وداد البرغوثي في قبضة احتلال خلق ثأراً شخصياً مع كلّ فرد فلسطيني

2798
عدد القراءات

2019-09-18

بتهمة التحريض على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، اقتحم العشرات من جنود الاحتلال منزل الأكاديمية الفلسطينية وداد البرغوثي من جميع الجهات، وقاموا باعتقالها، في الأول من الشهر الجاري، دون الاكتراث بمعاناتها مع مرض السكري وضغط الدم، بعد أن جرى اعتقال نجلها كرمل (31 عاماً)، في 31 آب (أغسطس) الماضي، على أحد الحواجز العسكرية في بيت لحم، أثناء عودته وعائلته من حفل زفاف، وكذلك اعتقال نجلها الآخر، قسام، بعد اقتحام الجيش الإسرائيلي للبلدة، والذي يقبع في مركز تحقيق المسكوبية، وقد مدّدت المحكمة العسكرية اعتقاله لمدة 15 يوماً على ذمة التحقيق.

 استنكرت نقابة الصحفيين اعتقال قوات الاحتلال الإسرائيلي للبرغوثي
ويرى بعض رواد التواصل الاجتماعي أنّ اعتقال الدكتورة البرغوثي جاء بعد قيامها بنشر أبيات شعرية على صفحتها على فيسبوك، تمدح فيها زعيم حزب الله اللبناني، حسن نصر الله؛ إذ تعدّ من المؤيدين له.

انحازت البرغوثي في رواياتها للحقيقة وتجنّبت الحياد في جميع أنشطتها وذلك للوقوف إلى جانب المظلومين والفقراء

لم يرق للقوات الإسرائيلية أن يعيش أبناؤها في كنف والدهم، عندما أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على اعتقال زوجها عبد الكريم البرغوثي (66 عاماً)، والذي حكم عليه بالسجن لمدة 7 أعوام، بعد مطاردته من قبل القوات الصهيونية لما يزيد عن 3 أعوام، ومن ثم أعيد اعتقاله لمدة عامين آخرين، ليستمرّ مسلسل الاعتقال لنجلها قسام ثلاث مرات؛ حيث اعتقل في المرة الأولى لشهر ونصف الشهر، وفي المرة الثانية 10 شهور، وتمّ اعتقاله لمدة 7 شهور أخرى، قبل أن يتمّ الإفراج عنه، وكلّ حوادث الاعتقال هذه جعلت قضية الأسرى والمرأة والوطن المسلوب تأخذ جزءاً كبيراً من كتابات وحياة البرغوثي، ودأبت على المشاركة في الاعتصامات الأسبوعية للتضامن مع الأسرى، وتغطية وكتابة وتأليف العديد من الروايات التي تتحدث عن الأسر ومعاناة الأسرى الفلسطينيين بالسجون الإسرائيلية.

اقرأ أيضاً: عملية إعدام ميدانية جديدة لفلسطينية برصاص قوات الاحتلال!! فيديو

البرغوثي كاتبة وروائية وشاعرة فلسطينية، عُرفت بمواقفها الصلبة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، والتي عبّرت عنها بقلمها، عندما بدأت محاولاتها الأدبية والشعرية الأولى، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، واستطاعت فضح الممارسات الصهيونية، بعد أن خطّت لها طريقاً نحو الإبداع والتميّز في مجال الفن والأدب والفكر، وأن تضع بصماتها في مجتمعها الفلسطيني، رغم كافة الصعوبات التي واجهتها.

اقرأ أيضاً: دولة الاحتلال الإسرائيلي تسعى لتهجير سكان غزة.. بهذه الطريقة

وداد عادل البرغوثي، من مواليد عام 1958، من قرية كوبر شمال غرب رام الله بالضفة الغربية المحتلة، حاصلة على شهادة الدكتوراه من جامعة موسكو الحكومية، عام 1984، وهي أستاذة بكلية الإعلام في جامعة بيرزيت، ومن أبرز مؤلفاتها "الوجوه الأخرى"، والتي تبيّن فيها وتعكس التجارب الحياتية لعائلتها في الأسر، ورواية "تلّ الحكايا"، والتي تروي فيها تجربة اعتقال والدها، ورواية "ذاكرة لا تخون"، ورواية "حارة البيادر"، والتي تتحدث بمجملها عن الأسرى الفلسطينيين، ومن دواوينها الشعرية "سقوط الظل العالي"، و"للفقراء فقط" .

اقرأ أيضاً: هكذا ردت دولة الاحتلال على خبر استدعاء الطفل عليان

بدأت البرغوثي دراستها الابتدائية في مدرسة كوبر، في منتصف ستينيات القرن الماضي، بعد أن قضت طفولتها في جوّ عائلي حزين بعد اعتقال والدها، ومن ثم انتقلت إلى مدرسة البيرة الثانوية، عام 1970، وكانت الأنثى الثانية في قريتها، التي تكمل تعليمها، لتذهب لدراسة البكالوريوس في الصحافة والإعلام في روسيا، وبعد عودتها لزيارة عائلتها عام 1980، تمّ منعها من العودة لاستكمال دراستها وتمّ اعتقالها لمدة 5 أيام، قضتها في مركز تحقيق المسكوبية، شهدت خلالها أبشع أنواع التعذيب الذي يمارَس بحقّ الأسرى الفلسطينيين، والذين كانوا مقيدين من أيديهم وأرجلهم وتوضع أكياس في رؤوسهم، وبعد الإفراج عنها عادت البرغوثي للسفر مرة أخرى للاتحاد السوفييتي، بعد منعها لمدة عام، وكانت وقتها في عامها الدراسي الرابع.

الوقوف إلى جانب المظلومين والفقراء

دعم البرغوثي ومساندتها في كتاباتها لفلسطين والتطرق إلى الأسرى ومعاناتهم داخل السجون الإسرائيلية، جعل عمرها الذي يتجاوز 61 عاماً حافلاً بالأسر، فاعتقل والدها لمدة 15 عاماً، بعد أن جرى اتهامه بالشيوعية، وتمّ الإفراج عنه بعد صدور عفو ملكي عن الأسرى السياسيين في السجون الأردنية؛ حيث كانت والدتها حاملاً بها، ولم تستطع رؤية والدها إلا بعد بلوغها 8 أعوام، لتبصر عيناها الحياة، دون أن تنعم بعطف وحنان والدها.

أمين سرّ نقابة العاملين في جامعة بيرزيت: اعتقال البرغوثي تصعيد خطير من قبل الاحتلال واستهداف ممنهج للجامعة

عملت البرغوثي، للمرة الأولى، في جريدة "الميثاق" في القدس المحتلة، والتي أغلقتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يتمّ فصلها من الصحيفة، بعد نشرها تحقيقاً حول النساء في منطقة "الجفتلك"، التي كانت مهدَّدة بطرد ساكنيها، ومن ثمّ انتقلت للعمل في الكلية العصرية، ثمّ عملت في جريدة "النسوية"، التي استقالت منها بعد عدة أعوام لاعتمادها على التمويل الأجنبي، وعام 2000؛ جرى تعيينها في جامعة بيرزيت، أستاذة في كلية الإعلام فيها.

اشتهرت البرغوثي بترديد عبارة "الاحتلال خلق ثأراً شخصياً مع كلّ فرد فلسطيني"، بعد اعتقال زوجها وأبنائها عدة مرات، وتفاعلت مع المجتمع الفلسطيني وقضاياه وأصبح الفقر والمرأة والوطن المسلوب يدخلون في تفاصيل حياتها وكتاباتها، وأثر ذلك في توجّهها نحو الإعلام والأدب.

ورفضت النيابة العسكرية الإسرائيلية قرار محكمة الاحتلال في معسكر عوفر، في 4 أيلول (سبتمبر) الجاري، بالإفراج عن الدكتورة وداد البرغوثي.

كان لاعتقال البرغوثي صداه في الشارع الفلسطيني

استنكار واسع
وكان لاعتقال البرغوثي صداه في الشارع الفلسطيني والمؤسسات التعليمية والنقابات الصحفية؛ حيث نظمت نقابة العاملين في جامعة بيرزيت، في الثاني من الشهر الجاري، وقفة احتجاجية أمام مبنى محمد المسروجي للإعلام، ضدّ اعتقال قوات الاحتلال البرغوثي، ورفع المشاركون في الوقفة لافتات داعمة لزميلتهم، ومنددة بإقدام الاحتلال على اعتقالها واستهدافه المتعمد والممنهج للجامعة وأساتذتها وطلبتها.

وقال أمين سرّ نقابة العاملين في جامعة بيرزيت، د. سامح أبو عواد: إنّ الوقفة نظمت في إطار التضامن والمؤازرة للبرغوثي ولكافة الطلبة والموظفين الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال مؤخراً، مضيفاً: "ننظر بعين الخطورة إلى اعتداءات الاحتلال بحقّ الجامعة، ولا سيما حملة الاعتقالات الأخيرة، هذه رسالة من الاحتلال بأنّه لا توجد لديه خطوط حمراء".

ورأى أبو عواد أنّ اعتقال البرغوثي تصعيد خطير من قبل الاحتلال واستهداف ممنهج لجامعة بيرزيت، داعياً مجتمع الجامعة للاتحاد والوقوف في وجه اعتداءات الاحتلال على الجامعة، إضافة إلى العمل مع المؤسسات الحقوقية لفضح ممارسات الاحتلال، وشدّد على أنّ "جامعة بيرزيت ستبقى منارة للعمل الوطني ولن يرهبها الاحتلال أو يجبرها على التراجع".

اقرأ أيضاً: الأسرى الفلسطينيون.. نضال خلف قضبان الاحتلال

بدورها، استنكرت نقابة الصحفيين اعتقال قوات الاحتلال الإسرائيلي للبرغوثي، من منزلها في قرية كوبر بمدينة رام الله، بعد اقتحامه وتدمير محتوياته، وطالبت النقابة كافة المؤسسات الدولية الحقوقية والإنسانية، وفي مقدمتها الاتحاد الدولي للصحفيين، بالضغط على سلطات الاحتلال للإفراج الفوري عن كافة الصحفيين المعتقلين في سجونه بحجج وذرائع واهية.

وعبّرت النقابة عن بالغ قلقها إزاء تصاعد جرائم وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بأجهزته المختلفة، لحقوق الصحفيين، والتي تتعارض مع أبسط القواعد القانونية الدولية والمواثيق التي تكفل حرية العمل الصحفي، وتجرّم الاعتداء والمساس بها، الأمر الذي يستدعي من سلطات الاحتلال الإفراج الفوري عن كافة الصحفيين المعتقلين ووقف الانتهاكات الصارخة بحرية الصحفيين.
انحازت البرغوثي في رواياتها للحقيقة، وتجنّبت الحياد في جميع أنشطتها، وذلك للوقوف إلى جانب المظلومين، ورأت أنّ الحياد أكذوبة وانحراف يروّج به بعض الأشخاص لمواقفهم، مما جعلها بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل في المجال الصحفي والثقافي والأدبي أنموذجاً للسيدة الفلسطينية التي يُفتخر بها، كما أطلق عليها لقب شاعرة الفقراء، بعد أن عاشت طفولتها في كنف أسرة فقيرة، ما انعكس على أعمالها الفنية والأدبية وقناعاتها الشخصية، وكان من بين هذه الأعمال روايتها "للفقراء فقط".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف اندثرت دولة التلاوة القرآنية في مصر؟

2019-11-19

اختفت في مصر الكتاتيب، التي كانت مصنعاً تخرّج فيه قرّاء عظام، مثل: الشيخ مصطفى إسماعيل، وعبد الفتاح الشعشاعي، ومحمد صديق المنشاوي، وغيرهم، ولم يتبقَّ من أثرها سوى الموجود بمدينة الأقصر، ومحافظة المنيا وأسوان، وباقي المدن الجنوبية المصرية، وهو ما أدّى إلى بروز أشكال أخرى، منها مقارئ المساجد، وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم، ومعاهد القراءات، التي ورغم نفقاتها الباهظة إلا أنها لم تحلّ محلّ دكاكين وغرف المشايخ حتى الآن.

الكتاتيب تاريخ طويل
نشأت الكتاتيب، وفق ويكيبيديا، منذ العصر الأموي، وانتشرت في القرن التاسع عشر والعشرين، انتشاراً واسعاً، وكانت تقام في مبانٍ متصلة بالمساجد، أو مبانٍ مستقلة، أو في بيوت معلمي الكتاتيب أنفسهم أو مشايخها؛ حيث كان المعلم يجلس على كرسي أو مصطبة مرتفعة عن الأرض، أما التلاميذ فكانوا يجلسون أمامه على الأرض المفروشة بالحصير، وهذا ما ساد في القرى المصرية بالأخص.

اختفت وسائل التعليم التي كانت مرتبطة بالكتاتيب منذ عشرات الأعوام، مثل الأحبار والألواح المعدنية التي كان يكتب عليها

أما العاصمة القاهرة؛ فانتشرت فيها بشكلٍ أكبر الكتاتيب التي تعلو السُبل، مثل: سبيل وكُتَّاب "عبد الرحمن كتخدا"، الذي بُني عام 1744، في شارع المعز لدين الله الفاطمي، لمصمّمه الأمير عبد الرحمن كتخدا، عبقري الهندسة المعمارية في عصره، وهو عبارة عن سبيل يشرب منه المارة، يعلوه كُتَّاب يتلقى فيه الطلاب العلم. وسبيل وكُتَّاب "نفيسة البيضاء" القائم بمنطقة السُكَّرية العتيقة بالقاهرة، ويرجع تاريخه إلى عام 1796، وصاحبته هي السيدة نفيسة البيضاء التي عُدَّت واحدة من أغنى نساء عصرها، كما عُرِفت بعلمها وثقافتها وحبّها لعمل الخير.
صوَّرت رواية الأديب طه حسين "الأيام" ما يدور داخلها، وكيف أنّها لا تمنح شهادات أو مؤهّلات، إلا أنّها وضعت في الأطفال المصريين بذور المعرفة الصحيحة باللغة العربية وقواعدها، لكن في ذات الوقت كانت مثار تسلط المشايخ الأزهريين، الذين كان بعضهم لا يفقهون الأصول والقواعد التربوية الحديثة في تعليم النشء.

في تصريح صحفي نشرته "فيتو"، قال الدكتور أحمد المعصراوي، شيخ مشايخ قرّاء مصر السابق: إنّ "دور الكتاتيب تراجع كثيراً في الأعوام الأخيرة؛ بسبب تقصير الأزهر ووزارة الأوقاف المصرية في الاهتمام بها، رغم أنّها دائماً مصنع العظماء من رجال الدين والأدب والشعر وكبار المفكرين والعلماء، لذا اعتمد محمد علي باشا، والي مصر، على خريجي الكتاتيب في تأسيس المعاهد الأزهرية، وحقّق من خلالهم نهضة تعليمية شاملة، ومن أبرز خريجي الكتاتيب المصرية؛ المفكّر والمترجم رفاعة الطهطاوي".

 الدكتور أحمد المعصراوي
وقال الشيخ عبد الله عبد الواحد، محفِّظ قرآن: "رغم اندثار الكتاتيب إلا أنّه حلّ محلّها المقرِئة، ويطلق عليه أيضاً الكتَّاب، لكن ليست كالكتاتيب المتعارف عليها قديماً؛ حيث اختفت بعض وسائل التعليم التي كانت مرتبطة بها منذ عشرات الأعوام، مثل الأحبار، والألواح المعدنية التي كان يكتب عليها، وكذلك الفلكة، وهي إحدى أدوات العقاب، والتي كانت تمثل رعباً وعقاباً شديداً للمتخاذلين في حفظ القرآن"، لافتاً إلى بروز "ظاهرة المقرئة والكتاتيب النسائية، التي تقوم عليها الفتيات والسيدات، اللاتي يقمن بتحفيظ السيدات وأقاربهن".

أسباب الغياب
يرى الباحث التراثي، هيثم أبو زيد، في تصريح لـ"حفريات"؛ أنّ "دولة التلاوة القرآنية في مصر انتهت تماماً، والأسباب كثيرة، وأهمّها غياب الكتاتيب، التي كانت تنتج لنا المئات من القرّاء المتميزين، والذين كانوا يمرون بمراحل كثيرة تدقّق فيهم جيداً، ومنها الإذاعة التي لم يدخلها أحد بسهولة، ضارباً المثل بالطبلاوي، الذي لم يصبح مقرئاً رسمياً إلا بعد عدة مرات رسب فيها، وكذلك الشيخ المنشاوي، وأيضاً نصر الدين طوبار والنقشبندي، اللذَين تمّ رفضهما والسماح لهما فقط بالتواشيح".

برزت ظاهرة المقرئة والكتاتيب النسائية التي تقوم عليها الفتيات والسيدات اللاتي يقمن بتحفيظ السيدات وأقاربهنّ

وفي سؤال حول معاهد القراءات التي أصبحت بديلاً للكتاتيب، أوضح أبو زيد؛ أنّ "تلك المعاهد لا علاقة لها بالقرّاء وإنتاجهم، فهي تخرّج مدرسين محترفين في علوم القرآن والقراءات العشر، لكنّ مشايخ القرآن يعتمدون بشكل ذاتي على مواهبهم الخاصة، التي ينمونها بالدراسة، مثلهم مثل الفنانين، وفي هذا التوقيت قلّت تلك المواهب بسبب حالة التجريف الثقافي التي يمرّ بها المجتمع جملة"، مضيفاً: "لا يجوز لأحد أن يطلق على نفسه لقب قارئ إلا إذا كان حافظاً للقرآن الكريم والمقامات الموسيقية، والأحكام والمتون الخاصة به، وأن يكون موهوباً من الناحية الصوتية، أما الآن فمعظم القراء يحفظون بعضاً من أرباع السور، ولا يتمكنون من أداء المقامات الموسيقية".

وفي سياق متصل، يقر الباحث سامح عسكر، لـ"حفريات" باندثار "جيل القرّاء العظيم صاحب الأسبقية، وبموت أكثرهم وفراغ الساحة أمام مقرئي الخليج (اختلف الذوق) المصري، والعربي بالخصوص، ليعلو سهم آخرين، أما مقرئو مصر فتفرغوا للتجارة بحفلات القراءة شرقاً وغرباً مع التركيز على النغمات والألحان دون الاهتمام باللغة وأحكام التلاوة، فجرت العادة على أنّ القراءة فقط لحلاوة الصوت، لا بأحكام قراءة الآيات، طرباً ولغة ومعنى وشعوراً، كما كان في بدايات الإذاعة".

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ محمد رفعت: قيثارة السماء
وفي تصريح لصحيفة "اليوم السابع" المصرية، لفت الشيخ محمد صالح حشاد، شيخ عموم المقارئ المصرية، إلى تراجع الريادة في التلاوة لضعف وتراجع الكتاتيب وقلّة عددها، وتكريم حفظة القرآن الكريم على الحفظ، وليس على الحفظ وجمال الصوت، وغياب التشجيع الحقيقي منذ فترة طويلة، مشيراً إلى أنّ وزارة الأوقاف المصرية ستهتم بإعادة التوسع في انتشار كتاتيب القرآن الكريم، وأنّ "هذا الأمر سينعكس بشكل كبير وإيجابي على عودة الريادة القرآنية التي كانت تتمتع بها مصر".

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ مصطفى إسماعيل: روعة الصوت التي لا تُحتمل
أرجع الشيخ محمود الطبلاوي، خلال لقاء على فضائية "إكسترا نيوز" السبب؛ إلى أنّ "معاش قارئ القرآن الكريم 40 جنيهاً فقط، وهذا ما دفعهم للمغالاة في أجور المآتم والحفلات"، مشيراً إلى أنّ "الاختبارات الحالية أصبحت أكثر مرونة من الماضي، وهو سبب كبير لتراجع الأداء".
ويرى الكاتب أحمد الشوربجي؛ أنّ "جماعة الإخوان عملت على إنشاء منظومة تربويّة إخوانيّة خاصّة، تشمل الكتاتيب والمدارس القرآنيّة، وهو ما دفع الحكومة لإغلاق ومراقبة العديد منها، بالتالي؛ وقع التأثير الكبير في غياب هذه الوسيلة الكبيرة التي كانت عموداً كبيراً في دولة التلاوة القرآنية".

أما الباحث هيثم أبو زيد، فقد أشار إلى أنّ إيران أيضاً اخترقت دولة التلاوة المصرية، عبر استقطاب قرّاء كثيرين إلى إيران والضاحية الجنوبية في لبنان، وكانت تعطيهم مبالغ باهظة، وصلت في بعض الأحيان إلى 90 ألف دولار نظير القراءة طوال شهر رمضان في طهران، وهذا ما استتبع انتباه الدولة المصرية إلى هذا الاختراق؛ ففي 2014 تمّ التحقيق مع كلٍّ من: الشيخ الدكتور أحمد نعينع، والشيخ طه محمد النعماني، والشيخ محمد عبد الوهاب الطنطاوي، والشيخ ياسر عبد الباسط عبد الصمد، بسبب سفرهم لإيران والعراق ورفعهم الأذان الشيعي، دون إذن مسبق من الوزارة، وبالتالي أثّر ذلك كلّه في دولة التلاوة القرآنية.

اقرأ أيضاً: رحلة المنع والحصار لقارئات القرآن الكريم في مصر
في إحصائية قدمتها صحيفة "الوطن" المصرية؛ بلغ عدد (الكتاتيب) ما يزيد على 2500، إضافة إلى 863 مدرسة قرآنية، تضمّ كلّ مدرسة ثلاثة محفّظين بالمساجد الكبرى، و174 مدرسة علمية على مستوى الجمهورية المصرية، تخضع لوزارة الأوقاف، التي تعمل على تقنين أوضاع المكاتب الحالية وخلق جيل جديد تغرس فيه الأخلاق الإسلامية، وروح الانتماء للدين والوطن من خلال مكاتب التحفيظ العصرية والمدارس القرآنية التي تمثل المنهج الوسطي، وهذا من أجل محاولة إيجاد حلّ لمشكلة التلاوة القرآنية، وغياب الريادة المصرية الآن عن قيادتها.

للمشاركة:

جاد الكريم الجباعي: مولع بالاستنارة لم يفقد دهشة المعرفة

منى شكري's picture
كاتبة وصحافية أردنية
2019-11-12

"النبيل" وصْفٌ أطلقه عليه خصومه قبل أصدقائه؛ فالتواصل الإنساني لديه يحتلّ موقعاً أهم من الانحياز الأيديولوجي؛ إذ يعتبر الكاتب والمفكر السوري جاد الكريم الجباعي أصدقاءه، من خلفيات فكرية وسياسية متبانية، "جزءاً من ثروته الروحية"، فعلاقاته قائمة حتى مع من يختلف معهم فكرياً وسياسياً على المحبة والاحترام.
حُسْن الإنصات سمة تطبع الجباعي الذي لا يتعالى على الآخرين بعلمه وفكره، بل يقدم كل ما لديه لخدمة المعرفة والتنوير، يصف نفسه بأنّه "مولع بالاستنارة"، يراجع أفكاره دوماً على الواقع من جهة، وعلى الفتوحات الفكرية والعلمية من جهة أخرى؛ إذ لم يفقد دهشة المعرفة ومتعتها، ويعتبر نفسه صارماً مع نفسه منهجياً.

كتب الجباعي عدة بحوث في نقد التجربة الحزبية العربية ونشرها وخلص إلى أنّ الأحزاب العقائدية عندنا تشبه العشائر والطوائف

ولد جاد الكريم الجباعي عام 1945 في قرية من قرى محافظة السويداء، تسمّى نمرة، تقع شرق مدينة شهبا، في أسرة ريفية متوسطة الحال، قدم والده إلى سوريا من لبنان (جباع الشوف، ومن هنا كنية الجباعي).
درّب الجباعي نفسه بكثير من المشقة على النظر إلى المرأة باعتبار أنّها مكافئة له؛ فالمسألة تحتاج إلى تدريب، وإلى مجاهدة النفس "الأمّارة بالسوء".
تشاء الأقدار أن تنجب والدة المفكر اثني عشر بطناً، لم ينجُ لها سوى ثلاث بنات يكبرن جاد الكريم، وهو ما جعله طفلاً أثيراً مدللاً لدى الجميع، أتقن القراءة والكتابة باكراً، وكان يقرأ لأبيه وأصدقائه مواعظ دينية مكتوبة بخط اليد (نسخ)، فصار والده حريصاً أن يتجه إلى الدين.

غلاف كتابه "المجتمع المدني هوية الاختلاف"
انفصلت والدته عن والده وانتقل الجباعي، وهو صغير ليعيش عند أخواله، غير أنّ وفاة والده، وهو في الصف الثالث الابتدائي جعلت من إقامته لدى أخواله دائمة. في هذه المحطة من حياته تأثر جاد الكريم بشخصية والدته التي كان لها الأثر الأكبر في تكوين شخصيته إذ كانت، ذكية وقوية الشخصية، أبيّة وعزيزة النفس، على رقتها ودماثتها وجمالها، وكانت تميل إلى مجالس الرجال، حتى صارت السيدة التي يسمع رجال العائلة كلمتها وتستشار في سائر الأمور.
لا يُخفي أبو حيان أنّ غربته الأولى جعلته يميل إلى متابعة دروسه باجتهاد، ثم إلى المطالعة، منذ انتقل إلى المرحلة الإعدادية؛ حيث قرأ في المرحلتين؛ الإعدادية والثانوية معظم أعمال طه حسن وأحمد أمين والرافعي والمنفلوطي وجبران خليل جبران وغيرهم، وكثيراً من الروايات ودواوين الشعر، وكان يريد أن يصير شاعراً، لولا أنّه انتسب في نهاية المرحلة الثانوية إلى تنظيم سياسي (ناصري) فاحتلت قضية الوحدة العربية وتحرير فلسطين كل كيانه.
شغف البحث والقراءة
واصل الجباعي شغفه في البحث والقراءة؛ ففي صف البكالوريا (المرحلة الثانوية) قرأ "أصول الفلسفة الماركسية" لجورج بوليتزر، وقد سبّب له وقتها أزمة روحية، نظراً لنشأته في بيئة متدينة (درزية) من جهة، وولعه بالتراث الإسلامي وسيرة النبي محمد، عليه السلام، من جهة أخرى، فقد حفظ معظم القرآن الكريم، وكان يتلوه في خلواته ترتيلاً وتجويداً، فكان لذلك أثره في محبته للغة وإتقانها باكراً. في بادئ الأمر وبفعل مطالعاته الباكرة غلبت الميول الأدبية عليه، ثم انتقل للفلسفية منها التي تعززت بعلاقته الطيبة بإلياس مرقص خاصة، وكان جاد الكريم لم يزل شاباً.

اقرأ أيضاً: جاد الكريم الجباعي: للإخوان والجماعات الإرهابية أيديولوجيا واحدة
بعد وفاة والد جاد الكريم لم يكن له ولأمه وأخته أي مصدر رزق، وعن ذلك يقول: "صارت أمي وأختي تعملان على كسب بعض العيش من جمع ما يتركه الحصادون خلفهم من سنابل القمح أو نبات العدس أو الحمص، ومن مساعدة الحصادين في بعض الأعمال لقاء هبة مما حصدوه"، ويتابع "أمام هذه الحال اضطررت إلى العمل في العطل الصيفية، منذ طفولتي الثانية، في مطاعم دمشق، ثم في بيروت وعاليه وبحمدون بلبنان، فأتقنت صنع الفلافل والمسبّحة والفول وبعض الطبخات، إلى جانب الجلي. وأحب أن أطبخ في بعض الأحيان".
"أصول الفلسفة الماركسية" لجورج بوليتزر

أهم المؤثرين
تخرج الجباعي في دار المعلمين، وعمل معلماً في محافظة القنيطرة، ثم في ريف دمشق، بعد هزيمة حزيران 1967، وتخرج في جامعة دمشق مجازاً في علوم اللغة العربية وآدابها، وعمل مدرساً. أحب التعليم حباً جماً، وأحب تلاميذه، وطلابه وأحبوه.
لم ينقطع عن العمل الحزبي، منذ عام 1963، فبعد تخرجه في جامعة دمشق (1968 – 1969) انتسب إلى حزب العمال الثوري العربي، وفيه تعرف على ياسين الحافظ، المفكر القومي الديمقراطي الاشتراكي المعروف، ونشأت بينهما مودة عميقة، وفي اللاذقية، حيث كان يعمل مدرساً، تعرف على إلياس مرقص، وهو من أبرز العاملين في حقل الفلسفة في سورية.

اقرأ أيضاً: إحسان عبّاس المثقف الموسوعي إذ يستشعر "غربة الراعي"
ويوضح أنّ تأثره بهذين العلمين كان عميقاً، ومن خلال ياسين تأثر الجباعي بالمفكر المغربي الشهير عبد الله العروي. فانتقل إلى مرحلة التقرب من الماركسية، لذلك عكف على دراسة كتابات ماركس وإنغلز مباشرة، لا من خلال المقتطفات السوفييتية والملخصات الشيوعية، ثم عكف على دراسة كانط وهيغل وعاد إلى دراسة كتب ماركس ثانية، وعن ذلك يقول: "أعد ماركس الفيلسوف الإنساني من أكثر من تأثرت بهم من غير العرب، وكذلك هيغل، ومنهما إلى قائمة طويلة من المفكرين الذين انتهجوا نهجاً ماركسياً وجدلياً".
تخرج الجباعي في دار المعلمين وعمل معلماً في محافظة القنيطرة

مولع بالاستنارة
مر الجباعي بمحطات عملية كثيرة، غير أنّ أهم ما استفاده من تجربته في التعليم إتقان العمل والاستقلال الذاتي، والنأي النسبي عن الأيديولوجيا في علاقته بطلابه؛ إذ يذكر أنّه في أثناء تعليمه لصف البكالوريا، على مدى خمسة عشر عاماً، لم يفرق قط بين بعثي وناصري وشيوعي، على الرغم من الضغوط الحزبية من جهة، وضغوط الأجهزة الأمنية من جهة أخرى، وهذا ما دفعه للاستقالة من التعليم.

اقرأ أيضاً: عندما ثار طه حسين على السلطة وسياسة التعليم التلقيني
سافر الجباعي عند ترك التعليم إلى الإمارات العربية المتحدة بقصد العمل، فلم يوفق، فعاد إلى سورية للعمل في الموسوعة العربية، وتعلم الكثير من العلامة الأستاذ الدكتور شاكر الفحام، المدير العام للموسوعة، فقد كان أكثر من شجعه على المضي في الكتابة، بعد أن قرأ عدداً من مقالاته.
يراجع الجباعي، الذي أسس موقع "سؤال التنوير" الإلكتروني، أفكاره دوماً على الواقع من جهة، وعلى الفتوحات الفكرية والعلمية من جهة أخرى، حتى بات لا يعرف له مذهباً.
يسبح عكس التيار
لم يحظَ الجباعي، بنقد كتاب ومفكرين معروفين لما كتب، على الرغم من إشارات الاستحسان التي كان يلمسها من بعضهم في الندوات والمؤتمرات. كتب الباحث منير الخطيب شيئاً عن سيرته الفكرية في موسوعة أعلام الفكر الحديث والمعاصر، وتناول بعضهم بعض كتبه، على سبيل العرض الصحفي، ويعزو الجباعي قلة هذا التناول لمؤلفاته بقوله: "إنني لست مكرساً، إلى جانب ضعف الحركة النقدية، علاوة على شح القراءة". والأهم، وفق الجباعي، أنّه تعلم من ياسين الحافظ أن يسبح بعكس التيار، وكانت نتيجة ذلك أنّه نأى عن التيارات السائدة، ونأى محازبوها عنه، بمن في ذلك بعض أصدقائه، ولا يخلو أن يعتبره بعضهم مرتداًه.

غلاف كتابه "من الرعوية إلى المواطنة"

المرأة مكافئة

للمرأة أثر عميق جداً في حياة الجباعي الشخصية والفكرية، وعن ذلك يقول: "أمي من ربتني ولكم أتمنى أن أنتسب إليها، وعدد صديقاتي اللاتي أحبُّهن وأقدِّرهن لا يقل عن عدد أصدقائي، وتعلمت منهن الكثير"، وعن علاقته بالمرأة يتابع "دربت نفسي بكثير من المشقة على النظر إلى المرأة على أنّها مكافئة لي، فالمسألة تحتاج إلى تدريب، وإلى مجاهدة النفس "الأمارة بالسوء"".

مرّ الجباعي بمحطات كثيرة وأهم ما استفاده من تجربته في التعليم إتقان العمل والاستقلال الذاتي والنأي عن الأيديولوجيا

يحب الجباعي المرأة المزهوة بأنوثتها، والتي تعتني بجسدها وتحترمه. وتناول مسألة المرأة في مجتمعاتنا العربية في أكثر من بحث ومقال، وصدر له حديثاً كتاب بعنوان "فخ المساواة: تأنيث الرجل .. تذكير المرأة".
تزوج الجباعي في العام 1970، ورغم أنّه يحب زوجته ويحترمها إلا أنه يقول ممازحاً: إنّ لها "عدة ضرائر"، فقد انشغلتُ عنها بالعمل الحزبي، ثم بالنشاط المدني، ثم بالقراءة والكتابة؛ يعني أربع زوجات، على سنة الله ورسوله".
عملت زوجته في مؤسسة الخضار والفواكه، وهي متقاعدة اليوم، وللجباعي ولد وثلاث بنات. ابنه البكر (حيان) مواليد 1971 أما ابنته الكبرى (سلافة) فهي من مواليد 1973، في حين ابنته الوسطى (خزامى) من مواليد 1976، بينما ابنته الصغرى (لميس) فمولودة في العام 1979.
وعن علاقته ببناته، يقول إنهن من أحب صديقاته إلى قلبه، شخصياتهن مستقلة، لكل واحدة خياراتها. لكن الجباعي يشعر أنه لم يقضِ معهنّ الوقت اللازم، ناهيك عن الكافي، بحكم الظروف التي عايشها.
ثروة روحية
كتب الجباعي عدة بحوث في نقد التجربة الحزبية العربية، ونشرها، وخلص إلى أنّ الأحزاب العقائدية عندنا تشبه "العشائر والطوائف"، ودعا إلى ما أسماه "الحزب السياسي البرنامجي"، الذي لا يروج لأية أيديولوجيا علناً وصراحة، ولا يدعو الناس إلى التزام أيديولوجيا معينة، ويعدل برنامجه ورؤيته الاستراتيجية وفقاً لنمو الحياة السياسية، إذ بات المفكر أكثر حماسة للانتظامات والتنظيمات المدنية غير الحزبية، على أهمية الأحزاب السياسية وضرورتها.
مؤلفاته
ألف الجباعي العديد من الكتب منها "حرية الآخر، نحو رؤية قومية ديمقراطية"، و"حوار العمر، أحاديث مع الياس مرقص"، و"قضايا النهضة"، و"المجتمع المدني هوية الاختلاف"، و"المسألة الكوردية .. حوارات ومقاربات" و"طريق إلى الديمقراطية"، وكتاب "وردة في صليب الحاضر، نحو عقد اجتماعي جديد وعروبة ديمقراطية" و "أطياف الأيديولوجية العربية" و"حداثة بلا حدود" و"في الدولة الوطنية الحديثة" و"من الرعوية إلى المواطنة"، وكتاب حواري مع نبيل الشويري بعنوان "الهوية والذاكرة".

اقرأ أيضاً: سليمان بشير ديان: حكيم أفريقي ينتصر للمشترك الإنساني
وإذ أنجز الجزء الأول من كتاب "المجتمع المدني هوية الاختلاف"، غير أن الجزء الثاني من الكتاب والذي كان ينوي أن يتناول فيه موقف هيغل وماركس وغرامشي من المجتمع المدني وعلاقته بالدولة، لم يرَ النور، مبيناً أن ما أعاقه عن ذلك أمران: أولهما الإسهام في الحراك المدني، الذي سمي "ربيع دمشق" (2000 – 2007). والثاني اضطراره إلى كتابة مقالات صحفية لمواجهة الأوضاع المعاشية الصعبة.

للمشاركة:

إحسان عبّاس المثقف الموسوعي إذ يستشعر "غربة الراعي"

2019-11-07

في مقطع أثير من سيرته الذاتية "غربة الراعي" التي صدرت عن دار الشروق بعمّان، عام 1996، يتذكر الناقد والأكاديمي والمثقف الموسوعي الراحل د. إحسان عبّاس مشاهد من افتتاح أول مدرسة في قريته عين غزال بمدينة حيفا الفلسطينية.
يقول: "لم تكـن مدرسة القـرية أكبر عـمـراً مني بكثير، بل لعـلنا كنا متقاربين في السنِّ، وحـين تداعـى أهـل القرية لبناء مدرسة اختاروا لها أحـد سفـوح جبل الرأس المطلِّ على ساحـة القـرية مـن الجهة الجنوبية.

اقرأ أيضاً: تعرف على قصة حياة "شيخ النُقّاد والمحققين العرب".. إحسان عباس
وقـد تميزت عـن معـظم  دور القـرية التي كانت تُبنى بالطين، فكانت في نظـر الصغـير أفخم بناء في القـرية، وهي مكـوَّنة مـن غرفـتين كبيرتين متقابلتين في كل غـرفة صفان (فصلان) في إحـداهما الصفان التمهيدي والأول، وفي الثانية الصفان الثاني والثالث.
وفي المدرسة معلمان أحـدهما المعلم الأول ـ وهـو مـدير المدرسة ـ واسمه عـبد الـرحـيم الكـرمي، والثاني مساعـد له، وهـو شيخ مُـعـمَّـم تخـرَّج في جامـعة الجـزار بعكـا، واسمه محمد حـجـازي، وكلٌّ منهما وقـت الدوام يُدرِّسُ صفـين معاً.
أشهد أنَّهما كانا مخلصين في مَهَمَتهما، كما كان أكثرنا مخلصاً في حبِّ التعـلم، وكُنَّا نهابُهما فلا نحب أنْ يريانا ونحن نلعب، هذا مع أنهما لم يعرفا مـعـنى العـقـوبة البدنية في التعليم.
أدخلت المدرسة إلى نفسي ابتهاجاً لم يكن لها به عـهـد، بما وفَّـرَتْهُ من تنوع، فإلى جانب حل ألغاز الدروس، وازدياد منسوب الثقافة عـوضتني عـن الألعاب الـريفـية  الخشنة ألعاب لم أكـن أعـرفها، فهنالك لعبة كـرة القـدم، وركـض المسافات المعينة، وشد الحـبل، والقـفـز فـوق الحبل، والتمـرينات الـرياضية.
 سيرته الذاتية "غربة الراعي"

كل طالب يرعى شجـرة
واقـترح الأستاذ عـبد الـرحيم أنْ يتعـهـد كل طالب منا برعاية شجـرة، تُضاف إلى اسمه، فـهـو يرويها بالماء، عـند حاجتها إليه، وقـد كانت هـذه العلاقـة التي حَـبَّبت إلينا المدرسة.
وعـندما كنت أعـود إلى القـرية ـ مـن بعـد ـ كان أول شيء أقـوم به هـو الـذهاب إلى المـدرسة للاطمئنان على الشجـرة التي غـرستها، صحيحٌ أنَّها أصبحـت لشخص آخـر، ولكـنَّ حنيني إليها لم يكـن يقـل عـن حنيني إلى البيت والأسرة وأصدقاء القـرية".

اقرأ أيضاً: محمود أمين العالم: الفكر خارج عباءة السلطة
ولاحظت دراسة نشرتها مجلة "نزوى" العُمانية بعنوان " تحولات الشخصية في غربة الراعي قراءة في سيرة إحسان عباس الذاتية" أنّ هذه السيرة تنتقل على صعيد المكان بين فضاءات متعددة في فلسطين وفي بعض عواصم الأقطار العربية، فهي تبدأ من عين غزال، وتمر بحيفا وعكا والقدس وصفد، وتتنقل بين القاهرة والخرطوم وبيروت وعمّان.
التحولات الشخصية في السيرة
وعلى الرغم من كون التحولات الشخصية في السيرة مرتبطة بالتحولات المكانية، إلا أنّها لا تنبثق عنها بالضرورة. فقد سعت "غربة الراعي" إلى تشييد فضاء متماسك؛ لأنّ عنوانها بما ينطوي عليه من دلالات فلسفية وشعرية، يوحد مسارات تلك الأمكنة نحو بؤرة بعينها، ويجعلها، بما تنطوي عليه من تحولات، تشير إلى الحضور القوي لذلك المكان الغائب الذي تنهي العودة إليه غربة ذلك الراعي. لقد ظل انتقاله بين تلك المدن، يؤكد غربته العميقة التي يتشاكل فيها مع الشخصيات التي كتب سيرتها كالتوحيدي، والحسن البصري، والشريف الرضي، وبدر شاكر السياب، مثلما يؤكد تمسكاً بشخصية الشاعر- الراعي التي تعمّد أن يقتل موهبتها فيما بعد، وهي شخصية رسمت سيرتها الشابة، ضمن تجربة شعرية تستوحي الشعر الرعوي الغربي، وتعيد تشكيل الواقع في إطار تقاليده، وأخيلته ولغته.

تميّز إحسان عبّاس بطريقة خاصة في الكتابة تنوعت في النقد والترجمة والتحقيق فرفد المكتبة العربية بذخائر معرفية لا تنسى

ومن هنا، تتابع الدراسة، ظلت التحولات في شخصيته بمثابة تنويعات معرفية، لا تغيّر الإيقاع الرئيسي في تجربته. لا ريب أنّ ذهاب إحسان عباس إلى الكلية العربية في القدس يشكل أكثر المراحل أهمية في بناء شخصيته، فذهابه إلى هناك وخضوعه لتعليم منهجي منظم وبرامج تعليمية محددة، وفّر له فرصة لقراءات عميقة، جعلته يكتشف أعماقه ويحدد سيرته الشعرية والنقدية، وإن ظلت تجربته في الكلية معزولة عن الحياة العامة في فلسطين وما كانت تمور به من تفاعلات.
وتشكل إشارة إحسان عباس في "غربة الراعي" إلى هاملت، التي جاءت إبّان حديثه عن سنوات الدراسة في تلك الكلية (1937 – 1941)، مفتاحاً لقراءة تحولات مهمة في شخصيته. فهذه الإشارة تشكّل على المستوى الفني تنامياً قابلاً للإدراك ينشئ ترابطاً في المعنى داخل السيرة؛ لأنّ علاقة إحسان عباس بتلك الشخصية تتجاوز البعد المعرفي الخالص، لتغدو علاقة ذات أبعاد نفسية وفكرية. فقد غدت شخصية هاملت كما يقول عبّاس "الصديق المرافق لي في الكلية وبعدها، قرأتها في الكلية مرات ومرات، وأظنها لوّنت حياتي بلون خاص".

اقرأ أيضاً: طيب تيزيني في ذمة القراءة والنقد
وقد ميّز هذا الأسلوب في الكتابة طريقة إحسان عبّاس التي تنوعت في النقد والترجمة والتحقيق، فرفد المكتبة العربية بذخائر معرفية لا تنسى.
كان عبّاس (1920- 2003) غزير الإنتاج تأليفاً وتحقيقاً وترجمة

غزير الإنتاج تأليفاً وتحقيقاً وترجمة
كان عبّاس (1920- 2003) غزير الإنتاج تأليفاً وتحقيقاً وترجمة من لغة إلى لغة؛ فقد ألف ما يزيد عن 25 مؤلفاً بين النقد الأدبي والسيرة والتاريخ، وحقق ما يقارب 52 كتاباً من أمهات كتب التراث، وله 12 ترجمة من عيون الأدب والنقد والتاريخ. وقد أخذه البحث الجاد والإنتاج النقدي الغزير من ساحة الشعر والتفرغ له.
ورغم ذلك فقد انبثق ديوانه الشعري الوحيد "أزهار برية" في منتصف عام 1999، مع أنّه كُتب في فترة زمنية قديمة؛ أي في مطلع شبابه من عام 1940 – 1948. ومن أهم أسباب إخفائه لهذا الديوان، كما ذكر، خجله الشديد، وخشيته من المجاملة الإجتماعية.

اقرأ أيضاً: 6 تربويين نقدوا مؤسسة المدرسة.. ما هي البدائل التي اقترحوها؟
ما يميز "أزهار برية"، بحسب "ويكيبيديا" اتجاهاته إلى الريف والمرأة، والعودة للطفولة، وشيء من الوطنية والأسرة، والنقد الاجتماعي، ويبدو تأثير التراث العربي والشعر الرعوي الإنجليزي واضحاً في العديد من قصائده.
وقد كانت الطفولة قد حازت نصف سيرته النثرية، إلا أنّ شعر الطبيعة أو الشعر الرعوي، كما يحب أن يسميه، ينال النصيب نفسه في ديوانه، مثل: "إلى الراعية"، و"صوت الراعي"، و"تغير الرعاة"، و"عدو الرعاة"، و"من كرم الرعاة"، و"حنين إلى الرعاة"، و"رثاء أخي الراعي"، و"غيبة الراعي"، و"في مجلس الرعاة".
ومن "أزهار برية" نقتطف:
نشيد الرعاة وصفصافة وزهر الشعاب وماء الغدير.
وترنيمة الطير في أيكه وهمس الزروع ونشر العبير.
أحبُ إلى القلب من لذة تقطر بالشهوة العامره.

من أهم أسباب إخفاء إحسان عبّاس لديوانه الشعري الوحيد "أزهار برية" خجله الشديد وخشيته من المجاملة الاجتماعية

كما كان الغزل بالريف الفلسطيني واضحاً في ديوان إحسان عبّاس؛ فقريته والكرمل والطنطورة، والجرمق، والبحر والشاطئ والأمواج، والربيع ونيسان وزهوره، والقمر والنجوم، تملأ عليه نفسه وشعره. ولعل قصيدته في قريته، تبين عن هذا العشق، كما يظهر في قوله:
من ديري النائي وراء الجرمق أقبلت نحو حنائك المتدفق.
قد كنت مهبط فكرتي في عزلتي والآن أنت على حشاي ومرفقي.
هذا العناق فأين نظرات الرضا ما بال طرفك كالظلام المطرق.
لا تنكريني أنت أم برة لا تسلميني للشقا وترفقي.
كتب عبّاس دراسات نقدية في فن الشعر، وفن السيرة الذي أنجزه قبل البدء بكتابة سيرته الذاتية (غربة الراعي). وله كتاب تاريخ النقد الأدبي عند العرب، وملامح يونانية في الأدب الغربي، واتجاهات الشعر العربي المعاصر، وكتاب عن الحسن البصري، وغيرها.
جانب من آثار قرية "عين غزال"

فن السيرة
يقول عباس في كتابه "فن السيرة":

كنتُ وما أزالُ أؤمن بأنّ الحديث في السيرة، والسيرة الذاتية، يتناول جانباً من الأدب العربيّ عامراً بالحياة، نابضاً بالقوَّة، وإنّ هذا اللون من الدراسة يصل أدبنا بتاريخ الحضارة العربية، وتيار الفكر العربي والنفسية العربية؛ لأنَّه صورة للتجربة الصادقة الحيّة التي أخذنا نتلمّس مظاهرها المختلفة في أدبنا عامة، فنجدها واضحة في الفهم النفسي والاجتماعي عند الجاحظ وأبي حيان وابن خلدون، ونلقاها في رحلة ابن جبير وأحسن التقاسيم وصورة الأرض، ونستقر بها في سخرية المازني والشدياق وثورة جبران والمعري، فإذا جئت اليوم أعرض سيرة صلاح الدين لابن شداد، أو سيرة ابن طولون للبلوي، أو الصراع الروحي في المنقذ من الضلال، أو الصلابة في نفسية ابن خلدون، أو الشجاعة المؤمنة بمصيرها في مذكرات أسامة، فإنما أحاول أن أنفذ إلى جانب من تلك التجربة الحية، وأضع مفهوماً أوسع لمهمة الأدب، ذلك لأنّ الأشخاص الذين يصلوننا بأنفسهم وتجاربهم هم الذين ينيرون أمامنا الماضي والمستقبل، أما أولئك الذين يذهبون بنا في شعاب من الصنعة "الرسمية" فإنهم يستنزفون جهودنا على غير طائل، وينقلون تفاهة الماضي الذي عاشوا فيه إلى حاضرنا الذي نرجوه لما هو أجدى.

اقرأ أيضاً: الجابري بين نقد الاستشراق واستهلاك أحكامه
ويتابع: وإني أعلم أنّ الاتجاه في الحياة المعاصرة، أخذ يتشكل نحو الجماعة بخطى سريعة، وهذا يقلل من تقديس الأبطال، ويخمل دور الفرد في الحياة، ويغيّر مفهومات الناس عن قيمة ذلك الدور، ومن ثم تقل الرغبة في السير عامة، ولكننا نسيء إلى روح الجماعة إذا اعتقدنا أنّ التجربة الفريدة لا قيمة لها، فقد تزول عبادة الأبطال من النفوس، وقد يفقد الفرد معنى التفرد الأناني، ولكنّ شيئاً واحداً لا يزول هو هذه التجارب الحية، وطريقة التعبير عنها، وكل ما سيحدث أنّ المفهومات الجماعية ستنعكسُ على تلك التجارب وتصبغها بلون جديد.

للمشاركة:



السلطات الألمانية تكشف عدد السلفيين وتحذّر من عمليات إرهابية

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

ذكرت مصادر أمنية ألمانية؛ أنّ عدد السلفيين في برلين ومحيطها يتزايد بشكل لافت، مقدّرة عددهم في برلين بنحو 1120 شخصاً.

مصادر أمنية تؤكّد أنّ عدد السلفيين في برلين ومحيطها يتزايد بشكل لافت وتقدّر عددهم بنحو 1120 شخصاً

وقال رئيس المكتب الإقليمي لحماية الدستور (الاستخبارات الألمانية الداخلية) في ولاية برلين، ميشائيل فيشر، في تصريحات نقلها وكالة الأنباء الألمانية، اليوم: "لدينا حالياً في برلين نحو 1120 سلفياً، بيد أنّنا غير متأكدين تماماً ما إذا كنا نرصد ارتفاعاً حقيقياً مستمراً لهذه الأوساط النشطة، أم أننا رصدنا المزيد من السلفيين لأنّنا عززنا إجراءاتنا".

وكانت سلطات الأمن قد رصدت نحو 1020 سلفياً في برلين، بنهاية عام 2018، وكان عددهم يقدر قبل أعوام بنحو مئات الأفراد.

ولم يتحدث فيشر عن عدد المصنَّفين ممن لديهم استعداد للعنف، وقال: "من بينهم أيضاً أشخاص لديهم أفكار تدعم العنف أو ممارسته ذاتياً، هذا أمر يصعب حصره في أرقام، فالتحول غير واضح".

 ويأتي حديث فيشر قبل أيام قليلة من القبض على سوري مشتبه في صلته بالإرهاب، أمس الثلاثاء، في حي شونببرغ في برلين، لافتاً إلى أنّ الخطر الذي يمثله أنصار تنظيم داعش ما يزال قائماً.

الشرطة الألمانية تلقي القبض على سوري للاشتباه في صلته بالإرهاب كان يصنع قنابل لتنفيذ هجمات إرهابية

 وقال: "ليس من المستبعد أنّ تنظيم داعش، حتى عقب هزيمته، سيسعى لأن يوضح للخارج أنّه ما يزال موجوداً، وأنّه قادر على القيادة"، مضيفاً؛ "ما تزال هناك دعوات لشن هجمات في أوروبا وباقي أنحاء العالم"، وتابع: "توجد لذلك أدلة على استمرار وجود أفراد يتبنون فكرة شنّ هجمات".

وكانت وحدة خاصة من الشرطة الاتحادية قد ألقت القبض، أمس، على سوري في برلين للاشتباه في صلته بالإرهاب، وأعلن الادعاء العام الاتحادي في مدينة كارلسروه، اليوم؛ أنّ السوري مشتبه في شرائه مواد كيماوية لتصنيع قنبلة، وأضاف: "كان من المخطط تفجير هذه القنبلة في وقت غير معلوم، وفي مكان غير معروف في ألمانيا، لقتل وإصابة أكبر عدد ممكن من الأشخاص".

 

 

للمشاركة:

الجيش اليمني يصدّ هجوماً حوثياً في تعز

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

صدّت قوات الجيش الوطني في محور تعز، أمس، هجوماً جديداً شنّته ميليشيات الحوثي الانقلابية على عدد من المواقع في الجبهة الغربية.

ونقل "المركز الإعلامي لمحور تعز" عن مصدر عسكري؛ أنّ وحدات الجيش الوطني كسرت هجوماً نفذته عناصر من ميليشيا الحوثي الانقلابية، بغية التقدّم في مناطق: "حذران، والصياحي، وتبة الخندق"، غرب المدينة، وفق صحيفة "المشهد" اليمنية.

مشروع "مسام" يعلن انتزاعه 658 لغماً أرضياً وعبوة ناسفة خلال الأسابيع الماضية

وأكّد المصدر رصد قوات الجيش الوطني لتحركات الميليشيا، وصدّ كلّ زحوفاتها في مختلف الجبهات لواجهتها.

وخلال الأيام الماضية؛ ركّزت ميليشيا الحوثي الانقلابية هجماتها على المواقع السابقة، بهدف التقدم والسيطرة على الطريق الرئيس المؤدي للمنفذ الوحيد للمدينة في المنطقة.

إلى ذلك، أعلن مشروع "مسام"؛ أنّه انتزع 658 لغماً أرضياً، وعبوة ناسفة خلال الأسابيع الماضية.

وبلغ إجمالي ما جرى نزعه منذ بداية المشروع، حتى الآن، أكثر من 105 آلاف لغم زرعتها ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، في الأراضي والمدارس والبيوت في البلاد وأدّت لسقوط عدد كبير من الضحايا.

وفي سياق متصل بالصراع في اليمن؛ ندّدت وزارة الخارجية اليمنية في بيان رسمي نقلته صحيفة "الشرق الأوسط"، بالخطوة التي أقدمت عليها طهران والمتمثلة في الاعتراف الرسمي بالميليشيات الحوثية وتسليم المقرات الدبلوماسية اليمنية في إيران لسفير الجماعة المزعوم.

الخارجية اليمنية تندّد بتسليم إيران المقرات الدبلوماسية اليمنية في طهران للميليشيات الإرهابية

جاء ذلك في الوقت الذي اتهمت فيه الحكومة اليمنية النظام الإيراني بالوقوف وراء الجماعة الحوثية، والإيعاز لها باختطاف الناقلة الكورية في المياه الإقليمية اليمنية، وفق ما ورد في تصريحات لوزير الإعلام، معمّر الإرياني.

وأعربت وزارة الخارجية اليمنية في بيان، أمس، عن إدانتها واستنكارها الشديدين "قيام النظام الإيراني الداعم الأول للإرهاب في العالم، بالاعتراف بممثل ميليشيات الحوثي الانقلابية، وتسليمه المقار الدبلوماسية والمباني التابعة للجمهورية اليمنية في طهران".

 

للمشاركة:

الإمارات تدعم المنتدى الدولي للسلام والأمن في أفريقيا

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

قدّمت دولة الإمارات العربية المتحدة منحة بقيمة 300 ألف دولار لدعم نتائج المنتدى الدولي للسلام والأمن في أفريقيا، الذي اختتم أعماله، اليوم، فى العاصمة السنغالية، داكار.

وأعلن ذلك مساعد وزير الخارجية والتعاون الدولي للشؤون العسكرية والأمنية الإماراتي، الدكتور عبيد الحيري سالم الكتبي، الذي ترأّس الوفد الإماراتي المشارك فى أعمال الدورة السادسة للمنتدى التي انطلقت بداكار، أمس، مؤكّداً تطلع الدولة للمشاركة في الدورة السابعة للمنتدى في العام المقبل، وفق ما أوردت "وام".

الإمارات تقدّم هبة بقيمة 300 ألف دولار دولار لدعم نتائج المنتدى الدولي للسلام والأمن في أفريقيا

وأكّد الكتبي، في كلمة له خلال أعمال المنتدى؛ أنّ العلاقة التي تربط دولة الإمارات بالدول الأفريقية قد تطورت بشكل ملحوظ في الأعوام الأخيرة، مشيراً إلى مساعدة دولة الإمارات للدول الأفريقية على صعيد الأمن والاستقرار.

وأضاف: "الإمارات العربية المتحدة لعبت دور الوسيط في حلّ الصراعات القائمة، وحققت نجاحاً ملحوظاً في تخفيف حدة النزاعات التي دامت لعقدين بين أثيوبيا وإريتريا بفضل جهود الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة"، مشدداً على موقف الإمارات العربية المتحدة الحازم ضدّ الإرهاب والتطرف بكافة أشكاله، مشيداً بالدور المحوري الذي تضطلع به السنغال في تعزيز الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب والتطرف في غرب أفريقيا وفي القارة الأفريقية على نطاق أوسع.

 

للمشاركة:



"الملالي" يقمع المتظاهرين ويقتلهم

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

فريد أحمد حسن

الفيديوهات الكثيرة التي انتشرت أخيراً وأظهرت كيفية قمع شرطة "الملالي" للمتظاهرين في المدن الإيرانية الذين خرجوا للاحتجاج على قرار النظام مضاعفة سعر البنزين والإيغال في إفقارهم لم يتم بثها عبر الفضائيات "السوسة"، لا الإيرانية ولا تلك التابعة لها والتي تمول من قبل النظام الإيراني أو المتعاطفة معه، ولن يتم بثها، بل لم ولن يتم حتى الإشارة إلى أن الشرطة قمعوا المتظاهرين بقسوة وبالغوا في القمع، والأكيد أنها بدلاً عن ذلك عمدت إلى اعتبار ما يقال "ادعاءات" ونفت بشكل قاطع وأقسمت بأن شيئاً من ذلك لم يحدث وأن تلك الفيديوهات هي من "تأليف" الذين يتخذون من النظام الإيراني موقفاً سالباً ويعادونه.

أياً كان حجم المظاهرات التي خرجت وستخرج ضد النظام الإيراني فلم ولن يتم بث أي خبر عنها في تلك الفضائيات والصحف الإيرانية التي تعمل على إظهار النظام وكأنه المعتدى عليه وليس المعتدي على جيوب الفقراء ومعيشتهم. الإعلام الإيراني بكل أدواته يهتم ببث ونشر الأخبار عن الذي يحصل في البلاد الأخرى فقط، ولأسباب معروفة يبالغ في البث والنشر ويضخم من كل خبر يرتمي في حضنه. أما الشرطة الإيرانية فتفعل ما لا يمكن أن تفعله الشرطة في البلاد الأخرى فتضرب بعنف وقسوة وتبالغ في ذلك، فهي هنا تدافع عن الولي الفقيه الذي تؤمن بأنه لا يمكن أن يخطئ وأن قرار رفع سعر البنزين أوحي إليه فأمر به!

في السنوات الثماني الأخيرة فقط امتلأت ساعات بث الفضائيات "السوسة" بأخبار البحرين، وتعاملت تلك الفضائيات مع كل خبر صغير يحدث هنا وكأن القيامة قد قامت، أما تعامل رجال حفظ الأمن مع المتظاهرين والذي لا يمكن مقارنته بالذي شاهده العالم في الأيام الأخيرة في المدن الإيرانية فتصنع منه ألف خبر وخبر وتنفخ فيها بطريقة مفضوحة.

مشكلة النظام الإيراني أنه يؤمن بأن من حقه هو فقط أن يدافع عن نفسه وأن يمنع التظاهر ضده ويمنع الهتافات ضد رموزه، أما الآخرون فلا حق لهم وبالتالي فإن كل ما تقوم به الأجهزة المعنية بحفظ الأمن في البلاد الأخرى وجعله مستتباً مبالغ فيه وحرام ويستوجب النقد والتناول عبر تلك الفضائيات.

ليس تلك الفضائيات وحدها التي لا تتناول موضوع قمع شرطة "الملالي" للمتظاهرين والتعامل معهم بقسوة مبالغ فيها، فالإعلام الإيراني كله لا يتناول ذلك، وكذلك تفعل الجمعيات السياسية التي اختارت الحضن الفارسي حيث تعتبر تعامل الشرطة مع المتظاهرين في إيران حقاً يكفله الدستور الإيراني وتعتبر المتظاهرين من المسيئين الذين لا يستحقون الضرب بالعصي العادية والكهربائية فقط وإنما يستحقون الإعدام. والأمر نفسه تفعله الميليشيات التي أوجدها النظام الإيراني في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغيرها، فهؤلاء جميعاً تعمى أبصارهم عندما يكون القامع هو النظام الإيراني وعندما يكون المتظاهر هو المواطن الإيراني الذي "لم يراعي حرمة الولي الفقيه.. وتجاوز حدوده"!

ما حصل في الأيام الأخيرة في إيران فضح النظام الإيراني وتوجهاته وشعاراته وما ظل يردد أنها مبادئه، فقد حرم المواطنين الإيرانيين من أبسط حقوقهم رغم علمه بأن قرار غزو جيوبهم الفارغة يؤلمهم ويستدعي خروجهم إلى الشوارع ليعبروا عن رفضهم للقرار أو التحفظ عليه. هذا النظام لم يمنع الإيرانيين من التعبير عن ألمهم فقط وإنما عمد إلى قمعهم بأبشع الأساليب واعتبرهم متجاوزين ومتطاولين على الولي الفقيه ولم يبقَ إلا أن يعلن بأن مصيرهم النار يوم القيامة.

تعامل النظام الإيراني الخشن مع المتظاهرين الإيرانيين في السابق يدفع إلى الاعتقاد بأنه سيزيد من ذلك ولن يكون مستغرباً لو أنه قام بإعدام مجموعة من المعبرين عن ألمهم بالتظاهر في الشوارع ورفع الشعارات ضد النظام.

عن "الوطن" البحرينية

للمشاركة:

هكذا أعاد المتظاهرون صياغة ممارسة السياسة في لبنان

مدني قصري's picture
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-20

ترجمة: مدني قصري


منذ منتصف تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ خرج اللبنانيون إلى الشوارع للتنديد بالإجراءات التقشفية وفساد الطبقة السياسية اللبنانية، امتدت الحركة إلى ما وراء بيروت، من طرابلس إلى جنوب لبنان، أمام الاحتجاج، في 29 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ أعلن رئيس الوزراء، سعد الحريري، استقالته، وتدابيره المقترحة قبل أيام قليلة؛ سحب بعض الضرائب، وزيادة الرسوم المفروضة على البنوك، لم تكن كافية لتهدئة المحتجين، واليوم، غزت كلمة "ثورة" الشوارع اللبنانية، ثورة تريد التغلب على الانقسامات المجتمعية، وتريد أن تكون غير عنيفة، ومع ذلك؛ فإنّ هناك كثيرين من الجرحى بالفعل، وفي 29 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، قام مقاتلو حزب الله وحركة أمل بنهب مواقع المتظاهرين.
خرج اللبنانيون إلى الشوارع للتنديد بالإجراءات التقشفية وفساد الطبقة السياسية اللبنانية

هل يشهد لبنان حركة اجتماعية حقيقية؟
يعيش أكثر من ربع اللبنانيين تحت خطّ الفقر، وفق البنك الدولي، تعاني البلاد من نقص مزمن في الكهرباء وحتى في مياه الشرب، الحياة باهظة الثمن، والبطالة تؤثر على أكثر من 20 ٪ من السكان العاملين، والعقارات، وهي الدعامة الأساسية للاقتصاد، تؤدي بشكل سيئ، إنّ تحويلات رأس المال من قبل الشتات، وهي دعامة أخرى، تراوح مكانها.

اقرأ أيضاً: الأزمة في لبنان.. إلى أين؟
يرتفع الدين العام إلى أكثر من 86 مليار دولار؛ أي أكثر من 150٪ من الناتج المحلي الإجمالي، النمو لا شيء تقريباً (0.2٪ عام 2018)، وأصبحت الليرة الآن مهددةً بشدة بانخفاض قيمتها، الأمر الذي سيكون له تأثير قوي على الاقتصاد؛ حيث يتم استيراد كلّ شيء.

مطالب المحتجين سياسية بامتياز تتراوح بين المطالبة بدولة اجتماعية ودولة القانون إلى شجب التواطؤ بين الطبقة السياسية والقوة الاقتصادية

البلاد التي تخلو من الإنتاج الحقيقي، تعيش في نظام الريع، الذي تم تأسيسه في التسعينيات في نهاية الحرب الأهلية، والذي تفاقم بسبب التوسع المالي، الذي تستفيد منه أولاً جميع فصائلها العصية على التفكيك، والنتيجة هي الفساد على جميع المستويات، الطبقة السياسية المستفيدة هي نفسها منذ ثلاثين عاماً وأكثر.
بالإضافة إلى ذلك، البنية التحتية تكاد تكون معدومة، الطرق في حالة سيئة، كما تمت خصخصة الخط الساحلي بأكمله، وتحول البحر إلى مكب حقيقي، البلد هو أيضاً ثالث أكبر مديونية في العالم، بعد اليابان واليونان.
يقول اللبنانيون إنّهم يريدون استعادة ديمقراطيتهم التي يعتبرونها مسروقة من قبل الزعماء السياسيين، من جميع الطوائف بلا استثناء، إما لأنّهم شاركوا بنشاط في الفساد، أو كانوا شركاء في هذا النظام.
غضب اليوم أشبه بـ "ارحَلْ" الذي ظهر في "الربيع العربي" 2010-2011، أو في حركة الشارع الجزائري الحالية، المسماة بـ "الحراك"، مع وجود بعض النقاط المشتركة مع الحراك في فرنسا "السترات الصفراء".

اقرأ أيضاً: لبنان والعراق بين مئويتين
في تمرد تشرين الأول (أكتوبر) 2019 هذا، الحقيقة التي أبرزها العديدُ من المراقبين بأنّ المتظاهرين يهاجمون من قلب معاقلهم، قادة مجتمعهم حقيقة غير مسبوقة نسبياً، تقول شابة لبنانية، قابلتها صحيفة "لو موند": "غضبنا يجعلنا أكثر قرباً، ونجد أنفسنا نناقش أشخاصاً لم نكن نتحدث معهم أبداً، حتى في الأوقات العادية، لقد أسقطنا جدار المخاوف الطائفية"، إذا كان هذا هو الحال وإذا أصبح الشيء معمماً، فإننا نشهد حدثاً جديداً في لبنان.
في هذا السياق؛ أجرى موقع "esclesdumoyenorient" مقابلة مع الدكتورة ماري-نويل أبيياغي (MARIE-(NOËLLE ABIYAGHI، أخصائية في الحركات الاجتماعية، ومديرة دعم لبنان (Lebanon Support) (مركز أبحاث مقره في بيروت)، وأستاذة في جامعة القديس يوسف، ببيروت. وهنا نص الحوار:
يرتفع الدين العام إلى أكثر من 86 مليار دولار

الانتفاضة التي اندلعت في الأسابيع الأخيرة تبدو غير مسبوقة، بلا مركزيتها، تدعي أنّها غير سياسية، يبدو أيضاً أنّها تتجاوز الانقسامات الطائفية، ولكنّها متجذرة بقوة في السياسة والمجتمع اللبناني؛ بماذا تخبرك هذه المظاهرات عن لبنان اليوم؟ هل يريد اللبنانيون قلب صفحة الطائفية؟
في رأيي، هذه الحركة ليست جديدة وغير مسبوقة تماماً، هناك مجموعات اجتماعية مختلفة تتجنّد حول شعارات مماثلة، على الأقل منذ نهاية الحرب الأهلية (1990)، يجب أن ننظر إلى الحركة الحالية في ضوء كلّ الحركات الاجتماعية في لبنان خلال العقود الماضية، وعلى وجه الخصوص، عند بعض الجهات الفاعلة في العالم النقابي التي تدعو لبناء دولة القانون، أو عند بعض الأحزاب السياسية التي تعارض الطائفية لكنّها لم تتمكن بعد من الحصول على موطئ قدم في المشهد السياسي حتى الآن.

اقرأ أيضاً: كتل نيابية وخبراء: حزب الله "عقدة" أمام مطالب اللبنانيين
في المقابل، إنّ ما هو غير مسبوق بالفعل هو حجم التعبئة، للمرة الأولى، تجمّع مئات الآلاف من اللبنانيين للاحتجاج في الوقت نفسه، وفي أجزاء مختلفة من البلاد، عادة، يتركز هذا النوع من التعبئة في بيروت، العاصمة، وقد ظلت محاولات توسيع لامركزية حركات الاحتجاج إلى مدن أخرى في البلاد خلال دورات التعبئة السابقة محدودة للغاية.
ما هي مطالب المحتجين؟ البعض منهم يدّعي أنّها مطالب غير سياسية، ما رأيك؟
مطالب المحتجين مطالب سياسية بامتياز، وهي تتراوح بين المطالبة بدولة اجتماعية ودولة القانون، إلى شجب وإدانة التواطؤ بين الطبقة السياسية والقوة الاقتصادية، مروراً بالاستيلاء على الثروة من قبل النخب الاقتصادية والسياسية والخصخصة المفرطة، ويدعو المتظاهرون أيضاً إلى اتخاذ إجراءات وآليات تُحمِّل الزعماء السياسيين المسؤولية عن مصائب البلاد منذ نهاية الحرب الأهلية، وسقوط النظام الطائفي الذي يقوي روابط المحسوبية ويتلاعب به الزعماء السياسيون لتقسيم السكان.

من السخرية القول إنّ فرض الضرائب على الشبكات الاجتماعية (واتس آب) و(فايبر) هو أصل المظاهرات

يتم سماع العديد من المتظاهرين وهم يصفون النظام المذهبي باعتباره العقبة الرئيسة أمام إقامة دولة القانون والدولة الاجتماعية، بهذا المعنى؛ فإنّ رفض الطائفية هو رفض اجتماعي واقتصادي، لا ينبغي أن ننسى أنّ هذه التعبئات اندلعت في أعقاب تكثيف تدابير التقشف.
وهذا لا ينبغي أن يدفع المراقبين لهذه الحركات إلى استنتاجات متسرعة، في نشوة هذا الغليان الاحتجاجي، من المؤكد أنّ هناك تساؤلات حول الطائفية، لكنّ لبنان لن يستيقظ خالياً من الطائفية، أو ضدّ الطائفية بين عشية وضحاها، يجب إدراك التعبئة الحالية من منظور عملي منهجي، تماماً مثل إدراك الأنظمة التي ترفضها والديناميات التي تتحكم فيها، وبهذا المعنى؛ فإنّ هذه التعبئة هي أيضاً دعوة لإعادة النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى لبنان، وحول ما نسميه "الثقافة الطائفية"، فهذه الثقافة هي أولاً، وقبل كلّ شيء، مجموعة من القوانين والمؤسسات والأجهزة والممارسات.
مطالب المحتجين مطالب سياسية بامتياز

ماذا كان رد فعل الطبقة السياسية اللبنانية بالتحديد؟
بشكل عام، مواقف الطبقة السياسية لم تُرضِ المتظاهرين؛ فهم يرونها غير كافية أو حتى شعبوية، على سبيل المثال؛ قرار رئيس الوزراء، سعد الحريري (تيار المستقبل)، تخفيض رواتب الرئيس والرؤساء السابقين والوزراء والنواب إلى النصف، أو قرار سمير جعجع (القوات اللبنانية) مغادرة الحكومة والانضمام إلى صفوف المحتجين؛ فقد ساعدت هذه المواقف في تأجيج الغضب في الشوارع، وتكثيف مطالب مساءلة السياسيين.

اقرأ أيضاً: لماذا أغضب قائد الجيش اللبناني مليشيا حزب الله الإيرانية؟
وهذا يجب أن يُفهم أيضاً في سياق تراخي وعبث اللبنانيين الشديد إزاء الطبقة الحاكمة، في الواقع، أمراء الحرب الرئيسون، هم الذين أصبحوا في نهاية الحرب الأهلية (1975-1990) الشخصيات السياسية الرئيسة، بدلاً من تحمّل مسؤوليتهم عن جرائم الحرب، أعيد دمجُهم في الدولة اللبنانية بطريقة أو بأخرى، توضح بعض شعارات المحتجين اليوم هذه الرغبة في المساءلة المزدوجة للزعماء السياسيين: فهم يتعرضون للانتقادات بسبب دورهم في الصراع الأهلي من جهة، وفي تحولهم السياسي وطريقة حكمهم منذ التسعينيات، من جهة أخرى.
ماذا كان ردّ فعل المتظاهرين بعد استقالة سعد الحريري؟ ما هو التطور الذي يمكن أن تأخذه الحركة؟
رحّب المتظاهرون، في البداية، باستقالة سعد الحريري، ورأوا أنّ هذه الاستقالة خطوة نحو باقي مطالبهم، وبشكل أكثر إحباطاً، جاءت هذه الاستقالة في وقت بدأت فيه الشوارع المعبأة منذ عدة أيام (وليال) تلهث وتتعثر، وبهذا المعنى، فقد أتاحت أيضاً الفرصة للمتظاهرين للتراجع مؤقتاً، ومراجعة تكتيكاتهم واستراتيجياتهم الاحتجاجية.
ومع ذلك؛ فقد أثارت أيضاً غضباً قوياً، وتعبئة مؤيدي رئيس الوزراء، وهو ما أدّى إلى تجمّع وتعبئة مجموعات المحتجين الرئيسة، من الذين يخشون الانتعاش السياسي والطائفي.

اقرأ أيضاً: هكذا تضامن السوريون مع الثورة اللبنانية: قادمون لاستنشاق الحرية
من المهم التأكيد هنا على أنّ المتظاهرين ليسوا كتلة متجانسة؛ فإذا كانت عوامل متشابهة قد أشعلت مختلف المناطق في الأراضي اللبنانية، فإنّ التكوين الاجتماعي للمتظاهرين، وانتماءاتهم خاصة السياسية والأيديولوجية متنوعة، بل ومتناقضة في بعض الأحيان؛ فهي تشمل، على سبيل المثال، المطالب الراديكالية أو حتى الثورية، ومطالب القومية التي تلامس كرهَ الأجانب، والمناصب التي يتمتع بها العمال المهاجرون واللاجئون، أو المناصب النسوية، وشعارات كره النساء والتمييز الجنسي، لكن يظلّ التظلّم الموحّد والشامل؛ هو رفض النموذج الاقتصادي والاجتماعي.
رحّب المتظاهرون في البداية باستقالة سعد الحريري

بالنظر إلى حجم هذه الحركة، وحداثة بعض الادعاءات؛ هل يمكننا القول إنّ المحتجين هم في معظمهم من الشباب، الذين ينتمون إلى جيل جديد من اللبنانيين المستعدين لتغيير البلاد؟
هذه الحركة عابرة للأجيال؛ الطبقات الشعبية موجودة للغاية في هذه التعبئة، خاصة الطبقات الوسطى الفقيرة، والعاطلين عن العمل، والشباب الذين لا يستطيعون الاندماج في سوق العمل، ونرى أيضاً العديد من كبار السنّ يشاركون في المظاهرات، وتتركز مطالبهم حول الحصول على الرعاية الصحية والأدوية، خاصة التقاعد.
كان الإعلان عن فرض الضرائب على تطبيقَي (واتس آب) و(فايبر)، في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، هو الذي أشعل نار الغضب في البلاد، لكنّ الخلافات ناتجة أساساً عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يمرّ بها لبنان؛ انخفضت قيمة الليرة اللبنانية بشكل كبير، ودخلت البلاد في حالة الركود، في أيلول (سبتمبر) الماضي، واستجابة لهذا الوضع، أرادت الحكومة فرض ضرائب جديدة، رغم أنّ اللبنانيين يتعرضون بالفعل لضغوط اقتصادية؛ كيف تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبنانيين في الأشهر الأخيرة؟
من السخرية القول إنّ فرض الضرائب على الشبكات الاجتماعية (واتس آب) و(فايبر) هو أصل المظاهرات؛ ففي الأعوام الأخيرة، حدثت عمليات تعبئة متعددة بأشكال وصور مختلفة، من المؤكد أنّ التعبئة الحالية كانت مدفوعة بتكثيف تدابير التقشف، والزيادة في الضرائب غير المباشرة، الأكثر ضرراً اجتماعياً، وإنهاء قروض الإسكان المدعومة، وأيضاً بسبب التدهور العام للوضع الاقتصادي وظروف معدلات بطالة الشباب والهجرة، على سبيل المثال لا الحصر، في هذا السياق؛ تشبه هذه الاحتجاجات حركات الاحتجاج الأخرى في بلدان أخرى مثل شيلي، على سبيل المثال.

التكوين الاجتماعي للمتظاهرين اللبنانيين وانتماءاتهم، خاصة السياسية والأيديولوجية، متنوعة، بل ومتناقضة في بعض الأحيان

ومع ذلك؛ يجب ألا ننسى الشعارات الأكثر محلية لهذه التعبئة، والتي تجب أيضاً قراءتها في سياق دولة ليبرالية تاريخية تخلت عن مسؤولياتها الاجتماعية، تتكفل بهذه المسؤوليات مبادرات خاصة ومخصخصة ومنظمات غير حكومية، بعضها يرتبط مباشرة بالشخصيات أو الأحزاب الدينية، و /أو السياسية، والتي لا تخلو من المساهمة في تغذية وتقوية الروابط الزبونية الطائفية.
توضح التعبئة الحالية، إلى حدّ ما، حدود أشكال التضامن اللاشكلي من خلال الأسرة والمجتمع والشخصيات البارزة، وهو ما يقوض أسطورة "المرونة" اللبنانية الزائفة الشهيرة، بهذا المعنى، فهي تعبئات تطالب بمزيد من "طابع الدولة" للبنان.
توضح هذه التعبئات أزمة شرعية القوى السياسية الرئيسة في لبنان

حتى في جنوب لبنان، في صور، والنبطية، وكفر رمان أو بنت جبيل، في معقل حزب الله الشيعي، خرج الآلاف من اللبنانيين إلى الشوارع لإظهار دعمهم للحركة؛ هل حزب الله، اللاعب السياسي والمسلح الأقوى في البلاد، الذي يستطيع عادة تعبئة قاعدته الانتخابية التقليدية بقوة، بصدد فقده لدعم هذه القاعدة؟
إنها عوامل مماثلة تلك التي دفعت المحتجين إلى التعبئة، من طرابلس (التي كانت محصورة منذ فترة طويلة باعتبارها معقلاً للإسلاميين)، إلى جبل لبنان وبيروت وجنوب لبنان؛ ففيما وراء الاحتجاجات المتعلقة بتدهور مستويات المعيشة، توضح هذه التعبئات أزمة شرعية القوى السياسية الرئيسة في لبنان، كما يتضح ذلك من خلال القمع الذي تمارسه هذه القوى السياسية ضدّ المحتجين، سواء بشكل مباشر أو من خلال مؤيديهم، في العديد من المواقع مثل النبطية، أو أيضاً في وسط مدينة بيروت.
بالفعل، عام 2015، خرج عشرات الآلاف من اللبنانيين إلى الشوارع أثناء أزمة القمامة، هدفها التنديد بفشل الحكومة في معالجة النفايات بعد إغلاق أكبر مكبّ نفايات في لبنان؛ هل ترى أيّ تشابه بين تعبئة 2015 والأحداث الحالية؟
هناك استمرارية ملحوظة بين دورات التعبئة الأخيرة في لبنان، سواء في أسباب السخط أو في مطالب المحتجين أو في استنتاجاتها، لا سيما التنديد بالنظام المذهبي؛ باعتباره ناقلاً لعدم المساواة الاجتماعية، هذا نجده على مرّ السنين، ليس فقط في عام 2015، في عام 2011، بالفعل في خضمّ موجة الربيع العربي، تحرك نشطاء، مطالبين بـ "سقوط النظام الطائفي"؛ ففي عام 2015، كانت المطالب أكثر تقنية، ومرتبطة بأزمة النفايات، فقد أدرجت إدانة الفساد، وفكرة مساءلة جميع الأحزاب والسياسيين، فاليوم نرى أنّ الاحتجاجات الرئيسة تجمع جميع هذه المطالب.
في الوقت الحالي لم يبرز أي قائد من المظاهرات، وقد بدأت أنفاس الحركة تضيق وتلهث؛ هل هذا الافتقار إلى قيادة، من تسلسل هرمي معين يُضِرّ بالتعبئة؟
يبدو لي أنّه يجب عكس السؤال؛ نحن أمام وجود حركة احتجاج، احتجاج الشارع، الذي يريد التنديد أولاً بالنظام السياسي والسياسات العامة؛ الشارع والمتظاهرون يذكّرون بأنّ الشعب هو المصدر الشرعي للسلطة، في هذا السياق، الأمر متروك للسياسيين لاقتراح بدائل، إجبار المتظاهرين على نوع معين من التنظيم أو غرض معين أمر غير عادل بالنسبة إلي، كما سيكون من السذاجة الاعتقاد أنّ حركة اجتماعية بهذا الحجم تتحقق دون تنظيم على الأرض.
المخرج غامض وغير مؤكد، ليس فقط لأنّ الوضع معقد، ولكن لأنّ هذا السيناريو الذي يجري الآن لم يحدث من قبل، لكن المحتجين ليست لديهم أوهام، فهم يعلمون أنّ النهاية ليست وشيكة.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

غرام وانتقام بين الخمينية و"الإخوان"

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-20

مشاري الذايدي

تسريبات الموقع الأميركي «ذا إنترسيبت»، التي نشرت خلاصات منها صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، عن عمالة جملة من المسؤولين العراقيين لإيران، وعن تنسيق جماعة «الإخوان» مع إيران، بالنسبة لنا ليست مدهشة، وبالنسبة لهم ربما كانت كذلك، أو «يمّثلون» أنهم مندهشون.
الحاصل - نتحدث فقط عن العلاقة «النوعية» بين الجماعة الخمينية والجماعة «الإخوانية» - أن هذا عهد قديم، وحلف مقيم، تغذّيه المصالح المشتركة، والفكر المعطوب الجامع بين العقل الخميني والعقل «الإخواني»، فكلاهما يشكلان كارثة على عموم المسلمين، وكلاهما، الخميني و«الإخواني»، يتوسلان بالدين للمغانم السياسية ومباهج الحكم. هذا بنسخة شيعية، وذاك بنسخة «إخوانية»، والتأثير والتأثر بينهما قديم، فالخميني نفسه حسب دراسات رصينة تأثر برمز الإسلاميين، الهندي - الباكستاني، أبو الأعلى المودودي، والأخير تأثر به صراحة المصري سيد قطب، وهذا، قطب، تأثر به مرشد إيران الحالي علي خامنئي كثيراً، لدرجة أنه ترجم إلى الفارسية بعض كتبه، منها كتاب «المستقبل لهذا الدين»، ومما قاله خامنئي في مقدمة هذه الترجمة وصفه قطب بـ«المجاهد»، ووصفه كتب قطب بأنها تشكّل «كل منها خطوة على طريق توضيح معالم الرسالة الإسلامية». خامنئي كتب هذا قبل قيام حكم الخميني بـ12 عاماً.
لذلك، فاجتماع 3 من رموز الجماعة اليوم مع مسؤولين إيرانيين في فندق بإسطنبول - مثلث جميل! - ليس غريباً.
الاجتماع حسب التسريبات الأميركية خُصص للتنسيق بين «الإخوان» والنظام الخميني، باعتراف قادة الجماعة الذين شاركوا في هذا الاجتماع، مثل عضو مكتب الإرشاد والمسؤول الدولي إبراهيم منير، وباعتراف القيادي «الإخواني» الهارب لتركيا محمود الإبياري. ضمن التنسيق هذا، كان موضوع إثارة الفوضى مجدداً بمصر، واستهداف السعودية، وتمكين «الإخوان» باليمن، بتقاسم السلطة مع الحوثي!
ليس ثمة تعرٍّ في الحلف أكثر من هذا، ولست أدري ما هو موقف الشتامين من خطباء «الإخوان» وأشباه «الإخوان» في الحديث عن «النصرة» لأهل السنة والجماعة زعموا، وتوبيخ السعودية والعرب بترك نصرة أهل السنة، حسب رطانتهم الطائفية الانتهازية المستخدمة فقط للدهماء.
الحلف له جذور قديمة، منذ طار تاجر «الإخوان» الدولي يوسف ندا لتهنئة الخميني على رأس وفد «إخواني»، وكان يفخر بأنه ثالث أو رابع وفد يحطّ بطهران!
عند وفاة الخميني عام 1989، أصدر مرشد «الإخوان»، المصري حامد أبو النصر: «(الإخوان المسلمون) يحتسبون عند الله فقيد الإسلام الإمام الخميني، القائد الذي فجّر الثورة الإسلامية ضد الطغاة».
يقول الباحث السوري محمد سيد رصاص، في بحثه عن العلاقة بين الإيرانيين و«الإخوان»: «حتى في ذروة التوتر المذهبي في العراق ولبنان، فإنّ علاقة (الحزب الإسلامي العراقي) بالمالكي ظلّت قوية، بخلاف (القائمة العراقية) - جماعة إياد علاوي - وكذلك (الجماعة الإسلامية) اللبنانية، وهي ذراع (الإخوان) بلبنان، مع (حزب الله)».
نبارك للإخوة بأميركا هذا الاكتشاف!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية