أحمد بان: جماعة الإخوان شرعَنت العمليات الإرهابية

13960
عدد القراءات

2017-10-20

ما إن صعدت جماعة الإخوان المسلمين إلى سدّة الحكم في مصر، وظنّت أنّها أمسكت بتلابيب لحظة التّمكين التي حفلت بها أدبيّاتها، حتّى أطاحت بها الجموع الهادرة، وتم تقديم قياداتهم المتطرفة إلى القضاء، وخفُت نجمها بعد أن سطع لنحو عامين، إلّا أنّ مستقبلها ما زال يلفّه الغموض؛ بين مَن يرى أنّها تشظّت وتشرذمت وأوشكت على الموت الإكلينيكيّ، ومَن يرى أنّها قد تعود في ثيابٍ جديدةٍ.

ربّما يؤمن أصحاب الرّأي الأخير بأنّ تلك الجماعة عصيّة على الاندثار، مستندين إلى شواهد تاريخيّة، وجينات بنيويّة يتمتّع بها التّنظيم، وهي التي دخلت في صدامات سابقة مع المجتمع المصري والنّظم السياسيّة، منذ الملكيّة حتّى الآن، ومع ذلك؛ فهي تخرج في كلّ مرّة، كــ "قط بسبعة أرواح"، بعد أن يظنّ الجميع، في كلّ مرّة، أنّه لن تقومَ لها قائمة بعد ذلك.

الجماعة ليست مؤهَّلة للحكم، ولم تربِّ كوادر قادرة على إدارة الدّولة المصريّة

حاولنا استشراف مآلات جماعة الإخوان ورصد أوضاعها الراهنة، مع الخبير المصريّ في شؤون الجماعات الإسلاميّة أحمد بان؛ الذي يتوقع في حواره مع "حفريات" بأنّ تلك الجماعة قد يفضي بها الحال إلى تكوين مذهبٍ جديدٍ على أنقاض الادّعاء بالمظلوميّة، بعد أن نجحت هذه المرّة، أيضاً، في تحويل فشلها إلى محنة وابتلاء، حتّى تتجنّب الصّراعات الدّاخلية وموجات المساءلة والحساب من قبل أعضائها ومن جانب المجتمع المصري.
هنا نصّ الحوار:

*رغم تعرّض جماعة الإخوان المسلمين لنكبات كبرى عبر تاريخها، إلّا أنّ هذا التّنظيم كان لديه القدرة، في كلّ مرّة، على إعادة إحياء نفسه، والعودة في شكل جديد. فما هي الشفرة التي يمتلكها حتّى يعيد صياغة نفسه في كلّ مرّة يتعرّض فيها للخناق المطبق، أم يرجع ذلك لمكوّنات ما في بنيته الفكريّة والتنظيميّة؟ وهل يمكن أن تكمن الجماعة حتّى تنتهز الظرفيّة المناسبة لتقفز في حضن المجتمع والدّولة مرّة أخرى، أم إنّ الظّروف التاريخيّة السّابقة لن يكون لها وجود في المستقبل؟

- تاريخيّاً، استطاعت جماعة الإخوان أن تهضم مواجهة الأنظمة لها، وهذا، في تقديري، عائد لسببين؛ الأوّل: أنّ حسن البنا، مؤسّس الجماعة، كان يتوقّع منذ البداية، أنّ فكرته "جالبة للصّراع مع الأنظمة والمجتمعات"، وأنّه سيدفع، هو وجماعته، بجانب ذلك كلفة باهظة، لقد كان يقول ذلك بوضوح، وقبل أن تحدث حالة التّضييق عليه وعلى جماعته، وقبل حصار حركته، كان يقول: "ما زالت دعوتكم مجهولة بين النّاس، ويوم يعرفونها، ويدركون مراميها، ستلقى منهم عداوةً شديدةً، وستدخلون في طور الامتحان". لقد كان نجاح هذا الرّجل في أنّه حوّل فكرة الفشل إلى ابتلاء في وعي الأفراد من وقت مبكّر، فالفشل الذي هو "نتاج طبيعيّ لسلوك طريقٍ خاطئ يستدعي المساءلة، والمراجعة، وإعادة النّظر في الأفكار والسّلوك" أغلق البنّا الطّريق عليه باكراً، قبل حدوثه، فكان التّنظيم دائماً ما يصف نتائج الصّدام مع المجتمع والسّلطة بـ"المحنة" التي يدَّعي أنّ مردّها جهل النّاس بحقيقة الدعوة، وغربة الإسلام، وأنّ هذه الجماعة أتت لهذه الدّنيا كي تعيد تأسيس الإسلام في هذه الحياة، بالتّالي، فإنّ جهل النّاس بحقيقة الدّين سيستجلب العداوة والرّفض.
هذه هي المحنة الحقيقية لأصحاب الدّعوات، وهي متّصلة بكلّ ما واجهه أصحاب الدّعوات الأيديولوجية تاريخيّاً، بهذا أغلق طريق المراجعة بهذا المفهوم من البداية؛ لأنّه حصّن أتباعه بفكرة "المحنة"، لقد كانت هذه الفكرة هي "الميكانيزم" الذي لجأ إليه "البنّا"، ومن تبعه فيما بعد، لغلق باب المراجعة والتأمّل والاعتراف.

خلق التقيّة في مواجهة المجتمع كان حاضراً باستمرار داخل الإخوان المسلمين وهناك من يمارسها داخل التنظيم نفسه

أمّا مجموعة النّظام الخاصّ التي سيطرت على الجماعة من بعده فقد عزّزت هذه الفكرة، فأنكروا أنّ وجودهم في السّجون "جزاءً وفاقاً" لما فعلوه في السّاحة المصريّة؛ بل محنة حقيقيّة تتعلّق بأصحاب الدّعوات، في مواجهة المجتمعات الجاهليّة التي لا تعرف شيئاً عن إسلامها الحقيقيّ، وهذه الفكرة بُنيت عليها أعمالٌ معرفيّةٌ وإعلاميّةٌ، وسوِّقت دوليّاً على اعتبار أنّ الإخوان هم أصحاب أكبر مظلوميّة في التّاريخ، وكأنّهم "أصحاب الأخدود" في العصر الحديث، الذين لديهم استعدادٌ لأن يُحفر لهم في الأرض، أو يُنشَروا بالمناشير؛ لأنّهم متمسّكون بعقيدتهم، وليسوا متمسّكين ببرنامج فكريّ وسياسيّ مناهض للأنظمة وللمجتمعات.
 

 

*إذاً، هل ترى أنّ التّنظيم كان يدرك، ولو في عقله الجمعيّ، أنّ المظلوميّة تستجلب التّعاطف الطّاغي على العقل غير المتدبّر للواقع والسّياقات المؤدّية إليه بتجرّد، خاصّة، في مصر والمنطقة العربيّة والإسلاميّة؟
- نعم، وهذا هو صلب النّقطة الثّانية، التي تتعلّق بطبيعة الشّعب المصريّ، على وجه الخصوص، الذي يعدّ من أكثر الشّعوب تعرّضاً للظّلم تاريخيّاً نتيجة للفشل النسبي في خطط التنمية الحكومية، فقد حدثت التّغذية المتبادلة بين مظلوميّة الشّعب ومظلوميّة الجماعة، فبات هناك نوعٌ من التّفاعل المتبادل؛ فالجماعة كانت تبعث إشارتها إلى الشّعب، وكانت فحواها "نحن نتعاطف معكم، ومع مظلوميّتكم، ونريد أن نستنقذكم ممّا أنتم فيه"، وهذا الشّعب تعاطف أحياناً مع الجماعة؛ لأنّه ظنّ، لفترات طويلة، أنّها تحاول أن تحرّره من الفساد والظّلم عبر دولة الشّريعة أو دولة العدالة الإسلاميّة التي يعدهم بها الإخوان.

*وهل ما زالت هذه الحالة حاضرة؟
- لا، كان هذا قبل مرحلة وصول الجماعة للحكم؛ فهناك فاصل مهمّ يفصل لحظة ما قبل 2013 وما بعد 2013، أو تحديداً؛ ما قبل 2012 وما بعد 2012

*ما الذي حدث وفصل بين المرحلتين؟

- الذي طرأ أنّ الإخوان وصلوا لامتلاك الحكم بشكل شبه كامل، وليس مجرّد مشاركةٍ فيه؛ فقد سيطروا على مقاعد البرلمان بالكامل، بأغلبيّة تصل إلى 70% من مقاعد البرلمان، بغرفتَيه (الشّعب والشّورى)، والمنافسة على مقعد رئاسة الجمهوريّة والوصول إليها، فأضحى هناك رئيس من جماعة الإخوان للمرّة الأولى، ومع كلّ الدّعاية التي يسوِّق لها التّنظيم في أنّه أُفشِل، ولم يُترك للتّجربة أن تتطوّر، إلّا أنّ هذه التجربة، في وعي قطاعات واسعة من الإخوان، كانت فاشلة، ليس بمنطق أنّ الدّولة العميقة أفشلتها، لكن بمنطق أنّ الجماعة ليست مؤهَّلة للحكم، ولم تربِّ كوادر قادرة على إدارة الدّولة المصريّة، ولم يكن لديها الفقه السياسيّ الذي يمكِّنها من إدارة دولة بحجم مصر وتعقيدها، وتعقيد هذا الإقليم، وتعقيد هذا العالم. هذا الفشل شعرت به قواعد الجماعة كما شعر به المجتمع المصريّ، لكن ما أفاد الجماعة هو، في رأيي، "فضّ رابعة" بهذه الطريقة التي وفّرت للجماعة غطاءً من المظلومية المدعاة لتبرر فشلها في الحكم، وفي ظني أنّ الدولة لو لجأت إلى التدابير الأمنية الناعمة لانتهت أسطورة هذه الجماعة، تنظيماً وفكراً.

خلق التقيّة في مواجهة المجتمع كان حاضراً باستمرار داخل الإخوان المسلمين وهناك من يمارسها داخل التنظيم نفسه

*هل اعتصام "رابعة" لديه القدرة على الدّفع بدماء جديدة في شريان الإخوان المتجلّط؟ وهل تكفي بمفردها لعودتهم مرّة أخرى إلى الفضاء العام، أيّاً كان شكل تصوّر هذه العودة؟
- يمكننا أن نتحدّث عن إخوان ما بعد رابعة، الذين هم إخوان ما قبل رابعة، كما فرَّقنا قبل ذلك بين الإخوان قبل وصولهم للحكم، والإخوان بعد وصولهم للحكم؛ لأنّ "رابعة" فتحت مسارات جديدة للحركة، كانت تلك الحركة ودّعتها في السابق، وأغلقت مساراتها، التي هي مسارات العنف الجديد، الذي نشأ أعقاب "الفضّ" تحت مظلّة الثّأر.
*دعنا نتحدث عن التصوّر المبدئيّ لعودة الإخوان قبل أن ننخرط في الحديث في محور العنف. هل يمكن أن تشرب الجماعة ماء الحياة،  وتدبّ فيها الرّوح من جديد؟ وهل هذا وارد في المعيار التاريخيّ، أم إنّ الظّرف الاجتماعيّ، حتّى داخل الحركة نفسها، لم يعد يتّسع لذلك؟
-  دائماً ما ساهمت طبيعة إدارة السّلطة للصّراع في إطالة عمر التّنظيم وفكره. عبد النّاصر رغم أنّه وقف في وجه الحركة بشكل قويّ، إلّا أنّه طرح إلى جانب المواجهة مشروعاً استطاع أن يسحب به قطاعات حتّى من داخل جسد الإخوان، وكان له دورٌ واضحٌ في تبنّي قادة من النّظام الخاصّ في الإخوان لأفكاره ومشروعه، واتّخذ منهم وزراء مثل؛ أحمد حسن الباقوري، وعبدالعزيز كامل، هذه أسماء برزت على السّاحة المصريّة، والتيّار الإسلاميّ، وواصل (السّادات) هذه السّياسة، حتّى إنّه أدخلهم في بنية الدّولة أيضاً. أمّا (مبارك) فكانت لديه مقاربةٌ في تحديد سقف الحركة؛ إذ كان هناك اتّفاقٌ بين الاثنين، وشروطٌ على الطّرفين ألّا يتجاوزها، لكنّهم كانوا يحاولون، في أوقات معيّنة، توسيع هامش الحركة، بعدها كان النّظام يأخذ إجراءات ضدّهم لترجعهم للخطوط الخلفيّة.
*لكنّ "يناير" أحرقت كلَّ تلك الخطوط، هل هكذا تصوّر قادة الجماعة؟
- "يناير" طرحت واقعاً جديداً، تصوّرت في غضونه جماعة الإخوان أنّ الأبواب قد فُتحت، بالتّالي، نظرت إلى الزّخم السياسيّ في أعقاب "يناير"، وذهبت للدّفع بتأسيس عدد كبير من الأحزاب المعبّرة عن عددٍ من تيّارات الحالة الإسلاميّة، وسيطرت جماعة الإخوان على غالبيّتها؛ ففي هذه المرحلة تصوّرت جماعة الإخوان، بطفوليّة مدهشة، أنّها قادرة على أن (تظهّر) كلّ هؤلاء لصالحها، على كلّ تبايناتهم وشكوكهم نحو الإخوان وشكوك الإخوان تّجاههم، وشكّلت ما سمِّي "الهيئة الشرعيّة للحقوق والإصلاح" كي تمثّل معسكراً إسلاميّاً في مواجهة المعسكر المدنيّ، واستبطان المسألة بهذه الطريقة كان من أدبيّات النّظام الخاصّ الذي امتدّ، إلى هذه اللّحظة، في أدبيّات القطبيين الذين أداروا الصّراع.

*أنت ترى أنّ جماعة الإخوان كانت تعيش في مأزق كبير قبل "رابعة"، هل كانت على وشك السّقوط التلقائيّ؟
- قبل "رابعة" كانت الجماعة في مأزقٍ كبيرٍ جدّاً بعد إزاحة الإخوان من الحكم، عبر إجراءات واضحة في 30 يونيو، اعتبره المفكّر السيد ياسين بمثابة "انقلاب شعبيّ"، وهي تسمية دقيقة؛ فهي انقلابٌ لكنّه شعبيٌّ، لم تستطع القوات المسلّحة أن تنقلب على سلطة مدنيّة منتخَبة، إلّا إذا كانت ترى جمهوراً عريضاً تمتلئ به السّاحات والميادين. أمّا الإخوان والقيادات فكانت تدرك أنّ هناك تحوّلاً حدث في الشّارع. لكن أريد أن أعود إلى مرحلة ما قبل فضّ الاعتصام؛ ففي هذا الاعتصام كان هناك سؤالٌ كبيرٌ يتردّد في أوساط الجماعة؛ هو  "ما الذي جاء بنا إلى هنا؟ ألم نكن بالأمس في قصر الحكم؟" هذا السّؤال كان يتردّد داخل "رابعة"، وهنا استحضرت ثنائيّة (المحنة والفشل)؛ فقادة جماعة الإخوان حوّلوا القضية برمّتها إلى محنة تحمي التّنظيم، لكن أيّ نظام كان من المفترض أن يكون معنيًّا بأن يبرِز القضيّة باعتبارها فشلًا للإخوان، وليست محنة من السّماء تتعرّض لها.
*لكنّ تلك التّنظيمات وضعت الدّولة برمّتها في خيارات صعبة، فلم يكن هناك ترف لتمييع فضّ الاعتصام بعد حضور شبح الحرب الأهليّة وانفراط عقد الدّولة؟
- أنا لا أتحدّث عن عدم فضّ الاعتصام، أنا أتحدّث عن فضّ الاعتصام بالقوّة، وبهذا الشّكل الذي حدث، فأنا كنت ممَّن كتبوا قبل فضّ الاعتصام مقالاً بعنوان "لا تمنحوهم مظلوميّة جديدة"؛ لأنّ الإخوان كانوا بحاجة ماسّة إلى هذه المظلوميّة لتغطي على فشلهم في الحكم.
*ماذا؟
- لأنّ هذه المظلوميّة وحدها كانت كفيلة أن تقطع دابر السّؤال: "من الذي جاء بنا إلى هنا؟"، لكنّ الفضّ بطريقة ناعمة كان سيمنع حصول الإخوان على المظلوميّة، والدّولة كانت تملك عناصر كثيرةً جدّاً، ولديها القدرة على تفريقه من الدّاخل.
*إذن، أنت ترى أنّ الدّولة فقدت صبرها باكراً؟
- لقد غاب العقل في إدارة المشهد، فبدت الدّولة وكأنّ تحرّكها سلطة وهيْبة، وأنّ سلطتها هذه تتميّع في مواجهة اعتصام على مرمَى حجرٍ من وزارة الدّفاع، فهي كانت مدفوعة بهذه العقلية، فعقل الدّولة إذا تعرَّض للسّخونة، فدائماً ما يتّخذ قرارات مندفعة.
فالدّولة تسعى دائماً إلى تبريد عقلها كي تأخذ قرارتها الصحيحة والمحسوبة بإتقان، وتقارن بين العائد والتّكلفة، وهذا لم يحدث في هذه اللّحظة، فبدأت المظلوميّة، هنا، تحقّق أهداف قادة التّنظيم، هم حصلوا على مظلوميّة تبرّر فشلهم، وتقطع الطّريق أمام سؤال المراجعة أو المساءلة للقيادات التي أخذت التّنظيم من قصر الاتحاديّة إلى الاعتصام في ميدان رابعة.
*لو أنهت الجماعة الاعتصام بشكل سلميّ وغير عنيف، لتعرّضت لنوع من المساءلة. أهذا ما تقصده؟
- ليس مجرّد مساءلةٍ؛ بل سينشأ داخل الجماعة صراع داخليّ ضار.
*لكنّ الجماعة حاولت أن تقفز على هذا للدّخول في صراع مع الدّولة واكتساب المظلوميّة التي ستغطّي على التّساؤلات؟
- لم تكن تغطّي؛ بل تحوّل ذلك إلى محنة وإيهام بأنّهم كانوا يسيرون في الطريق الصحيح، وهناك من ذهب لقطع هذا الطّريق.

فضّ اعتصام رابعة بعنف وفّر للجماعة غطاءً من المظلومية المدعاة كانت تبحث عنه لتبرر فشلها في الحكم

*لكن، مع مرور الوقت، هل تظلّ هذه المظلوميّة ناجعةً في اعتماد الجماعة عليها لمواصلة الحياة؟
-  قبل هذا، كانت المظلوميّة سلاحاً ممتدّ المفعول، يمكنه الصّبر لمدّة 30 عاماً أو يزيد، لكن هذه المرّة ستظلّ المظلوميّة خمسة أعوام لا أكثر، في تقديري، ويفقد هذا السّلاح أثره، بدليل أنّ هناك من بدأ في تجاوز "رابعة" داخل الجسد الإخوانيّ الآن، خاصّة الرّعاة الإقليميّين الذين حاولوا ركوب هذه المظلوميّة واللّعب عليها، لقد فقدوا، الآن، حماستهم لها تحت وضع تحديّاتٍ إقليميّة أعقد، فهناك موقف حماس، مثلاً، الذي أحدث مشكلاتٍ داخل قواعد الإخوان.
*هل ترفض الجماعة حتى الآن، وبشكل رسميّ، تبنّيها للعنف على يد بعض المجموعات التي رفعت السّلاح في مواجهة الدّولة؟
- ماذا تقصد بالجماعة؟ الجماعة لم تعد جماعة واحدة؛ فقد توسّعت فعليّاً إلى قسمين: الأوّل: تصرّف كحركة تعمل وفق المتاح، عندها استعدادٌ لأن تعمل تحت مظلّة أيّ نظام سياسيّ، كما عملوا تحت سقف (مبارك) بنفس البناء مع تعديلات طفيفة في لائحتها، وتبقى السّلطة المطلقة والشّكل الهرميّ قائمَين، دون أيّة إصلاحات تُذكر، وهؤلاء سيطروا على ستّة وعشرين مكتباً إدارياً للجماعة داخل مصر تقريباً، من أصل واحد وأربعين. أمّا المجموعة الأخرى، التي كان يتزعّمها محمد كمال، عضو مكتب الإرشاد، فقد سيطرت على عدد من المحافظات، إلّا أنّ هذا الجناح تشظّى الآن.

*وكيف خرجت أفكار العنف هكذا مرّة واحدة؟
- فكرة العنف عندما خرجت من داخل معسكر (كمال) لم تكن اختياراً عقليّاً هادئاً، بقدر ما تدحرجت، شيئاً فشيئاً، حتّى وصلت إلى العنف الواضح والمباشر؛ إذ إنّها بدأت بلجان ردعٍ، ثمّ تطوّرت، بعد ذلك، إلى تنظيماتٍ مسلّحةٍ، خرج جزءٌ منها عن السّيطرة.
 

شرعنة العلميات الإرهابية!

*هل كان لديهم أدبيّات يستطيعون أن ينهلوا منها في "شرعنة" العمليات الإرهابيّة؟
- نعم، وقد خطت خطوات أبعد من السّياقات القديمة؛ فبدأنا نرى مفردة "الهيئة الشرعيّة" في خطاب الإخوان، وأنت تعلم أنّه مصطلحٌ متداولٌ في أوساط الجهاديّين، لا في أوساط الإخوان، حتّى عندما كان سيّد سابق، المنظِّر الشرعيّ التاريخيّ للتّنظيم، يفتي بقتل أحد، كان يفتي دون أن يوثّق هذه الفتوى، وفي إطار سريّ جدّاً، دون أن يعلن هذا. وبات هناك هيئة شرعيّة تصدر بيانات مثل: "بيان الكنانة واحد"، و"بيان الكنانة اثنان"، وتستخدم مفردات مثل: دفع الصّائل، وهي مفردات الحركة الجهاديّة التي ظهرت لدى الإخوان مؤخّراً.
*تاريخيًّا؛ شهدت جماعة الإخوان مثل هذه الحالات؛ فهناك مجموعات رأت أنّها تنتمي إلى الجماعة الأمّ، إلّا أنّها تحاول أن تأخذها في الطّريق القويم، ثمّ تبدأ بالتحوّر، حتّى تصل إلى طورٍ جديدٍ، بعد تشكّل معالمها الخاصّة بها، ثمّ تنفصل عن الجماعة الأمّ، ثمّ تبدو جماعة الإخوان، بعد ذلك، بريئةً من الأعمال العنيفة، وهذا حدث بعد صدام الجماعة مع الدّولة عام 1965؟
- لم يكن بعد 1965 بل من عام 1947، عندما لم يعد حسن البنا يسيطر على مجموعة النّظام الخاصّ، وهذه المجموعة التي تدرّبت على السّلاح، كانت قد رفضت سلطته، فأحد قيادات الإخوان قال لي شخصيًّا إنّ حسن البنا دخل، ذات مرة، اجتماعاً لمجموعة النّظام الخاصّ قبل عبد الرحمن السندي، المسؤول المباشر عن النّظام، لكنّ السندي عندما دخل قال: ماذا يفعل هذا الرّجل هنا؟ كانوا يتمثّلون قول الشّاعر: "السّيف أصدق إنباءً من الكتب...."، فأنتم أصحاب الدّعوة، ونحن أصحاب الجهاد والفعل. ظلّت الجماعة طوال تاريخها تنتج ذراعاً مسلّحاً يتمرّد عليها بعد ذلك، وما زال هذا الجناح قائماً حتّى الآن، وأنت لا تعدم في تاريخ جماعة الإخوان الذي يمكن أن يحدّثك بأنّ هذا توزيع أدوارٍ، فعندما يأتي عبدالمنعم عبدالرؤوف، أحد كوادر الجماعة في الجيش، بعد إحالته للتّقاعد، ليقول لحسن الهضيبي، المرشد الثاني للجماعة: أنا سأقوم بانقلاب ضدّ جمال عبدالناصر، وأحتاج إلى 500 رجلٍ من الإخوان، فإذا نجح الانقلاب، يمكن لكم أن تتبنّوه، وإذا فشل تستطيعون أن تتنصّلوا منه، فطوال الوقت كان هذا "الميكانيزم" حاضراً.
*أعلنت حركة "المقاومة الشعبية"، عبر ناطقها الرّسميّ، أنّه أصبح لديها فكرٌ جديدٌ، ومنهجٌ جديدٌ، بعيداً عن جماعة الإخوان، وهذا ما يؤكّد أنّ هناك لحظة ما تنفصل فيها مثل تلك التّنظيمات عن الجماعة الأمّ، وتستطيع الجماعة، بعد ذلك، أن تتبرّأ تماماً من كلّ أفعال العنف، ثمّ تعود مرّة أخرى بخطاب آخر، في وقت ما، وهذا ما حدث تاريخيًّا. فما رأيك؟
- جماعة الإخوان لم تعترف بالعنف طوال تاريخها.

جماعة الإخوان استكملت دورة حياتها، ومرّت بما يمرّ به الأحياء؛ من طفولة، ثمّ صبا، ثمّ شباب، ثمّ شيخوخة

* لكنّ هناك جماعاتٍ خرجت من رحم محنتها، إن صحّ التّعبير، بدليل شهادات عددٍ من قادة التيّار الجهاديّ في هذا الشّأن؟
- حدث ذلك في الجماعة تاريخيّاً، فظهرت "الطّليعة المقاتلة" في سوريا، وكان أبرز نجومها (أبو مصعب السوريّ)؛ الذي كان من أفراد هذه الطّليعة، ثمّ أصبح منظِّراً جهاديّاً بعد ذلك، فهذا التطوّر كان موجوداً طوال الوقت، حتّى أيمن الظواهري وأبو بكر البغدادي، كانا من الإخوان. لكن أن يعود تنظيم الإخوان الذي يخلط السياسيّ بالدعويّ، فلا أرى أنّهم سوف ينجحون في هذا بنفس نجاحاتهم في السّابق؛ لأنّ هناك متغيّراً طرأ، هو أنّ المجتمع لم يعد قادراً على التّعاطف مع مثل هذه المظلوميّة أكثر، فلم يعد هذا السّلاح ناجعاً؛ بل فقد صلاحيّته مع الوقت.
*هل ما زال لدى تلك الجماعة ما تستطيع أن تجنِّد به أعضاءً جدداً؟ وهل ما زال هذا المشروع مصدرَ إلهامٍ لشبابٍ وعناصرَ تستطيع الجماعة أن تجذبهم في السّابق، أم أنّ روافد التّجنيد خفتت وقلَّت؛ لأنّ العناصر المجنَّدة والمفترضة سترى فيها الجماعة الفاشلة في مخيالها؟
- أعتقد أنّ الفكرة فقدت الكثير من جاذبيّتها وإلهامها، وهذا، بلا شكّ، سيؤثّر في عمليّات التّجنيد، فالتّجنيد ليس مرتبطاً بوسائل؛ بل له صلة أكثر بـ "الجاذبيّة والإلهام". أعتقد أنّ هذا تراجع في نفوس كثيرٍ من النّاس، حتّى في نفوس قطاعات من الإخوان، وهذا هو الأهمّ؛ لأنّ القلب المعنيّ بفكرة التّبشير بالفكرة قد تخلخلت قناعاته، وأدركت قراءات كثيرة للإخفاقات داخل الجسد الإخوانيّ نفسه، وهذا عامل حاسم في المسألة.

الإخوان في الإنعاش
*إذاً، إذا توقّفت عمليّات التّجنيد فهل يمكننا أن نقول: إنّ الجماعة ستشهد انقطاعًا جيليًّا مستقبلًا؟

- في النّهاية، إنّ أيّة فكرةٍ لها دورة حياة، وأنا مع أنّ جماعة الإخوان استكملت دورة حياتها، بمعنى أنّها مرّت بما يمرّ به الأحياء؛ من فترة طفولة، ثمّ صبا، ثمّ شباب، ثمّ شيخوخة، ثمّ وفاة. هذه الشّيخوخة طالت إلى حدٍّ كبيرٍ، وعاجلتها ظروف الوصول إلى الحكم، ففشلت في إدارته، وفي إدارة الاحتجاج والمعارضة، فجمعت بين الفشلَين تحت مظلّة تعقيدات دوليّة لها أثرها، بما يؤكّد أنّنا، في النّهاية، أمام إرهاصات واسعة لمراجعة داخل جسد الجماعة، تبدو فيها مدفوعة بفشلها من جهة، وبرفض المجتمع تحت أيّة مسوغات من جهة أخرى.
*قلت إنّ جماعة الإخوان لم تراجع نفسها، وإنّ الواقع السياسيّ هو الذي يحرّكها، لأنّ الحركة تسبق التّنظير، فهل ترى أنّ ثمّة سياقاً مختلفاً هذه المرّة، أم أنّ المشكلة تكمن في "الجين" الإخوانيّ أو في بنيتها الفكريّة والتنظيميّة التي تمنعها من ذلك؟
- نعود إلى العتبة التي بدأت بها كلامي؛ هل الذي جرى محنة أم فشل؟ لأنّ كلّ نتيجة ستؤدّي إلى مسارٍ مختلفٍ. فإذا اقتنع العقل الجمعيّ للجماعة بأنّ الذي جرى هو فشلٌ يستدعي إعادة النّظر في جملة الأفكار، والوسائل، والأدبيّات. إذاً؛ فهم على طريقٍ صحيحٍ للمراجعة، قد تنتج شيئاً جديداً، مع ملاحظة أنّ القيادات في مثل هذه التنظيمات هي التي تقتنع ثمّ ترشّح للقواعد، فإذا حدث، فأنتَ أمام مراجعة قد تنتج فكراً جديداً، وإذا لم يحدث، وسيقابل بمقاومة شديدة بالقطع؛ فقد تعيد الجماعة إنتاج نفسها في نفس الشكل القديم المتخلّف، حتّى إن بقي الجسد ضعيفاً تنظيميّاً، إلّا أنّه قد يؤسَّس على ضفاف المظلوميّة لمذهبٍ إسلاميٍّ جديدٍ، تقترب فيه الحالة الإخوانيّة من مشاهد تأسيس المذهب الشيعيّ، حتّى وإن بقيت أقليّة، فإذا استسلمت هذه الأقليّة لأجواء المحنة فهذا سيوصلها إلى مذهبٍ دينيٍّ جديدٍ، بالتّالي، لن تنجز مراجعةً، ولن تخرج من متاهتها.
وأعتقد أنّ هذا قد يحدث، وقد يحدث معه مجموعة لإنتاج مراجعات تتزايد شجاعتها مع الوقت، ويوجد هنا عاملٌ قد يسارع من هذا أو يبطئ منه، وهو طبيعة اختيارات النظام السياسيّ وأدائه وخياراته، فكلّ نجاح للنّظام في النّظام السياسيّ سيصبّ في مصلحة هذا.


 

*وهل يمكن أن تكون هناك معالجة لمظلوميّة الإخوان، سواء من المجتمع المدنيّ أو الدّولة؟
- المجتمع المدنيّ ليس مؤهّلًا لذلك، والنّظام السياسيّ غير راغبٍ فيه؛ لأنّه يميل، دائماً، إلى المقاربة الأمنيّة، فلا أتصوّر أن يكون ذلك عاملاً حاسماً في مواجهة الفكرة؛ إنّما قد يكون عاملاً حاسماً في مواجهة التّنظيم.
*أتعتقد أنّ الجسد الإخوانيّ العامّ لم ينخرط في العنف المسلّح؟
- أنا على يقينٍ بأنّ (80 %) من الجسد الإخوانيّ غادر المشهد بعد فضّ اعتصامَي رابعة والنّهضة، ولم ينخرط في حالة احتجاج، أو في حالة عنف، وأنّ ما يواجه المجتمع المصريّ هو الـ (20%) المتبقية، الفاعلة والمنقسمة ما بين المؤمنين بمحمود عزّت والمؤمنين بكمال، والأكثريّة مع عزّت.
*هل يمكن أن نفسّر هذا بأنّ مجموعات الإخوان التي انخرطت في العنف كان معظمها شباب أغرار؟
- نعم، وفشل هؤلاء أكّد لدى المجموعات الأخرى أنّ العنف مساره مغلق في النّهاية.
*لكنّ الجسد العامّ سيدفع الكلفة والفاتورة؟
- نعم، لقد دفع، ولا زال، لأنّ الأجهزة الأمنيّة ستوسّع، بطبيعة الحال، من دائرة الاشتباه.
*حدث عند الجميع نوعٌ من الصّدمة؛ عندما أتى قادمٌ من الخلف كمحمد كمال، لا يعرفه كثيرٌ من النّاس، ثم مضى يأخذ الإخوان للعنف، ويشرعن له.
- خلق التقيّة في مواجهة المجتمع كان حاضراً، أيضاً، داخل التّنظيم؛ فكان هناك مَن يمارس التقيّة داخل التنظيم نفسه، وقياداته وعناصره، وقد حدثت واقعةٌ شهيرةٌ بين مصطفى مشهور ومحمد فريد عبد الخالق؛ إذ وقع بينهما خلاف حول "رسالة التّعاليم"، فقد تفاجأ عبدالخالق بأنّ مشهور قرّر دراسة "رسالة التّعاليم" للصّف الإخوانيّ، فقال له: إنّ هذه الرّسالة لم تكن مكتوبة للإخوان؛ بل للنّظام الخاصّ، وكانت نقطة فاصلة بين الاثنين، فهذه العناصر كانت حريصة على تدريس تلك المناهج في الجماعة كي يبقى باب العنف مفتوحاً؛ لذلك ستجد المنهج الحركيّ لمنير الغضبان يحفل بالإشارات، وهو ما جعل العنف في البنية التحتيّة ممكناً.

 

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



خالد الزعفراني: الإخوان رهينة دول تتحكم في قراراتهم لمصالحها السياسية

2019-11-10

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال الباحث المصري في شؤون الجماعات الإسلامية، الدكتور خالد الزعفراني، إنّ رموز الفكر القطبي كانوا أكثر نشراً لفكر التكفير من جماعة شكري مصطفى، وأخبث وأخطر؛ لأنّهم كانوا يأخذون بنظرية التقية، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّه في عامَي 1978 و1979 بدأت بعض قيادات الجماعة الإسلامية (قبل تشكلها) في دخول الإخوان سرّاً.

عندما انضممنا للإخوان في نهاية السبعينيات كنت أظنها دعوة سلمية معتدلة متصالحة مع المجتمع وتحارب التكفير

وأوضح القيادي الإخواني السابق أنّه "عندما علم أعضاء الجماعة بأسيوط والمنيا، مثل؛ كرم زهدي، وأسامة حافظ، وناجح إبراهيم، وعصام دربالة، بذلك، استشاطوا غضباً، وكوّنوا جماعة خاصة بجامعات الصعيد، تحت اسم "الجماعة الإسلامية"، واتجهوا للعنف، إلى أن وصلوا لاغتيال الرئيس السادات، وأحداث مدينة أسيوط".
وأكد مبتدع شعار "الإسلام هو الحلّ" أنّ جماعة الإخوان أصبحت الآن أبعد ما تكون عن الدعوة، "فممارستها أصبحت سياسية بحتة، واختفى أيّ أثر لها في الدعوة"، أنّ الشعب يرفض تماماً أن تعود جماعة الإخوان كما كانت قبل 2011 جماعة سرية شاملة موازية للدولة، ولا بدّ من أن تعلن تبرّؤها من أفكار العنف والتطرف.
وشدد على أنّ الدول التي تؤوي الإخوان اليوم أصبحت تتحكم في قراراتهم لمصالحها السياسية، فضلاً عن عقول القيادة المتحجرة.
وهنا نصّ الحوار:

البداية التنظيمية

شكري مصطفى
كيف كانت بدايتك مع الجماعات الإسلامية من شكري مصطفى وصولاً إلى الإخوان؟

كانت البداية مع نكسة حزيران (يونيو) 1967؛ حيث حصل مدّ التنظيمات، التي انتهزت الفرصة مع انكسار الحلّ الناصري، وموجة التدين التي استغلت احتلال المسجد الأقصى، وأنا يومها تأثرت بهذه الحالة في أول دراستي الثانوية، والتزمت بالمحافظة على الصلاة وارتياد المساجد.

اقرأ أيضاً: شكري مصطفى: الشاعر الرقيق والقاتل المتوحش الذي أنجب التكفير والهجرة
في قريتي كان يوجد شيخ أزهري كفيف، يحمل درجتي ماجستير، أعطاني جرعة معلومات دينية وتأثّرت به كثيراً، ولمّا ذهبت إلى الجامعة، العام 1971، بالقاهرة، كانت تلك الجماعات ما تزال ضعيفة، وعبارة عن أفراد متفرقين يلتقون فقط في مساجد الكليات للصلاة، لكنّ التيار اليساري كان كبيراً جداً، وبدأنا كأفراد نصطدم بهم، ونشكّل تجمعات صغيرة في الكليات المختلفة تحت مسميات مثل: الجماعة الدينية، وجمعية الدراسات الإسلامية، أو الجماعة الإسلامية، وغيرها.

اقرأ أيضاً: وليد البرش: الإخوان تحركهم التقية والخطابات المزدوجة
آنذاك كانت معلوماتنا الدينية فطرية وقليلة، ثم بدأنا نتواصل في كلّ جامعة عن طريق اتحادات الطلبة التي بدأنا نخوض انتخاباتها، وسهّلت لنا اتحادات الطلبة التواصل على مستوى الجمهورية، وباسمها أقمنا معسكرات صيفية إسلامية، كنّا ندعو إليها مشايخ بالإخوان؛ كالشيخ الغزالي، وسيد سابق، والشيخ المحلاوي، وغيرهم، وكانت هذه هي البداية ليست لي فقط، بل لكلّ التيار.
هل ظهرت جماعة التكفير والهجرة في تلك الفترة، أم كانت بداية تلك الموجة مع القطبيين؟
في الحقيقة؛ عندما أخذت الدولة المصرية، في بداية عهد السادات، قرار الإفراج عن الإخوان، كان ضمن المجموعات الأولى المفرَج عنها؛ شكري مصطفى، وطه السماوي، وقيادات ما يسمَّى "التكفير القطبي".

أفرجت الدولة في بداية عهد السادات عن الإخوان وكان ضمنهم شكري مصطفى وقيادات "التكفير القطبي" 

بدأ طه السماوي، العام 1972، يخطب في مسجد بميدان العتبة، أما شكري مصطفى فنشر أفكاره في بلدته أسيوط، وأقنع ابن أخته ماهر بكري، الذي أُعدم معه 1977، وعمّه الدكتور حمدي بكري، في التوقيت نفسه بدأ المتأثرون بسيد قطب، مثل: مصطفى الخضيري، وعبد المجيد الشاذلي، والدكتور محمد المأمون، ومحمد سالم، وهم من رموز الفكر القطبي، بدؤوا في نشر هذا الفكر في القاهرة والإسكندرية، وقد عمل القطبيون، ومؤسّسو جماعة التكفير، كلٌّ على حدة، لكنهم استغلوا ما منحه لهم الرئيس السادات من حرية، وعملوا في وقت واحد لنشر هذه الأفكار.
جماعة التكفير والهجرة

هل التقيت بشكري مصطفى آنذاك؟ وماذا عرض عليك؟
عرّفني إليه طالب بكلية دار العلوم بالقاهرة، كان مع شكري بالسجن، في نهاية الستينيات، ورتّب لي اللقاء معه ليعرض عليّ أفكاره، ولما بدأ في عرض فكره قفزت إلى ذهني فوراً عقيدة الخوارج؛ لأنّ الشيخ الأزهري الذي كان بقريتي وأعطاني نبذة عنهم، فسألته: "ما الفرق بينك وبين الخوارج؟"، فقال: "الخوارج يكفّرون بالمعصية، وأنا أكفّر بالإصرار عليها"، وناقشته في ذلك كثيراً فتعجَّب من معرفتي مع صغر سنّي (19 عاماً تقريباً).

وجدت أنّ أفكار شكري مصطفى وغيره من زعماء القطبيين متشابهة تماماً مع فكر الخوارج

بعدها اتفقت معه أن يزورني بالإسكندرية بمنتصف الإجازة الصيفية، ليحاور بعض المشايخ والدعاة لأتبيّن الحقّ، وليردّوا على كلامه، وأخذت منه بعض كتاباته، خاصّة عن التوقف والتبين والتكفير بالإصرار على المعصية.
ثم ذهبت لقريتي وعرضت على الشيخ الأزهري كتابات الرجل، فصاح في وجهي قائلاً: إنّه فكر الخوارج التكفيري، فقلت له إنّ عبدالناصر سجنه لدعوته لتطبيق الشريعة، لكنّه صرخ في وجهي إنّه فكر الخوارج، ثم قابلت مؤسّس التكفير والهجرة، شكري، بالإسكندرية، واجتمعنا بمشايخ وأقرباء لي وعدد من أصدقائي، وعرض فكره وردّ عليه مشايخ ودعاة، واستمع إليه عدد من الشباب، منهم وجدي غنيم، فاقتنع بعض الشباب بفكره، ثم عاد الرجل لأسيوط، وكان قبل أن يمضي قد أخبرني بأنّ شيخه (وهو الشيخ علي عبده إسماعيل، شقيق عبد الفتاح إسماعيل الذي أُعدم مع سيد قطب)، يقيم الآن بالإسكندرية.
كان الشيخ علي عبده إسماعيل أول من ابتدع فكر التوقّف والتبيّن، لكنّه أعلن توبته منه، وكفّره تلميذه شكري مصطفى، ماذا قال لكم عبده عن تلك الفترة؟
توجهت وأنا في الإسكندرية لمقابلة الشيخ علي عبده إسماعيل بمسجد سلطان، وجلست معه وناقشته، وحكى وبيّن لي قصّة بداية جماعة التكفير، وبالفعل قال لي إنّ شكري كان تلميذه، لكنّه هو نفسه تاب ورجع لعقيدة أهل السنّة، وتنبأ لي بأنني الذي سأردّ على شكري وأفحمه، وأقضي على مجموعته.

اقرأ أيضاً: فريد بن بلقاسم: ادعاء "النهضة" القطيعة مع "الإخوان" دعاية سياسية انتخابية‎
ومن ثقته بي أرسلني لشخص ببنها أعطاني (كراسة) للردّ على شكري، وكتيّباً صغيراً "دعاة لا قضاة"، ولم يكن حينها قد طُبع بعد، فقرأتهما ودرستهما تماماً، لأبدأ فيما بعد سلسلة الردود على جماعة التكفير والهجرة.
الخروج من الهاوية

ما الذي تبينته لتحارب شكري مصطفى وتحاول هدم جماعته؟
بعدما سمعت قصة نشأة التكفير من الشيخ علي إسماعيل، وأيضاً من شكري مصطفى، وغيرهما من زعماء القطبيين، وجدت أنّ أفكارهم متشابهة تماماً، حرفياً ونصياً، مع فكر الخوارج، الذين كفّروا وقاتلوا الصحابة، رضي الله عنهم، وقتلوا الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وأعلنوا حرباً على الإسلام والمسلمين.

اقرأ أيضاً: علاء النادي: أثبتت التجارب أن الإخوان يسيرون عكس التطور التاريخي
وبعدما قرأت كتب الفرق الإسلامية، مثل: "الملل والنحل" للشهرستاني، و"الفرق بين الفِرق" للبغدادي، و"الإبانة عن أصول الديانة" لأبي الحسن الأشعري، وغيرها، وجدت آراءهم تتطابق تماماً مع فرقة من الخوارج اسمها (الأزارقة)، و(الأخنسية) و(الثعالبة)، والقطبيون يشبهون فرقة اسمها (النجدات) لا تَعْذُر بالجهل.
كيف بدأت سلسلة المحاورات الفكرية والردود؟ وكيف كانت؟
أخذت أطوف الجامعات المختلفة، وأعطي دروساً في الردّ على التكفير وشكري، وفي العام 1975 كان هناك معسكر صيفي لجامعة القاهرة في المدينة الجامعية، وكان المسؤول عنه عصام العريان، وحضره الأستاذ فهمي هويدي، وكان وقتها مشرفاً على الصفحة الدينية بـ"الأهرام"، فقلت له أنا وعصام العريان: "لقد نشرت ثلاث مقالات لأتباع شكري مصطفى، ولديّ ردود"، فقال لي: "اكتب مقالاً ردّ فيه على التكفير"، فكتبت مقالاً بعنوان "إنّهم يرددون فكر الخوارج"، ونشر في "الأهرام"، بتاريخ 15 آب (أغسطس) 1975.

اقرأ أيضاً: شوقي علام: الإخوان لم يقدموا طيلة تاريخهم سوى الخراب والدمار باسم الدين
وقد ناقشت أعضاء جماعة التكفير والهجرة بالحبّ والرفق، لا بالتحدي والمناظرة، فتاب أكثرهم، ومن ضمنهم عدد من قيادات جماعة شكري مثل: الدكتور صلاح الصاوي، والدكتور محمود حماية.
من التكفير إلى الإخوان؛ كيف تطوّر شكل الجماعات الإسلامية بالجامعات؟
تكوّنت جماعات إسلامية على مستوى الكليات والجامعات، وفي معسكر صيف 1976 بالإسكندرية، بأبي قير، الذي حضرته كلّ قيادات هذه الجماعات من الإسكندرية إلى محافظة أسوان، تم الاتفاق على توحيد الجماعات في جميع جامعات مصر، تحت اسم "الجماعة الإسلامية"، وتمّ اختيار خالد داوود ليكون أول أمير عام لها، على مستوى مصر، وخلفه بعد أن تخرَّج حلمي الجزار، ولم تكن الجماعة الإسلامية تابعة للإخوان؛ بل كانت مستقلة تماماً عنها في ذلك الوقت.
لماذا كان الفكر السلفي هو الغالب على فكر هذه الجماعات في ذلك التوقيت؟
بالفعل كان هو الغالب؛ لأنّه عندما ظهرت فتنة التكفير من شكري والقطبيين لم يجد الشباب ردوداً عليها، إلا في كتب السلف التي تحدثت عن الخوارج، عكس كتب الإخوان الفكرية والحركية، التي لم تغنهم في الردّ، ووجد الشباب أنّ الكتب التراثية هي الأمان والحماية وطوق النجاة من فكر التكفير، ومن هنا بزغ نجم السلفية بالإسكندرية.
مع الإخوان

إذاً؛ كيف بدأت فكرة انضمام الجماعات الإسلامية بالجامعة للإخوان؟
بدأت بعد أن تخرَّج عدد كبير في الجامعة، وبدأنا نبحث في عمل جماعة تربط هؤلاء الخريجين، وبدأ البعض يقترح علينا الانضمام للإخوان المسلمين، والعمل معهم، مثل: الأستاذ محمد حسين، وحامد الدفراوي، من الإسكندرية، وأخذنا في شدّ وجذب واختلاف، ووافق البعض، واشترطنا على الإخوان الأخذ بفكر السلف، ووعدنا بذلك الأستاذ مصطفى مشهور.

الشعب يرفض تماماً أن يعود الإخوان كما كانوا قبل 2011 جماعة سرية شاملة موازية للدولة

وفي عامَي 1978 و1979 بدأت بعض قيادات الجماعة في دخول الإخوان سرّاً، وكانت البداية من الإسكندرية: حامد الدفراوي، خالد داود، إبراهيم الزعفراني، عصام الحداد، وأنا كنت معهم. ومن القاهرة: عبد المنعم أبو الفتوح، محمد عبد اللطيف، عصام العريان، ومن المنيا: محيي الدين عيسى، أبو العلا ماضي، وآخرون غيرهم، ثمّ حدثت مشكلة بالإسكندرية؛ حيث وجد بعضنا أنّ الإخوان لم يلتزموا بمنهج السلف، مثل: الدكتور محمد إسماعيل، والدكتور أحمد فريد، وأبي إدريس، وبرهامي، وآخرين، فتركوا الإخوان وكوّنوا المدرسة السلفية.
ماذا كان موقف الجماعة الإسلامية في الصعيد من انضمامكم للإخوان؟
عندما علم أعضاء الجماعة بأسيوط والمنيا، مثل كرم زهدي، وأسامة حافظ، وناجح إبراهيم، وعصام دربالة، وغيرهم، بانضمام بعضنا للإخوان سرّاً، استشاطوا غضباً، ورفضوا الانضمام، وكوّنوا جماعة خاصة بجامعات الصعيد، تحت اسم "الجماعة الإسلامية"، واتجهوا للعنف، إلى أن وصلوا لاغتيال الرئيس السادات، وأحداث مدينة أسيوط.

اقرأ أيضاً: إبراهيم ربيع: الإخوان المسلمون كيان وظيفي يعمل بالوكالة
وبالتالي انقسمت الجماعات في الجامعات إلى ثلاثة أقسام: قسم يتبع الإخوان، وآخر يتبع الدعوة السلفية، وثالث يتبع الجماعة بالصعيد.

لماذا لم ينتهِ الفكر التكفيري بإعدام شكري مصطفى؛ بل انتشر عن طريق القطبيين؟
رغم انتشار فكر شكري، والضجيج الذي ثار حول جماعته، التي كانت هشّة جداً، وتعتمد على شخصية مؤسسها، وبإعدامه انتهى تنظيمه، لكن رموز الفكر القطبي الذين كانوا أكثر قرباً من سيد قطب كانوا أكثر نشراً لفكر التكفير وفكرهم، وأخبث وأخطر، وكانوا يأخذون بنظرية التقية الشيعية، فنشروا فكرهم داخل تنظيمات الجهاد المختلفة، مثل: صالح سرية 1974، ويحيى هاشم 1975، و"الناجون من النار" 1979، ومحمد عبد السلام فرج، الذي حلّل دم السادات والجنود بأسيوط عام 1981، وغيرهم.
الانفصال عن الإخوان

كيف كنت ترى جماعة الإخوان قبل تحفّظ 1981 وبعده؟ ولماذا ابتعدت عنهم العام 1985؟
عندما انضممنا للإخوان في نهاية السبعينيات؛ كنت أراها دعوة سلمية معتدلة متصالحة مع المجتمع وتحارب التكفير، وفصيلاً إسلامياً من فصائل الوطن المختلفة، لا تميّز نفسها عليهم، لكن في عامَي 1984 و1985 بدأت أرى مظاهر الفكر القطبي في الجماعة، وتقديس السمع والطاعة، فناقشت الأستاذ جمعة أمين في ذلك، عام 1985، فقال لي: "إنّك بذلك تتهم الجماعة بأنّها فاشستية وفيها فكر تكفيري، وتريد أن تهدمها"، وكان ذلك هو نهاية علاقتي بجماعة الإخوان، وابتعدت عنهم بهدوء، ثم انضممت لحزب العمل العام 1987.
عرفت أنّك أول من ابتدع شعار "الإسلام هو الحلّ" كيف كان؟ وكيف اتّخذه الإخوان شعاراً بعد ذلك؟
نعم، أنا أول من كتب كتاباً بعنوان "الإسلام هو الحلّ"، وساعتها كنت مقتنعاً بأنّ الإسلام هو الحلّ لجميع مشاكل البشرية، لكن حدث في انتخابات برلمان، العام 1987، تحالف بين حزب العمل وحزب الأحرار والإخوان، باسم "التحالف الإسلامي"، وبحثوا عن شعارٍ موحّدٍ لا يكون شعاراً لأحد منهم قبل ذلك، واختاروا عنوان كتابي، وفي بداية الأمر رفض أفراد الجماعة الشعار؛ لأنّه ليس تقليدياً، مثل: "القرآن دستورنا"، و"الرسول زعيمنا"، وغيرهما، لكنّهم تراجعوا بعد أن وجدوا استحساناً له عند الناس، ثم إنّ حزب الأحرار ترك الشعار، وتمّ تجميد حزب العمل، فانفردت جماعة الإخوان به، وعدّوه خاصاً.
حدّثني عن الجماعة الآن؛ كيف تراها؟ وهل هناك بالفعل أجنحة داخلها؟
أصبحت جماعة الإخوان الآن أقرب ما تكون إلى السياسة من الدعوة، فممارستها أصبحت سياسية بحتة، واختفى أيّ أثر لها في الدعوة، وهي تموج بتيارات وأجنحة مختلفة، فهناك الجناح التقليدي للجماعة الذي يقوده محمود عزت (نائب المرشد)، ويمثله علناً الدكتور محمود حسين (أمين الجماعة)، وإبراهيم منير، وهناك جناح محمد كمال، الذي تتبعه حسم، ولواء الثورة، وغيرها من تنظيمات العنف، وهناك مجموعة أخرى من القيادات نفضت يدها من سياسة الإخوان الحالية، مثل: الدكتور عمرو دراج، وغيره.

السادات منح الجماعات الإسلامية الحرية فاستغلوها في نشر الأفكار القطبية

وثمة أجنحة أخرى مشتاقة للعودة للقيادة، وتزعم أنّها إصلاحية، لكن في الحقيقة الفكر القطبي أصبح المسيطر على غالب التيار، وأنا متأكد من أنّ الإخوان منقسمون، وكلّ جناح يزايد على الآخر، إلى جانب أنّ الدول التي تؤويهم أصبحت تتحكم في قراراتهم لمصالحها السياسية، فضلاً عن عقول القيادة المتحجرة.
وأما من جانب الدولة؛ فالشعب يرفض تماماً أن تعود جماعة الإخوان كما كانت قبل كانون الثاني (يناير) 2011 جماعة سرية شاملة موازية للدولة، ولا بدّ من أن تعلن تبرّؤها من أفكار العنف والتطرف، وأنا أعتقد أنّه الجماعة ستظلّ تضعف وتنقسم وتتشرذم على مرّ الوقت، إلى أن تنتهي أو تظهر بأشكال أخرى؛ لأنّها ليست جماعة خالدة.

للمشاركة:

حازم صاغية: خداع حزب الله فجّر الغضب الشيعي في لبنان

2019-11-05

أجرى الحوار: سامر مختار


في 17 تشرين الأول (أكتوبر) انتفض الشعب اللبناني، ونزل الشارع احتجاجاً على الوضع الاقتصادي المتأزم، وضدّ فساد المسؤولين السياسيين في الحكومة اللبنانية، وسرعان ما تطور الوضع، بازدياد أعداد المتظاهرين في الساحات، وامتدادها لتشمل مناطق ومدن كثيرة في لبنان؛ من بيروت لطرابلس، للنبطية، وصيدا، وصور، وجسر جل الديب، ومناطق كثيرة، وهذه الانتفاضة أخذت شكلاً مغايراً عن الاحتجاجات الشعبية عام 2015 "طلعت ريحتكم"، بعد أزمة النفايات التي تراكمت في شوارع بيروت وسائر المناطق في لبنان.

صاغية: اليد الثقيلة لإيران في العراق أولاً، وفي لبنان ثانياً، تتعرض اليوم لتحدٍّ خطير ولامتحان خطير

هذه المرة لم يكتفِ المتظاهرون برفع شعارات تعبّر عن مطالبهم الاقتصادية فحسب، بل كانت هناك مطالب سياسية واجتماعية، وهتافات ضدّ الطبقة السياسية التي تتمتع بغنى فاحش، والمنتفعة من الوضع القائم.
تتالت خطابات المسؤولين اللبنانيين لتهدئة الوضع، وإلقاء الوعود بتحسن الوضع تارة، وإلقاء اللوم على بعضهم تارة أخرى، ولم تنجح هذه الخطابات سوى برفع سقف مطالب المحتجين في الشارع، التي وصلت إلى إسقاط الحكومة أولاً، ومن ثمّ رفع شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"؛ أي إسقاط النظام الطائفي في لبنان.
ولم تنجح تهديدات الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المبطَّنة، في خطابه الثاني، وذلك باتهاماته التي وجهها للمتظاهرين، بأنّ السفارات وجهات أجنبية وراء المظاهرات التي تحصل، ونزول مؤيدين له لمحاولة تخريب المظاهرات السلمية، بليِّ عزيمة المتظاهرين في الرجوع عن مطالبهم.
اللبنانيون يطمحون، من خلال انتفاضتهم، إلى تغيير الشكل السائد للبنان، منذ الحرب الأهلية وحتى الآن، والتي أرست نظاماً سياساً قائماً على اقتسام السلطة طائفياً.

اقرأ أيضاً: هل تحدث الثورة اللبنانية تغييراً في المجتمعات العربية؟
على هامش الانتفاضة اللبنانية، وحول أفقها وتداعياتها، التقت "حفريات" الكاتب والمعلق السياسي اللبناني حازم صاغية، الذي أكد أنّ السياسات المخادعة لحزب الله فجرت الغضب الشيعي في لبنان.
لبنان يجاهر بطائفيته لسببين

من الواضح أنّ حزب الله قد أعلن عن نفسه باعتباره هراوة السلطة وهو الذارع التي ستتولى المهام القمعية
كان أول شيء يلحظه الغريب الوافد إلى لبنان هو وضوح الانتماءات الطائفية، التي يبنى على أساسها مواقف سياسية واجتماعية في الحياة اليومية، سواء كان ذلك من خلال حوارات قصيرة مع سائق التاكسي، أو التغييرات الثقافية التي تلحظها أثناء تنقلها من مكان إلى آخر، اليوم؛ هل تغيّر المشهد بفعل الانتفاضة الشعبية العابرة للطوائف؟ وهل هناك شكل جديد أعلى من الانتماءات الفرعية في لبنان لصالح هوية وطنية قيد التشكل؟ وكيف ترى لبنان قبل وبعد 17 تشرين الأول (أكتوبر)؟

ارتبطت صورة لبنان، واسم لبنان، تاريخياً بالطائفية، وهذا من دون أن يعني أنّ لبنان مختلف نوعياً عن تراكيب باقي البلدان العربية، إلا أنّه يجاهر بطائفيَّته، لسببَين رئيسَين: الأول أنّه لم يخضع لنظام قومي عسكري أيديولوجي، يفرض أيدولوجية فوقية على المجتمع، والثاني: أنّ الدولة تبنت رسمياً الطائفية، وتوزيع الحصص والمواقع والامتيازات على أساس طائفي، لكن مؤخراً، مع الثورة التي نعيشها اليوم، بدأ يظهر "الإنسان الاقتصادي" (الذي يرى العالم من منظور موقعه الطبقي واحتياجاته المعيشية)، وبدأ يحصل نوع من الانزياح من "الإنسان الطائفي"، إذا صحّ الوصف، هذا الانزياح ترافق مع أزمة اقتصادية هائلة، أقنعت الذين كانوا لا يرون تناقضاً بين الطائفية والازدهار، وبين الطائفية والحياة الديمقراطية، أقنعتهم بأنّ التناقض يستفحل ويكبر، ولهذا نشهد هذه الحركة الانزياحية، التي إذا ما تسنّى لها أن تكبر، وفي حال عدم تعرضها للقمع؛ فإنّها، في رأيي، وفي أملي، مرشحة لأن تتعاظم وتنمو.
لكن، لماذا لم يشعر من هم في السلطة اللبنانية، من مسؤولين وسياسيين، بتفاقم هذا التناقض ما بين الطائفية والازدهار؟ فلبنان شهد محاولات لخلق حراك قبل الانتفاضة، من أسابيع قليلة، لكنّه لم ينجح، أي كانت هناك إشارات لانفجار ما، لماذا لم يتوقع من هم في السلطة هذا الانفجار؟
لم يتوقع الرسميون في لبنان هذا الانفجار؛ أولاً لأنّهم لا يريدون أن يتوقعوا، بمعنى أنّهم مستفيدون من الواقع القائم، وليس من مصلحتهم تعديله لصالح وضع جديد، تنهض من خلاله قوة جديدة غير طائفية تضعه في الظل، ثانياً: لأنهم أيضاً على صعيد الوعي والتفكير والاستشراف لا يملكون القدرة والقابلية على إدراك إلى أين يسير الوضع، وبالتالي على إدراك التناقض بين الطائفية واستمرار الحياة الاقتصادية والسياسية في البلد، الذي يدرك، على الأرجح، هو حسن نصر الله، وهو مستفيد كبير من التركيب الطائفي القائم، الذي لولاه لما كانت ظاهرة حزب الله، ولما كان بنموّه وقوته القائمة.
افتراق بين حزب الله وقاعدته

مؤخراً ما حصل هو افتراق كبير بين حزب الله وقاعدته
حسن نصر الله، في خطابه الأول، طلب من المتظاهرين ألّا يستخدموا الشتائم ضمن الهتافات التي كنت تعلو في المظاهرات، وكانت المفاجأة خروج مظاهرات في مناطق كانت ينظَر إليها سابقاً أنها مؤيدة له، لكنّها انقلبت عليه فعلياً، كما في النبطية ومناطق في الجنوب؛ كيف ترى هذه الجرأة التي رأيناها على انتقاد حسن نصر الله بشكل واضح هذه المرة؟

ما من شكّ في أنّ حزب الله  استطاع دائماً أن يظهر كما لو أنّه حليف للمسألة الاجتماعية والمتضررين منها في طائفته، وفي طوائف أخرى إلى حدٍّ ما، لكن في الوقت نفسه؛ أن يزاوج هذه المسألة، أو أن يلحقها بمسألته الأولى (وضعه السياسي) كأداة إقليمية، لكن مؤخراً ما حصل هو افتراق كبير بين قاعدته وبينه، لا سيما مع جفاف التمويل الإيراني، بسبب الحصار التي تتعرض له إيران منذ فترة، وهذا في المقابل أضاف شحنة إضافية إلى الغضب الشيعي الذي أحسّ بلونٍ من الخديعة في ما يخصّ سياسات حزب الله، وما درج من تبنيه الفعلي لقضايا المحرومين والفقراء في النبطية وصور وبعلبك، وسائر مناطق التي يقطنها الشيعة؛ لهذا أعتقد أنّ الصراع داخل الطائفة الشيعية الذي لم تظهر أدواته بعد، سيكون أكثر حدّة منه في أيّ من الطوائف الأخرى، فبالنسبة إلى السنّة الذي يغادرون موقع الحريري، أو المسيحيين الذين يغادرون الموقع العوني، المسألة ليست مرتبطة بالسلاح؛ إذ لا سلاح فيها، وبالتالي العبور والانقسام والانشقاق أهون وأسهل منه في حالة الشيعة.
كثير من التحليلات اليوم من متابعي ومتأملي الانتفاضة اللبنانية ترى أنّ صمود المتظاهرين وتحديهم لحسن نصر الله هو مغامرة، ويرون أنّ اقتلاع قبضة حزب الله، أو حتى التخفيف من هيمنته، شيء صعب، كما أنّ هناك نظرة تجاه حزب الله، بأنّه سيحاول ألّا يصطدم صداماً عنيفاً مع المتظاهرين ومطالبهم، هل تتفق مع هذه التحليلات؟ وهل ترى أفقاَ للتفاوض بين حزب الله والمتظاهرين أم إنّه سيستخدم العنف ضدّهم؟
ما من شكّ في أنّ طرح حزب الله كشريك في السلطة والتعامل معه بهذه الصفة هو مغامرة كبرى، وقد ظهرت بعض علامات نتائجها في ساحة رياض الصلح، وفي الجنوب، وفي أمكنة أخرى ربما، قد يكون من الصعب توقع أيّ شكل سيتبعه حزب الله، لكن المؤكّد حتى الآن، أنّ الحزب، لا سيما مع ما يظهر من تردّد الجيش، ومن وجود وجهات نظر قوية داخل الجيش ترفض التدخل القمعي، من الواضح أنّ الحزب قد أعلن نفسه باعتباره هراوة السلطة، وهو الذارع التي ستتولى المهام القمعية، حين يأتي الوقت الملائم لذلك، أما الأشكال فمن المبكر لأوانه التحدث عنها.
من تجرأ على الأسد يتجرأ في لبنان

العراق ولبنان يتشاركان في الخضوع للسطوة الإيرانية التي تتضامن أو تتكامل مع فسادٍ داخلي ومع تناقضات داخلية
المتظاهرون اللبنانيون اليوم في الساحات وفي الاعتصامات، يحيون كثيراً من الانتفاضات التي حصلت في الأعوام السابقة؛ هناك ردّ اعتبار لروح الثورة السورية، هناك أغانٍ على النغمات والهتافات نفسها التي كانت تخرج في بداية الثورة السورية؛ كيف ترى هذا الارتباط بين الموجة الأولى، والموجة الثاني للثوارت العربية؟

لقد رأينا فعلاً في الثورة اللبنانية، درجة التأثر، لا سيما في المجالات الفنية والغنائية بالإرث التي خلفته الثورة السورية، والتي عاش لبنان أجواءها عن كثب، حتى من قبل الذين عارضوا الثورة، هذه الأجواء لا بدَّ من أنّها أثّرت في الوضع اللبناني عموماً، وأنعشت حالة التجرؤ على النظام؛ إذ يغدو من السهل أن تتجرأ على النظام اللبناني بعد أن تجرأ السوريون على نظام الأسد، كذلك لا شكّ في أنّ المناخ الانتفاضي والثوري الذي عبّرت عنه مؤخراً بلدان، كالجزائر والسودان والعراق، الذي تواكب حركته الحركة اللبنانية، كلّ هذا فعل فعله، بلا شكّ، عبر التأثرات التي وصلت عن طريق التلفزيون والتواصل الاجتماعي وسواها، لبنان حتى الآن هو آخر مسارح الانتفاض الثوري في المنطقة.
نلاحظ اليوم؛ أنّ هناك خيطاً يربط بين الانتفاضة اللبنانية والانتفاضة العراقية، وهو الانتقاد الواضح لهيمنة إيران في المنطقة، هناك هتافات وشعارات خرجت من العراق ضدّ إيران وضدّ قاسم سليماني؟ كيف ترى هذا الانتقاد الواضح لإيران ووكلائها المحليين في المنطقة؟
ما من شكّ في أنّ العراق ولبنان يتشاركان في الخضوع للسطوة الإيرانية، من دون أن يكون هذا هو العنصر الوحيد؛ إذ إنّ هذه السطوة تتضامن أو تتكامل مع فسادٍ داخلي ومع تناقضات داخلية لا حصر لها، لكنّ اليدَ الثقيلة لإيران في العراق أولاً، وفي لبنان ثانياً، تتعرض اليوم لتحدٍّ خطير ولامتحان خطير، مفاد ذلك أنّ الانسحاب الغربي من المنطقة، خلق نوعاً من التجرؤ الإيراني عليها، وهذا استعرض نفسه على أوضح ما يكون في قمع الثورة السورية، لكن من الواضح أنّ تخريب وضع ما شيء، وبناء وضع، شيء آخر، فإيران نجحت، لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها هنا، في الإمعان في تخريب الوضعَين العراقي واللبناني، لكنّك حين تكون مسؤولاً، أو طرفاً في المسؤولية، عن إطعام الملايين، وعن حلّ مشاكل الناس؛ فهذا امتحان يتجاوز تخريب وضعٍ سابق، في هذا الامتحان تفشل إيران ووكلاؤها المحليون، وهذا هو سبب المواجهة التي نعيشها اليوم.

للمشاركة:

رزان إبراهيم: نعاني من نقاد لديهم رغبة مرضية في التعريض بالآخرين

2019-10-31

أجرت الحوار: رشا سلامة


قالت الناقدة الأردنية الدكتورة رزان إبراهيم إنّ هنالك نقّاداً يُسهمون في خلق فجوة بين نتاجهم والمتلقي، حين يستخدمون المصطلحات النقدية الثقيلة، على حد تعبيرها، دون أن تنفي وجود "نقّاد يفرضون هيبتهم من خلال مرتكزات معرفية تمنح كتاباتهم قوة وتأثيراً كبيرين".

ثمة نقاد تحت الطلب ارتبط منجزهم بعلاقات شخصية جعلتهم يروجون لأعمال فقيرة فكرياً وفنياً

وأضافت أستاذة الأدب العربي في جامعة البتراء، خلال حوارها مع "حفريات"، أنّ "الرواية تنمو وتزدهر حين تعم المأساة ويزيد البؤس، وتقوى لحظات التناقض التي يعيشها الإنسان، وهذا ما نعيشه الآن"، منتقدة الروائيين العرب ممَن "جرّتهم حمى الجوائز العالمية إلى محاولة إبهار الآخر الغربي حتى ولو على حساب القيمة والمبدأ".
وأكدت صاحبة كتاب "خطاب النهضة والتقدم في الرواية العربية المعاصرة" أنّ الأدب مؤهل لتناول الهموم السياسية الخطيرة، وأنّ كثيراً من الأشكال الفنية الشائعة الناجحة ترسخت علاقتنا بها من خلال انتمائها إلى حياتنا السياسية، مستدركة أنّه يبقى مطلوباً تجنب مغبة الوقوع في تصريحات مباشرة تضعف النص وتضر في بنيته.
وحول تحويل الرواية إلى عمل فني رأت أنّ من شأن هذا الأمر تيسير سبل رواج نصوص روائية يتكاسل الجيل الجديد عن قراءتها، أو لربما دفعت البعض للبحث عنها في صورتها الورقية.
وهنا نص الحوار:
تقبل النقد

لدينا أزمة نقدية أراها مع نقاد ينقصهم الكثير من الاطلاع والمتابعات المعرفية
ثمة من يرى أنّ طابع المجاملة يطغى على النقد العربي، هل تتفقين مع هذا الرأي؟ وهل يعدّ المزاج العربي نزقاً حيال النقد عموماً؟

لا يمكن بأي حال إطلاق حكم عام بغياب كلّي للنقد، أو بموت النقد كما يحلو للبعض أن يقول. وأعتقد أنّ في ذلك القول ظلماً كبيراً، لكن لا أنكر أنّ لدينا أزمة نقدية أراها مع نقاد ينقصهم الكثير من الاطلاع والمتابعات المعرفية. كذلك أراها مع نقاد يقيّدون أنفسهم بنقد مقولب كلّ همّه مراكمة المطلحات النقدية الثقيلة كيفما اتفق لدرجة أنّهم يخلقون فجوة كبيرة بينهم وبين القارئ.

هناك نقاد لديهم رغبة تكاد تكون مرضية في التسفيه وربما التعريض بآخرين لأسباب ودوافع شخصية

الموقف من النقد عموماً مرتبط بما بات شائعاً عن نقد يرفع من لا يستحق إلى أعلى، يقوم به نقاد تحت الطلب ارتبط نقدهم بعلاقات شخصية جعلتهم يروجون لأعمال فقيرة فكرياً وفنياً. وهناك صورة أخرى يمثلها نقاد لديهم رغبة تكاد تكون مرضية في التسفيه وربما التعريض بآخرين لأسباب ودوافع شخصية تحط من قدر المبدع وقد تصيبه بالإحباط، علماً أنك تجد غالبية الكتّاب من المبدعين الروائيين يضيق صدرهم بأي نقد يوجه لهم. 
في المقابل هناك من النقاد من يفرض هيبته من خلال مرتكزات معرفية تمنح كتابته قوة وتأثيراً كبيرين يظهران من خلال جهد واضح يبذله في القراءة، وكذلك من خلال تحصّنه بمؤهل أخلاقي يضمن له موقفاً نقدياً أميناً وحراً. هناك حديث عن أزمة نقدية يثيرها أحياناً كتّاب يحملون النقد مسؤولية عدم التطرق لهم دون أن يدركوا أنّ عدد الروايات أصبح كبيراً للغاية لدرجة أصبح من الصعب على الناقد الواحد متابعتها كلها.
يُلحظ طغيان جنس الرواية على الأجناس الأدبية الأخرى، برأيكِ، ما السبب وراء ذلك؟
كثيراً ما يقال إنّ الرواية تنمو وتزدهر حين تعم المأساة ويزيد البؤس، وتقوى لحظات التناقض التي يعيشها الإنسان، وهذا ما نعيشه الآن، لذلك أقول بإطلاق: نحن نعيش عصر الرواية؛ وظني أنّ كثيراً من التعقيدات والمشاكل التي نعيشها كانت الرواية هي الأداة الأقدر على مواجهتها. ولا أدل على ذلك مما نلاحظه من أن الرواية العربية توجهت إلى الإنسان وخاطبت حالات تمثل قطاعاً كبيراً من البشر بغرض استثارتهم ودعوتهم لإحداث تغيير ما.

اقرأ أيضاً: تجليات النقد والتنوير عند طه حسين
طبعاً لا يمكن الادعاء بأنّ الرواية قادرة على قلب الدنيا، ولكنها كانت الشاهد المباشر على تجارب عديدة، بل وكانت حريصة على ارتياد رحلات كشف مستمرة لا تنتهي، ورفعت الصوت عالياً لتظل سبيلاً فاعلاً من سبل المعرفة التي تجعلنا أكثر إدراكاً لقضايانا الراهنة. وأظنها أصبحت مرآتنا التي نرى فيها أنفسنا لأنها حكت بصدق وجرأة عن أكبر قضايانا.
يبقى أنّ الظاهرة الأدبية مرهونة تقدماً أو تأخراً بحركة الزمان، ولا ننسى أن اللغة الشعرية مسموح لها الدخول في الرواية في إطار ما بات معروفاً بتداخل الأجناس الأدبية، مشكلة الشعر الحقيقية أنّه بات فاقداً قيمته التبادلية والتواصلية مع الجمهور، وأنّ قيمة ذاتية تفرض نفسها عليه وقفت بالمرصاد لثقافة جماعية ننحاز إليها في مجتمعات اليوم.

اقرأ أيضاً: الصورة الثالثة لنجيب محفوظ التي غفل عنها ناقدوه
ولا يفوتني هنا ما بات متعارفاً عليه من جماليات حداثية غزت الشعر فأودت بالمعنى وأخفته وجعلت الرواية ديواناً للعرب بدلاً من الشعر، ليصبح بإمكاننا الحديث عن مزاج عام منحاز للرواية كان له أثره على دور نشر تدرك جيداً أنّ الزمن هو زمن الرواية بامتياز.

ترويج الإبداع

اللغة الشعرية مسموح لها الدخول في الرواية

الجوائز وحفلات التوقيع باتت تهيمن على أجواء الإنتاج الأدبي عموماً، كيف ترين تأثير ذلك على النتاج الأدبي؟
تعجبني فكرة الجائزة في حد ذاتها لأنها ترد الاعتبار للأدب وتساهم في تعريف القراء بشباب أو كتاب ما زالوا مغمورين وفي البدايات، لتكون الجائزة سبيلاً من سبل توجيه القراء نحو منجز بعينه. سؤال إن كان الأمر يضرّ بسوية النتاج الأدبي يبقى محكوماً بطبيعة لجان التحكيم المرتبطة أحياناً بمن أحب الأدب وأخلص له، وكان محصّناً بموقف نقدي حر ينأى بنفسه عن محددات تؤطر أحكامه، والمرتبطة في أحيان أخرى بطارئين على الأدب.. وبطبيعة الحال يبقى رجائي قائماً بأن لا تفقد أية جائزة مصداقيتها؛ لأنّها كما قلت الدليل إلى بعض القراء.

عدد الروايات أصبح كبيراً للغاية لدرجة أصبح من الصعب على الناقد الواحد متابعتها كلها

أؤكد في هذا السياق على أهمية الابتعاد عن التعميم؛ إذ لا تخلو الساحة الروائية من روائيين استحقوا الجوائز وآخرين جرتهم حمى الجوائز العالمية إلى محاولة إبهار الآخر الغربي حتى ولو على حساب القيمة والمبدأ جرياً وراء الخروج من دائرة المحلية عن طريق جائزة عالمية كبرى، ومنهم من كان يسارع إلى تجهيز روايته حتى تكون جاهزة لموسم الجائزة المقبل، فيأتي منجزه على غير المنتظر منه.
فيما يتعلق بحفلات التوقيع الجماهيرية المهيمنة على أجواء الإنتاج الأدبي، فإنّي صرت أرى مبالغة في هذا الجانب أفضت إلى تحويل الرواية إلى سلعة يتم الترويج لها عن طريق خلق نجومية مصطنعة في بعض الأحيان، لدرجة صرنا نرى فيها النصوص الروائية الفجة قد اكتسبت شعبية واهية بتأثير مما يطلق عليه ثقافة التسليع والتي لعبت دوراً في انحدار الأذواق، وهو ما يكون له تبعاته السلبية من حيث استدراج القراء تجاه عمل ضعيف دون غيره يفوقه بكثير.

اقرأ أيضاً: رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد
لكن الحياة علمتنا أن البقاء للأفضل وأن كتّاباً مثل ديستويفسكي وفلوبير وتولستوي ونجيب محفوظ بقوا معنا لا بفضل حفلات توقيع تمنح حضوراً هشاً لا قيمة حقيقية لها، وإنما بفضل قيمة ما نشروا الفنية والإنسانية المتجددة عبر الزمان.
طبعا أنا لست ضد الترويج للكتاب، ولكن فليكن في إطار فرز حقيقي لما يستحق ولا يستحق، ولنذكر دائماً أنّ النقد على رأي ميخائيل نعيمة غربلة وليس احتفالية.
 
سبق أن كتبتِ عن سويّة المنشورات التي تتابعين عبر منصة "فيسبوك"؛ لم تكوني راضية عن الأخطاء اللغوية فيها، هلاّ قيّمتِ لنا هذه الحالة؟
نعم، صحيح أن للفيسبوك ميزة إيصال الكلمة بكل أنواعها، لكن يبقى السؤال ملحّاً حول نوعية هذه الكلمة، خصوصاً أنّ الفيسبوك يدفع في تعزيز حالة أسميها وهم الإبداع تتعاظم مع مدونين تنهمر عليهم علامات إعجاب بريئة تأتي من أصدقاء لا دربة لهم أو معرفة في أصول الكتابة، وفي أحيان أخرى تحركها مجاملات غير مسؤولة من شأنها المساهمة في انحدار الذائقة الفنية.

اقرأ أيضاً: رواية "الإصبع السادسة".. الهروب إلى التاريخ لفهم الحاضر
هذا لا يلغي جرعات أدبية خفيفة تتماشى وإيقاع التواصل السريع مع الفيسبوك، لكن الجيد منها قليل؛ وكما ورد في السؤال فإنّ كثيراً ممن يكتبون على الفيسبوك لا أستثني منهم أساتذة يعملون في الجامعات يتعدون على الكثير من الأعراف اللغوية، وتتكرر فيما ينشرون أخطاء لغوية تؤذي كل غيور على اللغة العربية.

الأدب والسياسة

الظاهرة الأدبية مرهونة تقدماً أو تأخراً بحركة الزمان
يتكئ كثير من الكُتّاب على الأحداث السياسية في أفكار رواياتهم، هل يمكن القول إنّ التاريخ والأحداث السياسية عموماً أصبحت منجى لمن يعانون الإفلاس الإبداعي؟

على العكس من ذلك تماماً، فإني أرى أنّ الأدب مؤهل لتناول الهموم السياسية الخطيرة؛ إذ ما عاد بالإمكان التركيز على ما هو جمالي بعيداً عن الواقع السياسي الذي نعيشه، بل إنّ كثيراً من الأشكال الفنية الشائعة الناجحة ترسخت علاقتنا بها من خلال انتمائها إلى حياتنا السياسية، فالرواية من طبعها أنها تساهم في خلق علاقة متبادلة بينها وبين احتياجات المجتمع الذي تتخلق فيه.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة
لكن يبقى مطلوباً تجنب مغبة الوقوع في تصريحات مباشرة تضعف النص وتضر في بنيته الفنية حين تخترقه على نحو فج تترهل معه الرواية وتفقد حيويتها وألقها، الأحداث السياسية ليست منجى لمن يعانون الإفلاس الإبداعي، وأغلب الظن عندي أنّها تلهم الروائي الذي لا يستطيع أن يتغاضى عن مجمل التغيرات الخطيرة التي أصابت المشهد الإقليمي مؤخراً، بل إنّ الرواية صارت تربط بين الواقعة السياسية وجملة العوامل الاجتماعية التي تفضي إليها.

إلى أي مدى قد يضرّ إفصاح المبدع عموماً عن موقفه السياسي؟
المبدع بالضرورة له قناعاته التي يمررها بحيل فنية مختلفة، أما قصة الحياد فأكذوبة كبرى؛ هنا أعتقد أن الروائي المحنك سيفتح الباب على مصراعيه لحوارات فكرية متنوعة يتظاهر فيها بالموضوعية والحياد، لكن القارئ الحصيف لن يفوته أن يعرف اصطفافاته، ولا أظنه سيكون راضياً عن رواية تتعارض وقناعاته ورؤاه الخاصة.

من يسارع لتجهيز روايته لموسم الجائزة المقبل يأتي منجزه على غير المنتظر منه

وحتى أكون أكثر صراحة فإنّي أنا شخصياً أنحاز في العموم لكل ما يخص الإنسان؛ مشاعره وهواجسه وأشواقه، وتشدني الرواية التي تخاطب الإنسان في ضعفه وعجزه الجسدي والنفسي، وأنا من أولئك الذين يشجعون على روافد تدفع باتجاه التفكير بالرواية أداة للثقافة الأخلاقية تتجاوز مجرد رؤيتها مظهراً من مظاهر الخيال؛ إذ بإمكان الروائي التحرك في إطار حاجة إنسانية ملحة للتعايش مع الآخر ومقاومة كل أشكال الاستبداد والسيطرة والظلم في خضم إعلاء متناهٍ لكل ما هو أخلاقي وإنساني من شأنه حفظ حقوق الجماعات الإثنية والدينية المختلفة، لأني أفترض في الرواية صوتاً مناهضاً للبؤس ينتصر لمبادئ الحق والعدل بعيداً عن صور نمطية تضع البشر في قوالب تفرق أكثر مما تجمع وتساهم في إطلاق وعي القارئ وفي تشكيل ضميره البشري.
هل تعتقدين أنّ العالم الأكاديمي وأُطره تسحب المثقف نحو خانة البرج العاجي وتفرض قيوداً عليه؟
ما من شك أن قسطاً وافراً من الأكاديميين مغيبون عن واقع الحال مكتفون بمحاضرات لا تساهم كثيراً في إحداث تغيير حقيقي في عالمنا؛ قناعتي الخاصة أنّ المثقف مطلوب منه أن يحفر في الحياة التي يعيشها، بل وأفترض في خيارات الأكاديميين ما يقوله هشام شرابي من ضرورة العمل لتغيير الحاضر والاستمرار في النقد.

اقرأ أيضاً: شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز
ومن منطلق موقعي أستاذة جامعية تعمل منذ سنوات في الحقل الأكاديمي، فإني منشغلة بدور إيجابي يمكن للأستاذ الجامعي أن يقوم به، من مثل امتلاك ما يكفي من وعي للقضاء على الحواجز الصارمة بين التخصصات الأكاديمية، وكذلك أسعى قدر المستطاع إلى ربط طلبتي بالعالم من حولهم وبتعزيز مفهوم الانتماء بكل ما يحمله من دلالات سياسية واجتماعية خطيرة، ليكون العالم الأكاديمي وسيلة من وسائل تسخير الذات لصالح الأمة والجماعة، والانخراط في قضايا مصيرية هامة تتجاوز ركودا ثقافيا يحول دون تطوير وعي جديد.

تجربة تجسيد الدراما

 أعتقد أن تحويل الرواية إلى عمل فني من شأنه الارتقاء بما يعرض على الشاشة
كيف تقيّمين التجربة العربية بتحويل الروايات إلى أعمال فنية درامية؟

نحن هنا نتحدث عن عالمين يتقاطعان على نحو جدلي كبير؛ صحيح أنّ نقصاً في كتابة النصوص الدرامية المتخصصة يشكّل عاملاً مهماً يحرك باتجاه تحويل الروايات إلى أعمال فنية، إلا أنّ الروايات وإن تفاوتت بينها فإنّها تحمل صوراً بصرية عالية، كما روايات نجيب محفوظ في مرحلته الواقعية التي نجحت في وصف المجتمع المصري وتم تحويل الكثير منها للأعمال السينمائية بنجاح.

ثمة مدونون تنهمر عليهم علامات إعجاب بريئة من أصدقاء لا دربة لهم أو معرفة في أصول الكتابة

لا ننسى تقاطعاً في التقنيات بين الرواية والأعمال الفنية كما في الفلاش باك وتقاطع اللقطات، وكذلك وتيرة الإسراع والإبطاء وغيرها من تقنيات قادرة على إحياء الرواية بصريا وتشكيليا ونفسيا ولربما تقريب معنى الرواية للمتلقي.
عموماً أعتقد أن تحويل الرواية إلى عمل فني من شأنه الارتقاء بما يعرض على الشاشة (تلفزيون، سينما) ولربما يساهم في توفير أفلام ومسلسلات تجمع بين القيمة الدرامية والثقافية الراقية، وهو ما يبدو لي منسجماً مع حضارة الصورة التي نعيشها ومع هيمنة المرئي؛ عدا أنّ من شأن هذا الأمر تيسير سبل رواج نصوص روائية يتكاسل الجيل الجديد عن قراءتها، أو لربما دفعت البعض للبحث عنها في صورتها الورقية.
صحيح أنّ العمل الفني سيواجه مشكلة نقل الأفكار الفلسفية الذهنية كما يجب، وهو ما يدفع بعض المتلقين إلى الانحياز لرواية تتجاوز ما يمكن أن يقدمه لهم فيلم سينمائي يخيب ظنهم في هذا المجال.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
عموماً الموضوع يحتاج حرفية خاصة تجذب الجمهور لمتابعتها، وأعتقد أنّ السينما العربية عبر تاريخها تمكنت في حالات عديدة من الجمع بين القيمتين؛ المعرفية والجمالية (اللص والكلاب، ثلاثية محفوظ، قنديل أم هاشم وغيرها). وكذلك رأيت في بعض المسلسلات التلفزيونية ما حقق تفاعلاً نشطاً واستقبالاً إيجابياً (نهاية رجل شجاع لحنا مينة، واحة الغروب لبهاء طاهر، عندما تشيخ الذئاب لجمال ناجي وغيرها)، طبعاً هذا لا يلغي فشل بعضها الآخر كما "ذاكرة الجسد".
عموماً تبقى ميزة الرواية أنّها تفسح المجال واسعاً للروائي كي يطلق خياله على الورق، في حين تأتي حسابات التكاليف في الصناعة السينمائية قيداً يضحي بجوانب من شأنها الارتقاء بالعمل الفني. علماً أنّ بعض الروائيين يشترطون على الجهة المنفذة عدم التصرف بنصه إلا بعلمه، وآخرين يفاجأون بنصوصهم وقد مسخت وأصبحت أقل بكثير مما هي عليه في النسخة الورقية.
في كل الأحوال فإنّ نجاح العمل الفني يبقى مشروطاً بنص متميز يقع بين يدي مخرج متميز مع إمكانيات إنتاجية مريحة.

للمشاركة:



الإمارات تعيد تأهيل المدارس في مناطق الساحل الغربي باليمن

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

أعادت دولة الإمارات العربية، عبر ذراعها الإنساني "الهلال الأحمر الإماراتي"، ترميم وتأهيل وتأثيث 36 مدرسة، موزعة على امتداد مديريات الساحل الغربي المحررة.

وافتتحت الإمارات، أمس، وفق ما أوردت وكالة "وام"، مدرسة جديدة في مديرية الخوخة تخدم 800 طالب، فيما تشهد الأسابيع المقبلة افتتاح ثمان مدارس أخرى.

الإمارات تعلن إعادة ترميم وتأهيل وتأثيث 36 مدرسة موزعة على امتداد مديريات الساحل الغربي المحررة

وافتتحت هيئة الهلال الأحمر، أمس، مدرسة الفتح، في منطقة قطابة التابعة لمديرية الخوخة بمحافظة الحديدة، بحضور ممثلي السلطة المحلية، وسط فرحة عارمة من أهالي المنطقة .

وأوضح ممثل هيئة الهلال الأحمر الإماراتي في الساحل الغربي؛ أنّ الهيئة تعمل وفق خطة إستراتيجية، وبوتيرة عالية، لضمان استئناف العملية التعليمية على طول امتداد مديريات الساحل الغربي المحررة، معتبراً أنّ مدرسة الفتح تقع في منطقة قطابة، ذات الكثافة السكانية، ليتمكن 800 طالب وطالبة من العودة إلى صفوفهم الدراسية .

من جهته، نقل مدير مكتب التربية والتعليم في مديرية الخوخة، إبراهيم أجعش، شكر وتقدير منتسبي القطاع التعليمي وأهالي المديرية كافة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة.

مدير مكتب التربية والتعليم في الخوخة ينقل شكر وتقدير منتسبي القطاع التعليمي إلى دولة الإمارات

وأكّد أجعش، في تصريح صحفي، أنّ الإمارات تمكّنت عبر ذراعها الإنسانية، هيئة الهلال الأحمر، من سدّ الفراغ الحاصل وانتشال قطاع التعليم المدمر في مديرية الخوخة ومختلف مديريات الساحل الغربي.

وفي السياق نفسه؛ أكّد مدير مدرسة الفتح، محمد العود؛ أنّ المدرسة كانت قد خرجت عن الجاهزية، وتوقف التدريس فيها تماماً، قبل أن تتدخل هيئة الهلال الأحمر الإماراتي لإعادة ترميمها وتأهيلها وتأثيثها.

ولفت العود إلى أنّ هذه هي المدرسة الثالثة التي أعادت الإمارات ترميمها وتأهيلها في منطقة قطابة.

 

للمشاركة:

أحزاب تونسية ترفض سلفاً مخططات الإخوان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

أعلنت أحزاب: "الدستوري الحرّ"، و"التيار الديمقراطي"، و"حركة الشعب"، رفضها القاطع لأيّة تحالفات مع "النهضة" تفضي إلى جلوس إخواني على رأس الحكومة التونسية من جديد.

وكان كلّ من قلب تونس وحزب الدستوري الحرّ، وعيش تونسي، وحركة الشعب والتيار الوطني الديمقراطي، قد أعلنوا رفضهم للتحالف مع حركة النهضة، لتشكيل الحكومة، بعد تصدّر الأخيرة، مما يطرح العديد من نقاط الاستفهام حول كيف ستتمكن حركة الإخوانية من تشكيل حكومتها بعد العزلة السياسية التي فرضتها عليها الأحزاب التقدمية المذكورة، وفق ما أوردت "العين" الإخبارية.

أعلنت أحزاب "الدستوري الحر" و"التيار الديمقراطي" و"حركة الشعب" رفضها القاطع لأيّة تحالفات مع "النهضة"

وتبدو الحركة، التي تقلّص تمثيلها البرلماني من 89 مقعداً في انتخابات عام 2011، إلى 69 مقعداً عام 2014، و52 مقعداً من أصل 217 في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، تبدو الآن في أمسّ الحاجة إلى رافعة سياسية داخلية بعد انحسار النفوذ الإخواني الداعم لها في المنطقة وانكشاف ممارساتها في الداخل التونسي، وسقوط شرعيتها وانصراف الناس عنها.

هذا ولم تحدّ الانتخابات الأخيرة من تغوّل حزب النهضة الإخواني فحسب، وإنّما حدّت أيضاً من حجم حلفائه في الشارع السياسي، فقد تقلّص عدد ممثّلي كتلة "نداء تونس" في البرلمان من 44 (عام 2014) إلى 14 مقعداً فقط في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

وتتّجه حركة النهضة الإخوانية إلى اقتراح اسم من خارج الحركة، ليكون رئيساً للحكومة الجديدة في تونس، بعد أن أعنلت ترشيح زعيمها، الغنوشي، لرئاسة مجلس النواب التونسي.

 

 

 

للمشاركة:

القوات الحكومية تصدّ هجوماً للحوثيين في مأرب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

تمكّنت القوات الحكومية من صدّ هجوم عنيف لميليشيا الحوثي الإرهابية على مواقع للجيش، في منطقة "المخدرة" بمديرية "صرواح"، غرب محافظة مأرب.

مصدر حكومي يؤكّد مقتل أكثر من 5 مسلحين حوثيين خلال الهجوم وإصابة آخرين

وقال مصدر عسكري، وفق ما نقل موقع "المشهد" اليمني: إنّ الحوثيين شنّوا عدة هجمات على مواقع الجيش في جبهة المخدرة، غرب مأرب.

وأضاف المصدر: "تصدّت قوات الجيش للهجوم، لكن ما تزال الاشتباكات مستمرة في عدد من المواقع التي تسعى الميليشيا للسيطرة عليها".

وأكّد المصدر مقتل أكثر من 5 مسلحين حوثيين خلال الهجوم، وإصابة آخرين، فيما لم يعطي تفاصيل عن الضحايا في صفوف القوات الحكومية.

ويشنّ الحوثيون، بين الحين والآخر، هجمات متكررة على مواقع الجيش في جبهة صرواح في محاولة للسيطرة على تلك المواقع.

الأمم المتحدة: 55 % من سكان اليمن لا يستطيعون الوصول إلى المياه النظيفة والصرف الصحي

وفي سياق مرتبط بجرائم الحوثيين الإنسانية؛ كشفت منظمة الهجرة الدولية، التابعة للأمم المتحدة، اليوم؛ أنّ نحو 55% من سكان اليمن، لا يستطيعون الوصول إلى المياه النظيفة والصرف الصحي الأساسية.

وأشارت المنظمة في تغريدات على حسابها في تويتر؛ إلى أنّها تقوم حالياً بإعادة تأهيل مستمرة لـ 7 نقاط مياه، في 3 مستشفيات و4 منشآت صحية، في محافظة شبوة جنوب شرق اليمن.

وأضافت المنظمة: "من المتوقع أن يحصل حوالي 20 ألف مريض شهرياً على المياه بشكل أفضل، بعد الانتهاء من عمليات إعادة التأهيل".

 

للمشاركة:



موجز تاريخي لصناعة الهوية الوطنية في العراق

2019-11-11

الحقيقة التي يجب التأكيد عليها، عند النظر إلى أيّ مجتمع، سواء كان حديثاً وكامل التكوين والتبنين (صارت تحكمه علاقات بنيوية: طبقات مكتملة)، أو يتأرجح بين التقليدي والحداثي؛ هي أنّ النظام الاجتماعي عمل يُصنع ويُعاد صنعه باستمرار؛ أي إنّه، مثل كلّ عملية إنتاج، مسألة تكرارية، تأسيساً وتطويراً ونقضاً، وليس امتيازاً ميتافيزيقياً لأيّ شعب، ولا يعلو هذا النظام على شرطَي الزمن والتاريخ؛ فتأسيسه المتكرر حدث زمني بامتياز، ولا يحمل أيّة ضمانات غيبية لاستمراره كما هو.

اقرأ أيضاً: الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق
إنّ بناء الأمة، مثل كلّ فعل بشري: محض إنتاج يخضع للآليات العاملة للإنتاج في أيّ مجتمع، ولمحدّداته المادية، ولا يتمّ بمجرد وعي القادة الفذّ، وإذا كانت السلطة هي من يضع الأطر العامة لبناء الأمة، فإنّ عملية البناء يسهم فيها المجتمع ككل: من أعلى بواسطة السلطة السياسية والإنتلجنسيا التي تدعمها وتمدّها بالكوادر والخبرات والرؤى والخطاب، ومن أسفل بواسطة المجتمع المدني الذي يخضع لمحددات اجتماعية واقتصادية متشابكة، وبواسطة الناس العاديين الذين يتفاعلون مع الأفكار والسياسات إيجاباً وسلباً.

كانت خطيئة النظام الملكي أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه لذا فقد جوبه بمقاومة قادة الأحزاب الأيديولوجية

إنّ المعضلة الأكثر صعوبة التي تعيشها المجتمعات العربية؛ هي نقص الاندماج الاجتماعي، الذي تتمّ ترجمته في مستويات مختلفة: رفع الإجحاف التاريخي بحقّ طائفةٍ ما، الاعتراف بالحقوق الثقافية لعرق معيّن، الحصول على حصة متناسبة من السلطة، وأخيراً التمايز عن بقية مكونات المجتمع، هذه الأشكال جميعها هي ما نسميها: التفكّك الاجتماعي، والذي يشهد العراق أكثر أشكاله حدةً وجدية عن باقي المجتمعات العربية.
وفي هذا السياق؛ هناك ضرورة لتقليص التركيز على حادثة الغزو الأمريكي للعراق (2003)، التي تهيمن على جزء معتبر من الأدبيات التي تتناول تفكّك الدولة والمجتمع في العراق؛ فهي، وإن كانت تضع يدها على أسباب جدية للمأزق العراقي (فاقم الغزو التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى)، إلا أنّها تغفل العوامل الأكثر عمقاً على المستوى التاريخي في صياغة هذا الفشل.

فاقم الغزو الأمريكي للعراق التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى
كذلك سيكون الانسياق مع الأطروحات التي ترى في الغزو فعلاً هامشياً "فتح صندوق باندورا" (بتعبير الباحث شيركو كرمانج) على مشكلات العراق المتوطنة، انسياقاً مُضلّلاً؛ فقد كان (الغزو) عاملاً ضمن عوامل أكثر فاعلية في عملية التفكّك الوطني العراقي (فحلّ الجيش واستئصال البعث كان يعني عملياً طرد السنّة من العمليات السياسية التي أعقبت الاحتلال؛ بحكم سنّية الجيش والبعث، وهو ما ضاعف حدّة الانقسام بعد الغزو وصولاً إلى الحرب الأهلية 2006/2007).

اقرأ أيضاً: آخر علاج العراق كي إيران
وفي المقابل؛ يرى باحثون آخرون (أبرزهم ميثم الجنابي وفالح عبد الجبار)؛ أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق، على اعتبار أنّه كان بلداً علمانياً يعرّف مواطنوه عن أنفسهم؛ بأنّهم عراقيون، وليس بهوياتهم العرقية والدينية.
وهذا يتناقض مع الواقع التاريخي للعراق الذي، باستثناء الشيعة في الخمسينيات والستينيات (وفي إطار الحزب الشيوعي)، لم يعرّف مواطنوه أنفسهم بأنّهم عراقيون، وبالتالي سيكون إلقاء اللوم على صدام وحده بمثابة إعفاء مسيرة التكون التاريخي للأمة من أيّ عيوب أو نواقص، لذا يتطلب فهم الوضع الحالي للدولة والأمة في العراق العودة إلى تلك الجذور وتطورها وتحولاتها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تغيير النظام في العراق؟
وفي سبيل الوصول لذلك؛ سيكون الحذر واجباً من السير خلف الأطروحات التي تميل إلى تضخيم دور الدولة في بناء الهوية الوطنية، مع وجوب الموازنة بين دورها ودور المجتمع المدني وإرادة الناس.

سردية اسمها العراق
ما تزال صورة العراق في بدء تأسيس الدولة، حين فرضت الإدارة الاستعمارية عليه النظام الملكي، عام 1921، بقيادة الملك فيصل بن الحسين، تتشابه، رغم التغييرات الكبرى التي عصفت بهذا البلد، مع صورته الحالية، فقد كانت الدولة الجديدة على درجة من الهشاشة؛ حيث لم يكن بإمكانها فرض سلطتها دونما عون من سلطة الاحتلال، وما تزال مقولة الملك فيصل بإمكانها أن تفسّر كثيراً من حالة العراق:
"إنّ البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية (القومية) والدينية؛ فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى".

اقرأ أيضاً: ثورة العراقيين واللبنانيين على الأحزاب
اتصفت عملية التوحيد وبناء الأمة في العراق، في عشرينيات القرن الماضي، باتّباع سياسات تكامل طوعية وأخرى قسرية؛ فمن خلال المؤسسات الوطنية: الجيش، المدارس، البيروقراطية، المدارس، تمّ دمج شتى الأطراف العرقية والطائفية في مجتمع أكبر بواسطة الحكومة المركزية.
وكما يقول حنا بطاطو، في ثلاثية "العراق" ج 1؛ فقد ساعد تطوّر وسائل النقل والمواصلات في تقليص حالة العزلة التاريخية بين المجموعات الحضرية والريفية؛ فخرجت المدن، التي كانت منغلقة على نفسها ومكتفية ذاتياً، من عزلتها السابقة، كي تعمل وتتفاعل مع فضاء وطني ناشئ، وكذلك الأمر مع الريف، فيما جذبت السلطة القبائل نحو الاستقرار، للمرة الأولى في تاريخها، عبر توزيع الأرض على زعمائها الذين تحوّلوا من شيوخ قبائل إلى مالكين للأراضي، لتميل الوحدة الأبوية المتراصة للقبيلة إلى الانهيار التدريجي.

يرى باحثون أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق
ولعبت الدولة، من خلال سياساتها الاقتصادية، دوراً مهمّاً في التوحيد، فبوصفها مالكة للأرض؛ شرعت في توزيع الأراضي على شيوخ القبائل والقيادة العليا للجيش والبيروقراطية، كي تخلق قاعدة اجتماعية للدولة الوليدة، (الأمر نفسه أنجزه محمد علي في مصر في القرن التاسع عشر)، وبحسب فالح عبد الجبار، في "العمامة والأفندي"؛ فإنّ "رسملة" الإنتاج الاقتصادي (اقتصاد موجّه نحو السوق، وليس للاستهلاك العائلي)، ساهمت في تفكيك اقتصادات الكفاف المنعزلة، وفي إعادة ربط المناطق النائية والمنعزلة بالمركز: العاصمة.

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
أما الإجراءات القسرية؛ فقد تمثّلت في لجوء الدولة الوليدة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين إلى شنّ حملات عسكرية واسعة وحاسمة ضدّ المتمردين الأكراد والآشوريين والإيزيديين والقبائل الشيعية في الجنوب، إلّا أنّ الدولة سرعان ما تحسّست كلفة هذا الإدماج القسري، لتبدأ رحلة التكامل الاقتصادي والتنموي المعزز بسياسات توحيدية قوامها توزيع السلطة الإدارية على الضباط والتجار والسادة والشيوخ مع مراعاة التوازن الإثني والطائفي، التي من خلالها استطاع النظام الملكي إعادة اللحمة بين الأجزاء النائية والمفككة وبين الدولة المركزية، ليحلّ بذلك المهمة الأساسية للدولة الوطنية: التحوّل من التشظّي الاجتماعي إلى المركزية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
لم يمضِ وقت طويل على عملية التكامل الوطني حتى برزت مجموعة من التناقضات في صلبها؛ إذ أدّت إلى خلق طبقات جديدة: أرستقراطية مالكي الأرض، كبار التجار، الطبقة الوسطى، نواة طبقة عمالية، فلاحين يعملون بالأجر، وفلاحين إلى شبه أقنان في أملاك السادة الجدد، وعمال هامشيين في المدن؛ لتصبح بمرور الوقت الثغرة الأكبر في جدار التوحيد الوطني هي استبعاد الطبقة الوسطى من العملية السياسية، واستبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية.

كانت خطيئة النظام الملكي؛ أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه؛ لذا فقد جوبه بمقاومة عاصفة: حضرية/ ريفية، قادتها الأحزاب الأيديولوجية التي أسستها الطبقة الوسطى لتحقق مطالبها السياسية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي العملاق. ونظراً لفقدان الحسّ السياسي لدى قادة الدولة؛ فقد استمروا في الاعتماد على بريطانيا، كداعم أكبر في مواجهة دول الجوار وتمرّدات المجتمع، في وقت كانت فيه نزعات التحرر الوطني تعبّئ المنطقة وتمهّد لقلبها رأساً على عقب.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
غير أنّ الأحزاب التي كانت بمثابة رأس الحربة في المعارضة، لم تستطع أن تترجم هيمنتها الأيديولوجية إلى سيطرة سياسية لأسباب تاريخية وسياسية معقّدة، بعضها محلّي وأكثرها عالمي، تاركة حسم مسألة السلطة لمجموعة نخبوية من الضباط المسيَّسين.
البندقية تُوحّد ولا تبني
استولى الضباط الراديكاليون على السلطة، في تموز (يوليو) 1958، ليقلبوا العلاقة بين الدولة والتشكيلات الاجتماعية رأساً على عقب؛ حيث أشرف الضباط على تدمير الطبقة الحاكمة القديمة وطبقة كبار الملاك، إلا أنّهم، في الوقت نفسه، ألغوا المؤسسات التشريعية، فاتحين الباب لمسيرة من الحكم العسكري؛ لتصبح السلطة التنفيذية صاحبة اليد الطولى في الحكم دون شريك تشريعي أو قضائي؛ ليتحول مصدر الشرعية السياسية التفويض الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع إلى وجاهة الأيديولوجيات الشعبوية وسحرها الخاص، ومع غياب أيّ شكل من أشكال المؤسسية السياسية أصبح العنف المُركز الأداة الحاسمة للحكم، وهو ما سيكون له أبلغ وأسوأ الأثر معاً في المراحل اللاحقة من عملية بناء الأمة.

استبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية
مثل كلّ أنظمة المرحلة، مرحلة التحرر الوطني في العالم الثالث، تمكّن الزعيم عبد الكريم قاسم من تحسين وضع الطبقة الوسطى وتلبية مصالحها الاجتماعية والاقتصادية، إلا أنّه، وفق حنا بطاطو، أفرز خللاً في عمليات التكامل الوطني (بناء العراق كمجتمع سياسي)، ويفسّر بطاطو هذا الخلل في أنّ سلك الضباط (النخبة الحاكمة) كان يسيطر عليه تاريخياً الضباط العرب السنّة، بالتالي؛ جرى استبعاد الشيعة والأكراد من صيغة الحكم، وإطاحة مكتسبات تمثيل التنوع الإثني والديني للعراق، وهذا ما تفادته المرحلة الملكية، رغم عيوبها الكارثية.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
ومثلما غيّر وصول الضباط الثوريين إلى السلطة من شكلها، فقد غيّر ظهور البترول من مضمون هذه السلطة أساساً؛ فلأنّ الدولة هي صاحبة السيطرة المطلقة على الثروة؛ فقد أصبحت، بحسب تحليل عبد الجبار، منقطعة عن عملية الإنتاج الاجتماعي للثروة، وبما أنّه جرى تحطيم كلّ المؤسسات السياسية (باستثناء مؤسسة الرئاسة، كما هو الحال في مصر الناصرية)، فلم يكن بإمكان القابضين على زمام الأمر أن يديروا المطالبات المتباينة والمتنافسة لشتى المجموعات، الإثنية والطائفية والطبقية، كما أصبح الوسيلة الوحيدة للتعبير عن التناقضات الاجتماعية/ الاقتصادية، والصراع على النفوذ والمكانة هي التآمر بين أحزاب ضالعة في العمل السرّي.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
ومثل أيّة طبقة وسطى في حقبة التحرّر الوطني، دانت الطبقة الوسطى العراقية بالولاء للدولة، صاحبة الفضل في تكوينها أصلاً، وصاحبة الفضل الأكبر في صعود أفرادها الاجتماعي، وكان في ذلك مقتل العراق؛ إذ مالت كلّ أجنحتها للصراع على السيطرة على الدولة، وبقدر تبايُن الواقع الاجتماعي لهذه الطبقة بقدر ما تعددت الانقسامات الأيديولوجية والسياسية؛ بين الوطنية العراقية (التي تبنّاها الشيعة والحزب الشيوعي الذي أطر رؤاهم)، والقومية العربية (التي تبناها السنّة وضباطهم الراديكاليون)، والقومية الكردية، ثم النضالية الشيعية (بعد تضعضع الحزب الشيوعي)، ثم الأصولية السنّية أخيراً.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلية (وفق شيركو كرمانج)، أو على الأقل لم تُترجم سياسياً في شبكة من العلاقات تدير الدولة وتوزّع الثروة، على عكس الأخوَين عارف، اللذين جاءا من بعده؛ حيث اخترقت النزعة القبلية صفوف العسكر؛ نتيجة عجز الروابط الأيديولوجية عن إضفاء حالة من الاستقرار على الدولة، ودمج أكبر قدر ممكن من السكان في الدولة، دون أن يكونوا شركاء أصلاء في إدارتها.

تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلي
وبطبيعة الحال؛ تلاشت الأسس التي تقوم عليها السلطة السياسية؛ فلا هي دولة أيديولوجية وثورة وتبشير وراديكالية، ولا هي دولة دستور ومؤسسات وتمثيل شعبي، ولا تحكمها سلالة نبيلة؛ بل حفنة من الضباط المنقسمين على أنفسهم (كما تجلى في تكرار الانقلابات العسكرية آنذاك)، فكان لا بدّ من وضع أساس جديد وصلب (ودموي إذا تطلب الأمر) للسلطة: البعث.
عشيرة التحرّر الوطني!
باستثناء موقفه المخجل من التدخّل الأجنبي لإطاحة النظام، فإنّ كنعان مكية كان أفضل من كتب عن عراق صدام، سواء في "جمهورية الخوف"، أو في "القسوة والصمت"، ومكيّة وإن لم يكن مشغولاً بقضية الهوية والأمة في العراق، إلا أنّه كان أفضل من رسم الخطوط العامة والتفصيلية للسلطوية في عهد البعث، وما يهمّ في حالتنا هذه ليس الطابع الوحشي للسلطوية الذي شغل مكية، بل اعتمادها على إستراتيجية القسر والعنف، في أقصى أشكاله، في عملية التوحيد الوطني، وعدم فتحها أفقاً آخر غير الإخضاع المسلح للأطراف والجماعات الفرعية للسلطة المركزية.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
فقد اختلف النظام الشمولي البعثي اختلافاً جذرياً عن كلٍّ من النظام الملكي التقليدي (شبه الليبرالي) والأنظمة العسكرية السلطوية التي تلته، وقد جاء على هيئة مزيج غير متجانس من النزعة الاشتراكية القومية والعلاقات والمفاهيم العصبوية.

ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً هو افتقار العراق إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة

احتفظ الوجه الأول (الشعبوية ذات المنحى الاشتراكي) بكلّ خصائص الأنظمة الشبيهة في العالم آنذاك، ومعظمها استُوحيَ من الاتّحاد السوفييتي: حكم الحزب الواحد (الحزب القائد للدولة والمجتمع)، بالتالي؛ احتكار السياسة، ونموّ بيروقراطية الدولة، وتضخم القوات العسكرية والأمنية، ومركزة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالكامل، في يد هيئة سياسية ذاتية التعيين "هيئة قيادة الثورة" (وهي شكل سياسي موروث من الخمسينيات، عمّمته مصر الناصرية)، والسيطرة على معظم ميادين الإنتاج وتوزيع الثروة، والهيمنة على الثقافة بأشكالها كافة: (التعليم، الصحافة، النشر)، وابتلاع المجتمع المدني: (النقابات العمالية والمهنية، الجمعيات، النوادي، اتحادات رجال الأعمال، الغرف التجارية) في جوف النظام، هذه العمليات جميعها هي ما أطلق عليها نزيه الأيوبي تعبير "تضخيم الدولة العربية".
لكن، وفق فالح عبد الجبار؛ فإنّ الحكم البعثي، من حيث الأيديولوجيا الشمولية والاقتصاد المركزي والوحدة الوطنية الممثلة في الزعيم، وليس في مؤسسات الدولة، والقمع المفرط ضدّ الأقليات القومية والدينية، تشابه كثيراً مع النموذج الألماني الشمولي النازي، لا أنظمة التحرر الوطني التي جاء بعد انزياحها (لم يفقد كادر بعثي واحد حياته في سبيل الاستقلال)، فيما احتفظ الوجه الآخر للنظام (حكم العشيرة) بكلّ خصائص نموذج حكم العائلة.
ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً؛ هو افتقار العراق إلى التبنين الطبقي، أو إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة، وإلى الملكية الخاصة والمصالح الكبرى المستقلة عن الدولة، فضلاً عن حداثة تكوين الدولة الوطنية والمجتمع الموحّد سياسياً فيه، ومن ثمّ أعطى هذا التمازج الفريد للنزعتَين؛ القبلية والجماهيرية الشعبوية، للدولة العراقية فُرادة سياسية لم يعرفها بلد آخر في العالم!

للمشاركة:

هل يمكن الحوار مع إيران ثانية دون علم الخليج؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

مشاري الذايدي

في نهاية الأمر؛ هل ستجلس إيران إلى طاولة المفاوضات من جديد؟ كل ما يجري اليوم هو تسابق نحو هذه الطاولة، أو قلْ الاستعداد لما قبل الطاولة.

لم يُخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدفه من سياسة «الحدود القصوى» بالضغوط الاقتصادية والمالية والسياسية والجنائية، وهو جلب النظام الإيراني المهووس بالتوسع العقائدي إلى حلبة الواقعية السياسية، وإجباره، من خلال إنهاك اقتصاده، على ترك الخرافات السياسية والثقافية التي تحولت إلى قنابل أمنية وقلاقل أهلية في منطقة الشرق الأوسط.

تارة يقول مرشد النظام الإيراني علي خامنئي إنه ضد الجلوس مع الإدارة الأميركية، وتارة يقول رئيس جمهوريته إنه مع الجلوس وإعادة التفاوض ولكنْ لديه شروط.

المهم هو أن الكل يعلم أنه عند لحظة ما، سيعاد بناء اتفاق جديد، ينقضُ الاتفاق الخبيث الذي نسجه بالسرّ، الآفل باراك أوباما، مع ملالي طهران، في صفقة بيع فيها أمن الخليج والعرب، في مقابل تعهد سدنة إيران بعدم امتلاك السلاح النووي، وإخضاع منشآتها النووية للتفتيش الدولي، لأمد محدد أيضاً.

السعودية ودول الخليج، ما عدا قطر وسلطنة عمان ربما، تشدد على أن أي صفقة مقبلة مع إيران من قبل الاتحاد الأوروبي وأميركا وبعض كبار العالم، يجب أن يكون رأي دول الخليج حاضراً فيها.

وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، في خطاب خلال «ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السادس» الذي عقد مؤخراً، قال إن على إيران الجلوس إلى طاولة التفاوض مع القوى العالمية ودول الخليج، وإن إجراء محادثات جديدة مع إيران يجب ألا يتطرق إلى الملف النووي فقط؛ بل يجب أن يعالج مسألتي «الصواريخ الباليستية» و«التدخل الإقليمي»، مضيفاً أن مناقشة تلك الملفات تعني أن دول المنطقة تحتاج للمشاركة فيها.

وأضاف الدكتور قرقاش: «هذا الطريق سيكون طويلاً، وهو ما يتطلب صبراً وشجاعة».

وعليه؛ حتى لا نقع في الحفرة مرة ثانية، يجب أن يكون «فيتو» سعودي وخليجي وعربي على أي محادثات جديدة مع إيران دون الحضور فيها، ودون إهمال هذين الشرطين: الصواريخ الباليستية، والتدخل في شؤون الدول العربية... نقطة آخر السطر.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

أردوغان وإنتاج التطرف

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

خورشيد دلي
عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا عام 2002 استبشر العالم بنموذج إسلامي معتدل يوفق بين الإسلام والعلمانية والاقتصاد، ولعل أكثر من روج لهذا النموذج كان الإسلاميون ولاسيما جماعات الإخوان المسلمين في العالم العربي.   

بعد أن تمكن حزب العدالة والتنمية من توطيد أركان حكمه، وجد العالم الذي استبشر بنموذج الحزب في الحكم نفسه أمام حقيقتين:

الأولى: تحول تركيا إلى سلطة حكم حزب الواحد والرجل الواحد، وقد تجسد هذا الأمر رسميا في الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي عام 2017 الذي قضى عمليا على تجربة التعددية وتوازن مؤسسات الحكم في البلاد.

الثانية: وهي الأخطر، وأعني هنا الاستثمار في التطرف لتحقيق أجندة داخلية وإقليمية، فعلى وقع ما سمي بثورات (الربيع العربي) تحولت تركيا الدولة الموصوفة بالعلمانية منذ تأسيسها عام 1923 إلى بيئة جاذبة للتطرف ومرتعاً للجماعات المتطرفة من مختلف بقاع العالم، وهكذا تقاطر آلاف (الجهاديين) من أصقاع العالم إلى سوريا والعراق عبر الأراضي التركية، حتى وجد العالم نفسه أمام غول داعش والنصرة وغيرها من التنظيمات الإرهابية التي مارست القتل والتدمير والخراب بطريقة فاقت كل التوقعات.

من دون شك، ما جرى لم يكن بعيدا عن علم ودعم السلطات التركية وأجهزتها، خاصة أن عشرات تقارير المنظمات الدولية وثّقت بالأدلة والوقائع والمعطيات حقيقة الدعم التركي لهذه التنظيمات، ولكن السؤال: لماذا قامت تركيا أردوغان بكل ذلك؟

في الواقع، الجواب عن هذا السؤال يختصر في أن أردوغان راهن على هذه الجماعات لإسقاط الحكومات والأنظمة في المنطقة، بغية إحداث تغير سياسي يمهد لوصول الجماعات الإخوانية إلى السلطة، كخطوة لمشروع أردوغان الذي يعتبر أن تركيا دولة مركزية ينبغي أن تقود المنطقة، وهو ينطلق في ذلك من عاملين؛ الأول: أيديولوجي له علاقة بالعثمانية الجديدة التي تقوم على إعادة إنتاج الهيمنة التركية بوسائل اقتصادية وسياسية وثقافية. الثاني: موقع تركيا في السياسة الدولية الهادفة إلى إعادة ترتيب الوضع في الشرق الأوسط من جديد.

وهكذا اندفع أردوغان وراء طموحاته الجامحة، في الداخل من خلال بناء بيئة شعبوية، استخدم من أجلها كل الشعارات القومية والدينية، وصل به الأمر إلى القول إن المسلمين هم من اكتشفوا أمريكا قبل كريستوفر كولمبوس، وأن الأتراك سيتعلمون من جديد اللغة العثمانية شاء من شاء وأبى من أبى، واتبع في كل ذلك سياسة أسلمة الدولة والمجتمع تدريجيا، وقد تبدى هذا الأمر بشكل جلي في التعليم، من خلال إحياء التعليم الديني بشكل كبير وإطلاق المجال واسعا أمام مدارس الإمام الخطيب التي تخرج فيها أردوغان وتقريبا نصف أعضاء حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي، ولعل للأرقام هنا دلالة كبيرة، إذ تقول الإحصائيات إن عدد طلاب مدارس إمام الخطيب ارتفع من خمسين ألفا عام 2002 عند تسلم حزب العدالة والتنمية السلطة إلى نحو أربعة ملايين طالب، ولعل الهدف الأساسي من وراء كل ذلك هو تأسيس جيل من الأيديولوجيين التابعين لأردوغان ودفعهم إلى تسلُّم مؤسسات البلاد السياسية والعسكرية والإدارية، ليقود البلاد كما يشاء، وهذا مؤشر خطر على هوية تركيا وسياساتها وخياراتها في المستقبل.

في الخارج، لا يقل الأمر خطورة؛ إذ نشر التطرف بدعم تركي تجاوز الشرق الأوسط إلى ساحات أخرى، من طرابلس الليبية والصومال في أفريقيا مرورا بأوروبا التي يهددها أردوغان يوميا بإغراقها باللاجئين، وصولا إلى معظم العمليات الإرهابية في العالم حيث لا نسمع إلا ومنفذها عاش لفترة في تركيا أو على علاقة معها، كل ذلك جعل من تركيا دولة خطرة على الأمن الإقليمي والعالمي. اليوم وبعد هزيمة داعش في العراق وسوريا، ومحاصرة جبهة النصرة باتفاقيات سوتشي، لم ينزل أردوغان بعد عن حصان الجماعات المتطرفة، إذ في كل مرحلة يحاول إعادة إنتاجها من جديد لاستخدامها في معاركه، كما يحصل اليوم في عدوانه على شرقي سوريا باسم عملية نبع السلام وإقامة منطقة آمنة هناك، إذ كشفت التقارير عن أن قسما من الذين جندوا فيما يعرف بـ (الجيش الوطني) لمحاربة الكرد في سوريا هم في الأصل كانوا من مسلحي داعش الذين هربوا من معركة الباغوز في شرقي دير الزور، بل إن سلوك هؤلاء وطريقة قتلهم للمدنيين وممارساتهم مع الأهالي والأرزاق .. كلها نسخة طبق الأصل من ممارسات داعش، وهو ما يؤكد صوابية هذه التقارير.

استخدام الجماعات المتطرفة لتحقيق أجندة سياسية قد يكون جذابا لزعيم يفكر مثل أردوغان، ولكن من يضمن عدم انتقال خطر هذه الجماعات إلى الداخل التركي؟ سؤال ربما يحيلنا إلى ما جرى بين باكستان وأفغانستان عندما حاولت الأولى الاستثمار في حركة طالبان، خاصة أن الداخل التركي بات معبأ بشعبوية أقرب إلى التطرف.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية