعوائق والتحديات، فمن المنطقي، بحسب منظورهن رفضه، بل ومحاربته، إذا لزم الأمر.

إنّ الإرغام على اتباع مسار فعل اجتماعي معين، وجعله شرطاً ومعياراً للتحقق الذاتي أو التحرر، لن يفيد، بقدر الانتباه إلى دراسة الإمكانات التي يمكن من خلالها صنع معنى بديل نابع من الذات، ولا يعني ذلك رفض النسوية الردايكالية التي ترمي إلى أبعد ما يتطلبه الواقع المعيش، كنمط مثال يُقاس عليه الحد الأدنى من الحقوق، لكن مراعاة الفروقات، والاشتغال على ما هو متعين واقعياً يظلّ ذا أهمية قصوى، حتى يتسنى إجراء عملية تفاوض مجتمعي من القاعدة.

اقرأ أيضاً: حجاب المرأة بين سلطة التدين ووصاية العلمانية

هؤلاء النساء أكثر ما يحتجن إليه؛ هو توفير وتفعيل شبكات الأمان الاجتماعي، وتيسير الحصول على الضمانات المالية والتأمينات الصحية، ومساعدتهن في تنمية مهاراتهن في الريف وأطراف الحضر، وحماية أبنائهن؛ بتوفير دور رعاية ومؤسسات تربوية تتناسب مع دخولهن، كما يحتجن إلى أصوات تدعمهنّ بحيث يصبحن واعيات بذاتهن لذات قضاياهن، ومن ثمّ تغيير أنماط السلوك والتفكير والصور النمطية، هؤلاء النساء لا يصرخن، وأغلبهن -سيما الأمّيات- لا يمتلكن وسائل تواصل اجتماعي، كي يكتبن مظالمهنّ على "هاشتاغات"، وليس بمقدورهن عمل حملات تعاطف، ولا يُصرحن بكونهن ضحايا لأحد؛ بل يعملن بكدّ، ويفاوضن مجتمعاتهن بمثابرة وجلد، بكل ما لديهنّ من طاقة ومرونة واعتداد بالنفس، هنّ نسويات بلا نسوية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الثنائيات الضدّية المزيّفة في الثقافة العربية

2019-09-17

يجيد المثقفون العرب لعبة التنكّر لثنائية الدولة والمجتمع - وهي الثنائية الحقيقية الوحيدة الجديرة بالبحث- عبر افتعال وابتكار العديد من الثنائيات المزيفة التي استأثرت وما زالت تستأثر بما لا يعد ولا يحصى من المؤتمرات والندوات والأبحاث والمقالات.

اقرأ أيضاً: في سبيل تجديد المعرفة والثقافة.. ما الذي يمنعنا من التأثير؟
ولعل أقدم وأبرز هذه الثنائيات ثنائية (الأصالة والمعاصرة) التي لم تفعل أكثر من أنّها رسّخت التضاد الحاد بين الماضي والحاضر، فبدا الماضي بناية مهدّمة تقوم على حافة خندق يفصل بينها وبين بناية زجاجية بلا أبواب! وكأنّ الماضي لا يتواجد في الحاضر بصيغ مختلفة، وكأنّ الحاضر لا يلوّن الماضي بصور متعدّدة، وكأنّ من بشروا بالقطيعة المعرفية مع الماضي شرطاً لإنهاض الحاضر، يتجاهلون حقيقة أن أوروبا لم تقطع مع ماضيها الإغريقي أو الروماني أو الكلاسيكي البتة؛ بل إنّها كلّما تعالت دعوات بعض مفكريها لإحداث هذه القطيعة، ازدادت حنيناً والتصاقاً ومحاورة لموروثها.

يجيد المثقفون العرب لعبة التنكّر لثنائية الدولة والمجتمع عبر افتعال وابتكار العديد من الثنائيات المزيفة

وتليها ثنائية (نحن والآخر) التي زادت الفجوة بين العرب وكل ما هو غير عربي، إلى درجة يمكننا الزعم معها بأنّ حالة من الشوفينية العربية قد تصاعدت في العقود الثلاثة الماضية، استناداً إلى أمجاد غابرة، رغم الواقع المهزوم والمنتهك داخلياً وخارجياً، سواء على الصعيد السياسي أم على الصعيد الاقتصادي أم على الصعيد الاجتماعي أم على الصعيد الثقافي.
أما ثالثة الأثافي فتتمثّل في ثنائية (العرب والغرب) التي فاقمت الإحساس الجمعي بالاستهداف وفتحت مصاريع الأبواب على وسعها، لنظريات المؤامرة التي توحي بأنّ العالم المتقدم لا همّ له سوى التفكير بأمكر الخطط، لتدمير العالم العربي الذي أثبت المرة تلو المرة أنّه أمهر المدمرين لذاته!

اقرأ أيضاً: هل تجتمع الإنسانية مع العنف في الثقافة العامة؟.. مسلسل الهيبة نموذجاً
ولست بحاجة للتذكير بأنّ ثنائية (الهوية والخصوصية) قد راكمت على أرض الواقع ماهية سائلة وهلامية من جهة وفكرة مثالية متعالية من جهة أخرى، فغدت الهوية بالوناً يطير منفرداً في الهواء، بدلاً من العمل على أن تكون محصلة السلوك ونمط التفكير المأمول، حتى تظل صلبة وملموسة وقابلة للتحقق.

حالة من الشوفينية العربية تصاعدت في العقود الثلاثة الماضية استناداً إلى أمجاد غابرة رغم الواقع المهزوم والمنتهك داخلياً وخارجياً

كما لست بحاجة للتذكير بأنّ ثنائية (العولمة والخصوصية) قد كانت وما زالت مسخرة المساخر؛ لأنها أوحت بإمكانية التصدّي للعولمة عبر المحليّات والوطنيات، مع أنّ العولمة مرحلة متقدمة من الرأسمالية المتوحشة العابرة والساحقة للحدود والجنسيات والقارات، إلى درجة أنّها لا تتردّد في افتراس المراكز التي أنجبتها، ومع أنّ العولمة لا تخلو من العديد من المزايا التي أسهمت في تشبيك العالم فعلاً، وعلى رأسها وسائل التواصل الاجتماعي، ومع أنّ العولمة لا تضيق بالهويات المحلية شريطة التعامل معها بوصفها فولكلوراً قابلاً للتسليع والتسويق، ومع أنّ الأجدى لنا هو التفكير الجاد بكيفية حيازة شروط الالتحاق بنادي صانعي العولمة التي تحوّلت إلى واقع يومي يغمرنا من رؤوسنا حتى أخماص أقدامنا، بدلاً من الاستغراق في أوهام مواجهة العولمة بالقصائد والأناشيد، ومع أنّ أبسط شروط مواجهة العولمة تتمثّل في سياسات حماية الهوية الوطنية والصناعات المحلية، التي لا تستأثر بأدنى حد من عناية صانعي القرار المشغولين بتسيير أعمال أقطارهم على مدار اليوم، وأحياناً على مدار الساعة.

اقرأ أيضاً: يوسف هريمة: الثقافة العربية تقوم على صناعة الأصنام الذهنية
وفي مقدورك أيها القارئ العزيز أن تحدّث دون حرج عن ثنائية (المثقف والسياسي)، وكأنّ المثقف مهما بلغ انسلاخه عن الواقع يمكن أن لا يكون مسيّساً، وكأنّ السياسي مهما بلغت معاداته للثقافة يمكن أن لا يكون مثقفًا! فهل تراني غفلت عن التنويه بثنائية أخرى؟ نعم! لقد فاتني أن أشير لثنائية (الفصيحة والعامية)، التي ما فتئ حرّاس اللغة العربية يلوكونها منذ عقود، مع أنّهم يعلمون حق العلم أنّهما تجاورتا واقترضتا من بعضهما البعض منذ صدر الإسلام حتى اليوم، ومع أنهم يعلمون أنّ الفصيحة مؤسسة دينية وسياسية راسخة غير قابلة للزعزعة، ومع أنّهم يعلمون أنّ كبار النحويين والأدباء القدماء، لم يتحرّجوا من التصنيف في العامية كما لم يتحرّجوا من التنويه بالإمكانيات البلاغية والدلالية التي تشتمل عليها العامية.

ما فتئ حرّاس اللغة يلوكون ثنائية (الفصيحة والعامية) مع أنّهم يعلمون أنّهما اقترضتا من بعضهما منذ صدر الإسلام حتى اليوم

لماذا تترسّخ وتتكاثر هذه الثنائيات الضدّية المزيّفة إذن في الثقافة العربية المعاصرة؟ لأنها – ببساطة- مريحة جداً كونها توفر إمكانيات لا متناهية لتوليد ما لا يعد أو يحصى من ضروب التقابل أو التناقض أو الصراع الصوريّة، ولأنها يمكن أن توفر فرصاً جيدة للتخلّص من الشعور العميق بالذنب جرّاء التردّد في مناقشة الثنائية الحقيقية الوحيدة التي يجدر بالمثقفين التصدي لها، ألا وهي ثنائية (الحاكم والمحكوم) بصيغها المختلفة، وعلى كافة الصعد.
وأحسب أنّ مواصلة البحث في هذه الثنائيات العقيمة، بعيداً عن امتلاك الشجاعة الكافية للخوض في شجون وشؤون قضية (العقد الاجتماعي)، لن توصل الثقافة العربية بوجه عام والفكر العربي بوجه خاص، إلا إلى الآفاق المسدودة والعبثية التي سبق للمثقفين العرب أن بلغوها، حينما سمحوا لأنفسهم بالاستغراق في قضية (السرقات الشعرية) التي استنزفت جهودهم لثلاثة قرون على الأقل دون طائل. وأحب أن أذكّر أيضاً بالسفسطائيين الذين ملأوا القسطنطينية بسجالهم البيزنطي، حتى إذا حاصر محمد الفاتح أسوار مدينتهم لشهور وراحت مدافعه تدكّها دكّاً، لم يجدوا مسألة يناقشونها سوى (كم عدد الملائكة الذين يمكن أن يقفوا على رأس دبّوس؟!)، وقد سبقهم في بغداد نفر من أشباههم فراحوا يضجّون بالتساؤل: (أرأيت إن جلست على جلد بعوضة؛ تنجس أم لا تنجس؟!).

للمشاركة:

هل تمثل ولاية الفقيه إجماعاً في الفقه الشيعي؟

صورة محمد الزغول
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
2019-09-16

لعلّ المذهب الشيعي هو الوحيد بين المذاهب الإسلامية الذي يتمتع بإكليروس "كهنوت" ديني؛ إذ يُكوّن فيه رجال الدين طبقة اجتماعية خاصة بهم، تتمتع بمظهر مغاير، ومصدر دخل اقتصادي خاص، ومكانة مرموقة ضمن الهرم الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: "ولاية الفقيه".. حين انقلب الخميني على الفقه السياسي الشيعي
ويمكن التمييز في قمة الهرم الشيعي بين عدة طبقات من كبار رجال الدين، تقع المرجعية في مقدمتها؛ إذ يبلغ الشخص مرحلة القوة في استنباط الأحكام من مصادر التشريع بحيث يصبح موضع اتّباع العامة من الشيعة، وفوق هذه الطبقة تأتي المرجعية العامة؛ وذلك حينما تتجاوز شهرة المرجع مدينته، وإقليمه الجغرافي، ويصبح مرجعاً دينياً على مستوى البلاد. وفوق كل ذلك تأتي طبقة المرجعية العليا؛ إذ يتشكل ما يشبه الإجماع في كل البلدان الشيعية على أعلميّة المرجع؛ وهو ما يجعله أشبه بالزعيم الديني للأمة الشيعية.

يمكن وصف المنهج التقليدي المتبع في الحوزات العلمية بالانشطاري كونه يكرّس دائماً تعدُّدية في المراجع والمدارس

ويمكن وصف المنهج التقليدي المتبع في الحوزات العلمية بالمنهج الانشطاري، كونه يكرّس دائماً تعدُّدية في المراجع والمدارس، ويمتلك فيه كل مرجع مدرسة مستقلة مرتبطة به، ويقوم طلبة المرجع بتوسيع نطاق مدرسته، عبر إعادة الدروس في المدرسة ذاتها، وتحت إشرافه، لعدد أكبر من الطلبة. أو يتوسعون بها جغرافيّاً، حينما يعود طلبة المرجع إلى مدنهم للترويج لمنهج مرجعهم، وتجميع المصادر المالية لصالحه، كل ذلك كان يؤدي في نهاية المطاف إلى عملية انشطارية، مؤداها إنتاج المزيد من مراجع التقليد، وهي ظاهرة ممتدة إلى يومنا هذا.

ولا شك أنّ فكرة "مرجعية التقليد" انطوت على أسس لما عُرف لاحقاً بـ"ولاية الفقيه"؛ إذ قامت على أساس تولّي الفقهاء رعاية الأمة الشيعية نيابةً عن الإمام المعصوم الغائب، وذلك بحسب النصوص التي أوكلتهم بإدارة "شؤون الحسبة". لكنّ تطور هذه الفكرة إلى رؤية سياسية حدث فقط، مع "الحركة الدستورية الإيرانية" في بدايات القرن العشرين؛ حيث اعتبر بعض الفقهاء أنّ الحكومة هي شأن من "شؤون الحسبة"، وبالتالي فإنّ الولاية عليها إنّما تكون للفقيه الذي يوكِّلُ بدوره عليها السلطان.

اقرأ أيضاً: 6 معارضين من علماء الشيعة لولاية الفقيه.. لماذا رفضوها؟
وبهذا المعنى فإنّ نظرية ولاية الفقيه لم تكن حصيلة رؤى مُنظّري الثورة في إيران، كما يظن كثيرون، بل تمتد جذورها إلى ما قبل ذلك، لكنها كانت أقرب إلى "نظرية سياسية"، ولم تصبح "نظرية في الحكم" إلا بعد الثورة الإيرانية، ولم تكتمل كـ "نظرية دولة"، إلا بعد مرور عدة سنوات، على الأقل، من عمر الثورة الإيرانية؛ إذْ تطورت تفاصيلها لكي تكون رؤية شاملة لإدارة شؤون الدولة.
وأسهم في تطوير نظرية ولاية الفقيه إلى جانب الخميني عدد آخر من رجال الدين الشيعة، مثل؛ حسين علي منتظري، ومحمد باقر الصدر، وبين هؤلاء الثلاثة، يمكن ملاحظة فوارق جمّة في المساحة التي يمكن أن تتضمنها ولاية الفقيه جغرافياً أو سياسياً أو تشريعياً، كما يمكن العثور على فوارق مهمة في طريقة تسمية الولي الفقيه، ومصادر شرعيّته.

اقرأ أيضاً: لماذا "ولاية الفقيه" حدث طارئ في السياق الشيعي العربي؟

وبالنظر إلى النسخة التي تبنّاها الدستور الإيراني من "ولاية الفقيه"، يمكن تسجيل عدد من الإشكالات الرئيسة التي واجهتها، أو خلقتها الفكرة؛ فهذه النظرية، وإن كانت في الظاهر استمراراً لسطوة المرجعية الشيعية، وتتويجاً لها، إلّا أنّها خلقت ازدواجيةً تمثلت في ثنائية "المرجعية الشيعية/الولي الفقيه"؛ إذْ أصبحتَا مؤسستَيْن مختلفتَيْن ومتمايزتَيْن؛ فليس كلّ مرجعٍ شيعي وليّاً فقيهاً، كما أنّه لا يجب على الولي الفقيه أن يكون مرجعاً من مراجع التقليد وفق الدستور الإيراني.

هذا الوضع المعقد طرح تساؤلات كبيرة، هزّت أركان مؤسسة الولي الفقيه، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ نظرية ولاية الفقيه ليست نظرية الأغلبية من فقهاء الشيعة إلى يومنا هذا، وإنّما هي بنسختها الحالية، نظرية الندرة من الفقهاء؛ ما يجعلها مهدّدة دوماً من قبل الحاضنة الفقهية. ويمكن الإشارة إلى أنّ "أبو القاسم خوئي"؛ وهو أحد أكبر مراجع التقليد في زمانه، كان يرفض "ولاية الفقيه" جملةً وتفصيلاً، مؤكداً ألّا خبر في السنة، والعترة يدل عليها. وكذلك كان رأي كل من: محمد هادي ميلاني، ومحمد كاظم شريعتمداري، ومحمد علي أراكي، ومحمد حسين طبطبائي، ومحمد حسين فضل الله، وعلي سيستاني، ومحسن الحكيم؛ ما يجعل الخميني شبه منفرد في زمنه بهذه النظرية.

اقرأ أيضاً: هل يتفق نظام ولاية الفقيه مع الجمهورية الإسلامية؟ معارضان إيرانيان يجيبان

ومما زاد الوضع صعوبة، أنّ مراجع التقليد الذين كانوا يؤيدون فكرة ولاية الفقيه، كانوا يؤكدون في الوقت ذاته أنّه يتعيّن على الولي الفقيه أن يكون مرجعاً للتقليد على أقل تقدير، إن لم يكن المرجع الأعلى أو المرجع العام. والحال أنّه إذا كان كثير من مراجع الشيعة (وليس كلهم) يرون أنّ الخميني كان مرجعاً عاماً، فإنّهم بالإجماع، لا يرون مثل هذه المكانة لخلفه خامنئي.
ولذلك ظلّ خامنئي يعاني من هذا الخلل في شرعيته الدينية على الرغم من سنوات حكمه الطوال، ثم إنّ ما تبنّته وجهة النظر الرسمية الإيرانية من أولوية حكم الولي الفقيه على حكم مراجع التقليد، وضرورة اتّباعهم له في حال حدوث تناقض في الأحكام (وهي فكرة طرحها هاشمي رفسنجاني لأول مرة، وكررها من بعده بعض الفقهاء مثل مكارم شيرازي) يتعارض مع شمولية ولاية مراجع التقليد في الحياة الدينية لأتباعهم، ولذلك يعارض الكثير من الفقهاء الشيعة وجهة النظر الرسمية الإيرانية هذه.

وبالنظر إلى هذه الازدواجية في الولاية، بين مؤسستي "المرجعية" و"ولاية الفقيه"، والصراع الذي تجتلبه، اتجه النظام الإيراني إلى التصدي للأخطار المحتملة القادمة من مؤسسة المرجعية عبر اتخاذ تدابير احترازية، وإجراءات تنظيمية وتوجيهية من أجل ترويض مؤسسة المرجعية أو تحييدها؛ فقام بتأسيس نظام شامل يوحد مختلف الحوزات العلمية تحت عنوان "منظمة الحوزات العلمية"، ووضعه تحت إشراف "مركز إدارة الحوزات العلمية"؛ وهو إطار يشبه وزارة التعليم العالي المشرفة على الجامعات. وجرى تأسيس "رتب علمية" موحدة، ينبغي على طالب العلوم الدينية بلوغها، ضمن "نظام علامات" مُوحَّد؛ تبدأ من مستوى المتعلم المبتدئ، وتنتهي إلى مستوى دروس الخارج، ليحصل من يبلغها على درجة الاجتهاد. واستولى النظام من خلال هذه المؤسسات على إدارة "اقتصاد المرجعية"، عبر تنظيم وتقنين عمليات جمع، وتوزيع الصدقات، وزكاة الخمس، وإدارة الأوقاف.

اقرأ أيضاً: هل يختلف الشيعة على مفهوم ولاية الفقيه؟

كان ذلك ثورة حقيقية في تغيير المنهج، ثم قدّم النظام الإيراني قائمة بمراجع الرسميين الذين يجوز تقليدهم؛ وهي خطوة لم يسبق لها مثيل في تاريخ المؤسسة الدينية الشيعية، كما جرى تقييد نشاط مراجع التقليد الذين يعارضون نظرية ولاية الفقيه، وبشكل تعسفي وخشن أحياناً. وتوّج النظام الإيراني جهوده "الترويضية" هذه، بإنشاء محكمة خاصة برجال الدين في إيران.

وبطبيعة الحال لم تكن هذه التغييرات موضع ترحيب من مراجع التقليد الذين اعتبروها انحرافاً عن المنهج السليم لدراسة العلوم الدينية، ومانعاً على طريق استقلال الحوزات العلمية، لكن النظام السياسي تمكن من فرضها، وتكريسها عبر حزم مختلفة من المحفزات، والعقوبات.

ما قام به النظام السياسي في إيران على صعيد إعادة هيكلة مؤسسة المرجعية، وتقنينها، وترويضها آتى ثماره في دعم وتكريس الرواية الرسمية الإيرانية للفقه الشيعي. وفتح الباب أمام هيمنة مراجع تقليد متناغمين مع سلطة الولي الفقيه، وأغلق الأبواب على مراجع التقليد المعارضين.

لم تنجح بعدُ عملية ترويض المرجعية خارج الحدود الإيرانية خاصة في النجف التي تنافس قُم

إلّا أن "عملية الترويض والتحييد" هذه، ما زالت تواجه بعض العقبات العملية؛ فالساحة لم تخلُ بعدُ من وجود مراجع تقليد معارضين لفكرة ولاية الفقيه، ولسياسات النظام الإيراني، أو لبعض تصرفات القائد الأعلى.
لم تنجح بعدُ عملية ترويض المرجعية خارج الحدود الإيرانية، خاصة في النجف التي تنافس قم في عدد المراجع والمدارس الدينية. وبالرغم من الجهود التي يبذلها النظام الإيراني للتأثير على العالم الشيعي غير الإيراني، عبر حقن مراجع تقليد إيرانيين في هذا العالم (مثل ما حدث في محاولة طرح هاشمي شاهرودي للمرجعية في العراق)، لكنّ الهيمنة والسطوة في العالم الشيعي، لا تزال بيد مراجع تقليد تخرجوا من حوزات العراق. وهناك ظاهرة أخرى أسهمت في عرقلة جهود النظام الإيراني، تمثلت بهجرة عددٍ من علماء قم إلى النجف، بُغية التخلص من الضغوط، وهو ما عزّز فرص التعارض بين النجف وقم في المناحي السياسية.

اقرأ أيضاً: آية الله خامنئي: الانتقال من ولاية الفقيه إلى السيطرة العسكرية
لذلك اتجه النظام الإيراني إلى العزف على الحدود الجغرافية لمؤسسة المرجعية؛ حيث طرح قضية أن يكون المرجع ضمن الحدود الجغرافية (وهي قضية تُطرح لأول مرة أيضاً في تاريخ الفقه الشيعي)، إلا أنّ الأمر لم يُجْدِ نفعاً بعدُ؛ إذْ لا تزال فئات عريضة من المجتمع الإيراني المتديّن، تُقلد مراجعَ في العراق، ومنهم السيستاني.
وفي المجموع، يمكن القول إنّ عملية إعادة هيكلة المرجعية الشيعية، والخطوات التي قام بها النظام الإيراني في سبيل ترويضها، حقّقت نجاحات ملحوظة حتى الآن، على الرغم من أنّها واجهت بعض العقبات الجغرافية والظرفية والفقهية. فقد جرى إخضاع معظم المؤسسة الدينية الشيعية لسلطة الولي الفقيه، والنظام السياسي الإيراني. لكن لو أخذنا بعين الاعتبار أننا بإزاء مؤسسة حافظت على استقلالها لأكثر من ألف عام، وأنّها مؤسسة دينية عابرة للحدود الجغرافية، وكانت في معظم المراحل التاريخية خارج الهيمنة المباشرة للسلطة السياسية، ندركُ حينها أنّ عملية إعادة هيكلة هذه المؤسسة، وترويضها، تنطوي على انعكاساتٍ ومخاطرَ جمّة، ستُهدّد مستقبل الفقه الشيعي بشكل عام، وتُفقِده إحدى أهم مزاياه، وسماته التاريخية، وهي الاستقلال عن السلطة السياسية، وحصانته من تقلباتها. وذلك لأسباب عدة، منها تعارض الجغرافيا الدينية مع الجغرافيا السياسية، وتراجع أهمية المؤسسة الدينية، نتيجة تحوّلها إلى مجرد أداة في يد السلطة السياسية.

للمشاركة:

من سيغلب: "الحد الأقصى" من ضغوط واشنطن أم "حافة الهاوية" الإيرانية؟

2019-09-16

تعيش العلاقة الأمريكية-الإيرانية صراعاً بين حدّين: "الحد الأقصى" من الضغوط والعقوبات الأمريكية على إيران، يقابلها ما تزعم إيران بأنّه "الحد الأقصىى من مقاومة هذه الضغوط"؛ أيْ اتّباع سياسة "حافة الهاوية" بأقصى تجلّياتها، وهي تعني مزيداً من التوتير ومن توظيف حلفاء إيران في المنطقة، وفي مقدمتهم الحوثيون، من أجل تأزيم المشهد الإقليمي، ليكون ذلك المشهد هو النقطة الذي ستبدأ معه أي محادثات أمريكية-إيرانية مفترضة، الأمر الذي تعدّه إيران كسباً سياسياً لصالحها؛ أيْ الدخول إلى حلبة المفاوضات من موقع قوّة، وفق تصوّرها.

اقرأ أيضاً: دروس حافة الهاوية.. كيف الوصول إلى أمن إقليمي دائم؟
والمراقب للتفاعلات الإيرانية، ومن يدور في فلكها من أحزاب ومحللين وإعلاميين، على الهجمات الأخيرة على منشأتين نفطيتين سعوديتين، يلحظ تركيزاً على الحديث عن تنامي قدرة "الردع" لإيران وحلفائها، يدلّ على ذلك تصريحات، أوردتها وكالة "رويترز" للأنباء، من قبيل:

إذا صحّ أنّ إيران وراء الهجمات على منشأتين نفطيتين بالسعودية فإنّ هذا ما تريده طهران وهو ابتزاز المجتمع الدولي

- قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري الإيراني، أمير علي حاجي زاده، يقول أمس، كما نقلت عنه وكالة "تسنيم" الإيرانية، إنّ القواعد وحاملات الطائرات الأمريكية تقع في مرمى الصواريخ الإيرانية، وذلك بعدما اتهم وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، طهران بمهاجمة المنشآت النفطية السعودية.
- وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، يتحدث في حسابه على "تويتر" عن أنّه (بعد فشل وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، في ممارسة "أكبر ضغط ممكن" يلجأ الآن إلى "أكبر خداع ممكن"... أمريكا وعملاؤها عالقون في اليمن؛ بسبب وهم أنّ التفوق في التسلّح سيقود إلى نصر عسكري. وإلقاء اللوم على إيران لن ينهي الكارثة"، وفق ما زعم ظريف.

اقرأ أيضاً: إيران وإستراتيجية "حافة الهاوية"
- الاستمرار في اللعبة الإيرانية القائلة إنّ الضغوط الأمريكية على إيران تضعف المسؤولين المعتدلين في إيران (أين هم يا ترى؟!) ويقوّي المتشددين، وهذا فحوى ما نقلته "رويترز" عمن وصفته بـ "مسؤول إيراني بارز" قال إنّ تصاعد التوتر بشأن الهجمات الأخيرة على منشآت نفطية في السعودية "قد يخلّ بتوازن القوى في إيران لصالح المتشددين؛ الذين يتطلعون إلى الحد من قدرة الرئيس حسن روحاني على الانفتاح على الغرب"، وفق ما نقلت الوكالة.

اقرأ أيضاً: لماذا أخفقتْ "سياسة حافة الهاوية" التي تمارسها إيران؟
إنّ الولايات المتحدة منذ انسحابها من الاتفاق النووي الإيراني صيف السنة المنصرمة، قالت بوضوح، على لسان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إنّ هذا "الاتفاق سيئ"، وإنّها ستضغط على إيران اقتصادياً ودبلوماسياً كي تجلس على طاولة المفاوضات، وتوقّع اتفاقاً جديداً. المؤكد أنّ لذلك بُعداً شخصياً؛ حيث يعتبر ترامب كل ما قام به سلفه، الرئيس باراك أوباما، سيئاً، ومع ذلك فإنّ ضغوط الدولة الأمريكية، بغض النظر عن الرئيس، تؤيد الضغوط على إيران؛ لإبعادها عن امتلاك أسلحة نووية، وللحد من برنامجها في مجال الصواريخ البالستية، ولوقف سياساتها الإقليمية المعادية للدول العربية، والمزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط، كما تقول واشنطن.
ولا تجدُ طهران بُدّاً من اتّباع سياسة مماثلة، وهي "حافة الهاوية"؛ من أجل تحقيق تنازلات تدفع الدول الغربية للقبول بإيران الحالية، على ما هي عليه، وإجراء تفاوض معها، وليس مزيداً من إضعافها اقتصادياً ودبلوماسياً ومن ثم إجراء مفاوضات معها وهي في حالة أضعف، وقابلة لتقديم مزيد من التنازلات، بعد أن تكون العقوبات أنهكتها للغاية، خصوصاً إذا فشل رهانها على تغيير الرئيس ترامب في 2020.

اقرأ أيضاً: المناورة الإيرانية على حافة الهاوية
وفي مقال مشترك لكل من دينيس روس ودانا سترول في مجلة "فورين بوليسي"، قبل أيام، ما ينبّه إلى أنّ إيران قد تستفيد من كون الرسالة الأمريكية تجاهها تتغير وليست ثابتة تماماً. (ففي العام الماضي، طرح وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، قائمةً تحوي 12 مطلباً للتفاوض مع إيران، في حين عرض الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في شهر حزيران (يونيو) الماضي أن يكون "أفضل صديقٍ لإيران". وفي قمة مجموعة السبع في آب (أغسطس) الماضي، تحدث ترامب عن إمكانية أن تصبح إيران دولةً غنيةً جداً لمدة طويلة؛ في حال وافقت على عدم تطوير سلاحٍ نووي. وبينما كانت قائمة بومبيو بمنزلة تغيير أساسي في طبيعة النظام، فإنّ الحدود الدنيا لترامب تبدو مشابهةً للاتفاق النووي الإيراني"، الذي وقّعه أوباما!

هندرسون: طهران تعتقد أنّ مثل هذه الهجمات تعطيها ميزة أمام واشنطن إذا اجتمع ترامب مع روحاني بنيويورك هذا الشهر

وإذا صحّ أنّ إيران والحوثيين يقفون وراء الهجمات الأخيرة على منشأتين نفطيتين في السعودية، توقف على إثرها نصف الإنتاج السعودي النفطي، فإنّ هذا ما تريده طهران؛ أيْ ممارسة "حافة الهاوية" لابتزاز المجتمع الدولي، وإنهاء التوتر الحالي في المشهد الإقليمي من خلال التفاوض مع إيران، قبل أن تستسلم تحت وطأة العقوبات والضغوط المتتالية.
ربما هذا ما قصده مدير برنامج برنشتاين حول الخليج وسياسات الطاقة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، سايمون هندرسون، بقوله، كما نقلت "رويترز" عنه: "طهران تعتقد فيما يبدو أنّ مثل هذه الهجمات تعطيها ميزة أمام واشنطن. إذا اجتمع ترامب مع روحاني في نيويورك في وقت لاحق هذا الشهر قد يكون هذا هو الحال، على الرغم من أنّ طهران بالغت في تقدير وضعها"، عبر اللعب على ورقة تنامي القدرة على الردع، وأنّها المشكلة والحل في آن معاً، وتسويق "وهم القوة" على أنّه حقيقة.
سؤال المليون كما يقولون هو؛ أيّ السياستين سيكتب لها النجاح: سياسة إيران باتباع "حافة الهاوية" أم سياسة واشنطن؛ حيث "أقصى الضغوط" ستعني اتفاقاً نووياً جديداً يرضي ترامب وحلفاءه؟

للمشاركة:



تفجير يستهدف تجمّعاً للرئيس الأفغاني أشرف غني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

قتل 24 شخصاً، وأصيب أكثر من 30 آخرين، بتفجير استهدف تجمّعاً انتخابياً لرئيس أفغانستان، شمال العاصمة كابول، ولم يصب الرئيس أشرف غني بأذى.

وأشارت قناة "طلوع نيوز" الأفغانية؛ إلى أنّ الانفجار وقع قبيل بدء غني بإلقاء كلمته أمام مؤيديه، بمدينة شاريكار في مقاطعة باروان.

قتل 24 شخصاً وأصيب أكثر من 30 آخرين بتفجير استهدف تجمّعاً انتخابياً لأشرف غني

من جهته، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية، نصرت رحيمي؛ إنّ التفجير نفّذه انتحاري بدراجة نارية.

وفي وقت سابق؛ ذكر مسؤول محلي أنّ التفجير تسبّبت فيه عبوة ناسفة، تمّ تركيبها أسفل إحدى سيارات قوات الأمن.

وأعلنت حركة طالبان مسؤوليتها عن الانفجار، اليوم الثلاثاء، ولم تعقّب الحكومة رسمياً على الحادث، غير أنّ أصابع الاتهام عادة ما تشير إلى حركة طالبان التي تبنت العديد من العمليات الإرهابية.

وكانت حركة طالبان قد هددت بإحباط الانتخابات الرئاسية، المقررة في 28 أيلول (سبتمبر) الجاري، والتي يخوضها 18 مرشحاً، بينهم الرئيس الحالي ومنافسه الأساسي في الانتخابات السابقة، عبد الله عبد الله.

الانفجار وقع قبيل بدء أشرف غني بإلقاء كلمته أمام مؤيديه لكنّه لم يصب بأذى

وستكون المنافسة الحقيقية في الانتخابات المقبلة بين غني وعبد الله وأتمارا، أما باقي المرشحين فيبحثون عن مكاسب سياسية؛ لأنّ الكتلة التصويتية لكلّ منهم لا تخوّله حتى بالانتقال إلى الجولة الثانية على الأقل.

هذا وقد جرى تأجيل الانتخابات لمرتين؛ حيث كانت مقررة في نيسان (أبريل) الماضي، ثم في تموز (يوليو) الماضي.

 

 

للمشاركة:

المخدرات الإيرانية تعصف بشباب العراق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

انتشر في الآونة الأخيرة مخدّر "كريستال ميث" الإيراني، بين الشباب العراقي، بشكل ملحوظ، خاصة في العاصمة بغداد ومدينة البصرة.

"نيويورك تايمز" ترصد انتشار مخدر "كريستال ميث" الإيراني بين الشباب العراقي في بغداد البصرة

ورصد تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية؛ أنّ "محافظة البصرة الجنوبية واجهت خلال العام الماضي، إحدى أسوأ الأزمات المتعلقة بالمخدرات، وقد سجن نحو 1400 شخص، معظمهم من الرجال، بتهمة حيازة وبيع المخدرات، الذي يأتي بشكل أساسي من إيران المجاورة".

وأضاف تقرير الصحيفة الأمريكية: "المجتمع والحكومة العراقية غير مستعدين للتعامل مع الأزمة، نظراً إلى أنّها ما تزال جديدة عليهم، باستثناء الحلّ المتمثل في وضع المتورطين في السجون".

وقبل سبعة أعوام، صنّفت الأمم المتحدة العراق على أنّه بلد عبور للمخدرات بشكل أساسي، ما يعني أنّ المخدرات تعبر من خلاله لمنطقة أخرى.

لكنّ هذا تغير الآن؛ إذ أصبح من الممكن شراء مجموعة من المخدرات التي تسبّب الإدمان في العراق، إضافة إلى الحشيش، بحسب تقرير صحيفة "نيويورك تايمز".

وقد بدأت عملية صناعة المخدرات في العراق من خلال الزراعة، وتصنيعها في المختبرات، وفق خبراء الأمم المتحدة والأسر العراقية التي شهدت انتشار الظاهرة.

وذكر التقرير؛ أنّ المخدرات تساهم في زيادة نسبة الفقر في العراق؛ حيث تفقد العائلات جزءاً كبيراً من الدخل الذي يتقاضاه الذكور بسبب الإدمان والسجن.

بدوره، قال قائم مقام مدينة الزبير بمحافظة البصرة، عباس ماهر السعيدي، في تصريح صحفي: إنّ "السلطات الحكومية خجولة للغاية في التعامل مع هذا الوضع".

وأضاف السعيدي: "هم لا يعترفون بالمشكلة بسبب التقاليد الاجتماعية، حتى وسائل الإعلام لا تناقشها".

وتجوب العشرات من فرق التدخل السريع في محافظة البصرة كل ليلة لاعتقال مستخدمي ومتاجري المخدرات؛ حيث تتم إدانتهم وتزدحم السجون بالمئات منهم في زنازين مكتظة.

كثيرون من المتواجدين في السجون بسبب التعاطي يؤكدون أنّ عناصر الحشد الشعبي يعملون مع تجار بالمخدرات

من جانبها، صرّحت رئيسة البحوث في وكالة المخدرات التابعة للأمم المتحدة، أنجيلا مي، بأنّ "استخدام وانتشار المخدرات بدأ يظهر في العراق قبل سبعة أعوام".

وأكّدت مي أنّ "خلال ذلك الوقت قامت العصابات بالاتّجار بالمخدرات مع دخول كميات كبيرة من مخدر "كريستال ميث" من إيران؛ حيث يوجد العديد من المختبرات المصنَّعة لهذا المخدر.

كبير قضاة محكمة الاستئناف في البصرة، عادل عبد الرزاق، أشار لـ "نيويورك تايمز"، بأنّ تجار المخدرات يأتون بها من خلال الحدود العراقية، أو عن طريق نهر شط العرب بمحافظة البصرة.

وشدّد السعيدي على أنّ تجار المخدرات قد طوروا أساليب التهريب والاتجار؛ إذ استطاعوا تغيير طرق التهريب التقليدية، بجانب استخدام الطائرات المسيرة وكاميرات المراقبة، واتخاذ مراكز محصنة لهم.

وأضافت صحيفة "نيويورك تايمز"؛ "رغم استحالة إثبات تورّط الحشد الشعبي في تجارة المخدرات، فإنّ كثيرين من المسجونين بسبب التعاطي، يؤكّدون أنّ بعض عناصر الحشد يعملون مع تجار المخدرات وأنّهم على صلة بالحكومة".

ولفت تقرير "نيويورك تايمز" إلى أنّ مخدر "الكبتاغون" قد يكون أشهر المخدرات من حيث الاستخدام في العراق.

يذكر أنّ الكريستال ميث؛ هو من أنواع مخدرات "الأمفيتامين" الخطرة، التي تعمل على تنشيط الجهاز العصبي، ويصنَّع تحت مسمى "الكبتاغون"، وتقول وسائل إعلام؛ إنّ هذا النوع من المخدّر شائع بين المقاتلين في الشرق الأوسط؛ حيث يقول خبراء في مجال المخدرات إن متعاطيه يشعرون بطاقة أكبر، لكنّ المنظمات العالمية تحذّر من خطر هذا النوع من المخدر على الصحة.

 

للمشاركة:

الأمم المتحدة تحذّر من "إبادة جديدة" في بورما

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

يعيش حوالي 600 ألف من الروهينغا في بورما تحت تهديد التعرض "لإبادة" جماعية من قبل الجيش البورمي.

وطالب محققو الأمم المتحدة، أمس، بإحالة كبار العسكريين في بورما إلى المحكمة الجنائية الدولية، على ما ارتكبوه من جرائم حرب ضدّ الروهينغا، وفق "فرانس برس".

وقال رئيس بعثة تقصّي الحقائق، مرزوقي داروسمان، في بيان: "التهديد بالتعرض لإبادة ما يزال يحدق بالروهينغا الذين بقوا في بورما"، مضيفاً: "قبل عام أعلنت البعثة اكتشاف "أعمال إبادة" في عمليات تطهير ارتكبت في 2017، أسفرت عن مقتل آلاف الروهينغا".

الأمم المتحدة: 600 ألف من الروهينغا في بورما يعيشون تحت تهديد التعرض "لإبادة" جماعية

وقال كريستوفر سيدوتي، أحد المحققين الأمميين: "في حال لم تتخذ الأمم المتحدة والأسرة الدولية تدابير فعّالة هذه المرة، فستتكرر هذه المأساة المؤلمة، على فضيحة الصمت الدولي أن تنتهي".

وذكرت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن بورما، في تقرير: "لدينا أسباب مقنعة للاستخلاص بأنّ الأدلة التي تدفع إلى الاقتناع بأنّ للدولة نوايا بارتكاب إبادة تعززت منذ العام الماضي"، وأنّ "ثمة تهديداً جدياً بوقوع إبادة جديدة".

وقالت البعثة: "ذلك من مسؤولية الدولة، ما يعني أنّه تجب إحالة ملف بورما للمحكمة الجنائية الدولية؛ لتخلفها عن احترام تعهداتها بموجب المعاهدة حول الإبادة، عام 1984، إحدى الأدوات الدولية النادرة المتعلقة بحقوق الإنسان التي صادقت عليها".

وأفاد المحققون الدوليون الذين لم يسمح لهم بالتوجه إلى بورما بأنّ "هذا البلد يستمر في ارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية في أعمال غير إنسانية، تتسبّب بمعاناة كبرى واضطهاد في إطار هجوم معمم ومنهجي ضدّ السكان الروهينغا".

وفرّ 740 ألفاً من الروهينغا من ولاية راخين (غرب بورما)، في آب (أغسطس) 2017، بعد قمع نفذه الجيش في بورما؛ حيث غالبية السكان من البوذيين.

 

 

للمشاركة:



نصرالله "قائم مقام" علي خامنئي وحامل سيفه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

هشام ملحم

في ذكرى عاشوراء، جدد الأمين العام لـ "حزب الله" اللبناني حسن نصرالله ولاءه وولاء حزبه المطلق للجمهورية الإسلامية في إيران، ونصّب قائدها آية الله علي خامنئي، "حسين" هذا الزمان، وشبّه النزاع السياسي والاستراتيجي بين إيران ومحورها والولايات المتحدة وحلفائها، "بمعركة الحق والباطل، وفي معركة الحسين ويزيد."، مشددا على أنه لا حياد في مثل هذه المعركة الوجودية.

وغالى نصرالله في لغته الغيبية حين قال "نحن من لبنان نقول للعالم إن إمامنا وقائدنا وسيدنا وعزيزنا وحسيننا في هذا الزمان هو سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي دام ظله، وأن الجمهورية الإسلامية في إيران هي قلب المحور... نرفض أي مشروع حرب على الجمهورية الإسلامية في إيران، لأن هذه الحرب ستشعل المنطقة، وتدمر دولا وشعوبا، ولأنها ستكون حربا على كل محور المقاومة".

تحدث نصرالله وكأنه مَرْزُبان (حاكم ولاية فارسية) وهذا المفهوم أو التقليد السياسي ـ الإداري لحكم الولايات البعيدة، الذي أتقنته الامبراطورية الفارسية القديمة، يعرف الآن بالإنكليزية بكلمة Satrap التي دخلت إلى اللغة الإنكليزية في القرن الرابع عشر، بعد أن عبر أصلها الفارسي في تنويعات إغريقية ولاتينية وفرنسية.

وهذا الأسلوب الفارسي القديم للحفاظ على المقاطعات المختلفة للإمبراطورية، يعرفه اللبنانيون في تاريخهم الحديث بمنصب قائم مقام في الدولة العثمانية، أي قائم مقام الباب العالي.

حروبنا الأهلية وحروب الآخرين

الحروب التي شهدها لبنان منذ 1975، والتي لم تنته حتى الآن بسلم حقيقي ووفاق وطني قابل للحياة، كان لها أسباب سياسية واقتصادية واتسمت، بسبب طبيعة النظام السياسي والتركيبة الاجتماعية للبلاد، بأبعاد طائفية ومذهبية، واكتسبت أبعادا إقليمية زادتها تعقيدا، بسبب الوجود الفلسطيني في لبنان والنزاع العربي ـ الإسرائيلي، وتنافس، لا بل تصارع دول المنطقة فوق أرض لبنان وإن بأدوات لبنانية.

معظم الحروب الأهلية، وخاصة تلك التي لا تحسم بسرعة وتتصارع فيها أطراف عديدة وتطول لسنوات، تؤدي حتميا إلى تورط جيرانها فيها.

وحدها الحرب الأهلية الأميركية (1861 ـ 1865) من بين الحروب الأهلية الكبيرة في القرنين الماضيين، والتي انتهت بغالب ومغلوب بعد سقوط 750 ألف جندي، لم تتدخل فيها دول أخرى لأن أميركا محاطة بمحيطين ضخمين في الشرق والغرب ودولتين أضعف منها في الشمال والجنوب، كندا والمكسيك.

ولكن الحرب الأهلية الإسبانية (1936 ـ 1939)، التي أدت إلى مقتل نصف مليون نسمة، هي النقيض للحرب الأميركية، لأن دولا أوروبية مثل ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية والبرتغال أرسلت عشرات الآلاف من الجنود للقتال إلى جانب المتمردين اليمينيين وحلفائهم المحافظين، بينما أرسل الاتحاد السوفياتي مئات الجنود والطيارين للقتال إلى جانب الحكومة الجمهورية اليسارية (جوزف ستالين لم يفعل ذلك تضامنا مع اليسار، بل لقاء كميات كبيرة من احتياط الذهب الاسباني).

وانضم إلى الجمهوريين اليساريين أكثر من 40 ألف متطوع أجنبي حاربوا كألوية دولية، من بينهم حوالي 2800 أميركي نظموا أنفسهم باسم "لواء لينكولن" تيمنا بالرئيس أبراهام لينكولن.

القتال الشرس الذي جرى بين هذه القوات (من بينها أكثر من سبعين ألف جندي مغربي بأمرة الجنرال يسيمو فرانسيسكو فرانكو، شكلوا في بداية الحرب رأس الحربة للمتمردين) حوّل اسبانيا إلى مسرح اقتتال عالمي بين اليمين واليسار، كان مقدمة للحرب العالمية الثانية، التي بدأت فور انتهاء الحرب الإسبانية.

الحرب السورية في السنوات الماضية جرت وفقا "للنموذج" الإسباني، مثلها مثل الحرب اللبنانية. الدول الإقليمية ومن بينها إيران وإسرائيل وتركيا، ولاحقا روسيا، إضافة إلى عشرات الآلاف من المتطوعين "الجهاديين" والإسلاميين من سنّة وشيعة، من آسيا الوسطى إلى أوروبا حوّلوا سوريا إلى مسرح قتال إقليمي وعالمي، هو الأسوأ في القرن الحادي والعشرين.

وبعد بروز ظاهرة تنظيم "الدولة الإسلامية" تدخلت الولايات المتحدة وحلفائها لشن حرب جوية ضد هذه الظاهرة التي اقتربت وحشيتها من وحشية النظام السوري. وعند كتابة تاريخ الحرب السورية بشكل كامل، سوف يكون هناك فصلا رئيسيا حول إيران ورأس حربتها في سوريا، قوات حزب الله، التي لعبت دورا ربما مفصليا في إنقاذ نظام الطاغية بشار الأسد من الانهيار.

خصوصية "حزب الله" في لبنان

خلال الحرب اللبنانية حصلت الأطراف المتقاتلة على دعم سياسي ومالي وعسكري من دول عربية ومن إسرائيل ومن دول غربية. ولم يحدث أن تدخل أي جيش أجنبي بدعوة من طرف لبناني أو آخر، أو اجتاح جيش إقليمي جزءا من الأراضي اللبنانية، إلا ووجد طرفا لبنانيا يرحب به ويهلل لدخوله كمنقذ، ويرمي على جنوده الأرز والورد.

كانت الأطراف المتقاتلة تتمتع بمستويات مختلفة من "الاستقلالية" في تعاملها مع حماتها أو داعميها من الخارج. وفي هذا السياق لعبت "الفهلوية" اللبنانية دورا هاما في إقناع بعض الأطراف المحلية بأنها قادرة على استخدام أو استغلال القوى الخارجية كأدوات للتخلص من أعداء الداخل أو إضعافهم، ما أدى إلى نتائج عكسية وحتى كارثية.

لبنانيون راهنوا على إسرائيل، وآخرون (من لبنانيين وفلسطينيين) تعاونوا مع سوريا، آخرون فتحوا لبنان لإيران، بينما تعاون بعضهم مع العراق، وقبض آخرون من ليبيا أو من السعودية، وهكذا. اليساريون ومنظمات فلسطينية تطلعوا إلى الاتحاد السوفياتي للدعم والإرشاد، ورحب كثيرون بمجيء القوات المتعددة الجنسيات.

ولكن لم يحدث أن كان لفريق لبناني علاقة عضوية بدولة أجنبية كما هي علاقة حزب الله بإيران. إيران لم تساعد "حزب الله" كفريق لبناني سعى إليها طلبا للمساعدة؛ وإيران لم تكن حاضنة لـ"حزب الله"، لأن "حزب الله" خرج من رحمها. وهو، أي الحزب، غير قادر على البقاء دون مقومات الحياة التي توفرها إيران، من إرشاد وتوجيه سياسي ومذهبي إلى دعم مالي ومادي وعسكري ولوجستي.

وللمرة الأولى منذ الحروب الإغريقية ـ الفارسية التي استمرت لعقود قبل 500 من الميلاد، أصبحت إيران دولة متوسطية بسبب وجودها العسكري والسياسي والمذهبي في سوريا، ولأنها تهيمن على ولايتها في لبنان من خلال "حزب الله".

ضغوط أمريكية غير مسبوقة

خطاب نصرالله تزامن مع وجود مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر في بيروت. زيارة شينكر هي لمواصلة مساعي سلفه ديفيد ساترفيلد للتوسط بين لبنان وإسرائيل لمحاولة ترسيم الحدود البحرية والبرية، ولكنه حمل معه رسائل واضحة للسياسيين اللبنانيين وخاصة المتواطئين مع سياسات وطموحات "حزب الله"، إما عن قناعة أو عن خوف، وتحديدا "التيار الوطني الحر" الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون ويقوده الآن صهره وزير الخارجية جبران باسيل، بأن "تفهم" واشنطن التقليدي لمعضلة "الدولة" اللبنانية مع "حزب الله" وعجزها أو رفضها عن الوقوف، ولو رمزيا، بوجهه يشارف على النهاية.

ويؤكد المسؤولون الأميركيون، وآخرهم مارشال بيلينغسلي، مساعد وزير الخزانة لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب، أن سياسة واشنطن بتقويض اقتصاد إيران وتجفيف مصادر تمويل "حزب الله" سوف تستمر وتتفاقم في المستقبل.

وفي هذا السياق سوف تدرج واشنطن للمرة الأولى شخصيات سياسية ومالية لبنانية من خارج "حزب الله" ومن خارج الطائفة الشيعية ـ في إشارة واضحة لعون وأنصاره الذين تتهمهم واشنطن بتوفير "الغطاء المسيحي" لـ"حزب الله" ـ على لائحة العقوبات.

بعض رسائل شينكر للسياسيين اللبنانيين ولقادة الجيش الذين التقاهم، وفقا لما قالته مصادر مسؤولة قبل وصوله إلى بيروت تشمل تأكيده بأن واشنطن ستؤيد أي إجراءات عسكرية تتخذها إسرائيل ضد "حزب الله" في لبنان أو قواته وقوات إيران في سوريا، وأن واشنطن "تتفهم وتتعاطف" مع قلق إسرائيل من حصول "حزب الله" على معدات وأجهزة متطورة مصممة لتحسين آداء ودقة الصواريخ الإيرانية الموجودة في ترسانة الحزب، وهو ما دفعها لإطلاق مسيرات لتدمير هذه المعدات التي وصلت إلى مقر قيادة تابع لـ "حزب الله" في الضاحية الجنوبية لبيروت. أحد الاسئلة التي طرحها شينكر هي كيف يمكن تبرير عجز الجيش اللبناني عن دخول الضاحية الجنوبية لمعاينة الأهداف التي قصفتها إسرائيل؟

وهناك جدل في الأوساط الأميركية المعنية بلبنان، بين من يدعو إلى الحفاظ على العلاقات العسكرية الأميركية ـ اللبنانية، وضرورة مواصلة تسليح وتدريب القوات اللبنانية المسلحة، وبين من يقول إن الجيش اللبناني غير قادر أو غير مستعد للتصدي، ولو بشكل خجول أو محدود، لـ"حزب الله"، ولذلك يجب أن تقلص واشنطن من مساعداتها العسكرية أو تجعلها مشروطة بإجراءات لاحتواء نفوذ "حزب الله"، وإذا لم ينجح ذلك، يتم قطع هذه المساعدات.

معقل المتشددين هو مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض. في المقابل، لا تزال القيادة العسكرية الأميركية تدعو للحفاظ على العلاقة العسكرية، لأن قطع الإمدادات الأميركية سوف يدفع بلبنان للجوء إلى سوريا وإيران. ووفقا للمطلعين على هذا الجدل، يقول العسكريون الأميركيون إن أداء الجيش اللبناني ضد "التطرف السنّي" المتمثل بعناصر تنظيم "القاعدة" أو تنظيم "الدولة الاسلامية" وخاصة في شرق لبنان كان جيدا، وإن اعترفوا بأن تصدي الجيش "للتطرف الشيعي" المتمثل بـ"حزب الله" غير وارد.

ويتبين من سلوك الدولة اللبنانية الرسمية أنها إما غير قادرة على استيعاب أبعاد هذا الجدل في واشنطن، أو أنها تعيش في حالة نكران. الصمت الرسمي للدولة اللبنانية في أعقاب خطاب نصرالله وصل دويه إلى واشنطن، قبل عودة ديفيد شينكر إليها.

لخطاب نصرالله في ذكرى عاشوراء، والذي أكد فيه تبعية لبنان للجمهورية الإسلامية في إيران، جذور قديمة ويمثل استمرارية واضحة لتفكيره ولرؤيته للبنان كولاية إيرانية. وهناك شريط قديم لنصرالله، بالأبيض والأسود ويعود ربما لسنة 1988 أي قبل قيادته للحزب، ويقول فيه بكل وضوح إن مستقبل لبنان هو أن يصبح جزءا من جمهورية إسلامية واسعة يقودها آية الله روح الله الخميني آنذاك.

أنصار "حزب الله" لا يجاهرون بهذا الشريط لأنه يحرجهم مع حلفائهم ويخيف الفئات اللبنانية الأخرى. يقول نصرالله الشاب، وبلكنة فارسية واضحة "ومشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره كوننا مؤمنين عقائديين، هو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق الولي الفقيه الإمام الخميني".

هذا هو مشروع إيران الإسلامية الإنقلابي في لبنان، وهذا ما يقوم به حسن نصرالله لتحويل لبنان إلى ولاية إسلامية يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق آية الله علي خامنئي.

أيها اللبنانيون وطنكم أسير إيران.

عن "الحرة"

للمشاركة:

حرب إيران التجريبية في مواجهة العالم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

فاروق يوسف

ما هو مؤكد أن إيران تقف وراء الهجمات التي تعرضت لها منشآت النفط السعودية. ذلك لا يحتاج إلى جدل فائض.

القول بأنها لم تنفذ الهجوم بنفسها لذلك فهي بريئة فيه الكثير من الغباء والقليل من المراوغة المكشوفة.

فإيران هي التي زودت الجهة التي قامت بتنفيذ الهجمات بالسلاح والخرائط والخبراء وحددت لها ساعة الصفر.

اما أن يتبني الحوثيون في اليمن مسؤولية القيام بالهجوم فذلك ما يدخل في إطار الحرب بالوكالة التي تفتح الطريق في اتجاه عمليات انتحارية قد يتبناها الوكلاء من غير أن يكونوا منفذيها الحقيقيين.

حماية إيران بالنسبة لأتباعها ضرورية مثلما هو ضروري القتال نيابة عنها. فلا بقاء للمشروع الطائفي من غير بقاء إيران. كما أن إيران لن تستطيع تحقيق أطماعها التوسعية من غير وجود أتباع يدينون لها بالولاء في الدول التي تسعى لاختراقها.

علاقة متشابكة ومتداخلة العناصر والمقومات من ذلك النوع تسمح بوقوع أحداث تبدو لأول وهلة غامضة وغير قابلة للتأويل خارج معطياتها الواقعية. غير أن ذلك لا يصح إلا من خلال عقل مبسط ومسطح بل ومغسول عن طريق الضخ الدعائي المبرمج الذي تجيده إيران في بيئة تغلب عليها الخرافة.

صدق البعض عن جهل أعمى أو عن قصد مسبق أسطورة التفوق الحوثي الذي تجلى من خلال الطائرات المسيرة التي يزيد مداها على الألف كيلومتر وتضرب أهدافها بدقة، متناسين أن جماعة الحوثي هم مجرد قبيلة بدائية في تقنيات حياتها وتفكيرها.
تذكر تلك الكذبة بما أشيع قبل سنوات من أن جهاز الاستخبارات الأميركية عثر في البيت الذي قُتل في أسامة بن لادن على دفاتر تحتوي على معادلات لصنع قنبلة نووية.
هناك قدر هائل من السذاجة التي يعرف مروجو تلك الأكاذيب أنها لن تستوي مع العقل السليم، غير أن ذلك لا يعنيهم في شيء ماداموا قادرين من خلالها على الاستفادة من غياب القدرة على التفكير لدى البعض لتمرير حقائق أخرى لم يحن الوقت للكشف عنها.

هذا ما تفعله إيران في ظل تردد المجتمع الدولي في اتخاذ موقف موحد منها باعتبارها الدولة المارقة التي يتجمع حولها إرهابيون، لم يتم تصنيفهم حتى اللحظة باعتبارهم خارجين على القانون يجب أن يُلاحقوا.

ليقل الحوثيون ما يروق لهم. ذلك لا يغير من الحقيقة في شيء. تلك الحقيقة التي تعرفها الولايات المتحدة قبل أن يتم ضرب المنشآت النفطية السعودية. لقد نقلت إيران الكثير من الأسلحة المتطورة إلى اليمن كما أن خبراء عسكريين إيرانيين هم من الذين يشرفون على استعمال تلك الأسلحة. وفي ذلك يمكنني أن أشكك بقدرة الحوثيين على استعمال تلك الأسلحة بأنفسهم.

وكما أرى فإن نظرية إطلاق الطائرات المسيرة من اليمن ستغلب النظرية التي تقول بإن تلك الطائرات جاءت من الشمال أي من إيران أو العراق. وهو ما يلقي بظلال من الشك على خطط احتواء إيران أو تحجيم هيمنتها في المنطقة.

فحتى لو قبلنا بفرضية أن الطائرات المهاجمة كانت قادمة من اليمن فإن الإيرانيين هم الذين برمجوها وأطلقوها وراقبوا مسارها. ذلك يعني أن إيران تتحمل المسؤولية كاملة، من غير التمترس وراء كذبة "الحوثيين".

في حقيقة الأمر فإن إيران بدأت الحرب. وهي حرب ترغب الولايات المتحدة في تأجيلها لا تتعلق بسلامة الشعوب الإيرانية أو السلام في المنطقة بل بالعقل السياسي الأميركي الذي يرغب في الاستفادة من الأزمات من غير أن يسعى إلى البحث عن حلول حقيقية لها.

تسعى إيران إلى الخروج من أزمتها الاقتصادية الخانقة التي سببتها العقوبات الأميركية وهي في الوقت نفسه لا تفكر في التراجع عن سياساتها التي استدعت نشوب تلك الأزمة.

ذلك ما صار معروفا.

في سياق تلك المعادلة تسعى إيران إلى التذكير بأن في إمكانها أن تؤذي العالم وأن لديها ما يؤهلها للقيام بذلك. وهي محاولة ذات حدين. فهي تؤكد أن إيران صارت تشكل خطرا على العالم ومن وجهة نظر الإيرانيين فإن ذلك سيزيد من نقاطهم حين التفاوض. تفجير ناقلات نفط واحتجاز ناقلة نفط بريطانية والاعتداء على منشآت نفطية حيوية في السعودية، كلها تشير إلى الانتقال بالصراع إلى منطقة الحسم.

بدأت إيران حربها التجريبية التي تأمل من خلالها أن تعود الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي القديم وتنهي العقوبات.

غير أن الفشل الأميركي في ردع إيران سيكون هذه المرة أسوأ من الهزيمة في فيتنام. ستظهر الولايات المتحدة كما لو أنها القوة التي تدعم الخارجين على القانون الدولي.

ذلك ما ستكشف عنه الأيام القادمة.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

أحمد داود أوغلو يكشف فشل الإسلام السياسي من جديد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

إبراهيم الجبين

لم تعد مراقبة تداعي مشاريع الإسلام السياسي في أنحاء العالم أمراً جديداً، بقدر ما تعطي تأكيدات متكررة على أن مشروع الحكم في العصر الحديث لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يرتبط مع أفكار الماضي. فلا يستقيم أن تجدّد آلة السياسة وتبقي آلة الفكر على حالها.

وفي البنية العميقة للأحزاب الإسلامية السياسية يكمن عامل غير قابل لغض النظر أو الإهمال، يشتغل من داخل المؤسسة على تقويضها وهدمها كلما بدت متماسكة وقوية من الخارج، إنه “التفكير المركزي” المشتق من مكانة “الإمام” بحكم أن الهندسة التنظيمية للحزب السياسي الديني تبقى مطابقة لهندسة الجامع.

وفي ظل وجود الإمام الفرد تنتفي الفكرة الديمقراطية من جذورها. ويبدأ تحلل واضمحلال المشروع السياسي كما يحدث اليوم مع حزب العدالة والتنمية التركي الذي كان أحد أعمدته الأساسية رئيس الوزراء السابق المفكر أحمد داود أوغلو.

أعلن داود أوغلو استقالته من حزب العدالة والتنمية، قبل أيام، كاشفا عن أنه سوف يشكل قريبا حزبا سياسيا منافسا، وذلك في مؤتمر صحافي عقده في أنقرة، ليقطع الطريق على قرار تأديبي يعده أنصار صديقه أردوغان بحق داود أوغلو تمهيداً لفصله من الحزب.

غياب الفكر غياب المستقبل
يقول داود أوغلو “إنها مسؤوليتنا التاريخية وواجبنا تجاه الأمة، إنشاء حزب سياسي جديد”. أما اللجنة التنفيذية في حزب العدالة والتنمية فقررت بداية سبتمبر الحالي، إحالة داود أوغلو إلى لجنة تأديبية بسبب انتقاداته المتكررة للحزب وتصريحاته التي أكد فيها أنه انحرف عن مبادئه التي تم التوافق عليها لحظة التأسيس.

جرح كبير يتعرض له الفكر السياسي الذي أعلنه حزب العدالة والتنمية حين يغيب عنه مفكره وعقله الأول داود أوغلو. وهذا يعني أن الحزب تحول من طور الإصلاح السياسي والاقتصادي في البلاد إلى طور الحكم المتسلط الطارد للعقول.

وهي ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها حركات إسلامية سياسية في بلدان مختلفة، وفي أحقاب مختلفة، لمثل هذا الخروج الحاد لقيادات الصف الأول من صفوفها.

لكن ماذا عن مستقبل تلك الحركات وعلى رأسها اليوم وبين أيدينا حزب العدالة والتنمية الذي كان يزعم أنه التجربة الوحيدة الناجحة في العالم لوصول الإسلاميين إلى الحكم؟

إن موقف القوى الديمقراطية المدنية من الأحزاب الدينية، ليس موقفا مبنيا على الإلغاء وحرمان الآخرين من حقهم في العمل السياسي، لكنه موقف عليم يستند إلى استحالة الدمج ما بين الدين والسياسة والمعرفة المسبقة بأن هذه الطريق طريق مسدودة.

بقي داخل حزب العدالة والتنمية تياران هامان كما يقول المتابعون؛ تيار يقوده داود أوغلو رئيس الحزب السابق، معتمدا على القواعد الشعبية في مختلف الخارطة التركية.

أما التيار الثاني فهو بقيادة علي باباجان، وهو واحد من أهم المؤسسين للحزب، وتولى سابقا حقيبتي الاقتصاد والخارجية، ومعه وزير الداخلية الأسبق بشير أطالاي، ووزير العدل الأسبق سعدالله أرغين، والقيادي الأسبق حسين تشييلك، وبالطبع يختفي خلفهم الرئيس السابق عبدالله غول. ولم يعد أحد يدري من بقي مع الكرسي الحاكم الذي يجلس عليه أردوغان، من غير رجالات السمع والطاعة.

صحيح أن بعض هؤلاء يقللون من أهمية استقالة داود أوغلو، ومنهم الكاتب والمحلل السياسي يوسف كاتب أوغلو الذي يقول لوكالة أنباء تركيا، إن “الحزب ما يزال قويا متماسكا، وشعبية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هي الرقم الأول على مدى 40 عاما في تركيا”.  إلا أن هذا لا يبدو كلاما مستندا إلى الواقع بقدر ما هو نوع من الرغبة في امتصاص الصدمة.

يتابع كاتب أوغلو إن داود أوغلو “أصبح غير أحمد الذي كنا نكنّ له كل الود والاحترام ونفتخر بدعمه وإنجازاته أثناء وجوده مع الطيب أردوغان طيلة الـ17 عاما في الحياة السياسية للحزب”.

ولكن أوغلو لم يكن يفعل شيئا بعد إقصائه عن الميدان السياسي، وما تغير في الواقع هو خط الفاعلين في ذلك الميدان وعلى رأسهم أردوغان ذاته.

العثمانية ومسار الانحراف

داود أوغلو دأب خلال السنوات الماضية على توجيه انتقادات عميقة وحادة لأردوغان، لاسيما في حقل حرية التعبير المتردية في تركيا، وكذلك في تباطؤ عجلة الاقتصاد، وكان من الذين رفضوا مبكرا إعادة انتخابات بلدية إسطنبول، وسجن رؤساء البلديات الأكراد بتهم الإرهاب.

داود أوغلو صاحب كتاب “العمق الاستراتيجي” الذي كان يعد دستورا فكريا للعدالة والتنمية، ولد في قونية أواخر الخمسينات، ودرس في إسطنبول العلوم الاقتصادية والإدارية والعلاقات الدولية. ويتقن عددا من اللغات منها الإنكليزية والألمانية.

فلسفته كانت تقوم على قراءة المؤثرات الخارجية والتفاعل معها داخليا. وهو صاحب نظرية “صفر مشاكل مع الجيران”. ولطالما قال أوغلو إن “السلام مهم لتركيا لأنه يسمح لها بإظهار نجاحاتها الاقتصادية وتوسيعها”، مركزا على موقع ومكانة تركيا كدولة محورية، وعلى أن هذا الأمر يرتبط بشكل أساسي بإقرار رؤية ديناميكية مؤثرة في السياسة الخارجية.

عمل داود أوغلو حين كان في الحكم على حشد التأييد لمبادرته الخاصة بالتوصل إلى حل سلمي مع الأكراد الذين تفجرت قضيتهم على شكل حرب مستعرة منذ العام 1984. لكن أوغلو طرح السلام بديلا عن الحرب. ثم ما لبث وعاد إلى حديث القوة حين وصف المئات من المعتقلين الأكراد بالإرهابيين في العام 2015. وفي ذات الوقت هاجم معتصمي ساحة تقسيم، في عداء واضح للحق بالتظاهر وفقا للحياة الديمقراطية، ورفض إدانة مجازر الأرمن. إذن ما هو العقل السياسي الذي يصدر عنه داود أوغلو؟ هل هو عقل متغير يتأثر المتحولات على الأرض والمصلحة والكسب لحزبه، أم هو عقل استراتيجي يفارق سابقه؟

وحين ينتقد داود أوغلو حزبه اليوم، فهو لا ينظر إلى الوراء، ولا يرى كيف أنه ساهم في تكريس الفردية في الحكم عبر مواقفه المتناقضة التي كان يعزز فيها السلطة على حساب الديمقراطية، مشاركا في ذلك “الانحراف عن المسار”، الذي يجعله سببا لتقديم استقالته اليوم.

لا يتصور أحد أن العدالة والتنمية في تركيا تتعلق بالمجد العثماني إكراما لدور العثمانيين أنفسهم، وإدراكا للمنجز الذي قدمته الدولة العثمانية بغض النظر عن سلبياتها، بل إن الأمر لا يعدو كونه تعلق بزرع فكرة الخلافة والإمامة التي يحتاجها الإسلاميون في قلب أي تنظيم يؤسسون له.

العثمانية التي ينادي بها داود أوغلو تنطلق من المنطلق الإسلامي السياسي ذاته، مضافا إليها البعد الخارجي الذي يجعلها تتناقض كليا مع قصة “صفر مشاكل”، مذكرة بالهيمنة وامتداد النفوذ.

“إن لدينا ميراثا آل إلينا من الدولة العثمانية. إنهم يقولون هم العثمانيون الجدد، نعم نحن العثمانيون الجدد، ونجد أنفسنا ملزمين بالاهتمام بالدول الواقعة في منطقتنا. نحن ننفتح على العالم كله، حتى في شمال أفريقيا. والدول العظمى تتابعنا بدهشة وتعجب”. بكم تختلف هذه الكلمات عن رسائل حسن البنا حول الأستاذية، وتقديم النموذج العالمي الذي كان يريد للإخوان تمثيله حين يصلون إلى الحكم؟

كتب داود أوغلو، ذات يوم، إن “جغرافية تركيا تعطيها حالة دولة مركزية فريدة تختلف عن الدول المركزية الأخرى، فعلى سبيل المثال تعتبر ألمانيا دولة مركزية في أوروبا ولكنها بعيدة جغرافيا عن أفريقيا وآسيا، وروسيا أيضا دولة مركزية في أوروبا وآسيا لكنها بعيدة جغرافيا عن أفريقيا، وإيران دولة مركزية في آسيا لكنها بعيدة جغرافيا عن أوروبا وأفريقيا، وبنظرة أوسع فإن تركيا تحتفظ بالموقع الأفضل في ما يتعلق بكونها دولة أوروبية وآسيوية في نفس الوقت، كما أنها قريبة من أفريقيا أيضا عبر شرق البحر المتوسط، ومن ثم فإن دولة مركزية تحتفظ بموقع متميز كهذا لا يمكن لها أن تعرّف نفسها من خلال سلوك دفاعي، ويجب عدم النظر إليها كدولة جسر تربط نقطتين فقط، ولا دولة طرفية، أو كدولة عادية تقع على حافة العالم الإسلامي أو الغرب”.

كان داود أوغلو يتحسّر على ما فقدته تركيا من نفوذ، ويبشّر باستعادته قريبا فيما لو سارت تركيا على نهج العدالة والتنمية، ويقول إن “ما فقدناه بين أعوام 1911 و1923 من الأراضي التي انسحبنا منها سيسترد، وسنلتقي مرة أخرى مع إخواننا في تلك الأراضي بين أعوام 2011 و2023”.

وهكذا تفشل عملية تسويق العثمانية في الداخل التركي بحكم كونها تصطدم مع المصالح المحلية للسكان، ولا تلبي سوى غايات الحزب الحاكم الأيديولوجية، ولعل هذا كان سببا كبيرا في تراجع شعبية العدالة والتنمية، وهو ما عكسته الانتخابات الأخيرة بشكل جلي.

دفاتر الإرهاب

ورّط داود أوغلو حزبه في نظرياته، وهو إذ ينقلب على الحزب اليوم، فهو لم يعلن مرة واحدة انقلابه على تلك النظريات، ومن بينها ما ينعكس على العلاقة مع إيران على سبيل المثال. فدولة مثل تركيا ترفع شعار قائدة العالم السني، تجدها في حالة تحالف وثيق لا تشوبه شائبة مع أكثر دول المنطقة عداءا لدولها؛ إيران الحرس الثوري والميليشيات وحزب الله والحوثي وغير ذلك.

يرى داود أوغلو أن علاقة تركيا وإيران علاقة تبادل للمصالح، مهما تناقضت الأفكار، وهذا يُظهر للمراقبين مفهوما مختلفا للانتهازية السياسية التي يمر منها المشروع الإسلامي السياسي للطرفين في طهران وأنقرة معا. الأمر ذاته الذي رأيناه في تحالف حماس، الإخوانية، المفاجئ مع إيران والنظام السوري، وسط حرب الجهتين على الملايين ممن ترفع حماس شعار الدفاع عنهم.

وضع داود أوغلو نظرياته تلك في عدة مؤلفات من بينها “العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية” الذي يعد الأهم مع كتابه الشهير “العمق الاستراتيجي والأزمة العالمية”.

لكن التناقضات التي خلقتها تلك المزاوجة المستحيلة بين الدين والسياسة، فتحت الباب أمام خلافات جذرية لعل أبرز محطاتها تصريح داود أوغلو الأخير بعد اتهام أردوغان له بالخيانة، حين قال “إن الكثير من دفاتر الإرهاب إذا فتحت لن يستطيع أصحابها النظر في وجوه الناس. إنني أقول لكم الحقيقة”. مؤكدا أن العام 2015، كان يمثل أخطر وأصعب الفترات السياسية في تاريخ تركيا.

ما الذي كان يقصده داود أوغلو في الإشارة إلى “دفاتر الإرهاب”، وهل هي فعلا كما فهمها كثيرون تقتصر فقط على إرهاب حزب العمال الكردستاني أم تشمل علاقة تركيا مع القاعدة وداعش؟

مغادرة داود أوغلو سفينة أردوغان بهذه الصورة تشير إلى أن السفينة باتت مليئة بالثقوب، وأن المسار لم ينحرف وحسب، بل ضاعت البوصلة وانكشف التخبط وأننا على مشارف انهيار جديد لحكم الإسلام السياسي.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية