أسلمة الراديكالية: هل نجحت القراءة السائدة للعنف الجهادي؟

أسلمة الراديكالية: هل نجحت القراءة السائدة للعنف الجهادي؟

مشاهدة

04/09/2019

تخضع الظاهرة الجهاديّة، منذ نشوئها، إلى تفسيرات وتحليلات من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال، من تحليلات اقتصادية للظاهرة إلى أخرى بنيوية لمشكل العنف الكامن فيها وإلى تحليلات سيكولوجية للمنتمين لهذه الجماعات، وتشيع هذه التحليلات بكثرة، لا سيّما مع تكريس تنظيم داعش لنفسه بوصفه "دولة" لها صفة تنظيميّة ومؤسسيّة، وحيث إنّ توحّش داعش المعتمِد بالأساس على إستراتيجية قطع الرؤوس قد بلغ غاية التوحش داخل الظاهرة الجهادية، في ضوء إخراج إعلامي لامع غير مسبوق.

الجهادية قراءة لها تحيّزاتها الأيديولوجية كأيّة قراءة للمدونة الإسلاميّة والفقهيّة والعقديّة

ولا يهمّني في هذا المقال أن أحلّل لماذا يندفعُ الجهاديون لممارسة العنف، إنما أن أقرأ كيف يتم تلقي عنف داعش من خلال قرّائها، وبالتحديد لتلك القراءة السائدة، الليبراليّة غالباً، حتى مع مختلف المشارب المعرفية والأيديولوجية.
بدايةً، لا شكّ في أنّ التعاطي الفقهائيّ مع العنف الجهاديّ المستحدَث له أزمات عديدة؛ إذ إنّه، في تلك القراءات الفقهائيّة، تمت إماتة "الحدث" لأجل سرديّة كبرى، تردّ الظواهر إليها، فإذا كان الفقيه يعمل على ردّ داعش إلى الخوارج القدامى، كي يلقى الحكمَ عليهم جاهزاً، فإنّ المثّقف المستنير يحاول أن يربط داعش بالوهابيّة أو بالأصوليّة أو بأي تيار هو نقيض "التنوير" في تصوّره.
بيد أنّ هناك قراءة أكثر ليبراليّة تروج بعد التوحّش الداعشيّ المعمّم عربياً وعالمياً، تقوم على إضفاء نظرة جوهرانيّة على الإسلام بوصفه رديفاً للشرّ والعنف، وتقرنها بالانفصام النفسي والاغتراب عن الثقافة الحديثة والحضارة المتنوّرة.

اقرأ أيضاً: العرب وفخ التحول الراديكالي

وأيضاً، تنبني هذه القراءة على إسقاط ليبرالي مبتذل في قراءتها للجهاديين وتحوّلاتهم، وحياتهم الشخصيّة، وهي ذات النظرة التي لطالما أسقطها المثقف الليبرالي السائد على التيارات الإسلاميّة عموماً، بوصفهم خرّيجي سجون مُحدثين، ومرضى نفسيين؛ مما جعل من تلك المقاربة ساذجة في كثير من الأحيان، ولا تعي الشروط الموضوعيّة المُنتجة للذات.
النظرة الجوهرانيّة للإسلام
ينظر الخطاب السائد المتطرّف للإسلام خاصّة بوصفه مكوّناً رئيساً للعنف الجهادي، ولظواهر العنف الديني؛ فمثلاً، بعد هجوم مسلمين على صحيفة "تشارلي إيبدو"، ظهرت كتابات اليمين المحافظ بفرنسا وغيرها تتهم القتل "المؤدلج"، والذي يمثّله الإسلام، ورغم أنّ غالبية المسلمين لم يكونوا موافقين على ما قام به الأخوان كراشي ضد الصحيفة، إلّا أنّ المشكل لم يكن في انتماء هؤلاء إلى الإسلام، أو إلى أي دين؛ فالعنف مكوّن أنثربولوجي وثقافي وناتج عن سياسات معيّنة في المقام الأول، وإنّ الأحداث العنيفة التي يقوم بها داعش هي في واقع الأمر ليست ناجمة عن عنف بنيوي كامن في الإسلام، وإنما عن "سياسات" معيّنة، وعن رؤية معيّنة يرى الجهاديّون أنفسهم بها، ربما تبدأ من تعامل  فرنسا الكولونيالية مع المستوطنين من الجزائر ومالي، وغيرها من بلدان إفريقيا وأوروبا عموماً، ولا تنتهي بجوّ قابل للردكلة في ضوء "فراغ جيليّ" بتعبير أوليفي روا.

تمّ اختزال عنف القتل في المكوّن الديني رغم أنّ القتل يقوم كثيراً على غير عقيدة

وكما تمّ اختزال عنف القتل في المكوّن الديني، رغم أنّ القتل يقوم في كثيرٍ من الأحوال على غير عقيدة، والأحداث في ذلك كثيرة؛ ليس آخرها ما قام به الإرهابي البلجيكيّ في المسجد، ولا عندما قتل أحد "الملحدين" رجلاً وامرأتين مسلمتين، يتمّ أيضاً اختزال ظاهرة داعش، وعنفه، وتوحّشه، في الإسلام بوصفه محرّكاً أساسياً لهم.
صحيح أنّ الأدبيات الجهادية تعتمد بشكل رئيس على الإسلام، لكنّ هذا الاعتماد على الإسلام ليس خالصاً وليس بريئاً؛ فالخلفية السياسية والاقتصادية والمكوّن الاجتماعي لهذه الحركات،  يلقيان بظلالهما على الإسلام، ولا يذهب للإسلام فارغاً من كلّ محتوى؛ بل إنّ الجهادية هي قراءة لها تحيّزاتها الأيديولوجية، كأيّة قراءة، للمدونة الإسلاميّة والفقهيّة والعقديّة.
لذلك؛ فإنّ هناك فكرة ذكيّة عند أوليفي روا متعلّقة بهذا العنف الجديد للجهاديّة المعاصرة، وذلك تفادياً لمغالطات الخطاب اليمينيّ والليبراليّ في فهمه لمسألة العنف الإسلاميّة، ألا وهي أنّ روا يؤكّد أنّ المشكلة لا تكمن في الإسلام؛ فالتطرف أو الراديكاليّة هي التي تُؤسلم، وليس الإسلام هو ما يُردكل؛ بمعنى أنّ الرديكالية يُضفى عليها طابع إسلاميّ، وليس الإسلام هو الذي تتم ردكلته.

اقرأ أيضاً: "منع الراديكالية وإعادة تأهيل الإرهابيين".. كيف نعالج التطرف ونقضي على الإرهاب؟
يقف المثقف الليبرالي أمام داعش مرتبكاً؛ لأنّه غير قادر على قراءة المشهد الاجتماعي والسياسي الذي أنتجها؛ فقد تمّ تجريف العراق بعد الاحتلال الأمريكي 2003، وعملت الحكومات التي جاءت على سياسات إقصائية، ليس على المستوى السياسي فحسب، وإنّما على مستوى "تطييف" الخطاب، كما سمعنا دائماً في الخطابات التي أقلّ ما تُوصف بأنّها "طائفية" للزعماء الآتين بعد الاحتلال حتى اليوم.
ليس هذا فحسب؛ بل إنّ فشل الدول الوطنية في عراق صدّام حسين، وسوريا الأسد، ومصر المباركية، أدّى إلى نموّ تيارات العنف الجهادي وغيرها (العنف ليس جهادياً فقط)، بل وأدّى هذا العنف إلى توحّش الدول الوطنية وتحوّلت من دول "كلّ مواطنيها" إلى دول مملوكة لنخبة رجال أعمال، استولت على مقاليد الحكم بصورة مادية ورمزية من خلال اللعب الاقتصادي، والتحكّم في الطبقات الدُّنيا والوسطى، وسياسياً من خلال تجريف المجال العام واستبعاد الديمقراطيّة.

الأدبيات الجهادية تعتمد بشكل رئيس على الإسلام لكنّ هذا الاعتماد ليس خالصاً أو بريئاً

ورغم أنّ هذه العوامل موضوعية لظهور تيارات العنف عموماً، فإنّها -أي هذه العوامل- تبدو محدودة بالمنطقة العربية وحدها؛ ففي ظاهرة غريبة، ينضّم شباب من أوروبا وأمريكا إلى داعش، بعدد كبير، رغم أن بلدانهم تتمتّع بأفق ليبرالي متحرّر، وثقافة ديمقراطية متراكمة، وهنا أيضاً يظهر المأزق الليبرالي في قراءة الظاهرة الجهادية، أمام المسلمين الأوروبيين والأمريكيين الذين ينضمّون إلى داعش، مما يجعله يعود إلى النظرة الجوهرانية ذاتها، بوصف الإسلام دين عنفٍ بالأساس، وهو المحرّك الأقوى للشباب المسلم الغربي.
ومن المآزق الليبراليّة أيضاً في قراءة الظاهرة الجهاديّة، ما تحدّث به الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، ذات يوم  في "قمّة مكافحة الإرهاب" عن داعش والحركات الجهادية، من أنّ المسيحية أيضاً "مرت بلحظات مظلمة"، قائلًا: "تذكّروا الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش، وهؤلاء الناس الذين ارتكبوا أشياء فظيعة باسم المسيح. وفي بلادنا، فقد تمّ تبرير الرق باسم المسيح"؛ وهي قراءة ليبراليّة من باراك أوباما لـ "مستقبل الإسلام" الذي لا بدّ من أنّ يمرّ بالمنعطف الذي مرّت به المسيحية، ليتحوّل الإسلام بعدها إلى ثقافة "تسامح" ليبراليّة.
الجهاديون كمرضى نفسيين
ثمّة تواطؤ ضمني أحياناً، وصريح أحياناً، في الخطاب الليبرالي تجاه أبناء الحركة الإسلاميّة عموماً، بأنّهم "أبناء سجون" و"مرضى نفسيون"، وهو الخطاب نفسه الذي تتبنّاه الدولة تجاههم، ولذلك فهم غير مؤّهلين "للحياة"، ولا بدّ من إعادة تأهيلهم "نفسياً"، ولا يخفى الخطاب الشائع تجاههم أيضاً بوصفهم نازيين، سيتخلّصون من الآخرين بسبب عقدة الاضطهاد عندهم.

فشل الدول الوطنية في عراق صدّام وسوريا الأسد ومصر مبارك أدّى إلى نموّ تيارات العنف الجهادي

ونجد الخطاب نفسه تجاه التيارات الجهادية، وهو شائع ولا يحتاج إلى كثير تحليل، يمكن أخذ مثال بالتقرير الذي قامت به صحيفة "نيويورك تايمز" عن الشاب المصري الذي التحقَ بداعش، إسلام يكن، تحت عنوان: "من مدرسة خاصة في القاهرة إلى ساحات القتل بداعش في سوريا"، قبل أربعة أعوام، فرغم المعلومات الجيدة التي توفّر عليها التقرير بحكم طبيعته الميدانية، إلّا أنّه قد وقع أيضاً في اختزال ليبرالي مخلّ؛ فقد جاء في التقرير أنّه رغم وجود أسباب مباشرة وسهلة للتطرف، مثل الأوضاع الاقتصادية الصعبة والشعور المتجدد بالاغتراب السياسي، لا سيّما بين الشباب، ولكن هناك أيضاً مواضيع أكثر حساسية، قليل ما تتمّ مناقشتها، مثل: التفكير المحافظ الذي يحدد الإيمان بالنسبة إلى كثير من المسلمين اليوم، أو الكبت بين الشباب الذين يتعلمون أنّ الرغبات الجسدية والعاطفية يمكن أن تجلب لهم الإدانة الأبدية.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون الراديكاليون إذ يستعيرون طرائق العنف الثوري لليسار
فالإيمان، من هذا المنظور، أداة للعنف؛ لأنّه يتمّ رسمه بـ"تفكير محافظ"، ومن ثمّ يرسم "حدود" المؤمن، إضافة إلى "الكبت" الذي يؤجّج من العنف داخل المرء كي ينضم لتنظيم مثل تنظيم داعش! ورغم مشاكل هذا التحليل، وإذا افترضنا صحّته جدلاً؛ فلماذا ينضمّ المسلمون، أصحاب التفكير "غير المحافظ" و"غير المكبوتين" الذين يعيشون في أوروبا، إلى داعش؟ ولماذا يواصل، حتى اليوم، شباب في مقتبل أعمارهم، يعيشون في جنّة ليبراليّة غربيّة إلى جحيم إسلاميّ؟ تلك الأسئلة هي ما تعجز القراءة السائدة التي حاولت توجيه النقد إليها عن محاولة طرحها؛ لأنّها تتعارض والنموذج الفكريّ الذي تنطلق منه؛ حيث تنظر إلى العنف كمكون دينيّ، وإسلاميّ جوهريّ تحديداً.

الصفحة الرئيسية