أحمد بان: جماعة الإخوان شرعَنت العمليات الإرهابية

12040
عدد القراءات

2017-10-20

ما إن صعدت جماعة الإخوان المسلمين إلى سدّة الحكم في مصر، وظنّت أنّها أمسكت بتلابيب لحظة التّمكين التي حفلت بها أدبيّاتها، حتّى أطاحت بها الجموع الهادرة، وتم تقديم قياداتهم المتطرفة إلى القضاء، وخفُت نجمها بعد أن سطع لنحو عامين، إلّا أنّ مستقبلها ما زال يلفّه الغموض؛ بين مَن يرى أنّها تشظّت وتشرذمت وأوشكت على الموت الإكلينيكيّ، ومَن يرى أنّها قد تعود في ثيابٍ جديدةٍ.

ربّما يؤمن أصحاب الرّأي الأخير بأنّ تلك الجماعة عصيّة على الاندثار، مستندين إلى شواهد تاريخيّة، وجينات بنيويّة يتمتّع بها التّنظيم، وهي التي دخلت في صدامات سابقة مع المجتمع المصري والنّظم السياسيّة، منذ الملكيّة حتّى الآن، ومع ذلك؛ فهي تخرج في كلّ مرّة، كــ "قط بسبعة أرواح"، بعد أن يظنّ الجميع، في كلّ مرّة، أنّه لن تقومَ لها قائمة بعد ذلك.

الجماعة ليست مؤهَّلة للحكم، ولم تربِّ كوادر قادرة على إدارة الدّولة المصريّة

حاولنا استشراف مآلات جماعة الإخوان ورصد أوضاعها الراهنة، مع الخبير المصريّ في شؤون الجماعات الإسلاميّة أحمد بان؛ الذي يتوقع في حواره مع "حفريات" بأنّ تلك الجماعة قد يفضي بها الحال إلى تكوين مذهبٍ جديدٍ على أنقاض الادّعاء بالمظلوميّة، بعد أن نجحت هذه المرّة، أيضاً، في تحويل فشلها إلى محنة وابتلاء، حتّى تتجنّب الصّراعات الدّاخلية وموجات المساءلة والحساب من قبل أعضائها ومن جانب المجتمع المصري.
هنا نصّ الحوار:

*رغم تعرّض جماعة الإخوان المسلمين لنكبات كبرى عبر تاريخها، إلّا أنّ هذا التّنظيم كان لديه القدرة، في كلّ مرّة، على إعادة إحياء نفسه، والعودة في شكل جديد. فما هي الشفرة التي يمتلكها حتّى يعيد صياغة نفسه في كلّ مرّة يتعرّض فيها للخناق المطبق، أم يرجع ذلك لمكوّنات ما في بنيته الفكريّة والتنظيميّة؟ وهل يمكن أن تكمن الجماعة حتّى تنتهز الظرفيّة المناسبة لتقفز في حضن المجتمع والدّولة مرّة أخرى، أم إنّ الظّروف التاريخيّة السّابقة لن يكون لها وجود في المستقبل؟

- تاريخيّاً، استطاعت جماعة الإخوان أن تهضم مواجهة الأنظمة لها، وهذا، في تقديري، عائد لسببين؛ الأوّل: أنّ حسن البنا، مؤسّس الجماعة، كان يتوقّع منذ البداية، أنّ فكرته "جالبة للصّراع مع الأنظمة والمجتمعات"، وأنّه سيدفع، هو وجماعته، بجانب ذلك كلفة باهظة، لقد كان يقول ذلك بوضوح، وقبل أن تحدث حالة التّضييق عليه وعلى جماعته، وقبل حصار حركته، كان يقول: "ما زالت دعوتكم مجهولة بين النّاس، ويوم يعرفونها، ويدركون مراميها، ستلقى منهم عداوةً شديدةً، وستدخلون في طور الامتحان". لقد كان نجاح هذا الرّجل في أنّه حوّل فكرة الفشل إلى ابتلاء في وعي الأفراد من وقت مبكّر، فالفشل الذي هو "نتاج طبيعيّ لسلوك طريقٍ خاطئ يستدعي المساءلة، والمراجعة، وإعادة النّظر في الأفكار والسّلوك" أغلق البنّا الطّريق عليه باكراً، قبل حدوثه، فكان التّنظيم دائماً ما يصف نتائج الصّدام مع المجتمع والسّلطة بـ"المحنة" التي يدَّعي أنّ مردّها جهل النّاس بحقيقة الدعوة، وغربة الإسلام، وأنّ هذه الجماعة أتت لهذه الدّنيا كي تعيد تأسيس الإسلام في هذه الحياة، بالتّالي، فإنّ جهل النّاس بحقيقة الدّين سيستجلب العداوة والرّفض.
هذه هي المحنة الحقيقية لأصحاب الدّعوات، وهي متّصلة بكلّ ما واجهه أصحاب الدّعوات الأيديولوجية تاريخيّاً، بهذا أغلق طريق المراجعة بهذا المفهوم من البداية؛ لأنّه حصّن أتباعه بفكرة "المحنة"، لقد كانت هذه الفكرة هي "الميكانيزم" الذي لجأ إليه "البنّا"، ومن تبعه فيما بعد، لغلق باب المراجعة والتأمّل والاعتراف.

خلق التقيّة في مواجهة المجتمع كان حاضراً باستمرار داخل الإخوان المسلمين وهناك من يمارسها داخل التنظيم نفسه

أمّا مجموعة النّظام الخاصّ التي سيطرت على الجماعة من بعده فقد عزّزت هذه الفكرة، فأنكروا أنّ وجودهم في السّجون "جزاءً وفاقاً" لما فعلوه في السّاحة المصريّة؛ بل محنة حقيقيّة تتعلّق بأصحاب الدّعوات، في مواجهة المجتمعات الجاهليّة التي لا تعرف شيئاً عن إسلامها الحقيقيّ، وهذه الفكرة بُنيت عليها أعمالٌ معرفيّةٌ وإعلاميّةٌ، وسوِّقت دوليّاً على اعتبار أنّ الإخوان هم أصحاب أكبر مظلوميّة في التّاريخ، وكأنّهم "أصحاب الأخدود" في العصر الحديث، الذين لديهم استعدادٌ لأن يُحفر لهم في الأرض، أو يُنشَروا بالمناشير؛ لأنّهم متمسّكون بعقيدتهم، وليسوا متمسّكين ببرنامج فكريّ وسياسيّ مناهض للأنظمة وللمجتمعات.
 

 

*إذاً، هل ترى أنّ التّنظيم كان يدرك، ولو في عقله الجمعيّ، أنّ المظلوميّة تستجلب التّعاطف الطّاغي على العقل غير المتدبّر للواقع والسّياقات المؤدّية إليه بتجرّد، خاصّة، في مصر والمنطقة العربيّة والإسلاميّة؟
- نعم، وهذا هو صلب النّقطة الثّانية، التي تتعلّق بطبيعة الشّعب المصريّ، على وجه الخصوص، الذي يعدّ من أكثر الشّعوب تعرّضاً للظّلم تاريخيّاً نتيجة للفشل النسبي في خطط التنمية الحكومية، فقد حدثت التّغذية المتبادلة بين مظلوميّة الشّعب ومظلوميّة الجماعة، فبات هناك نوعٌ من التّفاعل المتبادل؛ فالجماعة كانت تبعث إشارتها إلى الشّعب، وكانت فحواها "نحن نتعاطف معكم، ومع مظلوميّتكم، ونريد أن نستنقذكم ممّا أنتم فيه"، وهذا الشّعب تعاطف أحياناً مع الجماعة؛ لأنّه ظنّ، لفترات طويلة، أنّها تحاول أن تحرّره من الفساد والظّلم عبر دولة الشّريعة أو دولة العدالة الإسلاميّة التي يعدهم بها الإخوان.

*وهل ما زالت هذه الحالة حاضرة؟
- لا، كان هذا قبل مرحلة وصول الجماعة للحكم؛ فهناك فاصل مهمّ يفصل لحظة ما قبل 2013 وما بعد 2013، أو تحديداً؛ ما قبل 2012 وما بعد 2012

*ما الذي حدث وفصل بين المرحلتين؟

- الذي طرأ أنّ الإخوان وصلوا لامتلاك الحكم بشكل شبه كامل، وليس مجرّد مشاركةٍ فيه؛ فقد سيطروا على مقاعد البرلمان بالكامل، بأغلبيّة تصل إلى 70% من مقاعد البرلمان، بغرفتَيه (الشّعب والشّورى)، والمنافسة على مقعد رئاسة الجمهوريّة والوصول إليها، فأضحى هناك رئيس من جماعة الإخوان للمرّة الأولى، ومع كلّ الدّعاية التي يسوِّق لها التّنظيم في أنّه أُفشِل، ولم يُترك للتّجربة أن تتطوّر، إلّا أنّ هذه التجربة، في وعي قطاعات واسعة من الإخوان، كانت فاشلة، ليس بمنطق أنّ الدّولة العميقة أفشلتها، لكن بمنطق أنّ الجماعة ليست مؤهَّلة للحكم، ولم تربِّ كوادر قادرة على إدارة الدّولة المصريّة، ولم يكن لديها الفقه السياسيّ الذي يمكِّنها من إدارة دولة بحجم مصر وتعقيدها، وتعقيد هذا الإقليم، وتعقيد هذا العالم. هذا الفشل شعرت به قواعد الجماعة كما شعر به المجتمع المصريّ، لكن ما أفاد الجماعة هو، في رأيي، "فضّ رابعة" بهذه الطريقة التي وفّرت للجماعة غطاءً من المظلومية المدعاة لتبرر فشلها في الحكم، وفي ظني أنّ الدولة لو لجأت إلى التدابير الأمنية الناعمة لانتهت أسطورة هذه الجماعة، تنظيماً وفكراً.

خلق التقيّة في مواجهة المجتمع كان حاضراً باستمرار داخل الإخوان المسلمين وهناك من يمارسها داخل التنظيم نفسه

*هل اعتصام "رابعة" لديه القدرة على الدّفع بدماء جديدة في شريان الإخوان المتجلّط؟ وهل تكفي بمفردها لعودتهم مرّة أخرى إلى الفضاء العام، أيّاً كان شكل تصوّر هذه العودة؟
- يمكننا أن نتحدّث عن إخوان ما بعد رابعة، الذين هم إخوان ما قبل رابعة، كما فرَّقنا قبل ذلك بين الإخوان قبل وصولهم للحكم، والإخوان بعد وصولهم للحكم؛ لأنّ "رابعة" فتحت مسارات جديدة للحركة، كانت تلك الحركة ودّعتها في السابق، وأغلقت مساراتها، التي هي مسارات العنف الجديد، الذي نشأ أعقاب "الفضّ" تحت مظلّة الثّأر.
*دعنا نتحدث عن التصوّر المبدئيّ لعودة الإخوان قبل أن ننخرط في الحديث في محور العنف. هل يمكن أن تشرب الجماعة ماء الحياة،  وتدبّ فيها الرّوح من جديد؟ وهل هذا وارد في المعيار التاريخيّ، أم إنّ الظّرف الاجتماعيّ، حتّى داخل الحركة نفسها، لم يعد يتّسع لذلك؟
-  دائماً ما ساهمت طبيعة إدارة السّلطة للصّراع في إطالة عمر التّنظيم وفكره. عبد النّاصر رغم أنّه وقف في وجه الحركة بشكل قويّ، إلّا أنّه طرح إلى جانب المواجهة مشروعاً استطاع أن يسحب به قطاعات حتّى من داخل جسد الإخوان، وكان له دورٌ واضحٌ في تبنّي قادة من النّظام الخاصّ في الإخوان لأفكاره ومشروعه، واتّخذ منهم وزراء مثل؛ أحمد حسن الباقوري، وعبدالعزيز كامل، هذه أسماء برزت على السّاحة المصريّة، والتيّار الإسلاميّ، وواصل (السّادات) هذه السّياسة، حتّى إنّه أدخلهم في بنية الدّولة أيضاً. أمّا (مبارك) فكانت لديه مقاربةٌ في تحديد سقف الحركة؛ إذ كان هناك اتّفاقٌ بين الاثنين، وشروطٌ على الطّرفين ألّا يتجاوزها، لكنّهم كانوا يحاولون، في أوقات معيّنة، توسيع هامش الحركة، بعدها كان النّظام يأخذ إجراءات ضدّهم لترجعهم للخطوط الخلفيّة.
*لكنّ "يناير" أحرقت كلَّ تلك الخطوط، هل هكذا تصوّر قادة الجماعة؟
- "يناير" طرحت واقعاً جديداً، تصوّرت في غضونه جماعة الإخوان أنّ الأبواب قد فُتحت، بالتّالي، نظرت إلى الزّخم السياسيّ في أعقاب "يناير"، وذهبت للدّفع بتأسيس عدد كبير من الأحزاب المعبّرة عن عددٍ من تيّارات الحالة الإسلاميّة، وسيطرت جماعة الإخوان على غالبيّتها؛ ففي هذه المرحلة تصوّرت جماعة الإخوان، بطفوليّة مدهشة، أنّها قادرة على أن (تظهّر) كلّ هؤلاء لصالحها، على كلّ تبايناتهم وشكوكهم نحو الإخوان وشكوك الإخوان تّجاههم، وشكّلت ما سمِّي "الهيئة الشرعيّة للحقوق والإصلاح" كي تمثّل معسكراً إسلاميّاً في مواجهة المعسكر المدنيّ، واستبطان المسألة بهذه الطريقة كان من أدبيّات النّظام الخاصّ الذي امتدّ، إلى هذه اللّحظة، في أدبيّات القطبيين الذين أداروا الصّراع.

*أنت ترى أنّ جماعة الإخوان كانت تعيش في مأزق كبير قبل "رابعة"، هل كانت على وشك السّقوط التلقائيّ؟
- قبل "رابعة" كانت الجماعة في مأزقٍ كبيرٍ جدّاً بعد إزاحة الإخوان من الحكم، عبر إجراءات واضحة في 30 يونيو، اعتبره المفكّر السيد ياسين بمثابة "انقلاب شعبيّ"، وهي تسمية دقيقة؛ فهي انقلابٌ لكنّه شعبيٌّ، لم تستطع القوات المسلّحة أن تنقلب على سلطة مدنيّة منتخَبة، إلّا إذا كانت ترى جمهوراً عريضاً تمتلئ به السّاحات والميادين. أمّا الإخوان والقيادات فكانت تدرك أنّ هناك تحوّلاً حدث في الشّارع. لكن أريد أن أعود إلى مرحلة ما قبل فضّ الاعتصام؛ ففي هذا الاعتصام كان هناك سؤالٌ كبيرٌ يتردّد في أوساط الجماعة؛ هو  "ما الذي جاء بنا إلى هنا؟ ألم نكن بالأمس في قصر الحكم؟" هذا السّؤال كان يتردّد داخل "رابعة"، وهنا استحضرت ثنائيّة (المحنة والفشل)؛ فقادة جماعة الإخوان حوّلوا القضية برمّتها إلى محنة تحمي التّنظيم، لكن أيّ نظام كان من المفترض أن يكون معنيًّا بأن يبرِز القضيّة باعتبارها فشلًا للإخوان، وليست محنة من السّماء تتعرّض لها.
*لكنّ تلك التّنظيمات وضعت الدّولة برمّتها في خيارات صعبة، فلم يكن هناك ترف لتمييع فضّ الاعتصام بعد حضور شبح الحرب الأهليّة وانفراط عقد الدّولة؟
- أنا لا أتحدّث عن عدم فضّ الاعتصام، أنا أتحدّث عن فضّ الاعتصام بالقوّة، وبهذا الشّكل الذي حدث، فأنا كنت ممَّن كتبوا قبل فضّ الاعتصام مقالاً بعنوان "لا تمنحوهم مظلوميّة جديدة"؛ لأنّ الإخوان كانوا بحاجة ماسّة إلى هذه المظلوميّة لتغطي على فشلهم في الحكم.
*ماذا؟
- لأنّ هذه المظلوميّة وحدها كانت كفيلة أن تقطع دابر السّؤال: "من الذي جاء بنا إلى هنا؟"، لكنّ الفضّ بطريقة ناعمة كان سيمنع حصول الإخوان على المظلوميّة، والدّولة كانت تملك عناصر كثيرةً جدّاً، ولديها القدرة على تفريقه من الدّاخل.
*إذن، أنت ترى أنّ الدّولة فقدت صبرها باكراً؟
- لقد غاب العقل في إدارة المشهد، فبدت الدّولة وكأنّ تحرّكها سلطة وهيْبة، وأنّ سلطتها هذه تتميّع في مواجهة اعتصام على مرمَى حجرٍ من وزارة الدّفاع، فهي كانت مدفوعة بهذه العقلية، فعقل الدّولة إذا تعرَّض للسّخونة، فدائماً ما يتّخذ قرارات مندفعة.
فالدّولة تسعى دائماً إلى تبريد عقلها كي تأخذ قرارتها الصحيحة والمحسوبة بإتقان، وتقارن بين العائد والتّكلفة، وهذا لم يحدث في هذه اللّحظة، فبدأت المظلوميّة، هنا، تحقّق أهداف قادة التّنظيم، هم حصلوا على مظلوميّة تبرّر فشلهم، وتقطع الطّريق أمام سؤال المراجعة أو المساءلة للقيادات التي أخذت التّنظيم من قصر الاتحاديّة إلى الاعتصام في ميدان رابعة.
*لو أنهت الجماعة الاعتصام بشكل سلميّ وغير عنيف، لتعرّضت لنوع من المساءلة. أهذا ما تقصده؟
- ليس مجرّد مساءلةٍ؛ بل سينشأ داخل الجماعة صراع داخليّ ضار.
*لكنّ الجماعة حاولت أن تقفز على هذا للدّخول في صراع مع الدّولة واكتساب المظلوميّة التي ستغطّي على التّساؤلات؟
- لم تكن تغطّي؛ بل تحوّل ذلك إلى محنة وإيهام بأنّهم كانوا يسيرون في الطريق الصحيح، وهناك من ذهب لقطع هذا الطّريق.

فضّ اعتصام رابعة بعنف وفّر للجماعة غطاءً من المظلومية المدعاة كانت تبحث عنه لتبرر فشلها في الحكم

*لكن، مع مرور الوقت، هل تظلّ هذه المظلوميّة ناجعةً في اعتماد الجماعة عليها لمواصلة الحياة؟
-  قبل هذا، كانت المظلوميّة سلاحاً ممتدّ المفعول، يمكنه الصّبر لمدّة 30 عاماً أو يزيد، لكن هذه المرّة ستظلّ المظلوميّة خمسة أعوام لا أكثر، في تقديري، ويفقد هذا السّلاح أثره، بدليل أنّ هناك من بدأ في تجاوز "رابعة" داخل الجسد الإخوانيّ الآن، خاصّة الرّعاة الإقليميّين الذين حاولوا ركوب هذه المظلوميّة واللّعب عليها، لقد فقدوا، الآن، حماستهم لها تحت وضع تحديّاتٍ إقليميّة أعقد، فهناك موقف حماس، مثلاً، الذي أحدث مشكلاتٍ داخل قواعد الإخوان.
*هل ترفض الجماعة حتى الآن، وبشكل رسميّ، تبنّيها للعنف على يد بعض المجموعات التي رفعت السّلاح في مواجهة الدّولة؟
- ماذا تقصد بالجماعة؟ الجماعة لم تعد جماعة واحدة؛ فقد توسّعت فعليّاً إلى قسمين: الأوّل: تصرّف كحركة تعمل وفق المتاح، عندها استعدادٌ لأن تعمل تحت مظلّة أيّ نظام سياسيّ، كما عملوا تحت سقف (مبارك) بنفس البناء مع تعديلات طفيفة في لائحتها، وتبقى السّلطة المطلقة والشّكل الهرميّ قائمَين، دون أيّة إصلاحات تُذكر، وهؤلاء سيطروا على ستّة وعشرين مكتباً إدارياً للجماعة داخل مصر تقريباً، من أصل واحد وأربعين. أمّا المجموعة الأخرى، التي كان يتزعّمها محمد كمال، عضو مكتب الإرشاد، فقد سيطرت على عدد من المحافظات، إلّا أنّ هذا الجناح تشظّى الآن.

*وكيف خرجت أفكار العنف هكذا مرّة واحدة؟
- فكرة العنف عندما خرجت من داخل معسكر (كمال) لم تكن اختياراً عقليّاً هادئاً، بقدر ما تدحرجت، شيئاً فشيئاً، حتّى وصلت إلى العنف الواضح والمباشر؛ إذ إنّها بدأت بلجان ردعٍ، ثمّ تطوّرت، بعد ذلك، إلى تنظيماتٍ مسلّحةٍ، خرج جزءٌ منها عن السّيطرة.
 

شرعنة العلميات الإرهابية!

*هل كان لديهم أدبيّات يستطيعون أن ينهلوا منها في "شرعنة" العمليات الإرهابيّة؟
- نعم، وقد خطت خطوات أبعد من السّياقات القديمة؛ فبدأنا نرى مفردة "الهيئة الشرعيّة" في خطاب الإخوان، وأنت تعلم أنّه مصطلحٌ متداولٌ في أوساط الجهاديّين، لا في أوساط الإخوان، حتّى عندما كان سيّد سابق، المنظِّر الشرعيّ التاريخيّ للتّنظيم، يفتي بقتل أحد، كان يفتي دون أن يوثّق هذه الفتوى، وفي إطار سريّ جدّاً، دون أن يعلن هذا. وبات هناك هيئة شرعيّة تصدر بيانات مثل: "بيان الكنانة واحد"، و"بيان الكنانة اثنان"، وتستخدم مفردات مثل: دفع الصّائل، وهي مفردات الحركة الجهاديّة التي ظهرت لدى الإخوان مؤخّراً.
*تاريخيًّا؛ شهدت جماعة الإخوان مثل هذه الحالات؛ فهناك مجموعات رأت أنّها تنتمي إلى الجماعة الأمّ، إلّا أنّها تحاول أن تأخذها في الطّريق القويم، ثمّ تبدأ بالتحوّر، حتّى تصل إلى طورٍ جديدٍ، بعد تشكّل معالمها الخاصّة بها، ثمّ تنفصل عن الجماعة الأمّ، ثمّ تبدو جماعة الإخوان، بعد ذلك، بريئةً من الأعمال العنيفة، وهذا حدث بعد صدام الجماعة مع الدّولة عام 1965؟
- لم يكن بعد 1965 بل من عام 1947، عندما لم يعد حسن البنا يسيطر على مجموعة النّظام الخاصّ، وهذه المجموعة التي تدرّبت على السّلاح، كانت قد رفضت سلطته، فأحد قيادات الإخوان قال لي شخصيًّا إنّ حسن البنا دخل، ذات مرة، اجتماعاً لمجموعة النّظام الخاصّ قبل عبد الرحمن السندي، المسؤول المباشر عن النّظام، لكنّ السندي عندما دخل قال: ماذا يفعل هذا الرّجل هنا؟ كانوا يتمثّلون قول الشّاعر: "السّيف أصدق إنباءً من الكتب...."، فأنتم أصحاب الدّعوة، ونحن أصحاب الجهاد والفعل. ظلّت الجماعة طوال تاريخها تنتج ذراعاً مسلّحاً يتمرّد عليها بعد ذلك، وما زال هذا الجناح قائماً حتّى الآن، وأنت لا تعدم في تاريخ جماعة الإخوان الذي يمكن أن يحدّثك بأنّ هذا توزيع أدوارٍ، فعندما يأتي عبدالمنعم عبدالرؤوف، أحد كوادر الجماعة في الجيش، بعد إحالته للتّقاعد، ليقول لحسن الهضيبي، المرشد الثاني للجماعة: أنا سأقوم بانقلاب ضدّ جمال عبدالناصر، وأحتاج إلى 500 رجلٍ من الإخوان، فإذا نجح الانقلاب، يمكن لكم أن تتبنّوه، وإذا فشل تستطيعون أن تتنصّلوا منه، فطوال الوقت كان هذا "الميكانيزم" حاضراً.
*أعلنت حركة "المقاومة الشعبية"، عبر ناطقها الرّسميّ، أنّه أصبح لديها فكرٌ جديدٌ، ومنهجٌ جديدٌ، بعيداً عن جماعة الإخوان، وهذا ما يؤكّد أنّ هناك لحظة ما تنفصل فيها مثل تلك التّنظيمات عن الجماعة الأمّ، وتستطيع الجماعة، بعد ذلك، أن تتبرّأ تماماً من كلّ أفعال العنف، ثمّ تعود مرّة أخرى بخطاب آخر، في وقت ما، وهذا ما حدث تاريخيًّا. فما رأيك؟
- جماعة الإخوان لم تعترف بالعنف طوال تاريخها.

جماعة الإخوان استكملت دورة حياتها، ومرّت بما يمرّ به الأحياء؛ من طفولة، ثمّ صبا، ثمّ شباب، ثمّ شيخوخة

* لكنّ هناك جماعاتٍ خرجت من رحم محنتها، إن صحّ التّعبير، بدليل شهادات عددٍ من قادة التيّار الجهاديّ في هذا الشّأن؟
- حدث ذلك في الجماعة تاريخيّاً، فظهرت "الطّليعة المقاتلة" في سوريا، وكان أبرز نجومها (أبو مصعب السوريّ)؛ الذي كان من أفراد هذه الطّليعة، ثمّ أصبح منظِّراً جهاديّاً بعد ذلك، فهذا التطوّر كان موجوداً طوال الوقت، حتّى أيمن الظواهري وأبو بكر البغدادي، كانا من الإخوان. لكن أن يعود تنظيم الإخوان الذي يخلط السياسيّ بالدعويّ، فلا أرى أنّهم سوف ينجحون في هذا بنفس نجاحاتهم في السّابق؛ لأنّ هناك متغيّراً طرأ، هو أنّ المجتمع لم يعد قادراً على التّعاطف مع مثل هذه المظلوميّة أكثر، فلم يعد هذا السّلاح ناجعاً؛ بل فقد صلاحيّته مع الوقت.
*هل ما زال لدى تلك الجماعة ما تستطيع أن تجنِّد به أعضاءً جدداً؟ وهل ما زال هذا المشروع مصدرَ إلهامٍ لشبابٍ وعناصرَ تستطيع الجماعة أن تجذبهم في السّابق، أم أنّ روافد التّجنيد خفتت وقلَّت؛ لأنّ العناصر المجنَّدة والمفترضة سترى فيها الجماعة الفاشلة في مخيالها؟
- أعتقد أنّ الفكرة فقدت الكثير من جاذبيّتها وإلهامها، وهذا، بلا شكّ، سيؤثّر في عمليّات التّجنيد، فالتّجنيد ليس مرتبطاً بوسائل؛ بل له صلة أكثر بـ "الجاذبيّة والإلهام". أعتقد أنّ هذا تراجع في نفوس كثيرٍ من النّاس، حتّى في نفوس قطاعات من الإخوان، وهذا هو الأهمّ؛ لأنّ القلب المعنيّ بفكرة التّبشير بالفكرة قد تخلخلت قناعاته، وأدركت قراءات كثيرة للإخفاقات داخل الجسد الإخوانيّ نفسه، وهذا عامل حاسم في المسألة.

الإخوان في الإنعاش
*إذاً، إذا توقّفت عمليّات التّجنيد فهل يمكننا أن نقول: إنّ الجماعة ستشهد انقطاعًا جيليًّا مستقبلًا؟

- في النّهاية، إنّ أيّة فكرةٍ لها دورة حياة، وأنا مع أنّ جماعة الإخوان استكملت دورة حياتها، بمعنى أنّها مرّت بما يمرّ به الأحياء؛ من فترة طفولة، ثمّ صبا، ثمّ شباب، ثمّ شيخوخة، ثمّ وفاة. هذه الشّيخوخة طالت إلى حدٍّ كبيرٍ، وعاجلتها ظروف الوصول إلى الحكم، ففشلت في إدارته، وفي إدارة الاحتجاج والمعارضة، فجمعت بين الفشلَين تحت مظلّة تعقيدات دوليّة لها أثرها، بما يؤكّد أنّنا، في النّهاية، أمام إرهاصات واسعة لمراجعة داخل جسد الجماعة، تبدو فيها مدفوعة بفشلها من جهة، وبرفض المجتمع تحت أيّة مسوغات من جهة أخرى.
*قلت إنّ جماعة الإخوان لم تراجع نفسها، وإنّ الواقع السياسيّ هو الذي يحرّكها، لأنّ الحركة تسبق التّنظير، فهل ترى أنّ ثمّة سياقاً مختلفاً هذه المرّة، أم أنّ المشكلة تكمن في "الجين" الإخوانيّ أو في بنيتها الفكريّة والتنظيميّة التي تمنعها من ذلك؟
- نعود إلى العتبة التي بدأت بها كلامي؛ هل الذي جرى محنة أم فشل؟ لأنّ كلّ نتيجة ستؤدّي إلى مسارٍ مختلفٍ. فإذا اقتنع العقل الجمعيّ للجماعة بأنّ الذي جرى هو فشلٌ يستدعي إعادة النّظر في جملة الأفكار، والوسائل، والأدبيّات. إذاً؛ فهم على طريقٍ صحيحٍ للمراجعة، قد تنتج شيئاً جديداً، مع ملاحظة أنّ القيادات في مثل هذه التنظيمات هي التي تقتنع ثمّ ترشّح للقواعد، فإذا حدث، فأنتَ أمام مراجعة قد تنتج فكراً جديداً، وإذا لم يحدث، وسيقابل بمقاومة شديدة بالقطع؛ فقد تعيد الجماعة إنتاج نفسها في نفس الشكل القديم المتخلّف، حتّى إن بقي الجسد ضعيفاً تنظيميّاً، إلّا أنّه قد يؤسَّس على ضفاف المظلوميّة لمذهبٍ إسلاميٍّ جديدٍ، تقترب فيه الحالة الإخوانيّة من مشاهد تأسيس المذهب الشيعيّ، حتّى وإن بقيت أقليّة، فإذا استسلمت هذه الأقليّة لأجواء المحنة فهذا سيوصلها إلى مذهبٍ دينيٍّ جديدٍ، بالتّالي، لن تنجز مراجعةً، ولن تخرج من متاهتها.
وأعتقد أنّ هذا قد يحدث، وقد يحدث معه مجموعة لإنتاج مراجعات تتزايد شجاعتها مع الوقت، ويوجد هنا عاملٌ قد يسارع من هذا أو يبطئ منه، وهو طبيعة اختيارات النظام السياسيّ وأدائه وخياراته، فكلّ نجاح للنّظام في النّظام السياسيّ سيصبّ في مصلحة هذا.


 

*وهل يمكن أن تكون هناك معالجة لمظلوميّة الإخوان، سواء من المجتمع المدنيّ أو الدّولة؟
- المجتمع المدنيّ ليس مؤهّلًا لذلك، والنّظام السياسيّ غير راغبٍ فيه؛ لأنّه يميل، دائماً، إلى المقاربة الأمنيّة، فلا أتصوّر أن يكون ذلك عاملاً حاسماً في مواجهة الفكرة؛ إنّما قد يكون عاملاً حاسماً في مواجهة التّنظيم.
*أتعتقد أنّ الجسد الإخوانيّ العامّ لم ينخرط في العنف المسلّح؟
- أنا على يقينٍ بأنّ (80 %) من الجسد الإخوانيّ غادر المشهد بعد فضّ اعتصامَي رابعة والنّهضة، ولم ينخرط في حالة احتجاج، أو في حالة عنف، وأنّ ما يواجه المجتمع المصريّ هو الـ (20%) المتبقية، الفاعلة والمنقسمة ما بين المؤمنين بمحمود عزّت والمؤمنين بكمال، والأكثريّة مع عزّت.
*هل يمكن أن نفسّر هذا بأنّ مجموعات الإخوان التي انخرطت في العنف كان معظمها شباب أغرار؟
- نعم، وفشل هؤلاء أكّد لدى المجموعات الأخرى أنّ العنف مساره مغلق في النّهاية.
*لكنّ الجسد العامّ سيدفع الكلفة والفاتورة؟
- نعم، لقد دفع، ولا زال، لأنّ الأجهزة الأمنيّة ستوسّع، بطبيعة الحال، من دائرة الاشتباه.
*حدث عند الجميع نوعٌ من الصّدمة؛ عندما أتى قادمٌ من الخلف كمحمد كمال، لا يعرفه كثيرٌ من النّاس، ثم مضى يأخذ الإخوان للعنف، ويشرعن له.
- خلق التقيّة في مواجهة المجتمع كان حاضراً، أيضاً، داخل التّنظيم؛ فكان هناك مَن يمارس التقيّة داخل التنظيم نفسه، وقياداته وعناصره، وقد حدثت واقعةٌ شهيرةٌ بين مصطفى مشهور ومحمد فريد عبد الخالق؛ إذ وقع بينهما خلاف حول "رسالة التّعاليم"، فقد تفاجأ عبدالخالق بأنّ مشهور قرّر دراسة "رسالة التّعاليم" للصّف الإخوانيّ، فقال له: إنّ هذه الرّسالة لم تكن مكتوبة للإخوان؛ بل للنّظام الخاصّ، وكانت نقطة فاصلة بين الاثنين، فهذه العناصر كانت حريصة على تدريس تلك المناهج في الجماعة كي يبقى باب العنف مفتوحاً؛ لذلك ستجد المنهج الحركيّ لمنير الغضبان يحفل بالإشارات، وهو ما جعل العنف في البنية التحتيّة ممكناً.

 

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



نبيل نعيم: لم نقتل السادات بسبب الصلح مع إسرائيل

2019-10-17

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


يختلف المراقبون والباحثون كثيراً حول ظروف مقتل السادات. لكنّ شاهد عيان أكد لـ"حفريات" أنّ بعض المحامين المصريين ذكروا أنّ مقتل السادات كان بسبب معاهدة كامب ديفيد والسلام مع إسرائيل، "ولم يكن هذا حقيقة؛ لأننا قتلناه لأسباب شخصية".

اقرأ أيضاً: السرّ المخبوء: السادات وعبد الناصر والإخوان.. من المسؤول عن البعث الثاني للجماعة؟
نبيل نعيم، أحد المؤسسين لتنظيم الجهاد بمصر، ثم تنظيم "القاعدة" يضع، في هذا الحوار، النقاط على الحروف، ويكشف ما جرى مع السادات، ويلقي الضوء على
نشأة تنظيم القاعدة، والدور الذي كان يلعبه الأفغان العرب.
هنا نص الحوار:
صف لنا الفترة الأولى وكيف كان التعارف بأيمن الظواهري وتنظيم الجهاد المصري؟

أنا والظواهري أبناء جيل واحد، هو جيل السبعينيات، وهي الفترة التي كنا نتردّد فيها على مساجد أنصار السنّة المحمدية، وكما تعرف، هي جماعة وهابية الأيديولوجيا، وكان الشيخ خليل هرّاس، في تلك الفترة، يدرّسنا كتب العقيدة، لكنّ الظواهري كان أسبق في الاطلاع على كتب سيد قطب، وكانت هذه الكتب في عهد الرئيس الراحل أنور السادات تطبع بشكل كبير، فأشرب أيمن هذا الفكر، وأنا بالفعل قرأت كلّ كتب سيد قطب، ومنها: "الظلال"، و"معالم في الطريق"، ومن أول وهلة أدركت أنّه تكفيري، وأنّه لا يفهم صحيح الدين.
قطب كان منحرفاً فكرياً

في جلسات محاكماتنا حوّل المحامون قتل السادات إلى معاهدة كامب ديفيد ولم تكن هذه حقيقة لأننا قتلناه لأسباب شخصية
إذاً، لماذا بعد هذا الإدراك سرت في الطريق نفسها التي رسمها سيد قطب وتبعه أيمن الظواهري؟!

كان هذا لظروف سياسية وأخرى اجتماعية، فسيد قطب بالفعل كان منحرفاً فكرياً يكفّر المجتمع، ويقول إنّه ارتدّ منذ قرون، وإنّ من يصلي في المساجد غير مسلمين، وينسبون أنفسهم للإسلام، ولم يكن يفهم الدين كما يجب؛ لأنّه كان أديباً وشاعراً ولم يكن عالم دين، وحين درست على يد الشيخ البلتاجي بكلية العلوم، أدركت ذلك عن قرب، لكنّ ظروف صداقتنا معاً، والدروس التي كنا نتلقاها بمساجد أنصار السنّة، وضعتنا تحت المراقبة اللصيقة، ولمّا أصدر السادات قرارات التحفظ وجدنا أسماءنا فيها، وساعتها وأنا جالس معه، قال لنا محمد عبد السلام فرج، وهو المتهم الأول في قتل الرئيس فيما بعد: "لو دخلنا السجون لن نخرج منها أبداً، كما حدث مع الإخوان المسلمين بسجون ناصر، ولا بد لنا من أن نتخلص من السادات"، وبالفعل سرنا معاً إلى طريق العودة منه صعبة.
ما الذي أوصل الظنون في الرئيس السادات إلى أذهانكم بهذا الشكل، ألا يجوز أنه كان سيفرج عنكم بعد أسابيع، وهو الذي منح الإخوان الحرية من قبل؟
الإخوان شوّهوا عبد الناصر في كتب لهم، مثل كتاب زينب الغزالي، وكتاب أحمد رائف، ونحن تصورنا كذباً أنّ السادات سيسير على السياسة ذاتها فقلنا نقتله، وفي جلسات محاكماتنا حوّل المحامون الحكاية إلى أننا قتلناه بسبب معاهدة كامب ديفيد والسلام مع إسرائيل، ولم يكن هذا حقيقة؛ لأننا قتلناه لأسباب شخصية، لكن وظّف كلّ من المحامين القضية لحسابه.

كيف يكون الظواهري إنساناً وقاتلاً؟
نعود لتنظيم القاعدة، لأنني سمعتك أكثر من مرة تثني على الظواهري، أريد تفسيراً للأمر؟

الظواهري، من الناحية الشخصية؛ إنسان بمعنى الكلمة وهو خلوق ومتواضع للغاية، لكنّه من ناحية الأفكار؛ منحرف وقطبي، والخلاف بيني وبينه الآن على الأفكار.
كيف يكون إنساناً وقاتلاً في الوقت ذاته؟
لأنّ سلوك الإنسان وليد لفكره؛ فالظواهري أصبح منحرفاً، وهكذا كان قاتل الإمام علي ابن أبي طالب، كان يرى أنّ ما فعله تدين، وهناك فرق بين شخصية الإنسان وخُلقه وممارسته السياسية، على ما أعتقد.
ماذا جرى في الأيام الأولى عقب قراركم قتل الرئيس السادات؟
حين صدرت قرارات التحفظ قررنا قتل الرئيس السادات، وعرضنا الخطة على ضابطين كانا معنا بالتنظيم، وهما: عبود الزمر، وعصام القمري، فقالا لنا: "إذاً، طالما سنقتله فلنقم بانقلاب شامل"، وجاءت الأحداث بهذا السياق غير المخطط له، وساعدنا في ذلك أنّ خالد الإسلامبولي جاء عارضاً قتل الرئيس بسبب سجن شقيقه محمد، وكانت هناك مجموعة من الجماعة الإسلامية ستحتل مبنى التلفزيون (ماسبيرو)، عقب أحداث المنصة مباشرة، وأنا كنت أعرف المهندس محمد رشاد، الذي يعمل بالمبنى، ويقود غرفة التحكم بالإذاعة المصرية، وكان سيساعدنا في بيان الثورة المسلحة وإذاعته.
تجنيد ضابط بالحرس الرئاسي

اكتشفنا أنّ عبد الله عزّام يقوم بالإبلاغ عن كلّ من في المعسكرات؛ حيث يقدّم لأجهزة الاستخبارات العربية أسماءنا الحقيقية
كيف استطعتم تجنيد مثل هذه الشخصيات؟

لكلّ شخصية ظروفها في الاستقطاب والتجنيد، وأنا أذكر أننا نجحنا في تجنيد ضابط بالحرس الرئاسي، وكان الشيخ يخطب، يوم الجمعة، بمنزل الرئيس في القناطر، ويقول: "إنّ سيدنا سليمان قال: ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين، لأعذبنه أو لأقتلنه، اقتل يا سادات هؤلاء"، فأرسل لنا الضابط وقال: "قبل ما تقتلوا الرئيس اقتلوا هذا الشيخ"، ومع القبض علينا توصلوا له وأودع الضابط سجن القلعة، وكان اسمه هارون، وكان مسجوناً في زنزانة بجواري، وكذلك حين راح الرئيس يفتتح مصنعاً في مدينة طلخا، ألبسنا مجموعة منا ملابس عمال المصنع، ووضعنا 2 طن من مادة "تي إن تي" المتفجرة في مواسير مياه المجاري، لكنّ الرجل لم يمر بالطريق وجاء بطائرة "هيلوكبتر".
ما دور الظواهري في هذه الفترة؟
كان له دور كبير بكلّ تأكيد؛ فمخزن السلاح لجماعة الجهاد كان عندي، وقد كلفني بحمايته الضابط عصام القمري، وكان الإسلامبولي يحتاج إلى إبر ضرب نار وذخيرة، فجاء الظواهري وطلبها مني، فأعطيتها له، إضافة إلى طلقات مسدسات 9 مل، والقنابل اليدوية التي ضربوا بها المنصة، ولم تنفجر إحداها، وكان معي ممدوح أبو جبل، الذي أحضر إبر ضرب النار ثم جعلوه شاهد ملك في القضية وأفرجوا عنه، واختفى ولم يظهر حتى الآن، وفي السجن بدأنا نقول إنّنا قتلنا الرئيس لأنّه لم يحكم بما أنزل الله، ولم تكن هذه الحقيقة، وقامت الجماعة بكتابة بحث "أصناف الحكّام وأحكامهم"؛ الذي وقّعه الدكتور عمر عبد الرحمن.
ماذا فعلت عقب الإفراج عنك، هل تركت التنظيم؟
لا، فقد كانت الشرطة المصرية تخضعنا للمراقبة، وتفرض علينا كقيادات أن ننام يومياً في قسم الشرطة ويفرج عنا بالنهار، ولم أطق ما يحدث معي فقررت الهروب إلى أفغانستان، التي سبقني إليها الظواهري.
بن لادن لم يكن موجوداً لدى تأسيس "القاعدة"

أعتقد أنكم شكّلتم تنظيم القاعدة في تلك الفترة مع بن لادن أليس كذلك؟
بالفعل، لكن بن لادن لم يكن موجوداً، والقصة الحقيقية لنشأة التنظيم بدأت مع 4 ضباط مصريين، أذكر منهم: عبد العزيز الجمل، الذي يقولون إنّه مات بسوريا مؤخراً، وأعتقد أنّ الخبر ليس صحيحاً، ومعه الظواهري، وسيد إمام، وأبو عبيدة البنشيري، وسيد موسى، والأخير هو من اقترح الاسم والطريقة؛ حيث كان العرب الأفغان يأتون أفواجاً للمشاركة في القتال، لكنّهم كانوا يتفاجأون بأنّ بعض الفصائل الأفغانية صوفية، ويلبس أفرادها التمائم، فكان العرب يكفّرونهم، وكانوا يرفضون القتال تحت راياتهم، ووقعت مشكلات كثيرة، وتدخّل سيد موسى، وكان مدرباً كبيراً، فاقترح أن يفصل العرب ويقيم قاعدة يستقبل ويدرب فيها، ومن هنا كان الاسم، وأنشأنا معسكرات كثيرة كنت أقود أحدها، من أهمها: معسكر الفاروق، وخالد بن الوليد، وصلاح الدين، وبدأ عبد الله عزام يدفع الرواتب، وكان معه ضابط اسمه "أبو مازن"، اكتشفنا أنّه يقوم بالإبلاغ عن كلّ من في المعسكرات؛ حيث يقدّم لأجهزة الاستخبارات العربية أسماءنا الحقيقية، لا الحركية، وهذا أدّى إلى أن تعاقب دولة مثل ليبيا هؤلاء وأهلهم، وعقدنا اجتماعاً ناقشنا فيه المسألة، وقرر بعض العرب قتل السالك، وقررنا محاكمة عزّام، لكنّه لم يحضر المحاكمة، وأعتقد أنه تمّ اغتياله فيما بعد للسبب ذاته؛ حيث تمّ اتهامه بأنّه أبلغ عن الأفغان العرب.
أين كان بن لادن في تلك الفترة؟
بن لادن لم يكن حاضراً، لكنّ عبد الله عزّام عقب محاكمتنا له، قرر منع الأموال عن المعسكرات، فكلفني الظواهري بالنزول للمملكة، ومقابلة بن لادن، أنا وأبو عبيدة البنشيري، فشرحنا له ما جرى، فقرّر الإنفاق من ماله على المعسكرات، وجاء بنفسه لأفغانستان، ولأنّ أغلبية الحضور كانوا يمنيين وسعوديين، قرروا تنصيب "أبو عبد الله" أميراً للعرب، وبعدها بدأت رحلته مع قيادة القاعدة.
انحرافات "القاعدة" الفكرية

محمد المقدسي وأبو قتادة شارحان لأفكار سيد إمام الشريف، الذي تسبّبت أفكاره في انقسام تنظيم القاعدة
هل كنت شاهداً على انحرافات القاعدة الفكرية عقب تحرير كابول؟

حينما دخل الأفغان كابول، ثم قاتلت الفصائل بعضها قررت العودة لمصر وتم اعتقالي، لكنني قبل عودتي شهدت كيف تسبّب سيد إمام في انقسام التنظيم بكتابه "الجامع في طلب العلم الشريف"، وأنا قلت للظواهري: "لقد أصبحنا مثل جماعة التكفير، وجئنا بسيد"، وقلت له: "ما حكم الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله؟"، فقال: "كافر"، فقلت له: "ما حكم أعوانه؟"، فقال: "كفّاراً"، فقلت له: "ما حكم الشعب الذي صوّت له بنعم؟"، فقال: "مرتدّين"، فصاح أيمن: "بالفعل أصبحنا تكفيريين"، وبدأ في حذف أبواب من الكتاب، فكفّر سيد الظواهري، وأنا أرى أنّ هذه هي البداية الحقيقة لنشأة داعش؛ لأنّ أفكار التنظيم من الكتاب ذاته، الذي كتبه إمام في 12 عاماً متواصلة، وأصبح دستوراً للجماعات في العالم، وما محمد المقدسي، أو أبو قتادة، إلا شارحَين لأفكار سيد إمام الشريف، الذي تسببت أفكاره في انقسام القاعدة، وفي مشاكل كبيرة بين العناصر في اليمن والسودان.
أيّ مثال واضح على هذه الصراعات؟
من أهم الأمثلة: تصفية ابن القيادي محمد شرف، وكان حدثاً صغيراً مراهقاً، وتم اتهامه بالعمالة للنظام المصري، واتهموه بأنّه تمّ تكليفه بوضع حقيبة متفجرات أثناء اجتماع القادة، وتم تعذيبه تعذيباً بشعاً، فقطعوا له أطرافه وكانوا يضعون بداخلها سلك كهرباء، فاضطر الولد للاعتراف مجبراً، وكان القاضي هو القيادي مرجان سالم، الذي حكم عليه بالإعدام، وقتلوه هو وصديق له صغير، ولما جاء شرف من الجبهة وجد ابنه قتيلاً، ووقعت بعض المشكلات، لكنّ الغريب أنّ شرف لم ينشق عن التنظيم حتى مات مؤخراً بسوريا، لكنّ المشكلات الأهم هي ما جرت في سوريا الآن؛ حيث استقطبت تركيا أبا محمد الجولاني، وقرر الظواهري، المعروف بأنّه ساذج في الإدارة، الصلح معه، وتشكيل جبهة تحرير الشام، وفي كلّ اجتماع للقادة كانت تصل الطائرات وتقصف من فيه، ومات رفاعي طه، وأحمد سلامة مبروك، وغيرهما، وأعلن أبو ماريا القحطاني أنّ من يسلم الإحداثيات هو الجولاني، ووقعت معارك دموية بين الفصائل بسبب الاستقطاب ما بين تركيا وقطر، وغيرهما.
قرأت أنّك قلت إنّ الظواهري وقّع اتفاقاً مع الإخوان؟
بالفعل، فقد تواصل الرئيس مرسي مع الظواهري، وأرسلوا له 25 مليون دولار، وفق اعترافات شقيقه محمد بالنيابة المصرية، وكانت الخطة هي جمع الجماعات من غير الإخوان في سيناء ومنها القاعدة، من أجل إعلان إمارة وفصلها عن مصر، ثم تسليمها لحماس، كي تقيم عليها الدولة الفلسطينية، وفق الخطة المرسومة في صفقة القرن، وأنا سألت سعد الدين إبراهيم، وهو المعروف بأنّه عرّاب أمريكا: "إن دعمت أمريكا الإخوان بـ 25 مليون دولار في الحملة الرئاسية؛ فهل أسلمت أمريكا أم تحجبت؟"، فقال: "15 من قيادات التنظيم الدولي اجتمعوا مع الـ "سي آي إيه"، وأقنعوا الأمريكيين بأنّه لو نجح مرسي فسيتنازلون عن سيناء لصالح الدولة الجديدة، فقررت أمريكا مساعدتهم، كما سألت الرئيس الفلسطيني أبو مازن بنفسي في أحد الاجتماعات، فقال إنّ مرسي اجتمع به، وأراد أن يعطيه (شقفة) من سيناء، لكنّه رفض، وقال له: "ستعطيني (شقفة) ويأتي الرئيس بعدك يأخذ مني (الشقفة)، التي ستروح وتجيء بعد أن أكون فقدت الضفة"، فردّ مرسي: "لن نعطيها لك، لكننا سنعطيها لحماس"".
هل تواصل معك الظواهري مؤخراً؟
نعم، تواصل معي عام 2012 تلفونياً، وهو في حماية طالبان، التي يحتفظ معها بعلاقات صداقة؛ لأنّه طبيب أغلب قياداتها الشخصي، ويمكن أن تسلمه في إطار صفقة في أي وقت، فقال لي: "لا نريد منك مهاجمة الإخوان في هذا الوقت"، فقلت له: "أنت من كنت تهاجمهم، بل وكفّرتهم في كتابك "الحصاد المر""، فسكت وأغلق الخط، ومن هنا كفّرته داعش؛ لأنه عقد هذه الصفقة مع الجماعة، وقالوا إنّه مؤمن بالديمقراطية!
كيف ترى مستقبل القاعدة بعد كلّ الذي قلته ورويته؟
ستنتهي؛ لأنّ وعد الله على الخوارج، أنّه "كلما خرج قرن قطع"، والظواهري تراكمت عليه المشاكل، وأعتقد أنّ نهايته باتت قريبة ومحتومة، وأيام كنا بالسودان راح الترابي إلى مسؤولين في أمريكا في فرجينيا، وقال لهم: "نحن نستطيع تسليم بن لادن"، فقالوا له: "نحن نريد فقط أسماءهم الحقيقية، لا الحركية، وصورهم"، والظواهري يمكن أن يُسلَّم في أية صفقة.

للمشاركة:

وليد البرش: الإخوان تحركهم التقية والخطابات المزدوجة

2019-10-08

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال وليد البرش، أحد مؤسسي حركة تمرد الجماعة، إنّ الإخوان المسلمين لن يجروا مراجعات حقيقية أسوة بالجماعة الإسلامية في التسعينيات؛ مبيناً في حواره مع "حفريات" أنّ ذلك عائد إلى أنّهم يعتقدون أنّ جماعتهم هي من تمثل الإسلام، وإيمانهم بالتقية التي طالما مارسوها؛ "فهم على استعداد لإصدار مراجعات شكلية مقابل إعطاء الدولة لهم قُبلة الحياة".

مثّل تقسيم الجهاد إلى دفع وطلب مخالفة صريحة للنص الإسلامي الجامع

وأضاف القيادي السابق في تنظيم الجماعة الإسلامية، أنّ الإخوان إبان فترة حكمهم واعتقادهم بنجاح "أخونة الدولة المصرية"، أدركوا أنّ الخطر يكمن في الجماعات الإسلامية المنافسة التي ترى أنّها أحقّ بالحكم منهم، فسعوا إلى التخلص منها بتأييد "الجهاد" في سوريا والترويج له.
وأكد صاحب كتاب "من المنصة إلى المنصة" أن لا مستقبل للإسلام السياسي في بلاده، موضحاً أنّ مصر اليوم، دولة وشعباً، تخوض حرباً شاملة ضدّ كلّ حلقات العمل الإرهابي، وأنّ "من يحمل السلاح هو فقط الحلقة الأخيرة من سلسلة إجرامية تشمل التمويل والتسليح، وتوفير ملاذات آمنة أو منبر إعلامي وتبرير فكري".
وهنا نص الحوار:

تحولات ومراجعات

*في كتابك الأخير؛ أوضحت كيف تحوّل تنظيم الجماعة إلى العنف، ثم راجع نفسه، ما المنطلقات التي دفعتها لتلك التحولات؟
المراجعات الفكرية التي أطلقتها الجماعة الإسلامية العام 1997، خرجت من منطلق شرعي؛ أنّ هناك أخطاء شرعية وقعت يجب التراجع عنها، مثل تعارض فكرة الانتماء للوطن مع الانتماء للدين، وفكرة الاستعلاء الإيماني وما يترتب عليه من تنفيذ الأفراد للأحكام بأنفسهم، بعيداً عن السلطتين القضائية والتنفيذية، وفكرة الطائفة الممتنعة التي تجيز قتال المسلمين، والتترس التي تجيز العمليات التفجيرية في أماكن المدنيين والحاكمية، وقد أزالت المراجعات هذه الإشكاليات وصحّحت هذه الأخطاء، وكان يجب استثمار هذا التصحيح كبداية ليقوم علماء الأزهر بتصحيح كلّ الممارسات الفقهية الخاطئة، التي ترسّخت عبر قرون كخطوة أساسية لتجديد الخطاب الديني.
* هلا ذكرت لنا أمثلة على هذه الممارسات الفقهية الخاطئة التي تحتاج إلى تصحيح؟
مثّل تقسيم الجهاد إلى دفع وطلب "الغزو لنشر الإسلام"، وهو مخالف للنص الجامع الموضح لحقيقة الجهاد، في سورة "البقرة" (الآية 190): ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، ومنها أنّ ممارسة الدعوة إلى الإسلام ومعانيه العظيمة بالتسامح والعفو وكفّ الأذى والهجر الجميل، يكون حال الاستضعاف، أما في حال القوة؛ فكلّ هذه المعاني منسوخة! وأحكام السبي واغتصاب النساء، وعدم الاعتداد بالحدود الجغرافية، وعدم اعتبار مصلحة الوطن كأحد المصالح الكلية التي يحرص الشرع على الحفاظ عليها.
* كنت أحد مؤسِّسي "تمرد الجماعة الإسلامية"؛ كيف ظهرت هذه الحركة؟ وأين هي الآن؟
لقد كانت حركة "تمرّد" قبساً من نور أضاء للحائرين من أبناء الجماعة الإسلامية الطريق، وأوضح لهم معالم الخروج من النفق المظلم الذي أدخلهم فيه قادة العنف وأمراء الدم، ولقد تميزنا عن باقي الحركات التي تبعتنا في معارضة الجماعة بوضوح الرؤية، ووضع خطة محددة تهدف لإعادة الجماعة إلى التصالح مع الوطن، ومراعاة الواجب الوطني، وانتهاج السلمية، وتفعيل المراجعات الشرعية المسماة "مبادرة وقف العنف"، وتحقيق ذلك عبر عدة وسائل، هي:

كان على الأزهر استثمار مبادرة وقف العنف لتجديد الخطاب الديني بتصحيح الممارسات الفقهية الخاطئة التي ترسّخت لقرون

- إخضاع الجماعة، أعضاء وتمويلاً، لرقابة القانون ولأحكامه.
- إخضاع أنشطة الجماعة للأزهر الشريف دراسة وترخيصاً.
- إلغاء مبدأ السمع والطاعة في الجماعة والمعروف باسم "نظرية الطوبة"، لتحرير إرادة الأفراد وعقولهم.
- التبرؤ من حزب بناء وتنمية الإرهاب.
- قطع الصلات مع كلّ من يضرّ الأمن القومي المصري.
ولقد نجحت الحركة، بفضل الله، في تحريك قيادات كانت قد سكنت للأمر الواقع؛ كالشيخ كرم زهدي، وفؤاد الدواليبي، وبدري مخلوف، وغيرهم، وطرحنا مواضيع للنقاش والحوار بين أبناء الجماعة، كان مجرد التفكير فيها رجساً من عمل الشيطان.
*هل تؤمن أنّ هناك قيادات تاريخية معتدلة وأخرى متشدّدة في ظلّ تحولات علي الشريف الأخيرة؟
لا يوجد بين قيادات الجماعة معتدلون سوى أربعة: كرم زهدي، وناجح إبراهيم، وفؤاد الدواليبي، وحمدي عبد الرحمن، أما علي الشريف؛ فهو أول من اقترح ونفّذ قتل الأقباط لسرقة أموالهم (حادث نجع حمادي، عام 1981، قتل ثمانية صائغين أقباط وسرقة محالهم)، وكان قائد إحدى المجموعات الأربع التي ارتكبت مذبحة الشرطة بأسيوط 1981، والتي خلّفت 118 شهيداً من الشرطة.
*هل تعتقد أنّ جماعة الإخوان يمكن أن تجري مراجعات مماثلة؟
جماعة الإخوان لن تجري مراجعات حقيقية؛ لأنّها تعتقد أنّها تمثل الإسلام، وأعضاؤها يعانون من متلازمة احتكار الإسلام، ونظراً لاعتقادهم بالتقية وممارستهم لها كثيراً؛ فهم على استعداد لإصدار مراجعات شكلية مقابل إعطاء الدولة لهم قبلة الحياة، كما حدث عندما كتب الهضيبي كتابه "دعاة لا قضاة" في السجن، وتبرّأ من أفكار سيد قطب، وكان الكتاب موجهاً للدولة، وليس لأعضاء التنظيم؛ لذا لا قيمة له لديهم سوى خداع الدولة فقط وإقناعها بعدولهم عن أفكار قطب.
مصر بعد ثورة يناير

* في كتابك "من المنصة إلى المنصة" تطرقت إلى تاريخ الإخوان مع العنف، كيف تصف مصر بعد ثورة يناير؟
نعم، قلت إنّ مصر أصبحت، بعد 25 كانون الثاني (يناير) 2011، منطقة جذب للإرهابيين من كلّ مناطق التجنيد في العالم، وتمثلت مظاهر الجذب للإرهابيين فيما يلي: حين استتبع انهيار الشرطة، بعد ٢٥ كانون الثاني (يناير)٢٠١١، انهياراً كاملاً للأمن في سيناء؛ فقد تمّ اقتحام معظم أقسام شمال سيناء، والاستيلاء على أسلحتها ورفع علم "القاعدة" عليها، وإعلان سيناء إمارة إسلامية مستقلة، تحت اسم "ولاية سيناء".

الهدف الحقيقي للجماعة تفكيك مصر لصالح مشروعها وتحويلها لمجرد ولاية في مشروع الوهم الأممي

كما تمّ إنشاء ثلاثة معسكرات في قرى رفح على مرأى ومسمع من الجميع، وقد سمح الفراغ الأمني بزيادة القدرات التنظيمية والتشغيلية للجماعات الإرهابية في المنطقة، نتيجة تدفق أعداد كبيرة من السلاح الثقيل من مخازن القذافي المنهوبة، عبر خطة لتكديسه في مصر لاستعماله وقت الحاجة إليه، ثم العفو عن قيادات الإرهاب، وإخراجهم من السجون، وعودة الباقين من أفغانستان، وبعدها ذهبوا لميدان التحرير وتلقوا البيعات، وتمّت إعادة طباعة كتب القاعدة والجهاد، في مكتبة إشبيلية، لصاحبها أحمد عشوش، زعيم السلفية الجهادية في مصر، وتوزيعها مجاناً لنشر الفكر الإرهابي.
وانتهزت الجماعة الإسلامية فرصة إعطاء النائب العام الإخواني ما عرف بالضبطية القضائية للمواطنين، فتقدمت بمشروع قانون لتقنين أوضاع اللجان الشعبية (الميليشيات العسكرية)، وبعد هذا نظّمت الجماعة استعراضاً عسكرياً في محافظة أسيوط لكوادرها المشاركين في اللجان الشعبية!

اقرأ أيضاً: الإخوان والقضية الفلسطينية.. هكذا يسرقون التاريخ!
وتقدّم الإسلاميون بمشروع العفو السياسي عن المتهمين في الجرائم السياسية، التي ارتكبت خلال الفترة من 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1981، وحتى 11 شباط (فبراير) 2011، وكان الهدف السماح لقادة الإرهابيين بأن يتنعموا بمكاسب السياسة، وأن يحوزوا المناصب التشـريعية والتنفيذية التي لا يستطيعون الوصول إليها بسبب العقوبات التبعية للجرائم التي ارتكبوها، وكانت هذه هي مصر بعد 25 يناير.

محرقة منافسي الإخوان

*لماذا دعا الإخوان إلى "الجهاد" في سوريا؟
مخيلة الإخوان أوحت لهم أنّ القوى الوطنية والشعب المصري، ومؤسسات الدولة؛ كلّ هؤلاء أصبحوا تحت السيطرة، أو في طريقهم للخضوع للسيطرة الكاملة من الإخوان عبر ما عُرف بخطة "أخونة الدولة المصرية"، وأنّ الخطر يكمن في الجماعات الإسلامية المنافسة التي ترى أنّها أحقّ بالحكم من الإخوان، وأنّ تحالفهم مع الجماعة مجرّد تحالف مؤقّت.

نظراً لاعتقاد الإخوان بالتقية فهم على استعداد لإصدار مراجعات شكلية مقابل إعطاء الدولة لهم قبلة الحياة

وكان الإخوان يعون جيداً أنّ دورهم في العفو عن قيادات الإرهاب وخروجهم من السجون وعودة الباقين من أفغانستان؛ هو تحضير لمارد الإرهاب إلى مصر، وأنّهم لن يهنؤوا بحكم البلاد طالما هؤلاء موجودون على الأرض المصرية؛ لذا خططوا جيداً لإبعاد هذه الذئاب الجائعة التي تستعدّ لنهشهم وخطف مقعد الرئاسة منهم عن مصر، والتخلص منهم، فكانت أكذوبة الجهاد في سوريا، وهي محرقة جديدة للتخلص من المنافسين الإسلاميين.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان مخطط تقسيم الدول العربية إلى كيانات رخوة وسيطرة الإخوان عليها وفق مخطط الفوضى الخلّاقة يستدعي تدفّق الرجال إلى سوريا كوقود للحرب، وكانت الأكذوبة لجعل المنافسين الإسلاميين مجرد بنادق مستأجرة، تستعمل كوقود للحرب في سوريا.
*هل نجح مخطط الإخوان في التخلص من قادة الجماعات المنافسة لهم بإلقائهم في محرقة الجهاد في سوريا؟
نجح مخططهم نجاحاً عظيماً وابتلعت الجماعات المنافسة الطعم؛ والدليل على ذلك: مقتلة قادة الإرهاب المصريين في سوريا، وأبرزهم: أبو الفرج المصري، أحمد سلامة مبروك، وأبو هاني المصري، هاني هيكل، وأبو العلا عبد ربه، أحد قتلة د.فرج فودة، ومحمد عباس، وغيرهم، وكذلك التخلص من منظري الإرهاب بتصديرهم إلى سوريا، مثل: أبو اليقظان محمد ناجي، وأبو أيوب شريف هزاع، وأبو شعيب طلحة المسيّر، وغيرهم.

*إذاً، أنت تؤكد أنّ الإخوان استطاعوا السيطرة على شباب الجماعات الإسلامية وإرسالهم إلى ما يسمى "الجهاد" في سوريا؟!
نعم، استطاع الإخوان أن يسيطروا على عقول شباب الجماعات الإسلامية المنافسة وكلّ شباب لا ينطوون تحت لواء جماعتهم، من خلال الاحتلال العقلي، فحوّلوا الشباب إلى بنادق مستأجرة تنفذ دون تفكير، تقتل بدم بارد، تنفذ العمليات الانتحارية دون تردّد، وينقسم الاحتلال العقلي إلى أربع مراحل: الأولى "تقديس القادة"، وفي هذه المرحلة يتم إضفاء هالات من القداسة عليهم تجعل عقول الشباب تنبهر بهم، والثانية "السمع والطاعة"، وفي هذه المرحلة يحولون الشباب إلى أدوات لتنفيذ المخطط الذي رسموه وتصديق الأكذوبة التي روّجوها، والثالثة "الأوهام الثلاثة"، وتتمثل في:
1- وهم اضطهاد المسلمين في سوريا وانتشار المذابح فيها.
2- وهم تكفير النظام في سوريا ونعت الجيش السوري بأنّه جيش طائفي.
3- وهم وجوب الجهاد في سوريا لإقامة خلافة إسلامية تبدأ من الشام.

وأما المرحلة الأخيرة؛ فهي "الحرب الدائمة مع العالم": أي إنّهم في حالة جهاد مستمر وحرب دائمة مع العالم بغرض إدخال الناس في الإسلام، حتى لا يفكروا في العودة إلى مصر مرة أخرى.

*ماذا تقصد بـ "جهاد لندن"، و"جهاد السيارات الفارهة" اللذين تحدّثت عنهما في كتابك الأخير؟

الحكاية من أولها؛ أنّه بعد أن أفتى محمد العريفي في مؤتمر بالقاهرة بوجوب الجهاد في سوريا، وزعم أنّها أرض الجهاد، وذلك في مسجد عمرو بن العاص في القاهرة، حمل حقائبه وطار، لكن ليس إلى أرض الشام، بل إلى العاصمة البريطانية، لندن، ليقضي الصيف هناك! وقد فطن بعض الشباب العربي لهذا التناقض، فقاموا بالاعتداء عليه بالضرب المبرح الشديد في شارع إكسفورد، وسط العاصمة البريطانية، أثناء خروجه من مطعم المأكولات السريعة "ماكدونالدز"، في الساعة الرابعة بتوقيت غرينتش، من عصر الجمعة 21 حزيران (يونيو) 2013، وبرفقته ثلاثة أشخاص.

كتاب الهضيبي "دعاة لا قضاة" لم يكن موجهاً لأعضاء التنظيم بل لمخادعة الدولة

أما جهاد السيارات الفارهة؛ فلو أنّك شاهدت حرارة وحماس الشيخ محمد حسان، وهو ينادي ويحرض على الذهاب لسوريا للجهاد، لظننت أنه سوف يجمع أمواله وأبناءه ويذهب للجهاد ولنصرة المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين بكى عليهم وأبكى مستمعيه، لكنّه لم يفعل.
وقصة مترجم داعش القرغزستاني، محمد يحيى، تفضحه؛ حيث التقى الكاتب البريطاني، روبرت فيسك، محمد يحيى، الذي كان يعمل مترجماً لدى داعش، وقال إنّ سبب انضمامه للتنظيم جاء بعد فتوى أصدرها الداعية المصري محمد حسان بـ"الجهاد" في سوريا، وقال إنّه سافر من قرغزستان إلى مصر لطلب العلم في جامعة الأزهر، ومكث هناك سنة ونصف السنة، وتأثر بالشيخ محمد حسان وأفكاره، خاصة أنّه أصدر فتوى آنذاك تجيز "الجهاد" في سوريا، وأعطى كلّ طالب أشرطة تتضمن تسجيلات فيديو تظهر الجيش السوري في ممارسات بشعة ضدّ المواطنين السوريين، وقال للحضور: "يجب أن تذهبوا للجهاد في سوريا"، وتابع يحيى بأنّ "ذلك الكلام ملأ عقله، وأنّ محمد حسان أعطى كلّ شخص من الحضور 100 دولار، وأنّه اكتشف أنّ محمد حسان أرسل الشباب إلى سوريا ولم يرسل ابنه، ولم يذهب إلى هناك هو نفسه طبعاً، وإنما اشترى لابنه محمد سيارة فارهة ليتمتع بها".

مستقبل الإسلام السياسي

* كيف ترى مستقبل الإسلام السياسي في مصر الآن خاصة الجماعة الإسلامية؟

لقد صدّعت جماعات الإسلام السياسي في مصر رأس الشعب بمقولتها: "اسمعوا منّا ولا تسمعوا عنّا"، وبمظلوميتهم، وببراءتهم من كلّ عنف أو إرهاب، وكانت 25 يناير وما بعدها من أحداث كاشفة، بل إن شئت الدقة "فاضحة" لحقيقتهم، فبين عشيّة وضحاها تحوّلوا من وجوه سمحة تحمل دوماً الابتسامة إلى وجوه تشهر أنيابها طوال الوقت، مما جعل الإطاحة بهم من الحكم سريعة، فلم يحتمل الشعب حكم الإخوان أكثر من عام، واقتنع أنّ الهدف الحقيقي لهذه الجماعات هو السيطرة على الوطن وتفكيكه لصالح مشروعهم وتحويل مصر لمجرد ولاية في مشروع الوهم الأممي.

مصر أصبحت بعد "25 يناير" منطقة جذب للإرهابيين من كلّ مناطق التجنيد في العالم

ونتيجة ذلك الرفض الشعبي أصبحت للدولة رؤية جديدة واضحة لهذه الجماعات (إخوان، وقطبيون، وجماعة إسلامية، وجهاد، وجبهة سلفية، وحسم، ...)؛ أنّها تمثل رغم اختلافها الظاهري ما يسمى بسلسلة الإرهاب، وبالتالي فمصر، دولة وشعباً، تخوض حرباً شاملة ضدّ كلّ حلقات العمل الإرهابي الآن، تنظيماً وتسليحاً ودعماً سياسياً وغطاءً أيديولوجيّاً وإعلامياً، فمن يحمل السلاح هو فقط الحلقة الأخيرة من سلسلة إجرامية تشمل من يموله ويُسلّحه، أو يوفر له ملاذاً آمناً، أو منبراً إعلامياً وتبريراً فكرياً، وعليه فلا مستقبل للإسلام السياسي في مصر، فمصر ذاهبة للتطهّر من أدران هذه الجماعات.
*وماذا عن مستقبل الجماعة الإسلامية؟
الجماعة فقدت ثقة الشعب والدولة المصرية بالانقلاب على مبادرة وقف العنف 1997، وفقدت عقولها المفكرة بالإطاحة بكرم زهدي وناجح إبراهيم إلى خارجها، كما فقدت أيّ دليل على إمكانية تصحيح مسارها وقبولها النصح برفضها لحركة تمرد الجماعة وتشويهها.

اقرأ أيضاً: من الأرشيف البريطاني: كيف خدم "الإخوان" لندن؟
وأنا أرى أنّها بلغت من العمر أرذله؛ فهي في مرحلة الموت الإكلينيكي، نتيجة تضافر عوامل كثيرة، أهمها ارتفاع معدل السنّ لأعضائها، إضافة إلى ارتباط الصورة الذهنية للجماعة لدى الشعب بوجوه قبيحة، مثل: عاصم عبد الماجد، وطارق الزمر، ولم يتبقَّ منها سوى لافتة الحزب الذى سيتم حلّه في شهر آب (أغسطس) المقبل، وساعتها سيعلن موتها رسمياً، وهو ما اعترف به سمير العركي، القيادي بالجماعة، والهارب لتركيا، من أنّها تحتضر.

للمشاركة:

أحمد الشوربجي: خطورة أفكار قطب أنها لم تعد ملكاً للإخوان فقط

2019-10-03

أجرى الحوار: صلاح الدين حسن


قال الباحث المصري في الشأن الإسلامي، أحمد الشوربجي، إنّ أفكار سيد قطب، في أصلها وعمقها، لا تختلف أبداً عن أفكار حسن البنا؛ موضحاً في حواره مع "حفريات"، أنّ قطب "إن كان اشتُهر بفكرة الحاكمية والجاهلية وتكفير المجتمعات؛ فحسن البنا هو أستاذه في ذلك".

اقرأ أيضاً: قِدْر قطب الذي فار على القصيمي وكتابه
وأكّد الشوربجي أنّ أصل المشكلة عند سيد قطب؛ أنّه وقع في الفهم المغلوط للقرآن، "وهي الحالة التي حذّر منه الرسول صلى الله عليه وسلم"، لافتاً أنّ ثمّة تقصيراً يقع على عاتق المؤسسات الدينية في مواجهة مثل هذه الأفكار، مبرّئاً في الوقت ذاته "البخاري" من المساهمة في مأزق الإرهاب الذي يضرب منطقتنا، وألقى المسؤولية على الأجيال الجديدة، التي لم تخرج "بخارياً جديداً" يكمل دوره في تنقية السنة والتراث الإسلامي من المغالطات والأكاذيب.
وهنا نص الحوار:
وجهان لعملة واحدة

هل ترى أنّ هناك تمايزاً بين أفكار حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وسيد قطب؟
هناك بالفعل أصوات من داخل جماعة الإخوان المسلمين، أو من خارجها، خاصة بعض من انشقّوا عنها، تدّعي أنّ هناك فارقاً كبيراً بين أفكار حسن البنا وسيد قطب، وأنّ مسيرة الجماعة تعثرت بسبب انحيازها لأفكار سيد قطب على حساب أفكار المؤسس الأول، حسن البنا، وأنّ الحلّ "في الرجوع لأفكار البنا".

أفكار سيد قطب التكفيرية في أصلها وعمقها لا تختلف أبداً عن أفكار حسن البنا

وأكثر من يروّجون لهذه الأفكار، سواء داخل الجماعة أو خارجها؛ هم جيل السبعينيات، أو من يُطلق عليهم "أصحاب التأسيس الثاني للجماعة"، أو "الإصلاحيون"، جيل عبد المنعم أبو الفتوح ورفاقه، بقيادة المرشد الثالث للجماعة، عمر التلمساني، إضافة إلى مجوعة من القدامى، أمثال الدكتور كمال الهلباوي.
وفي اعتقادي؛ هؤلاء هم أكثر من يجب الحذر منهم، والانتباه لمراميهم، لأمرين هما غاية في الأهمية: الأول: أنّهم بهذه الادّعاءات يغسلون سمعة الجماعة، ومؤسّسها الأول، حسن البنا، ويطهّرونها من خطاياها وأوزارها، ويجمّلون تشوّهاتها، ويقيلونها من عثراتها؛ بإلقائها على مجموعة معينة أو شخص واحد، وكأنّ الجماعة لم تُنشَأ على الخطأ، ولم تقع في الأوزار، ولم تتلبس بالخطايا، قبل سيد قطب والقطبيين، وبذلك تظلّ صورة "البنا" بريئة نقية وصورة الجماعة مقدسة طاهرة.

اقرأ أيضاً: لماذا أعدموني؟.. نظرة في كلمات "قطب" الأخيرة
والحقيقة؛ أنّ أفكار سيد قطب، في أصلها وعمقها، لا تختلف أبداً عن أفكار "البنا"؛ فإن كان سيد قطب صاحب تنظيم 65، فحسن البنا هو صاحب مشروع العنف والإرهاب والتنظيم الخاص في الأساس، وإن اشتهر سيد قطب بفكرة الحاكمية والجاهلية وتكفير المجتمعات، أو وقوفها تحت مظلة الكفر، على الأقل، فحسن البنا هو أستاذه في ذلك، فقد جعل الحاكمية ركناً من أركان الدين، وأصلاً من الأصول، لا فرعاً من الفروع، والدولة ليست إسلامية، والمجتمعات بعدت عن الدين، فكلّ أفكار "قطب" ليست إلا تجسيداً لأفكار "البنا"، وإعادة صياغة لها، وإلباسها ثوباً جديداً وعرضها للجميع.

لكن ما دليلك على ما تقول؟

دليلي على ذلك أمران، الأول: الاعتراف والشهادة والبحث والمقارنة، أما الاعتراف؛ فهو لسيد قطب ذاته، حين قال: إنّ كلّ ما يقوله وما يطرحه من أفكار تمثل حسن البنا؛ إذ كان يطرحها ويقول بها في السرّ، وليس في العلن، وأما الشهادة بذلك؛ فقد جاءت على لسان علي عشماوي، القيادي الميداني لتنظيم 65 في مذكراته.
لكنّ هناك قطاع من الجماعة، ربما بدهاء أو بسذاجة، جعل سيد قطب هو مسيح الجماعة، الذي يتحمّل أوزارها، وبالتالي تغافل الجميع عن حسن البنا، والحقيقة أنّ "البنا" هو المتن، وكلّ من جاء بعده بتنظير كان هامشاً لهذا المتن.
لماذا، إذاً، اشتهر سيد قطب بهذه الأفكار دون حسن البنا؟
ربما لاختلاف شخصية الرجلين؛ فالبنا رجل تنظيمي في الأساس، لديه قدرة على القيادة، وكاريزما التأثير في الأتباع، في حين أنّ سيد قطب كان رجلًا أديباً معنيّاً بالأفكار والكتابة والتنظير والتأطير، وبالتالي كان البنا يعتمد في توصيل أفكاره على ما يلائم فكرة التنظيم، والجندية القائمة في الأساس على السرية، وإلقاء الأوامر والتلقين والشفوية والبعد عن التوثيق والكتابة قدر المستطاع، وصنع الدوائر العامة، والخاصة، وخاصة الخاصة، ولهذا لم يكتب "البنا" كتاباً، وإنّما نُقلت أفكاره وجمعت رسائله وخطبه وكلماته ورويت من قبل أتباعه.

البنا اعتمد في توصيل أفكاره على ما يلائم فكرة التنظيم والجندية القائمة في الأساس على السرية

في حين اهتم سيد قطب بالكتابة، وتجسيد هذه الأفكار والتنظير لها بشكل مكثف وموثّق، وبفعل عاملين في غاية الأهمية، هما: شخصية الأديب "سيد قطب"، وصبّ هذه الأفكار في كتاب يتضمّن تفسيراً للقرآن الكريم، خرجت هذه الأفكار من حالة الجماعة والتنظيم والتخصيص إلى حالة العموم والشيوع، لتصنع حالة تعدت حدود الجماعة والتنظيم، فتسللت ودخلت إلى المساجد والمعاهد والمدارس والجامعات، وتبنّاها علماء ومفكرون ومثقفون، ونطقت بها أفواه لا علاقة لها بالجماعة، وأصبح من يتعرض لسيد قطب يتعرض لمفسّر للقرآن، ومدافع عن الإسلام، وأديب، وشهيد، وليس عن حامل لأفكار الإخوان والخوارج الجدد، ومجرم ترأّس تنظيماً للقتل والدمار.
تفسيرات مغلوطة

لماذا لم يقدّم أحد من العلماء المجددين مفهوماً مختلفاً عما طرحه قطب كي يمحو تأثيره في الأجيال الحالية والقادمة؟
بلا شكّ إنّ أصل المشكلة عند سيد قطب؛ أنّه وقع في هذا الفهم المغلوط للقرآن، وهي حالة تكفلت السنّة النبوية ببيانها، وتحذيرنا منها بوضوح تام، وذلك في الحديث الذي رواه ابن حبان، والبخاري في "التاريخ الكبير"، وغيرهما، عن حذيفة رضي الله عنه قال: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ رِدْئًا لِلْإِسْلَامِ، غَيَّرَهُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَسَعَى عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ، الْمَرْمِيُّ أَمِ الرَّامِي؟ قَالَ: بَلِ الرَّامِي"؛ فهناك ثلاث مراحل يمرّ بها المتطرف، حدّدها الحديث السابق، وهي: مرحلة "الاتصال"، ثم "الانتقال"، ثم "الانفصال".

طرح مواجهة التكفير موجود ومؤثر ولا يحتاج لعلماء مجدِّدين بل لإرادة وإدارة

فمرحلة "الاتصال" عبّر عنها الحديث بقوله: "قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ رِدْئًا لِلْإِسْلَامِ."
وهي مرحلة عبّر عنها الرسول بالجدّ والاجتهاد في الطاعة وظهور علامات التدين فقال: "يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتكم، وصيامه إلى صيامكم، وقيامه إلى قيامكم"، أما مرحلة "الانتقال" فهي التي عبّر عنها الحديث بقوله: "غَيَّرَهُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ"؛ أي غيّر معنى القرآن وتأويله، لا نصّ القرآن؛ فمعلوم أنّ النصّ القرآني ثابت مكتوب ومسطور ومحفوظ في الصدور فكيف يغيره؟ وهذا هو مكمن الخطر؛ أن يأتي بتأويل مغلوط للقرآن والسنّة، فيغير الدليل، ويأتي بأشياء تخالف إجماع الأمة والسلف وأكابر التابعين والمفسّرين. 
هنا تأتي مرحلة "الانفصال"، التي عبّر عنها الحديث بقوله: "خرج على جاره بالسيف، ورماه بالشرك"، فيقع التكفير والتفجير حتى لأقرب الناس للجار، دون اعتبار أيّة مودة، ودون مراعاة لأيّة حرمة.
أما لماذا لم يقدم أحد من علماء المسلمين المجددين مفهوماً مختلفاً عما طرحه سيد، ويتميز بالتأثير بحيث يمحو به أفكار قطب على الأجيال الحالية والقادمة؛ فالحقيقة؛ أنّ هذا الطرح موجود ومؤثر ولا يحتاج لعلماء مجدِّدين، وإنما يحتاج فقط لإرادة وإدارة، إرادة لإنهاء هذه الأفكار وتعريتها وكشفها وأخذ التحصينات اللازمة منها، وإدارة لمعركة فكرية حقيقية على الأرض، لا في الفضاء.

اقرأ أيضاً: سيد قطب وقصته مع يوسف شحاتة
معركة يلزمها وجود جيش حقيقي مدرَّب ومسلح بالعلم والفكر وقوة الحجة والمنطق، جيش يقاتل بكافة أنواع الأسلحة الفكرية المكتوبة والمسموعة والمشاهدة، جيش يدخل بنفسه أو بسلاحه للمدارس والمعاهد والجامعات والمساجد ويكون له حضور في الشارع.
فدولة مثل مصر، توجد بها مؤسسة الأزهر، ودار الإفتاء، ووزارة الأوقاف، وتعاني منذ ما يزيد على تسعين عاماً من هذه الأفكار التي تؤدّي للدمار والخراب، والقتل وتشويه الدين هل هي عاجزة عن إنهاء هذه الأفكار؟!   
خرق إجماع

ثمة من يرى أنّ تفكيك أفكار سيد قطب يلزمه تفكيك تراث ابن تيمية، أم أنّ سيد حالة مستقلة وجديدة لا ترتبط بالأقدمين؟
كلا الرجلين خرق الإجماع العام، وجاء بمشروع فكري جديد، عارض به السابقين واللاحقين، وإن كنا نرحب بالجديد والتجديد، ولكن حينما يمسّ هذا الجديد عقائد الناس والحكم عليهم من جهة الكفر والإيمان، هنا المجهود الفردي والاجتهاد الشخصي، مع الخروج عن حالة الإجماع يمثل خطورة كبيرة.

إشكالية ابن تيمية وسيد قطب أنّهما "اكتشفا" أنّ الناس ليست على الصراط المستقيم وأنّ المجتمعات المسلمة في ضلال

فإشكالية ابن تيمية وسيد قطب من ناحية الأصل واحدة؛ أنّ كلاً من الرجلين "اكتشف" أنّ الناس ليست على الصراط المستقيم، وأنّ المجتمعات المسلمة بكلّ أطيافها وعلمائها لا تعرف الإسلام الحقّ؛ فابن تيمية يرى أنّ الناس لا تعرف التوحيد، وأنّ هناك خللاً في عقديتهم، وكذلك سيد قطب، كانت مشكلته التي يدور حولها منطلقة من المعنى ذاته؛ الناس لا يعرفون الإسلام، حتى أنّه يصرّح بأنّ الإسلام توقف منذ قرون، ولم يعد موجوداً، فالمجتمعات مسلمة اسماً لا حقيقة.
هذا من ناحية الشكل، أما مضمون المشروعَين؛ فبينهما اختلاف تام، حتّى أنّ أتباع ابن تيمية يتهمون سيد قطب بأنّه مبتدع من ناحية العقيدة، والحقيقة أنّ منهج سيد قطب في العقيدة هو المشروع الذي كان يحاربه ويقاومه ابن تيمية.
قطب والمراجعات

هل ترى أنّ أفكار سيد قطب هي التي تمنع الإخوان حالياً من الدخول في مراجعات فكرية؟
أفكار سيد قطب لم تعد ملكاً لجماعة الإخوان وحدها؛ فمعظم جماعات الإسلام السياسي اليوم تملك رصيداً من هذه الأفكار، وتتبناها؛ فقضية مراجعات الأفكار ليست هي العائق، وإن كانت مؤثرة، لكنّ العائق الأساسي هو مدى امتلاك الجماعة من أوراق القوة وأسبابها. 

اقرأ أيضاً: السلفّية التجريبية.. الصراع بين واقعية ابن تيمية ومثالّية سيد قطب

لكن، الجماعة ليست عصية على الدخول في مراجعات، وهي تاريخياً فعلت، بصرف النظر عن جوهر هذه المراجعات، لكنّ الفكرة ذاتها فكرة المراجعات كانت مطروحة ونفذتها الجماعة، المخرج والمنتج النهائي لهذه المراجعات هذا شيء آخر لكنّ المراجعات حدثت. 
ما الفرق بين جماعة الإخوان والجماعة الإسلامية في هذا الشأن؟
الفارق؛ أنّ الجماعة الإسلامية خسرت المعركة تقريباً، هُزمت هزيمة ساحقة، لم تعد تملك من أوراق المواجهة ما يوحي بإمكانية حلّ المشكلة، كلّ القادة التاريخيين والأفراد تقريباً داخل السجون.
اليوم الموقف مختلف؛ فلا جميع قادة الإخوان في السجون، ولا كلّ أفرادهم في المعتقلات، ولا انتهت عناصر القوة بالنسبة إلى الجماعة.

أفكار سيد قطب لم تعد ملكاً لجماعة الإخوان وحدها فمعظم جماعات الإسلام السياسي اليوم تملك رصيداً منها

هنا يصعب الحديث عن المراجعات، بينما يظلّ الحديث عن التفاوض هو الأقرب للطرح والتنفيذ، والتفاوض يمكن أن يخرج في شكل مراجعات، ويأخذ الاسم ذاته لكنّ الفارق بينهما من ناحية المعنى بعيد جداً.     
هل ترى أنّ تفسيرات السلف والخلف، بحاجة لمراجعة، أم الانقطاع الكامل عنها، وبدء الاجتهاد بتفسيرات جديدة؟
حينما يكون لديك كنز ثمين، لكن بداخله بعض العملات الزائفة، هنا تصبح مهمتك أن تنقب عن هذه العملة الزائفة لا أن تلقي بالكنز؛ فالانقطاع الكامل عن التراث إهدار لكنز ثمين، كما أنّه مستحيل من الناحية العملية.
أما الحاجة إلى تفسير جديد للقرآن، فهذا -بلا شكّ- مطروح وبقوة، وسيظلّ مطروحاً أبد الدهر؛ لأنّه ما كان كتاباً يناسب كلّ عصر إلا لأنّه كتاب لا تنقضي عجائبه، ولم تستنفَد أغراضه بعد. 
مهاجمة البخاري

كيف تنظر إلى دعوات هدم قدسية صحيحي البخاري ومسلم بدعوى الاكتفاء بنصوص القرآن الكريم؟
احترام البخاري على وجه التحديد، ومسلم وتقديرهما، واجب على كلّ من يحترم العلم ويقدّره؛ فكلاهما شرف لهذه الأمة، ونموذج يحتذى به في التجديد والاجتهاد.
الإمام البخاري نظر في الأحاديث فوجد فيها غثّاً ينسَب للرسول الكريم زوراً وبهتاناً، ولاحظ كثرة التحديث والأقوال، فماذا فعل؟ ندب نفسه للدفاع والذبّ عن رسول الله عليه السلام، فاجتهد وجاء بمنهج عبقري لم يسبقه إليه أحد، فوضع شروطاً لاعتبار الحديث صحيحاً مقبولاً من عدمه، فماذا كانت النتيجة؟

الحاجة إلى تفسير جديد للقرآن مطروح وبقوة وسيظلّ مطروحاً أبد الدهر

حصّل الرجل كلّ ما يستطيع تحصيله من أحاديث وأقوال تنسب للرسول الكريم، فوجدها ستمئة ألف حديث، وبدأ يختبرها وفق المنهج الذي وضعه، فلم يجد منها سوى 2600 حديث تقريباً هي التي يمكن نسبتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهل يعقل أن نقول إنّ الرجل جنى على الأمة؟
إنني أتعجب ممن يهيلون التراب على البخاري، أمجانين هؤلاء؟! الرجل عبقري بالمقاييس العلمية، والعباقرة يحفر له التاريخ مكانتهم.
وأقول لكل من يحاول النيل من البخاري، بنية صادقة، نية التجديد والشعور بأزمة حضارية؛ ليست المشكلة في البخاري، بل على العكس؛ المشكلة أنّه لا يوجد بخاريّ جديد، المشكلة أنّ هذه الأمة، بطولها وعرضها، توقفت عن إنتاج العبقريات، وعن النقد والفرز، فلم يأتِ بعد البخاري بخاري آخر، حتى تلميذه مسلم، بدل أن يزيد في شروط قبول الحديث، ويحطاط لأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر وأكثر، نزل بشروط قبول الحديث عن شيخه البخاري، وجاء من بعده من نزل حتى عن شروطه، وهكذا؛ بدل أن ترتقي الأمة في الشروط، نزلت بها، فظلّ كتاب البخاري هو الأعلى من حيث شروط قبول الحديث، وهنا يكمن عمق الأزمة.

اقرأ أيضاً: سيد قطب والكتاب القادياني المُرضع
باختصار؛ نحن نحتاج إلى بخاري آخر، ينظر أولاً في كتاب البخاري ويبحثه، وهل التزم بشروطه التي وضعها لنفسه في كلّ أحاديث كتابه، ثم يأتي بمنهج علمي جديد، أكثر صرامة لقبول الحديث؛ فالبخاري ليس أزمة الأمة، بل أزمة الأمة أنّها عقمت أن تلد بخارياً جديداً، وهو شيء لا يصدَّق، ومن ثم فتقدّمنا مرهون بولادة عبقريّ، بل عباقرة جدد، وإن ظللنا ننفي إمكانية ذلك، وأنّه ليس في الإمكان أفضل مما كان، فنحن حقيقة ننفي إمكانية تقدّمنا ولو شبراً واحداً. 
الحاضر الغائب

هل يمكن أن تلخّص لنا أزمة تجديد الخطاب الديني، إذا كان ثمة أزمة، ورؤيتك للخروج منها؟
الخروج من هذه الأزمة يمرّ بثلاث خطوات محددة، الأولى: يمكن أن نطلق عليها مرحلة الإطفاء؛ فحينما يشبّ حريق في بيت ما يكون التفكير في تجميله وتزيينه ضرباً من العته والجنون، والبيت العربي والمسلم الآن تلتهمه نيران التطرف والتعصب، وتحيطه من كلّ أرجائه، ومن ثمّ فالمهمة الأولى الآن؛ هي محاربة هذه الأفكار، وهدمها وإطفائها، فنحن لن نتقدم قيد أنملة واحدة، في أيّ اتجاه، من دون إنهاء هذه الأفكار التي تحارب وتهدم كلّ تقدم وكلّ تجديد.
تأتي بعد مرحلة الإطفاء، أو بالتزامن معها، ما يمكن أن نسميها مرحلة الانتقاء والغربلة للتراث، وهي مرحلة لها ضوابطها وشروطها التي تجعلها فاعلة وناجزة، بعدها مرحلة وضع النظريات الكلية؛ التي تساهم في مسيرة الإنسانية، وتقدّم الجديد للبشرية.

للمشاركة:



فرنسا تبحث عن مخرج لمشكلة جهادييها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-17

بحث وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، اليوم، في بغداد، إمكانية نقل ومحاكمة الجهاديين الأجانب، بمن فيهم 60 فرنسياً، محتجزين في شمال شرق سوريا؛ حيث تشنّ تركيا هجوماً منذ أكثر من أسبوع.

ويجتمع لودريان مع القادة العراقيين، في حين يخشى الأوروبيون من هروب الجهاديين المحتجزين في سجون أو مخيمات يحرسها الأكراد في المنطقة، حيث بدأت تركيا هجومها في 9 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، ويحتجز لدى الأكراد 12 ألف جهادي بينهم 2500 إلى 3000 أجنبي.

وزير الخارجية الفرنسي يبحث في بغداد إمكانية نقل ومحاكمة الجهاديين المحتجزين في شمال شرق سوريا

ومن المقرر أن يجتمع لودريان مع نظيره العراقي محمد علي الحكيم، والرئيس برهم صالح، ورئيس الوزراء عادل عبد المهدي، للتأكد، على حدّ قوله: "من أنّه يمكننا أن نجد الوسائل اللازمة لتشكيل هيئة قضائية قادرة على محاكمة جميع هؤلاء المقاتلين بمن فيهم بداهة المقاتلين الفرنسيين".

وتمّت إدانة 14 فرنسياً، في العراق، بالانضمام إلى تنظيم داعش، ومن بين 12 نُقلوا من السجون السورية الكردية إلى بغداد، وقد حُكم على 11 منهم بالإعدام وعلى ثلاثة، بينهم امرأتان، بالسجن مدى الحياة.

 

للمشاركة:

محاكمة امرأة حاولت تفجير كاتدرائية القديس بولس

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-17

وجهت محكمة في لندن اتهامات بالإرهاب لامرأة منتمية لتنظيم داعش الإرهابي، حاولت تفجير كاتدرائية القديس بولس.

وقالت الشرطة؛ إنّ محكمة وستمنستر الجزائية أمرت في جلستها أمس بتجديد حبس المتهمة صفية أمير الشيخ (36 عاماً)، على أن تمثل أمام محكمة أولد بيلي، في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، وفق ما نقلت وكالة "رويترز".

وأوضحت الشرطة، في بيان؛ أنّ عملية الإعداد للتفجير تضمنت السفر إلى لندن والنزول بفندق بهدف استطلاع الأوضاع، ثم تنفيذ التفجير.

صفية أمير الشيخ متهمة بالانتماء لتنظيم داعش والإعداد لأعمال إرهابية في بريطانيا

وصفية الشيخ من سكان منطقة هيز بغرب لندن، وهي متهمة بالإعداد لأعمال إرهابية، في الفترة بين آب (أغسطس) وتشرين الأول (أكتوبر) هذا العام، منها التواصل مع شخص توقعت أنه يمكن أن يساعدها في صنع مواد ناسفة.

يذكر أنّ الشرطة عثرت على كلمة تعلن فيها صفية الولاء لتنظيم داعش الإرهابي.

وقال رئيس شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية، نيل باسو، الأسبوع الماضي؛ إنّ السلطات البريطانية تمكنت من إحباط 22 هجوماً، منذ آذار (مارس) 2017 حتى الشهر الجاري.

وأضاف باسو، وهو أيضاً مساعد مفوض الشرطة، أمام مؤتمر الإرهاب الدولي؛ وفق النصّ الذي وزعته سكوتلانديارد، فإنّ سبعة من تلك الهجمات متعلقة بما يشتبه في أنّه إرهاب يميني.

ومن أكثر المخاطر المحتملة التي تقلق الضباط البريطانيين؛ عودة المقاتلين الأجانب، والمهاجمين الذين يتحركون بشكل منفرد، والمختلين عقلياً، إضافة إلى الخطر المتنامي للإرهاب اليميني.

 

للمشاركة:

بالأرقام.. خروقات الحوثيين لاتفاق ستوكهولم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-17

كشف محافظ الحديدة، الدكتور الحسن طاهر؛ أنّ إجمالي عدد الخروقات الحوثية منذ توقيع اتفاق ستوكهولم، في تشرين الثاني (ديسمبر) الماضي، وصلت إلى 11000 خرق، ما أدّى إلى مقتل 300 مدني، وإصابة الآلاف بجروح، كما تسبّبت تجاوزات الميليشيا في نزوح 30 ألف أسرة من الحديدة وتضرر آلاف المنازل والمدارس والمساجد.

محافظ الحديدة: أدّى11 ألف خرق لاتفاق السويد لمقتل 300 مدني ونزوح 30 ألف أسرة من الحديدة

وعبر طاهر عن استيائه من لجوء الحوثيين في الآونة الأخيرة إلى تجنيد الأطفال ودفعهم إلى مواقعهم العسكرية في الحديدة دروعاً بشرية، بينما كشف لجوء الحوثيين إلى طريقة جديدة للثراء، من خلال التلاعب بأسعار المشتقات النفطية، وفق ما نقلت عنه صحيفة "البيان" الإماراتية.

واستعرض محافظ الحديدة خروقات الميليشيا الحوثية المستمرة لوقف إطلاق النار، من خلال استمرار الأعمال العسكرية وإطلاق الصواريخ والمقذوفات العسكرية على مواقع الجيش الوطني والمدنيين في عدد من مديريات الحديدة، إضافة إلى رصد دفع الحوثيين نحو 1500 مقاتل، بينهم مئات الأطفال إلى مدينة الحديدة، في انتهاك واضح لما جرى عليه الاتفاق للحدّ من التصعيد.

الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال في الحديدة ودفعهم إلى مواقعهم العسكرية كدروع بشرية

وأشار إلى أنّ الهجمات والقصف الكثيف وتصعيد التسللات والاستهداف المفتوح بلا توقف، حوّل خروقات ميليشيا إيران إلى عملية عسكرية حقيقية، تنفَّذ فعلياً بتصعيد يومي للقضاء نهائياً على اتفاق السلام برعاية الأمم المتحدة.

وقال: "مماطلات عناصر الميليشيا في تنفيذ اتفاق السويد، وتهربهم من التزاماتهم لم تأتِ بجديد، بقدر ما أكدت الحقيقة الماثلة أمام الجميع، وهي أنّ الحوثيين لا يؤمن جانبهم، ولا يمكن الوثوق بهم، أو إبرام المعاهدات والاتفاقات معهم، لأنّهم ببساطة غير ملتزمين بها، وليس في نيتهم تطبيقها".

وأكّد المحافظ طاهر؛ أنّ الاتفاق لم يحرز أيّ تقدم، وأنّ الأوضاع في الحديدة (غرب اليمن) تعقدت أكثر مما كانت عليه قبل الاتفاق، الذي تم التوصل إليه في تشرين الثاني (ديسمبر) الماضي، بين الحكومة اليمنية والمتمردين الحوثيين، مشيراً إلى أنّ الميليشيا، إلى اليوم، تواصل منع وصول الفريق الأممي إلى منطقة المطاحن وصوامع الغلال في الحديدة، وهي تلك المنطقة التي استهدفتها ميليشيا الحوثي الإيرانية بمقذوفات عسكرية، نتج عنها حرق وتدمير غذاء ملايين اليمنيين.

محافظ الحديدة يرفع تقريراً إلى الجنرال الهندي، أبهيجيت جوها، لاتخاذ أيّة خطوات لوقف تجاوزات الميليشيا

وأشار إلى أنّ التصعيد العسكري الحوثي يؤكد عدم جدية الميليشيا في السلام ووقف إطلاق النار، وتنفيذ اتفاق استوكهولم الخاص بالحديدة، في ظلّ عدم فتح المعابر ومنع عقد اللقاءات المشتركة بمدينة الحديدة، حيث تقصف الميليشيا بشكل عشوائي وبالأسلحة الرشاشة والقذائف المدفعية على مدينة حيس وأطرافها، بينما تواصل القصف في الجبلية وأطراف التحيتا الجنوبية، كما أنّها لجأت إلى أساليب الثراء بتهريب الأموال من الحديدة إلى صنعاء ثم إلى صعدة، إضافة إلى التلاعب بأسعار المشتقات النفطية.

وأوضح محافظ الحديدة؛ أنّه تمّ رفع تقرير إلى الجنرال الهندي، أبهيجيت جوها، رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة لاتخاذ أيّة خطوات لوقف تجاوزات الميليشيا وانتهاكاتها، ومنها: الزجّ بالمقاتلين داخل المدينة، وإلزام ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران بإظهار جديتهم والتزامهم بتنفيذ اتفاق السويد حول الحديدة، والالتزام بوقف إطلاق النار، وإزالة المظاهر المسلحة، ووقف عمليات التحصين والدفاعات العسكرية.

 

للمشاركة:



إطلاق جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-17

أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أن بناء القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي يجسد روح الريادة التي تتميز بها دولة الإمارات.

ودون سموه أمس على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» قوله: بإطلاق جامعة متخصصة بالذكاء الاصطناعي في أبوظبي.. نخطو خطوة طموحة نحو تسخير إمكانات التكنولوجيا لتعزيز التقدم وتمهيد الطريق لابتكارات جديدة تعود بالفائدة على دولة الإمارات والعالم.

وكان قد أعلن في أبوظبي أمس عن إطلاق جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، أول جامعة للدراسات العليا المتخصصة ببحوث الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم.

جاء الإعلان عن الجامعة خلال مؤتمر صحفي أقيم في مدينة مصدر حضره الشيخ محمد بن حمد بن طحنون آل نهيان، رئيس مجلس إدارة شركة مطارات أبوظبي، ومعالي الدكتور سلطان بن أحمد الجابر وزير دولة رئيس مجلس أمناء جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، ومعالي الدكتور أحمد بن عبد الله حميد بالهول الفلاسي وزير دولة لشؤون التعليم العالي والمهارات المتقدمة ومعالي عمر بن سلطان العلماء وزير دولة للذكاء الاصطناعي، والدكتور عبداللطيف محمد الشامسي، مدير مجمع كليات التقنية العليا، وعدد من الخبراء والمسؤولين والمعنيين بالقطاع الأكاديمي.

وتقدم الجامعة برامج ماجستير العلوم والدكتوراه في المجالات الرئيسة للذكاء الاصطناعي وتشمل 3 تخصصات رئيسة وهي تعلم الآلة والرؤية الحاسوبية ومعالجة اللغات الطبيعية. كما تقدم لجميع الطلاب المقبولين منحة دراسية كاملة، ومزايا تتضمن مكافأة شهرية والتأمين الصحي والإقامة والسكن، فيما تعمل الجامعة مع كبريات الشركات المحلية والعالمية لتأمين التدريب للطلاب ومساعدتهم في الحصول على فرص عمل.

وأطلقت الجامعة موقعها الإلكتروني الرسمي الذي يتيح للطلاب الخريجين التقدم، فيما من المقرر فتح باب التسجيل في أغسطس 2020، بينما ينطلق العام الدراسي الأول لطلاب الدراسات العليا في حرم الجامعة بمدينة مصدر سبتمبر 2020.

رؤية القيادة

وقال معالي الدكتور سلطان بن أحمد الجابر وزير دولة رئيس مجلس أمناء الجامعة: يتماشى إطلاق أبوظبي للجامعة مع رؤية القيادة الرشيدة في التركيز على استشراف المستقبل وبناء القدرات في المجالات التي ترسخ المشاركة الفاعلة لدولة الإمارات في إيجاد حلول عملية قائمة على الابتكار وأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا لضمان استدامة التنمية والتقدم والرفاه للإنسانية.

وأضاف: «توجه الجامعة دعوة مفتوحة من أبوظبي إلى العالم للعمل يداً بيد لإطلاق الطاقات الكاملة التي توفرها التكنولوجيا المبتكرة للذكاء الاصطناعي والذي بدأ بالفعل في تغيير العديد من جوانب حياتنا وعالمنا».

وقال معاليه: «لا شك في أن استثمار الفرص والقدرات التي يزخر بها الذكاء الاصطناعي سيسهم في تمكين وتطوير الإنسان وتشجيع المخيلة البشرية الخصبة لاستكشاف الفرص وتطبيق الحلول القادرة على الارتقاء بجودة الحياة، وهنا يأتي دور الجامعة التي ستعمل على إعداد وتمكين رواد الابتكار القادرين على المضي قدماً نحو عصر جديد يدعمه الذكاء الاصطناعي».

وأشار معاليه إلى أن الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على إحداث تحول اجتماعي واقتصادي واسع التأثير بما يشبه النقلة النوعية التي أحدثها اختراع الكهرباء والقطار والهواتف الذكية والعديد غيرها من الابتكارات التكنولوجية، ولاغتنام الفرص المتنوعة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، علينا الاستعداد والتحضير وتهيئة البنية التحتية المناسبة والاستثمار في تطوير المهارات وإطلاق مؤسسات أكاديمية متخصصة في هذا المجال.

ولفت الجابر إلى أن القيادة الرشيدة لطالما أدركت أهمية اكتساب هذه القدرات كما يتضح من خلال رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وإيمان سموه الراسخ بأهمية المعرفة كأداة للتقدم الاجتماعي، حيث يعد إطلاق الجامعة دليلاً واضحاً على التزام دولة الإمارات تجاه تشجيع الابتكار وتمكين جيل الشباب في الدولة ومختلف أنحاء العالم.

عقول مبتكرة

من جهته، أكد معالي الدكتور أحمد بن عبد الله حميد بالهول الفلاسي، وزير الدولة لشؤون التعليم العالي والمهارات المتقدمة، عضو المجلس الاستشاري للجامعة، أن الجامعة ستعمل على استقطاب الكفاءات والخبرات في مجال الذكاء الاصطناعي وأفضل العقول القادرة على الابتكار وتقديم الأبحاث العلمية التي تسهم في جهود الدولة ضمن القطاع، حيث تعد الجامعة منبراً للمتميزين ومنصة للمبدعين ومكاناً للمفكرين الذين سيعملون على الارتقاء بالنظريات العلمية الحالية وترجمتها على أرض الواقع. ولفت معاليه إلى أن تشكيل مجلس الأمناء بوجود الكوادر والكفاءات من مختلف دول العالم، يدلل على أهمية الجهود التي تبذل والرسالة العالمية التي تنطلق من دولة الإمارات، حيث لا تهدف الجامعة إلى تنمية الجهود البحثية المحلية فقط بل تشمل العالم أجمع، انطلاقاً من توجهات الدولة ورسالتها العميقة في ضرورة توحيد الجهود العالمية وتسخير الرؤى والأفكار والإمكانيات التي تمكن من تحفيز العقول المبتكرة لإيجاد الحلول المستدامة عالمياً.

ومن ناحيته، قال معالي عمر بن سلطان العلماء وزير دولة للذكاء الاصطناعي رئيس المجلس الاستشاري للجامعة: يجسد إطلاق الجامعة محطة من رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وهي الرؤية الثاقبة وبعيدة المدى تجاه اقتصاد المستقبل، خاصة أن هذا الاقتصاد يعتمد على الذكاء الاصطناعي ومفاهيمه واستخداماته وتوظيفه في مختلف القطاعات الحيوية ذات الأهمية للدولة.

وأشار إلى أن دولة الإمارات تمضي قدماً في تمكين الكادر البشري من المواطنين من تلقي مفاهيم الذكاء الاصطناعي وإجراء الأبحاث وتجميع البيانات وتصدير النظم العلمية للعالم، وهو ما ستقدمه الجامعة عبر استقطاب أفضل العقول والمواهب والتي ستعمل عن قرب بإشراف ومتابعة من مجلس الأمناء الذي يضم مجموعة من الخبراء والمتخصصين العالميين الذين وجدوا في الإمارات منصة علمية لإطلاق الجهود العلمية المشتركة.

أهداف استراتيجية

وحددت الجامعة 6 أهداف استراتيجية تشمل دعم جهود إمارة أبوظبي لإرساء دعائم اقتصاد المعرفة القائم على الذكاء الاصطناعي وضمان استدامته، وضمان رفد مختلف القطاعات والمؤسسات العامة بالكوادر البشرية والمهارات والموارد التي تكفل لها تبوء المكانة الأمثل ضمن فئتها في ميادين استخدام الذكاء الاصطناعي، واجتذاب أفضل المواهب والكفاءات في القطاع من شتى أرجاء المنطقة والعالم، إضافة إلى التميز في بحوث الذكاء الاصطناعي وتطوير استخداماته الفعالة في شتى ميادين الأعمال بالتعاون مع المؤسسات الصناعية والعامة سعياً إلى تحسين إمكانات الابتكار والإنتاجية والنمو، وأن نغدو جهة موثوقة لتقديم المشورة لمختلف القطاعات والمؤسسات العامة في المسائل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ودعم مجمعات الابتكار والشركات الناشئة في الدولة.

وتم اختيار خبراء من جميع أنحاء العالم للانضمام إلى مجلس أمناء الجامعة، بما فيهم البروفيسور السير مايكل برادي، الذي يتولى مهمة الرئيس المؤقت لجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي والذي يشغل حالياً منصب أستاذ تصوير الأورام في جامعة أوكسفورد في المملكة المتحدة، والبروفيسور أنيل جاين، الأستاذ في جامعة ولاية ميشيغان في الولايات المتحدة الأميركية، والبروفيسور أندرو تشي تشي ياو، عميد معهد علوم المعلومات متعددة التخصصات في جامعة تسينغهوا في بكين بالصين، والدكتور كاي فولي، مسؤول تنفيذي في مجال التكنولوجيا ومستثمر رأسمالي استثماري في بكين بالصين، والبروفيسورة دانييلا روس، مديرة مختبر علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة الأميركية، وبينج شياو، الرئيس التنفيذي لمجموعة «جروب 42».

ويحظى مجلس الأمناء بدعم مجلس استشاري يترأسه معالي عمر بن سلطان العلماء، وزير دولة للذكاء الاصطناعي، ويضم كلاً من معالي الدكتور أحمد بالهول الفلاسي، وزير دولة لشؤون التعليم العالي والمهارات المتقدمة، ومعالي سارة الأميري، وزيرة دولة مسؤولة عن ملف العلوم المتقدمة، ومعالي جاسم الزعابي، رئيس دائرة المالية في أبوظبي، والدكتور ون لي مين، كبير علماء ذكاء الآلة في شركة علي بابا.

تعاون

أعلنت الجامعة عن تعاونها مع المعهد التأسيسي للذكاء الاصطناعي، الذي يتخذ من أبوظبي مقراً له، ويعد واحداً من أبرز المعاهد في مجال الامتياز والريادة لبحوث الذكاء الاصطناعي وذلك للإشراف على طلاب الدكتوراه وتطوير المنهج التعليمي.

وبموجب هذه الشراكة، سيكون المعهد شريكاً في مجال البحوث التعاونية.

وستعمل الجامعة على توفير أفضل الفرص للطلاب، عبر منصة تتيح لهم التواصل مع شبكة من الشركاء الاستراتيجيين في مجال الذكاء الاصطناعي وغيره من القطاعات ذات الصلة، لتتيح لهم اكتساب الخبرات المهمة عبر منحهم فرصاً تدريبية في مجالات مثل الرعاية الصحية والاتصالات والتكنولوجيا والهيئات الحكومية والتمويل وغيرها، ويمكن لهذه الفرص التدريبية أن توفر بوابة نحو الوظائف المستقبلية الواعدة لطلاب جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي بعد التخرج.

ومن خلال برامج الإرشاد المهني والتوظيف وفرص التواصل سيقدم قسم شؤون الخريجين للطلاب الأدوات اللازمة لإدارة تطورهم المهني بنجاح طوال مسيرتهم المهنية. وتحتوي الجامعة على مكتبة جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، وتعتبر مصدراً لمجموعة واسعة من الموارد والخدمات، وتسهم في تقديم الدعم في التعليم والبحوث في المجتمع الجامعي، حيث تقع المكتبة في مبنى مركز المعرفة، وتوفر مساحة للتفاعل بين أعضاء الهيئة التدريسية والطلاب وتحتضن مناطق هادئة للتركيز ومناطق أخرى للمطالعة وقاعات للدراسة لتقدّم مجتمعة بيئة تحفز الإنتاجية والإبداع البحثي، ويمكن الوصول إلى الموارد من خارج المكتبة إلكترونياً أو عبر زيارتها، كما يمكن طلب الموارد في حال عدم توفرها.

شروط القبول

تشمل متطلبات القبول في برامج الماجستير، حصول المتقدم على شهادة البكالوريوس أو ما يعادلها من جامعة أو كلية معترف بها من قبل وزارة التربية والتعليم في دولة الإمارات، ويجب أن يكون الطالب ضمن الـ 20% من الطلبة الأوائل على الدفعة مع معدل تراكمي لا يقل عن درجة 3.2 (على مقياس 4.0) أو ما يعادلها، إضافة إلى متطلبات اللغة الإنجليزية وتشمل الحصول في اختبار التوفل على مجموع درجات في الاختبار عبر «الإنترنت» بلا يقل عن 90 مع تحقيق 20 درجة فما فوق في كل قسم وضمن جلسة واحدة، أو شهادة الآيلتس الأكاديمي: بمعدل لا يقل عن 6.5 درجة مع تسجيل 6 درجات فما فوق في كل قسم وضمن جلسة واحدة. وتشمل متطلبات القبول في برامج الدكتوراه، حصول الطالب على شهادة الماجستير أو ما يعادلها من جامعة أو كلية معترف بها من قبل وزارة التربية والتعليم في دولة الإمارات، ويجب أن يكون الطالب ضمن الـ 20% من الطلبة الأوائل على الدفعة مع معدل تراكمي لا يقل عن درجة 3,2 (على مقياس 4,0) أو ما يعادلها، إضافة إلى متطلبات اللغة الإنجليزية وتشمل اختبار التوفل عبر الإنترنت بالحصول على مجموع درجات لا يقل عن 90 مع تحقيق 20 درجة فما فوق في كل قسم وضمن جلسة واحدة، أو شهادة الآيلتس الأكاديمي بمعدل لا يقل عن 6.5 درجة مع تسجيل 6 درجات فما فوق في كل قسم وضمن جلسة واحدة.

عن صحيفة "الاتحاد الإماراتية"

 

للمشاركة:

عنصرية اليمين المتطرف تتفجر في الملاعب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-17

تعاني الساحة السياسـية الأوروبية من بروز اليمين العنصري. هـذه الظـاهرة تكاد تمس جل أقطار القارة، وهي أحزاب تشترك بعـدد مــن الأهــداف والشــعارات المشــتركة، مثــل العنصرية ومعارضــة الهجــرة ومعــاداة الأجانــب والتعصب القومي والديني وانتقــاد الطبقــة السياســية الحاكمة.

وفي العقود الأخيرة أضحت هذه الأحزاب تشكل جزءا من المشهد السياسي الأوروبي، وذات ثقل شعبي معتبر، وطرفا ثابتا في المعادلات الانتخابية، وفاعلا سياسيا يتزايد تأثيره في صياغة الرأي العام الأوروبي خاصة بعد تفشي ظاهرة الهجرة غير الشرعية وموجات الإرهاب التي تضرب المدن الأوروبية.

وتعمل التيارات المتطرفة للترويج لأطروحاتها خاصة في الفضاءات المفتوحة من ذلك الفضاء الافتراضي وملاعب كرة القدم الخضراء، إذ يحدث مرارا أن تتحول هذه الملاعب إلى مسارح لمشاهد وهتافات عنصرية من طرف اليمين المتطرف. حيث تحوز هذه المباريات على إعجابه بالنظر لما تحظى به من اهتمام إعلامي كبير تعتبرها هذه المجموعات فرصة سانحة لتمرير أفكارها العنصرية، مستغلة حماسة العدد الكبير من الشباب المتابع بشغف لكرة القدم.

وفي هذا السياق تعمد التيارات اليمينية إلى استغلال ظاهرة “الالتراس” والأنصار المتحمسين لتجييش الفئات الشابة وإذكاء نزعات كره الآخر والتعصب ورفض المختلف والعنصرية، وذلك بتصوير الفريق الخصم في صورة العدو لتسقط عليه رؤيتها ومقاربتها العنصرية المتطرفة.

وفي تأكيد لتنامي النزعات العنصرية داخل البلدان الأوروبية المتزامنة مع صعود التيارات اليمينية التي اكتسحت الفضاءات الرياضية، شهدت مباراة بلغاريا وإنكلترا هتافات عنصرية تجاه لاعبي المنتخب الإنكليزي من ذوي البشرة السمراء.

وأطلقت مجموعة من المشجعين البلغاريين الذين كانوا يرتدون ملابس سوداء ويؤدون تحية التيار اليميني هتافات عنصرية تجاه لاعبي المنتخب الإنكليزي، الأمر الذي دعا إلى توقيف المباراة في أكثر من مناسبة.

وخلفت الحادثة الكثير من ردود الفعل السلبية والرافضة للهتافات العنصرية، وفي أول رد فعل حول ما حصل دعا رئيس الحكومة البلغارية بويكو بوريسوف رئيس اتحاد كرة القدم في بلاده بوريسلاف ميهايلوف إلى تقديم الاستقالة من منصبه.

وقال بوريسوف على حسابه على موقع فيسبوك “أناشد بوريسلاف ميهايلوف الاستقالة فورا!”، وأضاف “من غير المقبول أن يرتبط اسم بلغاريا بالعنصرية ورهاب الأجانب”.

وتابع “أدين بشكل قاطع سلوك البعض ممن تواجدوا في الملعب”، مشيرا إلى أن بلاده تعتبر “من أكثر الدول تسامحا في العالم”.

ولا يعتبر وجــود اليمــين المتطــرف في الأنظمــة السياســية الأوروبيــة ظــاهرة جديــدة، ذلــك أن الفاشـية والنازيــة والقوميـة المتطرفــة هيمنـت علــى أوروبـا في حقبــة مـا بــين الحـربين العــالميتين، ودفعتهـا نحــو الحرب. أما المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، فهي حركات تشترك كلها في العديد من  الخصائص على الرغم من اختلاف القوميات (فرنسية وألمانية وإنكليزية وهولندية وبلجيكية). من هذه الصفات كره اليمين المتطرف للحداثة السياسية والفكرية والأخلاقية. فهي عموما ضد الديمقراطية ولكنها تقبل بها رغما عنها وخاصة إذا كانت تعطيها الأصوات الكافية لانتخاب نوابها في البرلمان.

والسنوات القليلة الماضية تشهد عموم أوروبا صعودا مستمرا للأحزاب اليمينية، حيث صعد إلى المراتب الأولى في إيطاليا كل من حزبي رابطة الشمال وحركة الخمس نجوم بقيادة ماتيو سالفيني ولويجي دي مايو، أما فرنسا، فقد تحصل فيها حزب الجبهة الوطنية الذي تقوده ماريا لوبان على نسبة 23.31 بالمئة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، متراجعة بشكل طفيف عما كان عليه الأمر في الانتخابات السابقة، لكنها تظل أفضل من حزب الجمهورية للأمام بزعامة إيمانويل ماكرون، الذي حقق 22.41 بالمئة من الأصوات.

وبدورها تشهد الأحزاب اليمينية المتطرفة تقدما في دول أخرى مثل بريطانيا وألمانيا وبولندا، مما أثار الذعر في أوروبا خشية على الاتحاد والتكتل الاقتصادي العالمي.

وتعمل هيئات رياضية مثل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) من خلال حملات “لا للعنصرية”، لزيادة الوعي العام حول التمييز في كرة القدم، وكذلك وضع إستراتيجيات لمكافحة التعصب.

وأصدر الاتحاد الأوروبي بروتوكولا من ثلاث خطوات تجاه الهتافات العنصرية في الملاعب الأوروبية تبدأ بطلب الحكم من مذيع المباراة مناشدة الجماهير بوقف الهتافات العنصرية، وإذا استمر الأمر يطلب الحكم من اللاعبين مغادرة الملعب إلى غرف الملابس لفترة معينة على أن يقوم المذيع بمناشدة الجمهور مرة جديدة وإذا استمرت الأمور على حالها يعلن الحكم إيقاف المباراة نهائيا.

ولم تتوقف ردود الفعل المنددة والرافضة لهذا الحادث العنصري على الطرف البلغاري وإنما جلبت معها مواقف سياسية حادة وغاضبة، من قبل رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون  الذي دان الهتافات العنصرية ووصفها بأنها “مقززة” وقال “العنصرية التي شاهدناها وسمعناها مقززة ولا مكان لها في عالم كرة القدم”.

وأضاف “إنه أمر لا يمكن قبوله في بلغاريا أن يتم ربطها بالعنصرية ورهاب الأجانب رغم أنها واحدة من أكثر الدول تسامحا في العالم ويعيش فيها أناس من مختلف العرقيات والديانات في سلام”.

وتم تغريم الاتحاد البلغاري وعدد من الأندية البلغارية بسبب أحداث عنصرية عدة مرات على مدار السنوات القليلة الماضية.

وبعد يوم على الهتافات العنصرية التي أطلقتها الجماهير البلغارية تجاه لاعبي إنكلترا، أعلن الاتحاد البلغاري لكرة القدم الثلاثاء عن استقالة رئيسه بوريسلاف ميهايلوف. وقال الاتحاد في بيان على موقعه الرسمي “قدم رئيس الاتحاد البلغاري لكرة القدم ميهايلوف استقالته التي سيتم تسليمها إلى أعضاء اللجنة التنفيذية في اجتماعها الجمعة”، مضيفا أن القرار “نتج عن التوتر الذي حصل في الأيام الأخيرة والذي يضر بكرة القدم البلغارية والاتحاد المحلي”.

وقال يوردان ليتشكوف نائب رئيس الاتحاد البلغاري “أشعر بخيبة أمل لهذا التركيز على العنصرية. لا يحتاج الناس للتركيز على هذه المسألة في مباراة بالتصفيات بهذا الحجم وأمام منافس مثل إنكلترا”.

وحذرت دراسات عديدة من انتشار العنصرية في أوروبا؛ من ذلك ما نشرته جامعة هارفارد حول مستويات العنصرية في الدول الأوروبية، في دراسة استمرت من عام 2002 إلى 2015.

عن صحيفة "العرب اللندنية" 

للمشاركة:

"حماس" والعدوان التركي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-17

أمجد عرار

طوال العام الماضي لم يكفّ قادة حركة حماس عن التودّد لدمشق، واستعانوا بالعديد من الوساطات في محاولة لاستعادة العلاقات معها، بعدما انقلبوا عليها وانتقلوا إلى الدوحة، مراهنين على سقوط سريع للدولة السورية بأيدي جماعتهم، «الإخوان»، لكن القيادة السورية رفضت كل الوساطات، وكررت في كل مرّة أنها لا تثق بقيادة «حماس» الذين تنكّروا لكل ما قدّمته لها سوريا، التي تحمّلت الضغوط والعقوبات ورفضت المساس بوجودهم بأراضيها، مكاتب ومعسكرات.

هذا الأسبوع جاء الاختبار الذي يؤكّد أن عدم ثقة القيادة السورية في محلّه، إذ لم يكن حتى بعض المتشائمين يتوقّع أن «حماس» يمكن أن تصدر مواقف علنية مؤيدة لاحتلال تركيا أرضاً عربية وإسلامية.

«حماس» أيّدت العدوان التركي وأوعزت، أو سمحت، لنفر من أتباعها بتنظيم «وقفة» دعم للعدوان التركي ورفع يافطات تشيد بعملية «نبع السلام»، وهو الاسم الذي أطلقته أنقرة على عمليتها، منتهجة ذات الأسلوب الذي ينتهجه الاحتلال الإسرائيلي في إطلاق أسماء مضلّلة على عملياته العدوانية.

لم تتعلّم قيادة «حماس» من تجربة العلاقة مع مصر، حين وقفت «بالباع والذراع» مع جماعة الإخوان، إبان عزل الرئيس الراحل محمد مرسي في ثورة 30 يونيو 2013، ثم عادت بعد بضع سنوات لتحاول الاقتراب من القاهرة، لدرجة أنها رفعت صوراً عملاقة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في شوارع غزة، ويبررون تغيير الموقف بأن مصر نافذة غزة الوحيدة على العالم، مع أن هذه حقيقة وبديهية وليست اكتشافاً عثروا عليه في باطن الأرض.

لا يستلزم الأمر كثير جهد لفهم موقف حماس، فهي أولاً وثانياً وأخيراً فرع تابع لتنظيم دولي، ولا تستطيع أن تتناقض مع موقف «الجماعة» حتى لو كان هذا الموقف مضادّاً للمصالح الفلسطينية، تماماً مثلما فعلت ما تسمى «المعارضة السورية» حين استظلّت بالعلم التركي ودخلت معه كقوة احتلال لوطنها.

وهنا يصح الاستشهاد بمواقف كثيرين، حتى من المقربين للحركة، الذين نصحوا قادتها بالتعامل مع الخصوصية الفلسطينية كخط أحمر، من غير المسموح تجاوزه مراعاة لأي اعتبار آخر.

وعلى أية حال، لن تطول الفترة التي تصل فيها قيادة الحركة للحظة اكتشاف خطأ الحسابات مرّة أخرى، ذلك أن تركيا نفسها بدأت تدرك فشل رهاناتها وخططها وأطماعها في سوريا، فضلاً عن الدرس الأمريكي الواضح والمتمثّل بالتخلي السريع عن حلفائها في شمال سوريا.

عن صحيفة "البيان الإماراتية"

 

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية