أحمد السعيد: زيارة الرئيس الصيني ستجعل الإمارات مركز التعاون في المنطقة

أحمد السعيد: زيارة الرئيس الصيني ستجعل الإمارات مركز التعاون في المنطقة
9146
عدد القراءات

2018-07-19

أجرى الحوار: سامح فايز


اختار الرئيس الصيني شي جين بينغ، دولة الإمارات العربية المتحدة لتكون أول دولة عربية يزورها بعد تجديد الثقة له لفترة جديدة كرئيس للصين، واعتبر محللون أننا أمام زيارة تاريخية، سيترتب عليها تغير كبير في شكل التعاون الصيني العربي، وستكون الإمارات ركيزة ومركزاً لهذا التعاون.

وفي محاولة لاستقراء جوانب الزيارة، وتحولات العلاقات الصينية الإماراتية على مستويات عدة أجرت "حفريات" حواراً مع مؤسس ومدير عام مجموعة بيت الحكمة للثقافة والإعلام بالصين، الدكتور أحمد السعيد، أحد المشاركين في تنظيم فعاليات الأسبوع الثقافي الصيني الإماراتي المقام حالياً على هامش زيارة الرئيس الصيني.

حاصل على جائزة الصداقة من "نينغيشيا" وهي أعلى جائزة على مستوى المقاطعة

أحمد السعيد، مستشار لشؤون التعاون العربي لأغلب مؤسسات النشر الصينية، ومدرج من قبل حكومة الصين المركزية كخبير ومستشار لمشروع ترويج الكتاب الصيني في العالم، وهو المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط في مؤسسة إنتركونتننتال الصينية للإعلام والنشر، ونائب رئيس جمعية الخبراء الأجانب والكفاءات بنينغشيا، ومستشار مصلحة الخبراء الأجانب بنينغشيا. ورئيس التحرير التنفيذي للطبعة العربية لمجلة (أدب الشعب الصينية).

زيارة الرئيس الصيني للإمارات تاريخية سيترتب عليها تغير في شكل التعاون الصيني العربي وستكون الإمارات مركز هذا التعاون

حصل السعيد على ماجستير في علم الأعراق البشرية، عن موضوعه: "دراسة إثنولوجية لتاريخ ترجمة القرآن الكريم للغة للصينية"، والدكتوراه في علم الأعراق البشرية في كلية السياسة والقانون جامعة نينغشيا عن موضوع "علاقات التعاون الثقافي الصيني العربي – بيت الحكمة نموذجاً".

والسعيد حاصل، أيضاً، على جائزة الصداقة من مقاطعة نينغيشيا وهي أعلى جائزة على مستوى المقاطعة، وجائزة التميز من الدولة الصينية للإسهامات الخاصة في مجال الكتاب وهي أرفع جائزة ثقافية في الصين، وجائزة مستشار وخبير لمشروع ترويج الكتاب الصيني في العالم، وجوائز أخرى عديدة.

هنا تفاصيل الحوار:

زيارة تاريخية

لماذا وصفت زيارة رئيس جمهورية الصين الشعبية شي جين بينغ إلى الإمارات، بـ"التاريخية"؟

الرئيس الصيني اختار الإمارات لتكون أول دولة عربية يزورها بعد تجديد الثقة له لفترة جديدة كرئيس للصين، وبعد تعديل دستور الحزب الشيوعي، وإضافة اسمه في الدستور كمؤسس ومنظر لمرحلة حديثة من الاشتراكية الحديثة تحمل اسمه، وبعد تعديل الدستور الصيني والسماح بتولي الرئيس للحكم لأكثر من دورتين.

إذاً نحن أمام مرحلة تاريخية حاسمة من تاريخ الصين، وعندما يقرر شي جينغ بينغ أن تكون زيارته الأولى لدولة عربية هي للإمارات وليس غيرها فنحن أمام زيارة تاريخية، سيترتب عليها تغير كبير في شكل التعاون الصيني العربي، وستكون الإمارات ركيزة ومركزاً لهذا التعاون.

اقرأ أيضاً: لماذا توصف زيارة الرئيس الصيني للإمارات بالتاريخية؟

ويصاحب الزيارة الكثير من الفعاليات الثقافية والفنية، وتوقيع عدد مهول من اتفاقيات التعاون بين الجانبين، وكلها تركز على صناعات الجيل الثالث، أو صناعات الأفكار والأدمغة، وتتخطى عامدة عصر تبادل البترول والبضائع، كما تشهد عدداً كبيراً من اتفاقيات الاستثمار الصيني في الإمارات، والتي بدورها هي أكبر مستثمر في المنطقة العربية، وهذا مؤشر إلى أنّ الإمارات ستكون مركزاً إقليمياً مهماً للاستثمارات الصينية الكبيرة جداً، ومن ثم نقلها عبر شراكة صينية إماراتية إلى المنطقة، أضف لذلك اختيار الإمارات لتكون محط توقيع الرئيس الصيني لكتابه الجديد، وهذا ذو بعد إنساني ثقافي وفكري مهم يعطي زخماً أكبر للزيارة، ويمكن من خلال قراءة مقال الرئيس الصيني في الصحف الإماراتية الذي نشر أمس أن تتعرف على الأهمية القصوى التي توليها الصين تجاه الإمارات. وسنشهد تقارباً كبيراً صينياً عربياً عن طريق الإمارات العربية خلال السنوات القادمة.

تم اختيار الإمارات لتكون محط توقيع الرئيس الصيني لكتابه الجديد

شهدت السنوات الأخيرة تنامياً سريعاً في العلاقات الإقتصادية الإماراتية الصينية، هل تنامت العلاقات الثقافية بالقدر نفسه؟

الصين، كما أعلن الرئيس الصيني في مقاله، بصدد إنشاء مركز ثقافي صيني في أبوظبي، أضف إلى ذلك أنّ "بيت الحكمة" في الصين توصل لاتفاق مبدئي سيتحول لمذكرة حسن نوايا بينها وبين مجموعة تشانغ جيانع الصينية للإعلام والنشر ودائرة أبوظبي للثقافة والسياحة لإنشاء مركز ثقافي صيني عربي متكامل يعمل في الإطار الشعبي وليس الحكومي، هناك أيضاً دار نشر إنتركونتننتال الصينية افتتحت فرعاً لها ومركز تحرير وتأليف صيني عربي في أبوظبي، وهناك قناة صينية تلفزيونية خاصة مقرها دبي اسمها "الفضائية الصينية العربية"، كما أنّ هذا الأسبوع  شهد تلوّن الإمارات ثقافياً باللون الأحمر؛ لون علم الصين، وكل الصحف والمنشورات والبرامج تتحدث عن الثقافة الصينية، وهناك أطروحات لإنشاء متحف للشاي الصيني في أبوظبي، وستعرض الأفلام الصينية في الإمارات في نفس يوم عرضها في دور العرض ببكين، هناك أيضاً مشروع تبادل ترجمة ونشر سيوقع قريباً بين الجانبين. وأعتقد أنّ الصين تهدف لجعل الإمارات مركزاً ومحطة لنشر ثقافتها في الشرق الأوسط، كما أنّ الثقافة الإماراتية مرحب بها جداً في الصين، وهناك مركز زايد للدراسات في بكين الذي خرّج أكثر من ألف متحدث صيني باللغة العربية.

بيت الحكمة

"بيت الحكمة" ليس له علاقة مباشرة بأي تنسيق مباشر للفعاليات

شارك "بيت الحكمة" في التنسيق الكامل لفعاليات الأسبوع الإماراتي الصيني، في البداية نرغب بالتعرف على مؤسسها أحمد السعيد، واختصاصاتها في المنطقة العربية؟

"بيت الحكمة" ليس له علاقة مباشرة بأي تنسيق مباشر للفعاليات، هو أحد الجهات المتعاونة والمشاركة مثل غيرها من الشركات الصينية، وليس هناك ما يمكن أن يطلق عليه تنسيق رسمي بين الحكومات عن طريق شركات خاصة أو مؤسسات تجارية؛ ولكن لأنّ "بيت الحكمة" يعمل في مجال التعاون الثقافي بين الصين والدول العربية، فهو يسعى لإنجاح أي جهود تعاون بين الجانبين، ويسخر جهوده في خدمة الطرفين، وتحت إشراف حكومي طبعاً. وبالنسبة للتعريف ببيت الحكمة فهو كالتالي:

اقرأ أيضاً: لماذا اختار الرئيس الصيني زيارة الإمارات؟

تعمل مجموعة بيت الحكمة للصناعات الثقافية في مجال التبادل الثقافي بين الصين والدول العربية، وتمتلك تسع شركات تعمل في هذا الحقل الثقافي بين الجانبين بكل مجالاته، ومنها شركة بيت الحكمة للاستثمارات الثقافية بمصر، مدرسة بيت الحكمة للغة العربية بالصين، وشركة بيت الحكمة للتبادل الثقافي عبر الإنترنت بالصين، وشركة بيت الحكمة للتنمية الثقافية بالصين، وفرعا بيت الحكمة بالإمارات والمغرب، وبيت الحكمة أنشئ بشراكة مصرية صينية منذ عام 2011 وتوسعت في أعمالها التي تهدف في المقام الأول لتكون منصة مهمة ومؤثرة للتعاون الثقافي الصيني العربي، وتعمل المجموعة حالياً في عدة مجالات ثقافية هي: النشر والترجمة وتجارة حقوق النشر، وأفلام الرسوم المتحركة والبرامج والأفلام الوثائقية وحقوق البث، وبنوك المعلومات الرقمية للمحتوى العربي الصيني، وتجارة الكتب الإلكترونية، والترجمة الإلكترونية، وإنشاء أكبر موقع ترجمة بين اللغتين في العالم، توزيع الكتب الصينية في العالم العربي وتوزيع الكتب العربية في الصين عبر مكتبة بيت الحكمة الرقمية ورفوف الكتب التي تتعاون فيها مع المكتبات الكبرى في مصر والصين، والتدريب والتأهيل والدورات التدريبة في كل مجالات اللغة، وأخيراً الصناعات الثقافية بكل أنواعها وتطوير مجال الصناعات الثقافية في الوطن العربي استناداً إلى الخبرة الصينية.

الأسبوع الإماراتي الصيني

ومنذ نشأة بيت الحكمة وحتى الآن تم تصدير حقوق أكثر من 500 كتاب صيني للدول العربية وأكثر من 50 كتاب عربي ترجم ونشر بالصين وتنظم المجموعة كل سنتين مؤتمراً دولياً للناشرين الصينين والعرب يعقد في بكين، كما تمثل الجانب العربي في معرض بكين سنوياً، وتشارك في أكبر المعارض العربية بشكل فعال وعبر سلسلة من الفعاليات التي تصاحب مشاركتها مثل؛ معارض القاهرة والدار البيضاء وأبو ظبي والدوحة والشارقة والجزائر.

اقرأ أيضاً: انطلاق الأسبوع الصيني الإماراتي.. هذه فعالياته

وتنظم بيت الحكمة سلسلة من الفعاليات الثقافية الكبرى سنوياً في معرض القاهرة الدولي للكتاب، بالتعاون مع الهيئة المصرية العامة للكتاب، وكذلك في الدار البيضاء بالتعاون مع وزارة الثقافة المغربية وهي المنسقة للمشاركة الصينية في معرض أبوظبي. وتصدر بيت الحكمة جريدة حكومية صينية خاصة بالعربية والصينية أسبوعياً في الصين.

اقرأ أيضاً: الصين تعزز التقارب التجاري في العالم.. ودبي شريكها المحوري

وقد حصلت مجموعة بيت الحكمة هذا العام على تصديق بإنشاء (مركز بيت الحكمة لحقوق النشر والترجمة والنشر بين الصين والدول العربية) من خمس هيئات صينية هي (وزارة الثقافة – وزارة التجارة – وزارة المالية – وزارة الدعاية – الهيئة الوطنية للصحافة والنشر والإذاعة والتلفزيون)، وتصديق آخر من هيئة التنمية والإصلاح الصينية بإنشاء (مركز بيت الحكمة الرقمي للمعرفة العربية، ومنصة الترجمة الصينية العربية على الإنترنت)، كما أنها مؤسسة معتمدة من الحكومة الصينية لنقل الثقافة الصينية للخارج على المستوى الصيني الوطني، وتتعاون بيت الحكمة مع أكثر من 40 دار نشر عربية والغالبية العظمى من الناشرين الصينين، كما أنها مستشار ووكيل لأكبر كيانات النشر الصينية في المنطقة العربية، ومؤخراً راحت تنتج أفلام الرسوم المتحركة والأفلام الوثائقية وتجهز حالياً أضخم عمل رسوم متحركة عربي صيني سيطلق في أبوظبي نهاية العام المقبل. وتستعد بيت الحكمة أيضاً لطرح أسهمها في البورصة الصينية خلال العام المقبل وتتجازز قيمتها السوقية تبعاً لجهات التقيميم الصينية عشرة ملايين دولار وتمتلك 102 موظف ثابت و50 مترجماً وخبيراً يعملون بشكل جزئي.

هل يوجد مسمى رسمي للدور الثقافي الذي تقوم به بين الصين والوطن العربي؟

لا توجد في الحقل الثقافي مسميات رسمية تمنح لمؤسسات خاصة أو أشخاص، وهو شيء مضر ولا أجد مثل هذا المسمى لأي شخص في العالم، ولا يمكن لبيت الحكمة أن تدعي ذلك، نحن ننسق التعاون بين الجهات الرسمية في الدول العربية والصين، وحصلنا على تصديق من خمس وزارات صينية بأن بيت الحكمة "مؤسسة لنقل الثقافة الصينية للخارج على المستوى الوطني الصيني"، ولكن هذا ليس مسمى رسمياً ولا يمكن أن ندعي ذلك، هناك جهات حكومية تتعاون، وبيت الحكمة كشركة تجارية تنفذ الاتفاقات تحت غطاء الجهات الحكومية، أو تنسق لذلك بدون أي مسميات، هناك مراكز ثقافية حكومية تابعة لحكمة الصين وحكومات الدول العربية ودور بيت الحكمة لا يمكن أن يتخطى هذه المراكز أو يسبقه.

أدب عربي فى الصين

الصين لديها مشاريع كبيرة لنقل أعمالها الأدبية للخارج

هل نستطيع أن نقول بوجود أدب عربي في الصين تأثر به المثقف الصيني؟

مؤخراً أصبح هناك تواجد ملحوظ، سابقاً كان هناك فقط أدونيس ومحمود درويش ويليهما نجيب محفوظ من حيث التأثير، الآن ومن خلال مشروع تبادل الترجمة والنشر بين الصين والدول العربية الذي أشرف بالتنسيق له، أصبح هناك أسماء مثل؛ بهاء طاهر، وجمال الغيطاني، وعزت القمحاوي، ويحيى الطاهر عبدالله، وصبري موسى، وغيرهم، أيضاً هناك خارج هذا المشروع أعمال علاء الأسواني الثلاثة الأخيرة ستصدر خلال شهور بالصينية، وكتاب "حياة محمد" حقق مبيعات جيدة جداً، المشكلة فقط في غياب الدعم العربي الرسمي لترويج الأدب والثقافة العربية في الخارج، وخاصة الصين، الصين لديها مشاريع كبيرة لنقل أعمالها الأدبية للخارج ولا يوجد مثل ذلك في الدول العربية. الصين هي التي تنفق على ترجمة الأدب العربي للصينية.

كيف ترى أهمية تحويل الاحتفال بالأسبوع الإماراتي الصيني إلى مناسبة سنوية؟

الإجابة مرتبطة بالسؤال السابق، الإمارات لها دور إقليمي متعاظم، والصين ترى ذلك بوضوح، كما أنّ الصين تتمتع بالقدرة الفائقة على الحشد المحلي، إذا زرت أي مكان بالإمارات اليوم، وخصوصاً أبوظبي، سوف تشعر بأنك وسط أجواء صينية، الكل يتضافر لإنجاح الزيارة وتنفيذ الأسبوع الصيني، وهذا لا يقدر عليه بهذا الاحتراف وهذه الإمكانيات سوى الإمارات؛ نظراً لقوة الحكومة فيها، وتجاوب المواطنين، ومقارنة بأي دولة عربية فالإمارات بلا شك هي الأنسب والأجدر تنظيماً وحشداً لإنجاح مثل هذه التظاهرات، الإمارات عبر هذه التظاهرات الثقافية يمكن أن تعيد دمج مقومات الثقافة العربية كاملة، وجمع منابعها من دول الزخم الثقافي مثل، مصر، وسوريا، والعراق، والمغرب، وفلسطين، وتقديمها للعالم كثقافة عربية واحدة، وهو تحالف عربي نأمل أن تدعمه الإمارات ثقافياً.

اقرأ أيضاً: العرب والتجربة الصينية

الثقافة العربية غنية ومتنوعة وتحتاج لمن يدعمها ويجمعها ويظهرها، والأسبوع الصيني الحالي هو فرصة ومنصة ليتحول لأسبوع ثقافي عربي صيني مقره إماراتي ومنبعه الدول العربية، ويمكن تكراره عربياً في الصين أيضاً عن طريق الإمارات.

طريق واحد حزام واحد

مبادرة الحزام والطريق تهدف لربط العالم بروابط جديدة مهملة

ما أهمية دور الإمارات في مبادرة "طريق واحد حزام واحد" التي أطلقها الرئيس الصيني عام 2013 للعمل على ربط الصين بالعديد من دول العالم؟

مبادرة الحزام والطريق تهدف لربط العالم بروابط جديدة مهملة، أهمها، روابط الإنسانية والتواصل بين قلوب وعقول الشعوب، وتضم المبادرة حالياً 68 دولة حول العالم، تهدف الصين لربطها بسكك حديد، وخطوط ملاحية، لتكون عالماً جديداً بلا أقطاب، والإمارات بوضعها وقوتها الحالية واستقرارها الكبير، وسط من حولها من الدول العربية ودول الشرق الأوسط ،خير شريك لمثل هذه المبادرة، أضف لذلك دور الإمارات الإقليمي وقوتها الاقتصادية ووصول مشروعاتها الاستثمارية لعمق أفريقيا وكل دول الشرق الأوسط، وقيادتها الواعية التي تستطيع تحويل الصحراء إلى أكبر مقصد سياحي في العالم، تسطيع أيضاً من منظور الصين أن تكون خير شريك لتحقيق مباردة ستعيد رسم خريطة العالم.

المجتمع الصيني كان منغلقاً لفترات طويلة وانتهى هذا بعد تولي الرئيس الحالي

ما مدى صحة العبارة القائلة بأن المجتمع الصيني مجتمع منغلق على ذاته؟

المجتمع الصيني كان منغلقاً على ذاته لفترات طويلة، وانتهى هذا تماماً بعد تولي الرئيس الحالي شي جين بينغ. الانغلاق أضر بالصين تاريخياً، وأخّرها لعقود طويلة، وعانت الصين من انغلاقها، وتعرضت للغزو عبر حربي الأفيون الأولى والثانية في القرن التاسع عشر، وأيضاً في الثورة الثقافية القرن الماضي، وهي الآن تدرك أنّ الانغلاق يضرها، الصين تاريخياً كانت في عصر ازدهار خلال حكم أسرة تانغ الملكية قبل 1600 عام، يفوق بكثير قوتها الحالية على الصعيد العالمي، وكانت مركزاً تجارياً حقيقياً للعالم، وبعد عصور سوداء من الانغلاق والبحث عن الطريق الذاتي للنهضة تعيد الصين الآن دورها العالمي، الآن السائح الصيني هو الأكثر سفراً وإنفاقاً في العالم، لا توجد دولة على وجه الأرض ليس فيها صينيون، لا يوجد منتج في العالم لا يباع في الصين، وإن كنت تقصد بالانغلاق هو حجب الصين لمنصات ووسائل التواصل الاجتماعي مثل (فيسبوك ويوتيوب وتويتر) فالصين صنعت قبل أن تحجبها بديلاً قوياً لها، والشعب الصيني لا يعرف أساساً بوجود هذه المنصات بل على العكس تسعى الصين لإخراج منصات التواصل الاجتماعي الصينية للعالم، مثل تطبيق ويتشات المقابل للواتس آب، الذي يبلغ مستخدميه 700 مليون مستخدم منهم 200 مليون خارج الصين. إذاً الصين ترسم خططها الداخلية بنفسها ولا تسمح لأي شيء أن يؤثر على استقرارها الداخلي بالدخول لها، كما أنها تتحكم جيداً في الإعلام والنشر، فهي لديها رؤيتها ومنطقها في ذلك، حيث إنّ دولة تملك خُمس سكان العالم بالتأكيد سيختلف نموذج حكمها عن دول العالم.

ماذا عن نمو الاقتصاد الصيني في الثلاثة عقود الأخيرة وتأثيره على طبيعة المجتمع الصيني ثقافياً واجتماعياً؟

للتعرف على النموذج الصيني في الاقتصاد يجب الرجوع للنظريات الصينية حول الاقتصاد، فلا يمكن تطبيق أفكار الاقتصاد الرأسمالي الغربي على الصين. الصين في عام 1978 وهي في قمة الفقر والعوز، طبقت سياسة الإصلاح والانفتاح وكان شعارها بالممارسة نصل للحقائق، أو الواقع هو الذي يثبت الحقائق وليس النظريات. النظرية الأخرى هي لا يهم لون القطة سوداء أو بيضاء المهم أن تصيد الفئران، كل هذا جعل الصين تجرب كل الخيارات الممكنة لتصل لنموذج صيني من التنمية الاقتصادية، ولكن الآن بعد وصول معدل الدخل للفرد الصيني لحاجز العشرة آلاف دولار سنوياً، فقد حدثت بعض المشاكل الاجتماعية، أهمها، غياب روح الحب والخير، غالباً، بسبب تسارع وتيرة الحياة الاقتصادية، أيضاً غياب أواصر الود بين المجتمع، نظراً للضغوط الاقتصادية، كما سببت سياسة الطفل الواحد بعض القسوة لدى الأجيال الصغيرة؛ نظراً لعدم وجود أقارب وأخوة وأخوات، فغابت مبادئ التشارك والتعاون غير المشروط، ولكن المجتمع الآن يستعيد توازنه ويكثف جهوده للعودة لمبادئ الثقافة الصينية التقليدية، التي تركز على الانسان أولاً. المجتمع الصيني الآن مجتمع غني، وأصبح يهتم بالتنمية الشخصية للأفراد، وهو أمر كان غائباً بنسبة ما سابقاً، هناك أيضاً مشكلة عدم مواكبة بعض فئات المجتمع الصيني للحداثة التي يشهدها المجتمع، وهناك بعض الباحثين الغربيين الذين يتحدثون عن أنّ الصين تشهد حالة تسمى، المكان يسبق الإنسان تطوراً، وأعتقد أنّ هذه المشكلة ستنتهي بظهور الأجيال الجديدة ووصولها لمواقع القرار.

الغزو الثقافي للعولمة

الصين تتحكم جيداً في الإعلام والنشر ولديها رؤيتها ومنطقها في ذلك

كيف تواجه الصين الغزو الثقافي للعولمة الغربية، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية؟

من حسن حظ الصين أنّ الغزو الثقافي الغربي، بسبب الأزمات الاقتصادية المتوالية وكثرة الصراعات والحروب، انكمش وتراجع كثيراً، ولكن بالفعل هناك تأثير بنسبة كبيرة لدى شباب الصين بالثقافة الغربية، والرئيس الصيني نفسه ذكر هذه المشكلة مرات عديدة، وشدّد على وجوب العودة للجذور، وعصرنه التقاليد الصينية، والحفاظ عليها، وأن تكون الصين وثقافتها في محور معادلة التعامل مع الخارج، وخطط الرئيس الصيني في ذلك تؤتي ثمارها بشكل جيد، الا أنّ الصينيين قلقون من ثقافة جيل مواليد ما بعد سنة 2000، الذي يتضح جداً تأثره الكبير بالثقافة الغربية وعدم معرفته الكافية بثقافتة المحلية، وهي إحدى معضلات الصين الحالية الكبرى.

حدّثنا عن القوى الناعمة وتوجه الصين عقب أحداث "الربيع العربي" نحو نشر ثقافتها في المنطقة العربية والعالم.

الصين لا تراه ربيعاً، ولكنها ترى أنّ ما حدث فرصة مناسبة ليكون لها دور في الساحة الدولية، والمقولة المشهورة وصلت الصين: من يتحكم في الشرق الأوسط يتحكم في العالم كله. ولذلك دخلت الصين لعبة القوى الناعمة ثقافياً، ولكن بخطوات صغيرة ومحاولات جس نبض، ولكن ما سيحدث مستقبلاً وبدايته زيارة الرئيس الصيني للإمارات سيكون مختلفاً بلا شك وبداية عصر جديد للوجود الصيني في المنطقة والعالم.

اقرأ أيضاً: هل تعيد الصين تشكيل العالم اليوم؟

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الفنان محمد نصر الله: المخيم علّم ألواني الحب والحرية

2020-02-25

أجرت الحوار: رشا سلامة


قلّما تكون فلسطين حاضرة في نتاج مبدع ما، بشكل كامل غير منقوص البتة، كما يحدث لدى الفنان التشكيلي، محمد نصر الله؛ إذ لا تكاد الذاكرة تحصر له عملاً واحداً لا يستحضر فيه فلسطين، بدءاً من الألوان التي تحاكي الجغرافيا الفلسطينية، مروراً بمحطات القضية الفلسطينية تاريخياً، وليس انتهاءً بأسماء معارضه وحديثه هو نفسه عن نتاجه.

اقرأ أيضاً: التشكيلي السوري لؤي كيالي: الرائي الذي اختطفته النيران

حياة نصر الله، المولود عام 1963، في مخيم الوحدات في الأردن، لأبوين هُجّرا من قريتهما المقدسية "البريج"، مرتبطة كذلك، بتفاصيلها كلّها بالقضية الفلسطينية؛ إذ لا تكاد عبارة واحدة لنصر الله، أو لفتة، أو موقف تواصل اجتماعي يخلو من ذِكر فلسطين.

كنت في المخيم أمشي وأنا أسمع جوقة موسيقية صامتة حولي لم تتوقف في يوم عن الغناء للحبيبة الغائبة فلسطين

يقول محمد نصر الله إنّه تمرّد على قيود الوظيفة ولم يحتمل محدّداتها، كما أطلق لنفسه العنان، طوال الأعوام الماضية، للخروج عن دوائر المألوف والمتوقَع، فأقام معرضه الثاني "أناشيد التراب 2" بينما كانت حرب الخليج تقرع طبولها، رغم تحذيرات كثيرين له من أنّ الوقت غير مواتٍ لهذا، كذلك هو محمد نصر الله، الذي لم يدرس الفنّ التشكيلي ضمن قوالب معلّبة، ولا تتلمذ على يد أستاذ بعينه، ولم يُحسب على مدرسة محدّدة، تماماً كما أراد طوال حياته.

كان لـ "حفريات" هذا الحوار مع الفنان التشكيلي، محمد نصر الله، الذي درسَ الفنون في معهد الفنون الجميلة، كما حصل على دبلوم فيها من المركز الثقافي الإسباني في عمّان، والذي يعكف على مشروع جديد، عنوانه الأبرز فلسطين، كما هو دأبه دوماً.

- بعد مرور هذه الأعوام، التي أمضاها محمد نصر الله بين المخيم والفنّ الذي ما برح المخيم؛ هل ثمة شعور باليأس من طول المسافة؟ تبدو الدرب طويلة جداً نحو التحرير، وتحديداً على ضوء المعطيات الأخيرة، هل تعِب نصر الله؟

أدين بكلّ شيء للألوان والمخيم؛ ذلك أنّه علّمني الحب والحرية، رغم عتمة هذا الكون المليء بالهموم والأحزان، ولم أتعب يوماً؛ بل بقيت طفل المخيم الصغير الذي لم يبلغ سنّ الرشد بعد؛ أحبو على عتبات بيوت المخيم وأتعلّم كلّ يوم.
مخيم الوحدات كان أكبر من قصة، وأكبر من رواية، لقد حمّلني المخيم بتجارب كثيرة منذ طفولتي، وهي التجارب التي ما أزال أتتلمذ على يدها حتى هذه اللحظة.

اقرأ أيضاً: تشكيلي أردني يرسم "فاكهة الجنة" ويحتفي بموائد الطبيعة الصامتة
لطالما كنت في المخيم أمشي وأنا أسمع جوقة موسيقية صامتة حولي، وهي الجوقة التي لم تتوقف في يوم عن الغناء للحبيبة الغائبة فلسطين.
لم أتعب، ولم يتراجع أملي يوماً ما في أنّ الحرية قريبة جداً، هكذا تبشّر اللوحة.

-  تبدو الحرية منظومة متكاملة لدى محمد نصر الله؛ إذ لم تقف عند حدود فلسطين، بل لطالما كان أحد المبدعين الذين لم يرضوا بتكبيل ذاتهم بقيود وظيفية؛ إلى أيّ مدى وجدت هذا قراراً مريحاً صائباً أو صعباً؟

لا أحتمل الحياة الوظيفية، بكلّ قيودها الزمنية؛ لأنّها مقتل للمبدع؛ لهذا تركتها مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وأخذت قراراً بأن أتفرّغ للفنّ، وما يزال هذا القرار معمولاً به لديّ حتى اللحظة.
الفنّ متنفسي الوحيد في هذا العالم، ولست حزيناً؛ لأنني وجدته سبيلاً لنفسي، ووجدته ملاذاً من هموم الدنيا كلها، وميداناً واسعاً أترافع فيه عن فلسطين وأتحدث فيه عن حياة المخيم، لم أخسر شيئاً، على العكس، ربحت لوناً لأتنفس منه وأطلّ على العالم كيفما أريد.

اللوحة التي لا تفيض حرية فاشلة إنسانياً على مستوى الفنّ وعلى مستوى الرؤية في أيّة بقعة من بقاع العالم

لطالما وضعت نصب عينيّ أني أريد حياة تشبهني، لا حياة على مقاسات الآخرين ورغباتهم وتوقعاتهم، وكان لي هذا.
وقد تمرّدت على القوانين والمتوقع منذ زمن طويل، لم أتلقّ الفنّ على يد أستاذ بعينه؛ لذا لست متأثراً بأحد، ولم أُدرِج ذاتي تحت تصنيف أيّة مدرسة في الفنّ التشكيلي، بل أطلقت العنان لذاتي، وحتى حين قرعت حرب الخليج طبولها، وكنت بصدد إقامة معرضي الثاني "أناشيد التراب 2" نصحني من حولي بالتريّث؛ لأنّ الوقت غير مواتٍ، لكني لم أستمع لهم، بل اعتقدت أنّ الحرب لن تحول دون تذوّقنا للجمال والاحتفاء به.
ذات مرة، كنت قد حضّرت لمعرض جديد ثلاثين لوحة، لكني بمجرد أن اهتديت لما يعبّر عني أكثر في لون اللوحة وملمسها، نسيت الثلاثين لوحة وانطلقت لتجربة جديدة مع اللون والتشكيل، لطالما أردت أن أكون هكذا: حراً من أيّ قيد قد يكبّلني، إن كان لا بدّ من قيود، فليرسمها الفنّ، لا الإنسان؛ ذلك أنّ الفنّ لا يمنح العالم إلا جمالاً، أنت هكذا كمن يضع العهدة في اليد الأمينة.

-  يرى كثيرون أنّ الإفراط في الغموض والرمزية في اللوحة، كما في باقي ضروب الفنون، قد يفضي لقلة إقبال الجمهور على الفنّ التشكيلي والإبداع عموماً؛ ما رأيك؟

اللوحة التي لا تفيض حرية فاشلة إنسانياً، على مستوى الفنّ وعلى مستوى الرؤية في أيّة بقعة من بقاع العالم.
ولهذا السبب، ليست لديّ مشكلة مع الجمهور بكافة فئاته؛ فحضوره لم يقلّ منذ انطلاقة تجربتي؛ لأنني أرسم ما يحدث داخلي، وأنقل قضايا شعبي والناس، رغم الرمزية.

اقرأ أيضاً: آدم حنين.. فنان تشكيلي يحول منزله إلى متحف
لهذا، لا بدّ من الحرية، ولا بدّ من ترك هامش حرية كبير للفنان، فليترك الكلّ متسعاً للفنان حتى يعبر عما يجول بداخله بالطريقة التي يراها صائبة فنياً وإنسانياً وإبداعياً، لكلّ تجربة تفاصيلها السرية، بدءاً من اللون؛ لهذا حين أرسم يحملني اللون بعيداً، ومنه أبدأ كلّ مرة مشروعي الفني، وأدخل في تفاصيل العمل وأجوائه ولا أفكر البتة فيما يتوقعه الآخرون وما يريدونه.

- الفنان التشكيلي محمد نصر الله هو شقيق الشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله؛ هل ثمّة تعاون قد نشهده بينكما، يتجاوز حدود أغلفة روايات إبراهيم الممهورة عادة باسمك؟ ويحيلنا هذا لسؤال حول جديدك الذي تعكف عليه.

ربما يحدث هذا يوماً، فالذي يجمعنا كثير؛ فلسطين ومخيم الوحدات والانحياز للحرية والجمال، لقد عبّر كلّ منا عن مفاصل كثيرة في القضية الفلسطينية، كلّ بأدواته؛ إبراهيم بالكلمة وأنا باللون، وأحسب أنّ كلّ واحد منا عبّر بما يراه مناسباً وقوياً وممثلاً له ولما يشعر به.

لم أتلقّ الفنّ على يد أستاذ بعينه؛ لذا لست متأثراً بأحد، ولم أُدرِج ذاتي تحت تصنيف أيّة مدرسة فنية

أؤمن بأنّ للوحة خصوصيتها، وأنّها حتى حين تترجم ما قالته قصيدة، فإنّ عليها منح القصيدة مزيداً من الألوان والأطياف والتفسيرات والمعاني.
ما أعكف عليه هو مشروع فني جديد، يعدّ استمراراً لما بدأت به منذ تفتحت عيني على الفنون، ومنذ لامس المخيم وعيي؛ ما أزال أتعلم وأجرّب وأختبر كلّ شيء بمتعة ودهشة، كما لو أنّها المرة الأولى، وستكون القضية الفلسطينية وما رافقها وحفلت به من تجارب إنسانية غنية هي زادي في هذه الرحلة الطويلة والممتعة، بقدر ما تبعث على الحزن والأسى في مرات؛ ذلك أنّني أتمنى لو كانت فلسطين حرة وخلّدنا هذه الحرية في اللوحات، عوضاً عن كلّ هذا الإرث الذي ما وسمه شيء بقدر الألم؛ لذلك أسعى في مشروعي الجديد إلى إكمال ما بدأته منذ أعوام، تاركاً للون والإحساس العنان ليقوداني حيثما يريدان، وحتى الإطار الزمني الذي تفرغ فيه هذه اللوحات متروك للشعور.
حين أشعر بأنني عبّرت عن كلّ ما يعتمل في داخلي، في هذه الفترة، أكون قد فرغت.

للمشاركة:

سعيد ناشيد: حكومة العدالة والتنمية أصدرت أسوأ القرارات وأشدها إيلاماً

2020-02-17

أجرت الحوار: إلهام الطالبي


أسّس الكاتب والمفكر المغربي سعيد ناشيد، "الشبكة المغربية لضحايا حكومة العدالة والتنمية"، التي تضمّ مجموعة من الشخصيات السياسية والثقافية والنقابية بالمغرب.
"الجبهة ترحّب بضحايا كلّ القوانين والقرارات المجحفة التي اتخذتها حكومة العدالة والتنمية، علماً بوجود قوانين بالغة الخطورة لا يعرفها إلا القليلون، وتمّ تمريرها في صمت احتيالي غير مبرّر، وفق أسلوب الحيل الفقهية الذي يتقنونه، ونرى أنّه لا يليق بدولة المؤسسات"، يقول ناشيد في ندائه الذي استجاب له مواطنون مغاربة وشخصيات عمومية.

اقرأ أيضاً: سعيد ناشيد: الإسلام السياسي دمر مفهوم الوطن بشعارات دينية جياشة

وفي هذا الحوار مع "حفريات"؛ يُجيب الكاتب المغربي، سعيد ناشيد، عن أسباب تأسيسه لشبكة ضحايا حكومة العدالة والتنمية، ويتحدث عن أهداف هذه الشبكة؟ وهل يُمكن أن تتصدى لمشروع الإسلام السياسي بالمغرب؟ 

حكومة العدالة والتنمية هي الأكثر تطبيقاً لتعاليم البنك العالمي وصندوق النقد الدولي

لماذا قررتم تأسيس الشبكة المغربية لضحايا حكومة العدالة والتنمية خلال هذه الفترة بالضبط؟
جاء قرارنا بالعمل على تأسيس الشبكة المغربية لضحايا حكومة العدالة والتنمية في سياق يتسم بتدهور الأحوال الاجتماعية للمواطنين، وارتفاع الهشاشة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وأما على المستوى السياسي؛ فالمُلاحظ استشراء انعدام الثقة في المؤسسات، وخلط الأوراق بين أدوار كلّ من الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني، فضلاً عن ضمور الفاعلية السياسية، وتدهور الأخلاق، وانسداد الأفق، وتفشّي قيم الريع والمحسوبية والصدقات بدل العمل والتضامن والإنتاج.

كلّ تحالفات الإسلام السياسي، سواء مع السلطة أو الجيش أو أمريكا أو اليسار انتهت جميعها إلى اصطدام دراماتيكي

أمام هذا الوضع تُصرّ الحكومة على التنصل من مسؤولياتها وتفضّل التذرع بنظرية المؤامرة وثقافة المغلوبية، وبذلك النحو تُحاول دغدغة غرائز الجموع، وذلك رغم أنّ الدستور الحالي يمنح لرئيس الحكومة صلاحيات لم يمنحها أيّ دستور سابق لرئيس الحكومة.. رئيس الوزراء.
مُقابل ذلك كلّه تُعاني المعارضة من عجز وظيفي، وعوز في الوسائل التي أهملتها بفعل تواكلها على الخطاب الحداثي للدولة، وبذلك النحو فوتت على نفسها فرصة امتلاك أدوات الضغط الضرورية، من قبيل العمل النقابي والجمعوي والإعلامي، رغم أنّ المنتظر كان وجود معارضة حداثية قوية لحكومة تنهل من الإسلام السياسي.
فوق ذلك نرى النقابات بدورها شبه مشلولة، رغم أنّ حكومة العدالة والتنمية هي الأكثر تطبيقاً لتعاليم البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، وهي التعاليم التي أجهزت على كثير من المكتسبات.
أين تكمن المعضلة في نظركم؟
عموماً، تكمن معضلة بعض قوى الحداثة التي حاولت التصدي للمشروع الأصولي في ثلاثة اختلالات أساسية:
أولاً: عدم استقلالها عن السلطة، بل لقد دفعها التعويل على الخطاب الحداثي للدولة في المستوى الرسمي إلى الكسل والتواكل، ما سمح باختلال في موازين القوى لصالح القوى الأصولية، وهو الاختلال الذي يهدّد بالإجهاز على ممكنات الانتقال الديمقراطي الحداثي في المغرب، والانقلاب على روح ما سمّي بـ "العهد الجديد".

اقرأ أيضاً: أزمة صامتة بين المغرب وتركيا بسبب ليبيا وقمة كوالالمبور
ثانياً:
ثقافة الريع في بعض الأحيان، وهو المرض الذي أصاب كثيراً من القوى وانتهى إلى شلّ فاعليتها، من بينها أحزاب ونقابات ونخب جامعية.
ثالثاً: إغفال الأدوات الفكرية والثقافية، وتهميش النخب التي تشتغل على الإصلاح الديني، رغم أنّ المغرب يعتلي طليعة حقيقية في هذا المجال؛ حيث ظنّ الكثيرون أنّ المعركة ضدّ الفكر الأصولي يُمكن اختزالها في البعد السياسوي عبر الانتخابات أو الخطاب الحزبي أو ثقافة التفاهة أحياناً.

ما هي أهداف شبكة ضحايا حكومة حزب العدالة والتنمية؟
حين نتحدث عن الضحايا، فالمطلوب، بلا شكّ، هو الإنصاف، ويكون الإنصاف هذه المرة عبر مُراجعة كلّ القوانين التي أصدرتها حكومة العدالة والتنمية، سواء خلال فترة عبد الإله بن كيران، أو إبان فترة سعد الدين العثماني.
في هذا الإطار، بوسعنا أن نعتبر أنّ نضالات التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد تندرج ضمن سياق فاعلية ضحايا حكومة العدالة والتنمية، وهي دليل إضافي على حاجة المغرب اليوم إلى فاعليات مُستقلة بالفعل، بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى.

اقرأ أيضاً: هل تتحمّل حكومة الإسلاميين بالمغرب فشل التعليم؟
كما أنّنا نعتقد بوجود فاعليات أخرى تندرج ضمن هذا الإطار، من قبيل مركز الشهيد آيت الجيد مثلاً، والذي يُكافح من أجل الحقيقة والإنصاف في قضية مقتل الطالب اليساري، آيت الجيد، قبل أعوام مضت، وضمن المتهمين هناك أحد قادة حزب العدالة والتنمية، والملف ما يزال معروضاً أمام القضاء.

حكومة العدالة والتنمية هي الحكومة التي أصدرت أسوأ القوانين والقرارات

الزعيم السابق لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بن كيران، كان قد صرّح عدة مرات، بأنّ هناك جهات تقف عائقاً أمام أداء حزبه لمهامه، ما رأيك في ذلك؟

يتعلق الأمر بلعبة بالغة الخطورة والضرر، حذرنا منها مراراً، وقد تفنن بن كيران في لعبها، فقد كان بوسعه أن يتخذ أسوأ القرارات، ثم يلتف عليها بأسلوب مزدوج؛ حيث يظهر أمام الدولة كأنّه "ملكي أكثر من الملك"، فلا يطبق سوى ما يريده "سيدنا"، مدعياً بعد ذلك أنّه يستشيره على الدوام، ولا يفعل إلا ما يرضيه، ثم سرعان ما يلقي بالمسؤولية على كاهل "الدول العميقة" أمام قواعد حزبه وكتائبه الإلكترونية، سواء بدعوى أنّ "الدولة العميقة" تفرض عليه بعض الأمور، أو أنّها تمنعه من إتمام بعض الأمور، وكلّ هذا دون أن يرغمه أحد على توضيح ما هي تلك الأمور.

اقرأ أيضاً: هل ينتمي حزب العدالة والتنمية المغربي لتنظيم الإخوان المسلمين؟
إنّه اللعب على الغموض الذي يمنحه القدرة على إحراج الجميع دون أن يحاسبه أيّ أحد، لا سيما أنّه لا يتورع عن توظيف الخطاب الفقهي التقليدي، والذي هو حجة من لا حجة له.
لماذا تنحون باللائمة على حزب العدالة والتنمية، وتحمّلونه مسؤولية ما يعيشه المغرب من مشاكل على كافة الأصعدة، بينما هناك أحزاب أخرى تشكل الحكومة؟

حين ننتقد حكومة العدالة والتنمية اليوم فنحن لا نمنح شهادة حسن السيرة لأيّة حكومة سابقة أو حزب آخر، بما فيها حكومة عبد الرحمن اليوسفي، التي نرى أنّها، انطلاقاً من وجهة نظر التاريخ المقارن، بمثابة التجربة الأفضل ضمن الحكومات السابقة منذ استقلال المغرب، بل ننتقد الأسوأ، وهذا كلّ ما في الأمر.

اقرأ أيضاً: هل يسعى إخوان المغرب فعلاً لفصل الدين عن السياسية؟
لقد صدرت قوانين وقرارات سيئة عن حكومات سابقة، لا شكّ في ذلك، غير أنّ حكومة العدالة والتنمية هي الحكومة التي أصدرت أسوأ القوانين والقرارات، وأشدها إيلاماً للمُواطنين والموظفين والمتقاعدين.
عندما دشّن عبد الإله بن كيران عهده بخطاب "عفا الله عما سلف" فقد كان واضحاً بأنّ هناك من عليه أن يدفع ثمن "المال المسلوب".
في الفترة الأخيرة، تبنت القيادية في حزب العدالة والتنمية، أمينة ماء العينين، خطاباً حداثياً، وأضحت تدافع عن الحريات الفردية، هل هذا مؤشر على أنّ الحزب بدأ يعيد النظر في خطاباته ويجددها؟
ننظر إلى المراجعات بعين التقدير، غير أنّها ما تزال تُمثل حالات فردية محصورة، والمأمول أن تنتقل إلى حالة عامة، لأجل ذلك يحتاج حزب العدالة والتنمية، ومعه عموم الإسلام السياسي، إلى ثورة ثقافية.

القطيعة مع فقه الغزوات وبأنّ أنصار العدالة والتنمية هم أشبال ابن تيمية ما تزال عملاً شاقاً وبعيد المنال

إذ يجب أن يقطع الحزب نهائياً مع أيديولوجية حسن البنا وسيد قطب ويوسف القرضاوي، ليس فقط في مستوى الخطاب السياسي وإعلان النوايا، وإنما في مستوى البنية الثقافية والنفسية لأنصار العدالة والتنمية، حين نسمع خطابات في أجواء الغضب تتبجح بأنّ أنصار العدالة والتنمية هم أشبال ابن تيمية، على سبيل المثال، أو نحو ذلك مما تفوّه به بن كيران في أحد خطاباته الغاضبة، نفهم أنّ القطيعة مع فقه الغزوات ما تزال عملاً شاقاً وبعيد المنال.
مطلوب أيضاً القطيعة مع مفاهيم فقه التوسعات الإمبراطورية، من قبيل مفاهيم التدافع والاحتراب والجماعة واللواء وتقسيم العالم إلى مسلمين وكفار، وما إلى ذلك من مفاهيم تنتمي إلى العصر الوسيط.

استفاد المؤسسون من أجواء الصراع بين الدولة واليسار خلال سبعينيات القرن الماضي

مع اقتراب ذكرى 20 شباط (فبراير)؛ هل استفاد حزب العدالة والتنمية من احتجاجات عام 2011 بالمغرب ليترأس الحكومة؟
سيرورة صعود حزب العدالة والتنمية كانت جارية منذ عقود مضت، وذلك منذ استفاد المؤسسون من أجواء الصراع بين الدولة واليسار خلال سبعينيات القرن الماضي، وأثناء ذلك استفاد بن كيران، كما هو معروف، من دعم وزير الداخلية الأسبق، إدريس البصري، من أجل تفادي ثورة على النمط البولشيفي، أو ثورة على النمط الإيراني، غير أنّ أجواء ما كان يسمى بالربيع العربي شكلت فرصته السانحة لغاية التغول والتغلغل داخل دواليب الإدارة، لقد استفاد حزب العدالة والتنمية من أجواء ما كان يسمى بالربيع العربي، وأثناء ذلك أنتج خطاباً متعدّد الأبعاد؛ فقد قدم نفسه للدولة باعتباره الأقدر على حمايتها من الهزات، وذلك جراء قدرته على إنتاج خطاب شعبوي وغوغائي قادر على التلاعب بالطاقة الغضبية للناس، بيد أنّه، في المقابل، قدّم نفسه لقواعده ولعموم الناس باعتباره الأقدر على حماية "المستضعفين" ممن كان بن كيران يصطلح عليهم بالأشباح والتماسيح، وقدم نفسه للقوى الديمقراطية باعتباره الأقدر على مواجهة ما كان يسميه بن كيران "التحكّم"، وبهذا النحو من الأقنعة المتعددة تميزت تجربة العدالة والتنمية.
كيف ستتصدى شبكة ضحايا حكومة العدالة والتنمية لمشروع الإسلام السياسي بالمغرب؟
أهم ما يُمكن أن تفعله الشبكة؛ هو محاولة العمل على تجميع كلّ الفاعليات التي ينشئها ضحايا حكومة العدالة والتنمية، وذلك وفق ثلاث غايات أساسية:
أولاً: تفويت الفرصة على حكومة العدالة والتنمية في التنصل من مسؤوليتها فيما آل إليه الوضع جراء قراراتها المجحفة.
ثانياً: النضال بكلّ الوسائل المتاحة والمشروعة من أجل مراجعة كلّ القوانين والقرارات المجحفة التي صدرت عن هذه الحكومة.
اقرأ أيضاً: ما موقف الإسلاميين في المغرب من الأمازيغية؟
ثالثاً:
المحاسبة القانونية والقضائية لكلّ المتورطين في قضايا إرهاب أو عنف أو تطرف، والذين استفادوا من الاختلال في النسق السياسي العام قصد الإفلات من المساءلة أو العقاب.

كيف ترى مستقبل الإسلام السياسي بالمغرب؟

بعبارة واضحة؛ كلّ تحالفات الإسلام السياسي، سواء مع السلطة أو الجيش أو أمريكا أو اليسار، أو غير ذلك من التحالفات، قد انتهت جميعها إلى اصطدام دراماتيكي بين الطرفين، كلّ التجارب تُؤكد ذلك.
إذا نجح المغرب في جعل النهاية أقلّ دراماتيكية، فسيكون قد صنع الاستثناء بالفعل.
هل سينجح في ذلك؟
لا نملك أيّ توقع بهذا الخصوص، غير أنّنا قررنا عدم الوقوف موقف المتفرج.

للمشاركة:

منير أديب: الإمارات الأكثر نجاحاً في مواجهة الإرهاب وتلك هي الأسباب

2020-02-12

أجرى الحوار: حاتم زكي


قال الباحث المصري منير أديب إنّ داعش وغيرها من التنظيمات التكفيرية لا تمتلك مستقبلاً حقيقياً يضمن لها الاستمرار بالمنطقة برغم امتلاكها للعتاد العسكري، وشبكة تمويل ضخمة، وعدداً كبيراً من المقاتلين، لافتاً في حواره مع "حفريات" إلى أنّه "لا يجوز التعامل بشكل قانوني أو سياسي مع التنظيمات غير القانونية والتكفيرية التي تحارب الدولة، وتسعى لهدمها وانهيارها.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في السودان: مستقبل مظلم وموت محتمل
وأكد الخبير في شؤون الحركات الإسلامية المتطرفة والإرهاب الدولي أنّ المواجهة الفكرية مع الإرهاب تظل هي الحل الناجز، مشيداً بتجربة دولة الإمارات "التي تمثّل نموذجاً ناجحاً وفريداً في مواجهة التطرف عبر اعتمادها استراتيجية متكاملة تربط بين الفكري والأمني والعسكري".

هناك اختلافات وتناقضات في السياسات الدولية سمحت بظهور التنظيمات المتطرفة

وأضاف أديب أنّ عودة الدولة عبر المؤسسات الدينية والتعليمية يضعف تواجد تلك التنظيمات تلقائياً ويعمل على اضمحلالها، داعياً رجال المؤسسة الدينية الرسمية إلى "نقد التراث وتنقيته من أفكار وآراء وفتاوى تجاوزها الزمن، والمؤسسة الدينية هي وحدها المخولة بهذه المهمة".
يذكر أنّ منير أديب كاتب صحفي مصري، له عدة كتب في مجال الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، مثل: "خريطة الإرهاب المسلح"، و"الدولة الإسلامية فكرة زائفة أم حقيقة غائبة"، وكتاب "كلمات خلف القضبان، سهام الجهاديين أم روضة الزنازين؟"، وله كتاب تحت الطبع بعنوان "الإخوان المسلمون والعنف: قراءة في الأدبيات المجهولة للعمل المسلح".
وهنا نص الحوار:
مستقبل داعش والإرهاب

كيف ترى مستقبل تنظيم داعش، وما مدى قدرته على الانتشار في مناطق جديدة؟
أرى أنّ تنظيم داعش وغيره من التنظيمات المتطرفة لا يمتلك مستقبلاً حقيقياً؛ ربما سينجح في الاستيلاء على مناطق معينة لفترة، ولكنه سرعان ما ينهزم وينسحق، وداعش خير دليل على ما أقول بما سيطرت عليه من مناطق شاسعة بين العراق وسوريا في 29 حزيران (يونيو) 2014، إذ انهارت "دولته" بعد مرور خمسة أعوام، وبالتالي التنظيم ليس له مستقبل حقيقي لإقامة دولة وإن سيطر على الأرض، ولكن هذا ليس معناه انهيار التنظيم ما يجعلنا نتهاون في مواجهة تلك التنظيمات.

اتسم النموذج الإماراتي بامتلاك رؤية عامة لاستراتيجية متكاملة لمواجهة الإرهاب والتطرف

أعتقد أنّ هناك تحديات عديدة أمام العالم والإقليم والدول المعنية بهذا الشأن، وهو أن تسعى لمواجهة حقيقية وفعالة ضد هذا الخطر المحدق؛ فللأسف هناك دول إقليمية تدعم تلك التنظيمات مثل تركيا.
وهناك اختلافات وتناقضات في السياسات الدولية سمحت بظهور التنظيمات المتطرفة، وتؤكد عدد من التقارير الاستخباراتية العودة الشرسة لتنظيم داعش؛ فوفقاً لتقديرات استخباراتية فإنّ التنظيم يمتلك شبكة مالية واسعة تقدر بـ100 مليون دولار، ويمتلك أسلحة خفيفة وثقيلة، كما أنّه يسعى لامتلاك طائرات مسيّرة، وما يزال يضم عدداً من المقاتلين يتراوح عددهم بين (18 و30) ألف مقاتل كخلايا نائمة، والتنظيم للأسف نجح في الانتشار في بيئات حاضنة تنسجم مع أفكاره وخطابه التكفيري مثل غرب أفريقيا وشمال شرق آسيا وأفغانستان وليبيا، ودول كثيرة كمناطق بديلة للموصل والرقة.

أثار التدخل التركي في الشأن الليبي تساؤلات عديدة حول خلفياته، فما هي الأسباب الحقيقية وراءه؟
هناك أسباب مباشرة لهذا التدخل منها دعم الجماعات المتطرفة التي تحالفت معها حكومة الوفاق في طرابلس، خاصة أنّ المنظمات المتطرفة والنظام التركي خرجا من مشكاة واحدة لها نفس الأيدولوجيا والرؤية والتفكير والسياسات.
وبالتالي الدعم التركي طبيعي ومنطقي، والنظام التركي يعيد تلك الجماعات للمشهد من خلال حمايتها وتجنيد مقاتلين وإرسالهم إلى ليبيا ويدعم كل من يعملون على عودة الخلافة العثمانية، وتمكين جماعة الإخوان المسلمين في الحكم، وتنصيب أردوغان سلطاناً للخلافة، ويضع يده في يد قطر، ويتوافق مع حزب النهضة في تونس، ويدعم الإخوان المسلمين المصريين وخاصة بعد ثورة 2013، ويستضيفهم على أراضيه كورقة لابتزاز النظام المصري سياسياً.

مواجهة الإرهاب

كيف ترى آليات مواجهة تلك التيارات المتشددة التي تنسب نفسها إلى الإسلام؟
هناك جوانب عديدة لمواجهة تلك التيارات المتشددة أمنياً وعسكرياً وفكرياً، الجانب الأمني يتعلق بمهاجمة الخلايا وتفكيكها، والجانب العسكري المتعلق بتوفير معلومات استخباراتية وتقديمها للأجهزة الأمنية لتفكيك الخلايا وإحباط مخططاتها، والجانب الفكري شديد الأهمية الذي يحتوي تجديد الفكر الديني ودعم الثقافة المستنيرة وإعداد مناهج تعليمية وبرامج ثقافية لتغيير أنماط الفكر المتطرف وزرع التسامح وقبول الآخر.

اقرأ أيضاً: حزب الإصلاح يحوّل اتفاق الرياض حصان طروادة لتصدير الإخوان إلى عدن
وبالتالي هناك عدة آليات أخطرها على الإطلاق الآليات الفكرية؛ لأنها مسؤولة عن تفكيك فكر الإرهاب ومواجهة الأفكار وتجفيف منابعها، وهناك فرق بين مواجهة الإرهابي ومواجهة الإرهاب؛ أي مواجهة الأفكار؛ لأن ذلك كالحرث في البحر، وهذا ما يحدث في كثير من العواصم العربية.
أشرت في أكثر من مقابلة ومقال إلى نجاح النموذج الإماراتي في مواجهة التطرف، فكيف ترى سمات هذا النموذج وأسباب نجاجه؟
اتسم النموذج الإماراتي بامتلاك رؤية عامة لاستراتيجية متكاملة لمواجهة الإرهاب والتطرف، ولعلها العاصمة العربية الوحيدة التي نجحت في تفكيك أفكار التنظيم على أراضيه، وتخلت عناصره طوعاً وبمحض إرادتهم عن أفكارهم المتطرفة.

لا يمكن مواجهة التنظيمات الإرهابية دون قراءة تلك الظاهرة قراءة علمية واعية

يمكن تلخيص تلك الاستراتيجية في عدة أدوات تتعلق بمواجهة أفكار التطرف: عبر إقامة مؤسسات معنية بنشر ثقافة التسامح ونبذ الكراهية مثل وزارة التسامح، بالإضافة إلى إشاعة الروح العلمية والنقدية في المناهج التعليمية؛ فهي صمام أمان للشباب ضد ما قد يتسرب لهم من الفضاء الإلكتروني من أفكار متطرفة، واللجوء لمواجهة الإرهاب خارج أراضيها الذي سينتقل إليها حتماً، فسخّرت إمكانياتها لمواجهة الإرهاب المعولم.
وأخيراً قراءة التنظيمات المتطرفة قراءة علمية واعية عبر المراكز السياسية المتخصصة والتعاون مع خبراء متخصصين في مجال مواجهة الإرهاب؛ فلا يمكن مواجهة تلك التنظيمات دون قراءة تلك الظاهرة قراءة علمية واعية وهذا ما يغيب عن العديدين في مواجهة هذه الظاهرة.
أخطاء التعامل الإسلام السياسي

كثيراً ما أكدت أنّ التعامل القانوني مع جماعة الإخوان المسلمين ظل غائباً في فترات الحكم السابقة، فما السبب وراء ذلك؟
أعتقد أنّ تفكيك الأفكار المؤسسة لتلك التنظيمات مثل توظيف فكرة "المظلومية الإخوانية" في استقطاب جمهور واسع من الشباب وغيرها من الأفكار المؤسسة لخطاب التطرف يجب أن تكون من أولويات المواجهة الفكرية ضد تلك الحركات الظلامية، ولا يجوز في رأي الشخصي أن نتعامل بشكل قانوني مع التنظيمات غير القانونية أو أن نتعامل بشكل سياسي مع التنظيمات التكفيرية التي تحارب الدولة، وتسعى لهدمها وانهيارها وتظل المواجهة الفكرية مع الإرهاب هي الحل الناجز، وإذا فككنا الأفكار المؤسسة لتلك التنظيمات انتهت هذه الجماعات لا محالة.

ألا ترى أنّ الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تدهورت في العهود السابقة ساهمت بصعود الجماعة؟
بكل تأكيد؛ الإخوان المسلمون ومثل هذه التنظيمات قدمت نفسها بديلاً للدولة عبر النشاطات الخيرية، كما قدمت نفسها دعوياً عندما اعتلى خطباؤها المنابر، وأعطوا الدروس الدينية في المساجد مستغلين غياب المؤسسة الدينية.

اقرأ أيضاً: مجلة فرنسية تحذر من خطر "أحفاد الإخوان" على أوروبا
كما أنّهم اخترقوا التعليم بتأسيسهم لمدارس تحت شعارات "إسلامية" لتفريخ أجيال جديدة تحمل مشروعهم السياسي، ولكن من المؤكد أنّه عندما تعود الدولة عبر المؤسسات الدينية والتعليمية يضعف ويضمحل تواجد تلك التنظيمات تلقائياً. والقاعدة تقول إنّ تلك الجماعات عندما تنتشر فهذا معناه غياب الدولة عن القيام بدورها السياسي والتعليمي والثقافي وعندما تحضر الدولة تغيب تلك التنظيمات.

لطالما شددت على ضرورة نقد التراث الديني التقليدي ودور المؤسسات الدينية الرسمية في الفهم الصحيح للدين، كيف تقيم هذا الدور في مواجهة خطاب التطرف؟
هناك دور كبير للمؤسسات الإسلامية الرسمية لمواجهة خطاب التكفير؛ فإذا غاب دورهم فقُل على الدنيا السلام، وهناك دور أعمق يجب أن تقوم به في مواجهة خطاب التكفير المنتشر بين الشباب، ومصر بها مؤسسات إسلامية عريقة وذات مكانة عليها أن تجتمع لتقديم رؤية متماسكة للرد على الخطاب التكفيري وتفكيكه، وستنتهي تلك التنظيمات بالرد عليهم ودحض انحرافاتهم وفهمهم المعيب والخاطئ للتراث.

على رجال المؤسسة الدينية الرسمية نقد التراث وتنقيته من أفكار وآراء وفتاوى تجاوزها الزمن

التراث من وجهة نظري ليس مقدساً؛ فما لا يناسب الواقع والمستقبل لا نأخذ به، وعلينا نقد التراث، ولا شيء مقدس بخلاف النص القرآني، وعلى رجال المؤسسة الدينية الرسمية نقد التراث وتنقيته من أفكار وآراء وفتاوى تجاوزها الزمن، والمؤسسة الدينية هي وحدها المخولة بنقد التراث.
انتقد كثيرون مؤسسة الأزهر لرفضها تكفير داعش؛ أنا أرى أنّ أهم ما يميز الأزهر على مدار تاريخه هو أنّه مؤسسة وسطية ومعتدلة ميّزت نفسها برفض التكفير، وهي ترفض مبدأ التكفير ذاته وليس تكفير داعش لأنّها داعش، والانزلاق في فخ تكفير الجماعات المتطرفة يفتح الباب لتكفير كل مخالف في الرأي والاعتقاد؛ وبالتالي تطبيق حد القتل بحق من ستكفّره تلك الجماعة وتلك، ويجعل الأزهر بمكانته العلمية الرفيعة يتشابه في النهاية مع الجماعات التكفيرية.

بدأ المتابعون يكتشفون حقيقة القنوات الإخوانية، فما هي الآليات التي تستخدمها تلك القنوات في مخاطبة مشاهديها؟
هناك أزمة حقيقة لدى الإعلام المسيّس الذي يذكر نصف الحقيقة فقط، ويستغلها كقميص عثمان في معاركه السياسية التي تستفيد منها الدول التي تستضيف تلك القنوات الفضائية لابتزاز الدولة المصرية.
وأغلب تلك القنوات تتعمد إرسال رسائل خادعة لجمهورها، وهي منصات وأذرع إعلامية لتنظيمات كجماعة الإخوان المسلمين وهي تدافع عنها بشراسة.
ومن أشكال تلاعبهم المبالغة في نسبة المشاهدة وخلط الحقائق بالأكاذيب، وهناك معلومات أدلى بها بعض العاملين في تلك القنوات تفيد بأنها ترفع شعارات غير حقيقية ليس لها علاقة بالواقع وتمارس عكسها، وهذا يجسد الفشل المهني والإعلامي، وهذه المنصات تهدد الأمن الفكري والاجتماعي نظراً لما يبث بها من أكاذيب تهدد الاستقرار الاجتماعي، وتحضّ على العصيان لمصلحة قوى سياسية معروفة الأهداف مثل الإخوان المسلمين.

للمشاركة:



تسريبات تثبت تورط أردوغان ونجله وصهره في قضايا فساد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

قدّم زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض بـتركيا، كمال قليتش دار أوغلو، أدلة لإحدى محاكم أنقرة، تثبت صحة تسجيلات مسربة منذ عام 2013، وتكشف تورط رجب طيب أردوغان في نهب المال العام.

 

وبحسب الأدلة التي وضعها محامي قليتش بين يدي قضاة المحكمة المدنية الابتدائية السادسة، في العاصمة أنقرة؛ فإنّ أردوغان متورط وعائلته في نهب المال العام، ما يكشف دورهما التخريبي وإدخال تركيا في أزمات اقتصادية كبرى، وفق ما نقلت "العين" الإخبارية عن صحيفة "جمهوريت" التركية.

كمال قليتش يقدم أدلة تثبت صحة تسجيلات مسربة منذ عام 2013 تكشف تورط أردوغان بقضايا فساد

وأظهر أحد التسجيلات الصوتية المسربة مؤخراً لأردوغان ونجله؛ أنّهما اشتريا شقة بلغت قيمتها 25 مليون دولار، يسأل فيه بلال، نجل أردوغان، والده: "يمكننا إعطاء 25 مليون دولار لتشيليك (رجل أعمال) والباقي سنشتري به شقة من شهريزار (مشروع عقاري بإسطنبول) ليردّ الرئيس التركي: افعلوا ما ترونه".

بينما فضح تسريب صوتي آخر مخطط أردوغان ونجله بلال، للانتقام من فتح الله غولن، الداعية التركي المقيم حالياً في واشنطن، بعد كشف وقائع الفساد الكبرى.

ووفق التسريب الصوتي؛ فإنّ بلال تحدث لوالده الرئيس التركي قائلاً: "نحن وسرهات شقيق وزير المالية بيرات ألبيرق صهر أردوغان، جلسنا واتفقنا على أنّه لا بدّ أن يدفعوا ثمن نوايانا الحسنة، ولا بدّ من أن نفعل شيئاً، لا بدّ لجماعة غولن من أن تعرف حدودها وينتهي هذا".

وتعقيباً على حديث بلال، ردّ أردوغان، خلال التسريب الصوتي: "هناك بعض الإجراءات التي ستتخذ اليوم بالفعل، وسيصل الأمر لذروته، لكن لا بدّ لعائلة سرهات أن تقدّم دعماً كبيراً لوسائل الإعلام مع الأصدقاء الآخرين".

وأزاح تسريب صوتي ثالث لمكالمة هاتفية بين أردوغان ونجله بلال الستار عن فضيحة فساد لعائلة الرئيس التركي، وتدخلهم في شؤون القضاء بالبلاد.

وخلال هذا الاتصال، قال بلال لوالده: "يا أبي، لا بدّ من القيام بعملية وحملة ضدّ رجال الأمن والنيابة العامة في أسرع وقت ممكن، لا بدّ من القيام بحملة ضدّ النيابة العامة وكبار جماعة غولن".

إلا أنّ الرئيس التركي قاطع بلال، قائلاً له: "يا بني، لا تخلط الأمور ولا تتحدث في مثل هذه الأشياء على الهاتف توقف عن هذا الحديث الآن".

وقال محامي زعيم حزب الشعب الجمهوري، جلال تشيليك: "اليوم رفعت ضدّي قضية جنائية بسبب التسجيلات التي قدمتها في القضايا المرفوعة ضدّ رئيس الحزب".

وأضاف: "في إطار الصلاحيات التي منحني إياها القانون أخذت تقرير الخبراء المتعلق بالتسجيلات السبعة، 6 منهم داروا بين أردوغان ونجله بلال، وآخر له مع رئيس إدارة الإسكان وقتها هالوق قارابيل".

وبحسب تسجيل فيديو منسوب للمحامي تشيليك، نشرته صحيفة "جمهوريت" التركية المعارضة، فإنّ تقرير الخبراء يؤكد بوضوح أنّ التسجيلات المنسوبة لأردوغان "صحيحة تماماً"، قائلاً: "كشفنا أنّه لا يوجد فيها أيّ مونتاج".

وكانت صحف تركية معارضة قد وصفت بلال، نجل أردوغان؛ بأنّه "وزير نفط داعش" لدوره الكبير مع صهره بيرات ألبيراق في تسهيل تهريب النفط الذي استولى عليه التنظيم المتطرف في سوريا، وتسويقه والتربح منه.

قضايا الفساد تتمحور حول شراء شقق وأراضٍ، والتضيق على القضاء وملاحقة الصحفيين والموالين لغولن

وأوضحت الصحف؛ أنّ قيمة أصول شركته البحرية التي يمتلكها بالشراكة مع عمه مصطفى أردوغان، وصهره ضياء إلجين، تضخمت إلى 180 مليون دولار، ونقل مقر الشركة إلى منطقة بيليربيي على مضيق البوسفور، ووصلت قيمة المقر الجديد لـ 150 مليون دولار.

وتمثل خطوات أردوغان هذه امتداداً لسلسة اضطهاد لمعارضيه؛ ففي 16 شباط (فبراير) الجاري فتحت سلطات الرئيس التركي تحقيقاً مع مراسلة إحدى صحف المعارضة؛ لقيامها بالكشف عن فساد صادق ألبيرق، والد وزير الخزانة والمالية بيرات ألبيرق، صهر الرئيس رجب طيب أردوغان، في مسألة "تسقيع الأراضي".

وبدأت سلطات أردوغان التحقيق مع مراسلة صحيفة "جمهورييت"، المعارضة هزل أوجاق، لكتابتها تحقيقاً صحفياً عن شراء ألبيرق أراضٍ على طريق قناة إسطنبول المائية عام 2003، قبل شراء أخرى ونقل ملكيتها للوزير نفسه عام 2012.

 واعتبرت السلطات التركية خبر الصحفية "إهانة" لوزير المالية، في حين أنّها لم تنفِ في الوقت ذاته ما كشف عنه التقرير.

التحقيق المذكور كان قد كشف هذه الواقعة، في كانون الثاني (يناير) الماضي، حيث ذكر أنّ والد الوزير كان قد اشترى 3 أفدنة في منطقة "أرناؤوط كوى" الواقعة على مسار القناة، وبعد أن أعلن أردوغان عن هذا المشروع، في 2011، اشترى 13 فداناً أخرى ونقل ملكيتها لنجله وزير المالية.

ووفق ما ذكره التحقيق؛ فإنّ الأرض المشتراة تقع ضمن حدود المنطقة السكنية في الخطة الجديدة لقناة إسطنبول، وأشار سماسرة عقارات وخبراء إسكان إلى أنّ "الأراضي الموجودة بتلك المنطقة زادت قيمتها السوقية بشكل كبير".

وتشير تقارير للمعارضة التركية إلى أنّ وجود أردوغان وحزبه على رأس السلطة، منذ 17 عاماً، سهل عملية نهب عائلته لأموال الشعب التركي وتكوين ثروات طائلة، عبر صفقات تجارية مشبوهة، في حماية أجهزة حكومة العدالة والتنمية.

للمشاركة:

تركيا تفاقم أزمة المهاجرين في اليونان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

بعد الخلافات التي طرأت على العلاقات اليونانية التركية، بسبب اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، التي عقدها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مع حكومة السراج في ليبيا، فتحت أنقرة الباب على مصراعيه أمام المهاجرين للتوجه إلى اليونان، في محاولة لمفاقمة الأزمة، جراء تكدس أعداد المهاجرين غير الشرعيين القادمين.

 

 

ولاحتواء ذلك الوضع المتأزم في الجزر اليونانية؛ بدأت السلطات باتخاذ تدابير لإعادة تنظيم مراكز الاستقبال، وقوبل لذلك بردود أفعال متباينة، سواء من جهة المهاجرين أو سكان الجزر اليونانية، وفق ما نقلت صحيفة "أحوال" تركيا.

تركيا تفتح الباب على مصراعيه أمام المهاجرين إلى أوروبا عبر اليونان في محاولة لمفاقمة الأزمة

وفي هذا الصدد؛ قالت الشرطة اليونانية وشهود عيان: إنّ "اشتباكات اندلعت في جزيرة ليسبوس، أمس، بين الشرطة وسكان يحتجون على بناء مركز احتجاز للمهاجرين".

وقال الشهود؛ إنّ "نحو 500 شخص حاولوا منع تحميل معدات ثقيلة تُنقل برفقة تعزيزات من الشرطة، استعداداً لبناء المركز على الجزيرة الواقعة في بحر إيجة".

وأعقبت ذلك اشتباكات في الشوارع وحاول السكان قطع الطريق إلى موقع البناء.

وسيتحول الموقع في ليسبوس إلى مخيم يُراقب دخوله عن كثب، وسيحلّ محلّ مخيم موريا المفتوح، وهو منشأة مترامية الأطراف صُممت لاستيعاب أقل من ثلاثة آلاف شخص، لكنّها تضمّ الآن أكثر من 18 ألفاً من طالبي اللجوء.

وتعتزم السلطات اليونانية بناء مراكز احتجاز على جزر ليسبوس وتشيوس وساموس وكوس وليروس، والجزر القريبة من تركيا، التي يأتي منها الآلاف من طالبي اللجوء الذين يقصدون أوروبا كلّ عام.

واتخذت الحكومة اليونانية المحافظة موقفاً أكثر صرامة تجاه الهجرة مقارنة بالحكومة اليسارية السابقة؛ حيث أصدرت مناقصة لبناء سياج عائم لردع طالبي اللجوء الذين يصلون عن طريق البحر، واستحداث إجراءات أسرع في التعامل، يمكن أن تزيد من عمليات الترحيل.

سكان الجزر اليونانية يعيقون عملية بناء مخيمات جديدة لاستقبال المهاجرين ويشتبكون مع السلطات

ويشعر السكان المحليون بالقلق من أنّ بناء هذه المراكز والتي ستحلّ محلّ المخيمات التي يمكن الوصول اليها بشكل مفتوح، مما سيجعل منها أماكن مكتظة بشكل دائم.

وتقول السلطات إنّ المراكز المغلقة ستوفر السلامة العامة بشكل أكبر، وتخلق مخاطر صحية محتملة.

وقال ستيليوس بيتساس، المتحدث باسم الحكومة اليونانية؛ إنّ هذه المخاوف تحظى بأهمية خاصة بسبب انتشار فيروس كورونا.

وقال بيتساس: "من الواضح أنه يمكن التعامل مع أمور مثل فيروس كورونا بسرعة وفعالية في منشأة مغلقة، لكن لا يمكن ذلك في منشأة فوضوية مفتوحة تعتبر قنبلة صحية موقوتة".

وعبر مئات الألوف الحدود إلى أوروبا من تركيا عبر اليونان، في عامَي 2015 و2016، قبل إبرام اتفاق توسط فيه الاتحاد الأوروبي للحدّ من تدفقهم، لكنّ أعداد الوافدين الجدد ارتفعت منذ أيلول (سبتمبر) 2019.

 

 

للمشاركة:

هل توقف المنظمات الإغاثية عملها في مناطق سيطرة الحوثيين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

عادت جرائم ميليشيات الحوثي وتضييقهم على المنظمات الإغاثية الدولية، ونهبهم للمساعدات، إلى الواجهة، مع تحذير مسؤول أمريكي من عزم الجهات الدولية المانحة وقف المساعدات الإنسانية للمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بسبب العراقيل التي تضعها الميليشيات.

وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية، وفق ما نقلت "رويترز": إنّ الجهات المانحة وجماعات المعونة تعتزم وقف المساعدات الإنسانية للمناطق الواقعة تحت سيطرة ميليشيات الحوثي في اليمن خلال الأشهر المقبلة، إذا لم تتوقف الميليشيات عن عرقلة وصول المساعدات.

مسؤول أمريكي يؤكد عزم الجهات الدولية وقف المساعدات إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين

كما أوضح المسؤول الأمريكي قائلاً: "ترسم كلّ جهة مانحة ومنفذة خططاً لكيفية التصرف إذا لم يغير الحوثيون سلوكهم على الأرض، ومن بين الخطط تعليق الكثير من برامج المساعدات، باستثناء البرامج اللازمة فعلاً لإنقاذ الحياة؛ كبرامج إطعام الأطفال المرضى وما شابه".

وأضاف: "الجميع يدرس إطاراً زمنياً مدته شهر أو شهران، تلك هي النقطة التي ستبدأ عندها جهات التنفيذ المختلفة تعليق بعض البرامج".

يذكر أنّ وكالات الإغاثة اشتكت طوال العام الماضي من ظروف العمل الآخذة في التدهور، ومن عدم صدور تصاريح السفر، ومن قيود أخرى تتعلق بتوصيل المعونات.

وفي هذا السياق؛ أعربت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية عن قلقها البالغ إزاء موقف الحوثيين الذي فاقم من أثر الأزمة بالتدخل في عمليات المساعدات.

مجلس الأمن يوافق على قرار تمديد العقوبات على قادة في الميليشيات الحوثية وعلى حظر الأسلحة لعام آخر

وقالت بوجا جونجونوالا، القائمة بأعمال المتحدث باسم الوكالة: "نعمل بدأب على إيجاد أسلوب يتيح استمرار تقديم المعونة الأمريكية بلا توقف، لكن نتخذ خطوات للتخطيط للقادم مع شركائنا بحيث يمكنهم تعديل برامجهم بشكل آمن ومسؤول في حال اضطررنا لخفض المعونة".

هذا وقد وافق مجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة، أمس، على قرار تمديد العقوبات الموجهة لقادة في الميليشيات الحوثية، وعلى حظر إرسال أسلحة للحوثيين لعام آخر.

 وأيدت 13 دولة القرار، في حين امتنعت روسيا والصين عن التصويت، وقالتا إنّ       صياغة القرار غير متوازنة.

كما عبّر المجلس في نصّ القرار عن "قلقه البالغ من الوضع الإنساني في اليمن، ومن جميع محاولات الإعاقة غير المبررة لتقديم المساعدات الإنسانية، بما في ذلك التدخل الأخير في عمليات الإغاثة بمناطق يسيطر عليها الحوثيون".

 

 

للمشاركة:



انتخابات إيران.. هل انتهى زمن الإصلاحيين في إيران؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-26

ترجمة: مدني قصري


شارك 42.57 بالمئة فقط، من الناخبين الإيرانيين، بمن فيهم 26.2 بالمئة في طهران، في الانتخابات التشريعية الأخيرة، والتي جرت يوم الجمعة 21 شباط (فبراير) 2020، ورغم أنّ نسبة المشاركة منخفضة تاريخياً، إلا أنّ هذه أقل نسبة منذ ثورة 1979، حيث تَوّجَت هذه الانتخابات، المرشحين المحافظين والمحافظين المتطرفين فقط، في حين تمّ استبعاد جزء كبير من الإصلاحيين والمعتدلين (بما في ذلك 90 نائباً منتهية ولايتهم مسبقاً)، من قبل مجلس حراس الدستور، الذي اعتبر ترشيحاتهم غير متوافقة من قبل الهيئة القوية - غير المنتخبة - في أيدي المحافظين.

اقرأ أيضاً: الانتخابات الإيرانية... عسكرة الثورة والدولة
يُحلّل الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في فريق "المعرفة النووية" في معهد سيري للعلوم السياسية Ceri-Sciences Po؛ كليمانت تيرم Clément Therme، والذي يعد أحد أفضل خبراء إيران في فرنسا، ونشر كتاب "إيران وخصومها، بين الأمة والثورة" مؤخراً، في هذه المقابلة، التي أجرتها معه صحيفة "لوبوان" الفرنسية، نتائج الانتخابات التشريعية الإيرانية، ويتناول آثارها على إيران والمنطقة. 
فوز المحافظين ليس مفاجئاً، فقد تم الإعلان عنه مسبقاً، من خلال الإقصاء الهائل للمرشحين الإصلاحيين

هل كان إعلان فوز الائتلاف المحافظ في الانتخابات التشريعية الإيرانية مفاجئاً؟
فوز المحافظين ليس مفاجئاً، فقد تم الإعلان عنه مسبقاً، من خلال الإقصاء الهائل للمرشحين الإصلاحيين، الأمر الذي يُذكرنا بما حدث خلال انتخابات 2004، حيث انخفض معدل المشاركة إلى 50 بالمئة في ذلك الوقت، إلّا أنّ نسبة المشاركة كانت أقل هذه المرة، حيث وصلت إلى 40 بالمئة فقط، لكن ما يثير الدهشة، هو أنّ النظام يعترف بسخط المواطنين الشديد، مع العلم أنّ المرشد الأعلى؛ آية الله خامنئي، قد دعا السكان إلى التصويت كواجب ديني ووطني، ومن الواضح أنّ هذا فشل شخصي للزعيم الأعلى، الذي شارك شخصياً في التعبئة.
كيف نُفسّر معدل المشاركة المنخفض؟
انخفاض معدل المشاركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، يمثل جزءاً من أزمة الثقة بين النظام والمواطنين، والتي تطوّرت وتفاقمت، بعد تحطّم طائرة الخطوط الجوية الأوكرانية، في 8 كانون الثاني (يناير) الماضي، بالإضافة إلى تأخر السلطات في نشر المعلومات المتعلقة بانتشار فيروس كورونا في إيران.

اقرأ أيضاً: هل نحن أمام إيران جديدة بعد الانتخابات البرلمانية؟
هناك بالفعل أزمة مصداقية اليوم، فيما يتعلق بإيمان المواطنين بكلمة الجمهورية الإسلامية، وفي هذا السياق، اعتبر السكان، أنّ المشاركة في الانتخابات وسيلة لإعطاء شرعية للنظام، لذلك رفض غالبيةُ المواطنين الإيرانيين هذه الانتخابات، خاصة في طهران، حيث وصلت نسبة المشاركة رسمياً إلى 25٪ فقط، علماً بأنّ السلطات رفضت نشر معدل المشاركة الدقيق.

ما الذي سيتغير حال انتقال البرلمان إلى الحضن المحافظ؟
لن يكون هناك الكثير من النقاش والجدل السياسي، حيث تمّ استبعاد أكثر النواب انتقاداً للنظام (الشخصيات المحافظة والإصلاحية المعتدلة)، لذلك سيكون البرلمان برلماناً مُخلِصاً جداً لآية الله خامنئي، الذي سيسعى إلى تعزيز خياراته الإستراتيجية؛ فالمحافظون المرتبطون بالدولة العميقة وبقوات الأمن، هم المفضَّلون دائماً من قبل نظام الجمهورية الإسلامية، وسوف يعتمدون على جهاز الأمن، ويعززون عملاء النظام، لتقديم وحدة وهمية سطحية، في مواجهة الضغوط القصوى من قبل الولايات المتحدة، كما سيساعد هذا الوضع في قمع قوى المجتمع المدني؛ كالحركات الاجتماعية للطلاب والمثقفين والنساء والأقليات العرقية، وسيكون الشعب أمام سلطة معزولة، ولكنها أكثر توحداً وتماسكاً، تتسامح أقل فأقل مع النقد في داخلها، في رأيي؛ سينصبّ النقاش من الآن فصاعداً على مستوى الشدة في النزعة المحافظة، وعلى درجة التوفيق بين غالبية المواطنين، الذين ما زالوا في حالة عدم ثقة تجاه النظام.
هل تلعب هذه الانتخابات دوراً في تعيين المرشد الأعلى القادم؟
لقد أتاحت هذه الانتخابات، في مرحلة أولى، إقصاء المرشحين المحتمَلين، فكان هذا حال الناطق السابق باسم البرلمان؛ علي لاريجاني، على سبيل المثال، فمن خلال المؤسسات غير المنتخبة، سيما مجلس حراس الدستور، الذي يقوم بالفرز على مستوى المرشحين، قام المرشد الأعلى بتطهير النظام، من خلال تقوية الفصائل التي يدعمها شخصياً، والتي يتمنى أن تلعب دوراً رئيسياً في الأعوام القليلة المقبلة في إيران، بعد اختفائه، وتتألف هذه المجموعة من؛ ابنه مجتبى خامنئي، وإبراهيم الريسي رئيس السلطة القضائية، الذي هُزِم خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة في إيران، وحسين الطيبو المسؤول عن الاستخبارات "حماة الثورة الإيرانية"، وشقيقه مهدي، بالإضافة إلى القائد الجديد لقوة القدس، خليفة قاسم سليماني؛ اسماعيل قاني، ويُمثّل هؤلاء مجموعة من الشخصيات التي ستكون حاسمة في تعيين المرشد القادم، فهم يرغبون في السيطرة على البرلمان، حتى تكون لديهم مجموعة من النواب، تعكس نظرتهم وتغذي خُطبهم.

هل تشير هذه الانتخابات التشريعية إلى نهاية الإصلاحيين في إيران، والتي يعتبرها جزء من الإيرانيين اليوم "خداعاً" في الجمهورية الإسلامية؟
نعم، على أي حال إن لم تكن هذه هي النهاية، فمن الواضح على المستوى المؤسسي، أنّ عجز المعتدلين عن الإصلاح، وتجاوز الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة، أي تطبيع العلاقات مع الأخيرة، قد كلفهم الكثير، ونحن لا نرى كيف يمكن لغالبية السكان، الذين صوتوا للإصلاحيين، على اعتبار أنّهم "الأقل سوءاً"، أن يستثمروا الآن رأس المال الاجتماعي، في هذه المجموعة السياسية المهمشة تماماً، والتي أصبحت محصورة أيضاً، بسبب تناقضاتها؛ بين الولاء التام للنظام (لقد دعوا السكان للتصويت في الانتخابات التشريعية، كما أصرّ الرئيس السابق محمد خاتمي شخصياً، رغم استبعاده من وسائل الإعلام في البلاد، على وضع ورقة تصويته في صندوق الاقتراع)، وبين خطاب متعارض وغير مطابق تماماً لولائهم لنظام الجمهورية الإسلامية.
هل يمكن أن نعزو، جزئياً، عودة البرلمان الإيراني للحضن المحافظ إلى سياسة دونالد ترامب المتمثلة في الضغط الأقصى؟
نعم، بالطبع، هناك بُعدُ ردِّ الفعل وتأثيره، فلا شكّ أنّ انتخاب ترامب يُقوّي أكثر المحافظين تشدداً في إيران؛ حيث إنّ الخلاف داخل البلاد، إلى جانب الضغط القوي الذي تمارسه الولايات المتحدة في الخارج، يدفع المرشد الأعلى إلى إعادة الاستثمار في أعظم مؤيديه، وليس في القاعدة الاجتماعية للنظام، لذلك نشهد الآن في إيران مرحلة من الانطواء على الذات، مع رغبة في الاعتماد أكثر فأكثر على جهاز الأمن، الذي يسيطر عليه المحافظون، لكن هذا الخطاب "عن العدو الأمريكي"، لا يلقَى في الوقت الحالي لدى المجتمع الإيراني نفسَ الصدى القوي، كما كان الحال في الأعوام الأولى من الثورة؛ لأنّ ما يريده معظم الإيرانيين اليوم؛ هو حكومة ذات كفاءة، قادرة على حل مشاكل البلاد، والتركيز على التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

هل يمكن أن يكون الرد الأمني، الذي ينادي به أكثر المحافظين تشدداً، كافياً لثني الإيرانيين عن التظاهر مرة أخرى؟
لقد انتقلت الجمهورية الإسلامية في إيران من أزمة شرعية النظام عام 2009، مع الحركة الخضراء، إلى أزمة السلطة من عام 2017 إلى عام 2019، مع ثورة الطبقات الشعبية، وصولاً إلى أزمة المصداقية اليوم، وتطرح هذه الأزمة الأخيرة المرتبطة بالسخط الشعبي الواسع، مشكلة حساسة وخطيرة أمام الجمهورية الإسلامية، ومن الواضح أنّ الاستجابة الأمنية ليست كافية، إذ يجب على السلطة أيضاً؛ ضمان الحد الأدنى من التنمية الاقتصادية والرفاه للسكان، خاصة للطبقات العاملة، حيث يتمثل التحدي الذي يواجه الجمهورية الإسلامية في تمكين المحرومين، الذين يمثلون جوهر الشرعية الثورية للنظام، ويطمحون لرؤية تحسن ملموس في ظروف معيشتهم، على المدى القصير أو المتوسط،، فإن لم يتحقق ذلك، فسوف تستمر دورة القمع / المظاهرات؛ لأنّ حل مشاكل البلاد الاقتصادية لا يكمن في انتخاب رئيس محافظ عام 2021، فليس لدى المحافظين أي حل يقدمونه في مستوى قوتهم المؤسسية.
ألا تستطيع إيران تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع روسيا والصين؟
في الواقع، يقترح المحافظون زيادة الاعتماد على الصين وروسيا، عن طريق زيادة عزل البلاد عن بقية العالم، هذا ما يسمونه الاكتفاء الذاتي  "khodkafaei"، وهو ما كانت تفعله إيران منذ عهد أحمدي نجاد، منتصف العقد الأول من القرن العشرين، لكنّ التقارب مع الصين وروسيا لا يمكن أن يضمن هذه التنمية الاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بالطاقة، التي تدفع الاقتصاد الإيراني، ويجب أن يكون هناك حد أدنى من التعاون مع النظام المعولم الذي تهيمن عليه المعايير الأمريكية.

اقرأ أيضاً: ثوران البرلمان الإيراني الجديد
وفي قطاعي النفط والغاز الرئيسيين، تحتاج إيران إلى أفضل التقنيات، التي لا تملكها سوى الشركات الغربية واليابانية، وقد رأينا مؤخراً أنّ الصين لم تكن قادرة على استبدال شركة "Total" في المرحلة 11 من حقل غاز الشمال أو حقل فارس الجنوبي South Pars، لذلك هناك خيار وجودي حقيقي يجب القيام به، بين تقوية النظام وارتقاء إيران كقوة إقليمية محترمة، مع تنمية اقتصادية كبيرة، لكنّ البلاد ستواجه عندئذ مشكلة التوافق مع الأيديولوجيا الثورية لآية الله الخميني.

هل يمكن أن نقارن المظاهرات في إيران بالمرحلة الحالية، باحتجاجات العراق ولبنان، خاصة وأنّ النظام الإيراني، الذي دان المتظاهرون هيمنته عليهم، يبدو مستعصياً على الحل؟
أصبحت الجمهورية الإسلامية اليوم قوة رجعية مضادة للثورة، وهي مفارقة؛ لأنّ  تنظيم القمع ودعمه في العراق ولبنان، يتم باسم أيديولوجيا خمينية ثورية، من خلال شبكة من الأمن والنفوذ الأيديولوجي والاقتصادي، تمتدُّ من إيران إلى لبنان؛ مع حزب الله وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، لذلك نشهد سخرية تاريخية حقيقية على وضع الجمهورية الإسلامية المتعارض مع الحركات الديمقراطية في الشرق الأوسط، منذ خريف عام 2019.
هل تُهدّد هذه الثورات الجمهورية الإسلامية على المدى القصير؟
تُشكّل هذه الثورات تهديداً للنفوذ الإقليمي لإيران في الشرق الأوسط، الذي اتضح أنه محدود، وذلك لأنّ إيران تستفيد أيضاً من الأخطاء الأمريكية في المنطقة، لقد رأينا هذا مع قيام الولايات المتحدة بالقضاء على الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الذي عزّز عداء العراقيين لأمريكا، ففي داخل إيران، هذا بالطبع تهديد لشرعية الجمهورية الإسلامية، التي تضاف إلى أزمة سلطة النظام والمخاوف إزاء المصداقية، في رأيي؛ هذا النظام غير مُهدّد على المدى القصير، لكنه مهدد بضعف كبير على المدى الطويل، يمكن ضمان بقاء النظام السياسي من خلال تقوية جهاز الأمن، والاعتماد بشكل أكبر على الركيزة القمعية، ولكن كلما قمع النظام شعبه أكثر، كلما أثار الرفض وخطر المعارضة، لقد أصبحت الثورة الإسلامية بشكل متزايد عاملاً من عوامل الانقسام داخل المجتمع الوطني الإيراني، داخل حدود البلاد وخارجها.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
https://www.lepoint.fr/monde/en-iran-une-crise-de-confiance-entre-regime...

للمشاركة:

حزب الله.. الولاء لإيران قبل الأمن الصحي للبنان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

عديد نصار

لم يكن في وارد انتفاضة 17 أكتوبر، منذ انطلقت، أن تضع حزب الله على رأس استهدافاتها، وعلى الرغم تصدر هذا الحزب مواجهة الانتفاضة من خلال خطابات زعيمه الذي أعلن بوضوح رفضه لأهدافها، كما من خلال إرسال وتحريض المجموعات التشبيحية للاعتداء على المتظاهرين والتهجم عليهم في عمليات “غزو” لساحات اعتصامهم وأماكن تظاهرهم، إلا أن خطاب الانتفاضة لم يتغير، واضعا جميع القوى السياسية التي شاركت في السلطة على مدى 30 سنة في خانة واحدة في تحمل المسؤولية عما آلت إليه أوضاع البلاد والكارثة الاقتصادية والاجتماعية التي ألمت بها.

لم يكن ذلك حبا لحزب الله وزعيمه، ولا خوفا من سلاحه أو بطشه، ولكن ذلك كان لأمرين بسيطين: الأول والأهم العمل على افتكاك القواعد الشعبية التي تعتبر البيئة الحاضنة للحزب، والرازحة كما كل اللبنانيين تحت وطأة الأزمات المتفاقمة، وبالتالي عدم إثارة الشكوك لديها حول حقيقة الانتفاضة كي تكون في صلبها، لأنه دون هذه الفئة من المجتمع لا يمكن للانتفاضة أن تحقق هدفها الأساس لتحقيق باقي أهدافها والمتمثل في الانتقال من مجتمعات الرعايا الطائفية إلى مجتمع المواطنة المتساوية في رحاب وطن لجميع أبنائه وبناته يحكمه القانون ويسوده عمل المؤسسات. والثاني عدم جر الخارج الإقليمي والدولي إلى ملعب الانتفاضة.

غير أن حزب الله لم يترك بابا إلا وشرّعه على نفسه في تأكيد عدائه للانتفاضة الشعبية ولجميع أهدافها، ممارسا قمعا ظاهرا وخفيا على أبناء المناطق التي يسيطر عليها مانعا عليهم التظاهر والاعتصام وملاحقا الناشطين منهم الذين يشاركون في التظاهرات في المناطق الأخرى. وهو لم يترك وسيلة لتشويهها إلا واستخدمها مسخرا وسائل إعلامه وحلفائه وجيشه الإلكتروني لإطلاق اتهامات متنوعة بحق الناشطين ولإطلاق النعوت المسيئة إليهم.

وفي حين فُرض حظر تام للتظاهر في الضاحية الجنوبية لبيروت، أتيح للشيوعيين واليساريين تنظيم “حراك” شعبي غير صدامي، أي أنه لا يهاجم إلا القوى التي كانت منضوية في اصطفاف 14 آذار، وتحديدا سمير جعجع قائد القوات اللبنانية وكذلك المصارف وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، مستثنيا حزب الله وحركة أمل. ومع ذلك لم يسلم المتظاهرون الجنوبيون في صور والنبطية من الاعتداءات المتكررة.

غير أن كل ذلك لم يكف، إلى أن جاءت الكورونا لتضرب في قم، محجة حزب الله المقدسة. هنا برز بوضوح أن حزب الله الذي تصدى للانتفاضة لا تعنيه معاناة اللبنانيين الاقتصادية والمعيشية فحسب، وإنما لا تعنيه صحتهم العامة أيضا.

فرض حزب الله على الحكومة أجندته كاملة. فليس هناك وقف للرحلات الجوية من إيران إلى بيروت، ولا أحد يمكنه أن يتحكم بكيفية وصول “الحجاج” وكيفية استقبالهم وانتقالهم إلى أماكن سكناهم المنتشرة في مختلف المناطق، مع أن أول حالة إصابة سجلت في لبنان بفايروس كورونا المستجد جاءت من إيران وبالتحديد من مدينة قم.

وفي مطار بيروت الدولي، حيث ينبغي أن تتشدد المراقبة على الوافدين من البلاد المصابة بالفايروس، ظهر إلى العلن مدى سيطرة حزب الله على هذا المطار وتحكمه بأمنه. فيد حزب الله فوق يد الأمن العام ووزارة الصحة والحكومة مجتمعة. وقد افتضح ذلك عندما أقدم عنصر من الحزب على الاعتداء على إحدى المراسلات التي كانت تسأل القادمين على متن طائرة إيرانية من طهران، حيث انتزع هاتفها المحمول وفرض عليها تشغيله ثم بادر إلى مسح ما قامت بتسجيله مع القادمين بمعرفتهم ورضاهم، كل ذلك على مرأى ومسمع القوى الأمنية في المطار دون أن تحرك ساكنا.

وفي حين أغلقت غالبية الدول أراضيها أمام الوافدين من إيران، برر وزير الصحة استمرار استقبال الطائرات الإيرانية بأسباب سياسية و“إنسانية”، إذ لا يمكن للبنان أن يرفض استقبال أبنائه القادمين من إيران. بينما عمدت السعودية إلى الطلب من الكويت الإبقاء على السعودي المصاب بالفايروس على أراضيها حتى استكمال علاجه. أما كندا فقد عمدت إلى تشديد المراقبة على جميع الوافدين من كل بلدان العالم بعد أن تبين لها مدى خطورة انتشار الفايروس في عدد كبير من الدول.

لبنان المحكوم من حزب الله، الذي تصدى للانتفاضة وأمّن حماية نظام المناهبة وإعادة إنتاج حكومته بالطريقة التي تؤكد سيطرته على البلاد، بات مهددا بالكورونا. فاستمرار فتح أجوائه ومطاره للطائرات الإيرانية يمثل تهديدا صريحا للأمن الصحي في البلاد، حتى بات حزب الله الذي وضع لبنان تحت حجر مالي وفي قبضة عصابات ناهبة، يمثل أيضا تهديدا صريحا للأمن الصحي لعموم اللبنانيين. وهذا ما يجعل الصدام أمرا محتوما بين الانتفاضة وبين الحزب، إذ لم تعد المسألة متعلقة بلقمة العيش فقط، بل بالخطر المحدق بصحة كل من هو متواجد على الأراضي اللبنانية، لا لشيء إلا لأن حزب الله لا يريد قطع خطوط الاتصال مع إيران لأنه بذلك تنقطع عنه الإمدادات والمؤونة. وإلا فما معنى أن يترك القادمون يخرجون من حرم المطار دون الالتزام بنقلهم بباصات خصصتها لهم وزارة الصحة؟

سيكون حزب الله مع اللبنانيين وجها لوجه، وبالتحديد مع ما يقول عنهم إنهم “بيئته الحاضنة” إذا سُجلت إصابات جديدة بفايروس كورونا المستجد بين القادمين من إيران.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

الانتخابات الإيرانية... عسكرة الثورة والدولة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

مصطفى فحص

حسم ناظم ولاية الفقيه موقفه داخلياً، وحدَّد طبيعة جديدة للنظام تختلف عن الطبائع السابقة التي شهدت تنافساً بين تيارات متعددة إصلاحية ومعتدلة، ومتشددة، ضمن ثنائية «الثورة» و«الدولة»، وكان الانطباع العام أن التيارين الإصلاحي والمعتدل يميلان إلى فكرة «الدولة»، بينما ارتبط التيار المحافظ بطبيعة «الثورة». إلا أنَّ الانتخابات التشريعية الأخيرة فتحت الطريق رسمياً لإخضاع المؤسسات الرسمية والعقائدية، وثنائية «الثورة» و«الدولة»، لطبيعة واحدة.
تنتمي هذه الطبيعة الواحدة الجديدة بكاملها إلى عسكريتارية عقائدية موالية لمؤسسة «الحرس الثوري»، الذي بات بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة يسيطر على مجلس الشورى (البرلمان)، ومن المرجح أن يكون رئيسه أحد قادته السابقين. هذا التحول غير الصحي في الحياة السياسية للنظام يكشف عن مأزق بنيوي عند النخبة الحاكمة في عدم قدرتها على إعادة إنتاج طبقة سياسية جديدة وفقاً لشروطها الآيديولوجية في توقيت يجري فيه الاستعداد لمرحلة ما بعد المرشد، لذلك اتخذت قرارها الأصعب بإنهاء الإصلاحيين وإقصاء المعتدلين، رغم تداعيات هذا القرار المستقبلية التي ستظهر التراجع الحاد في شعبية النظام، الذي ترجم في ضعف الإقبال على الانتخابات، خصوصاً في المدن الكبرى المؤثرة في صناعة الرأي العام الإيراني، يقابله تراجع حاد في حضور التيار الأصولي في الشارع؛ الأمر الذي عجّل ببدء نقل السلطة إلى العسكر الذي يحظى بتأييد التيارات الراديكالية كافة التي تخوض معركة الدفاع عن النظام، بهدف ضمان استمراره.
أظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة سيطرة «الحرس الثوري» والتيار الأصولي على أغلبية مقاعد البرلمان، فلأول مرة يحصل «الحرس» على 120 مقعداً من أصل 290، فيما تراجعت حصة الإصلاحيين إلى 19 مقعداً، بينما تقاسمت أجنحة النظام المتشددة والأصولية بقية المقاعد. إلا أن هذه النتائج ستفرز برلماناً منسجماً في توجهاته الداخلية والخارجية، فهو داخلياً سيحمل على عاتقه مهمتين: الأولى داخلية في جزأين: الأول تعطيل ما تبقى من ولاية حسن روحاني الرئاسية ومحاصرته تشريعياً وإلغاء أي تأثير له حتى إخراجه نهائياً من المشهد السياسي الإيراني، لكيلا تتكرر تجربة ما بعد الرئاسة التي مارسها الرئيس رفسنجاني والرئيس خاتمي. أما الجزء الأهم لبرلمان العسكر فهو في تقديم تجربة تشريعية شعبوية تلامس واقع المواطن الإيراني المتذمر اقتصادياً ومعيشياً، وذلك بهدف التمهيد لسيطرة «الحرس» على موقع رئاسة الجمهورية. أما المهمة الثانية فهي تقديم تغطية تشريعية لقرارات النظام المتعلقة بالسياسة الخارجية واحتمال الانتقال إلى التصعيد مع واشنطن خلال المرحلة المقبلة؛ فمن المتوقع أن تشهد مزيداً من الاحتكاكات الخشنة الإيرانية عبر وكلائها في مقابل استمرار واشنطن في فرض مزيد من العقوبات على إيران.
من البرلمان حالياً إلى الرئاسة مستقبلاً، يستعد النظام الإيراني لعسكرة طبيعة السلطة، وهذا أشبه باعتراف ضمني من النخبة بتراجع خطابها العقائدي وتقلص تأثيره الثقافي والاجتماعي على المجتمعات الإيرانية إلى مرحلة تهدد وحدتها، التي قامت منذ عام 1979 على الربط بين هويتين؛ دينية ووطنية، جمعتهما مؤسسة الولي الفقيه الذي شكّل موقعه في رأس هرم السلطة ضماناً لهذا الربط الذي أمّن الغطاء الروحي لـ«الثورة» و«الدولة».
ولكن مع ازدياد صعوبات المرحلة الانتقالية وغياب وجه يمتلك إرثاً تاريخياً يسمح له بملء الفراغ الذي سيتركه غياب المرشد الحالي، لجأ النظام إلى التسليم بدور «الحرس الثوري» المطلق، وتسليمه زمام الأمور؛ حيث باستطاعته ضمان انتقال السلطة إلى مرشد جديد وتأمين الغطاء الثوري والعقائدي له وحماية موقعه في تركيبة السلطة، ولكن هذه المعادلة تفرض على «الحرس» التدخل مباشرة في الانتخابات الرئاسية؛ حيث من الصعب أن يقبل بوجود رئيس قوي في مرحلة انتقالية تضعف دور المرشد، كما أن معضلته الكبرى أنه لا يمكن له ضمان استقرار النظام إذا كان المرشد جديداً والرئيس ضعيفاً، لذلك بات أغلب التكهنات أن «الحرس» يتجه لحسم الموقف في الموقعين، وبات الأقرب والأكثر احتمالاً أن يكون الرئيس قوياً لكن بشرط أن يكون من «الحرس».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية