الإسلام في غرب إفريقيا.. حضور قوي ومتعدّد

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
6404
عدد القراءات

2018-12-09

انتشر الإسلام في غرب إفريقيا في القرن الثامن، بِعدّة طرق: انتشارٌ سلميّ لأوّل مرّة، جلبه التجار من المغرب الكبير، ممّا أدى إلى تحوّل القصور الملكية، ثم السكان إلى هذا الدين الجديد واعتناقه. وانتشارٌ ثانٍ عسكري (الفتوحات)، بما في ذلك الجهاد في القرن الثامن عشر، والذي ساهم وساعد في ظهور دُول دينية إسلامية. كما ساهم التدخل الاستعماري الفرنسي والبريطاني في انتشار الإسلام في غرب إفريقيا. واليوم، يُعتبر الإسلام هو الدين السائد عددياً في غرب إفريقيا، مُتراوحاً ما بين 20٪ من المسلمين في غانا أو في ليبيريا، و90٪ في غامبيا، ومالي، والنيجر والسنغال.

من المصالحة إلى التفاوض إلى المطالبات

دفعت موجةُ الاستقلال في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، الزعماءَ المسلمين الإفريقيين، إلى تبنّي، مع تنوّع الفرص، موقفاً تصالحياً تجاه القوى السياسية الوطنية الجديدة. ويُفسَّر هذا الموقف بكون أنّ السلطة السياسية، كانت تهدف، مُتّبِعةً في ذلك الممارسةَ الاستعمارية، إلى ممارسة الرقابة على الدوائر الإسلامية، وأيضاً من خلال وجود علاقات زبائنية بين الدوائر السياسية والمسلمة. وباستثناء بعض الدول، مثل السنغال ونيجيريا، حيث كانت مجتمعات الأخويات (الجمعيات الدينية) -التيجانية والقادرية والمريدية - والأسر المرتبطة بالأولياء، مؤثّرة ومنظَّمة بشكلٍ جيد وفعّال، فقد قَبِل القادةُ المسلمون في أغلبيتهم، إضفاءَ الطابع الرسمي، بل وحتى البيروقراطي، على بعض أنشطتهم الدينية.

يُعتبر الإسلام هو الدين السائد عددياً في غرب إفريقيا

أثر الديمقراطية على مؤيدي الإسلام

رياحُ الديمقراطية في التسعينيات التي هبّت في غرب إفريقيا - التعدّدية الحزبية، وحرية التعبير وتكوين الجمعيات – سرعان ما أحدثت وضعاً جديداً لمؤيدي الإسلام، ألا وهو حقّ التفاوض؛ حيث إنّ المجتمعات المسلمة بدأت تفاوض حول الحكم الذاتي في إدارة أنشطتها، مثل؛ تنظيم الحج، والاعتراف بالمؤسسات الطائفية الإسلامية من قبل وزارات التربية الوطنية،، وليس من قبل وزارات الداخلية كما كان الشأن في السابق (في البلدان الناطقة بالفرنسية على الخصوص)، أو منح رخص تردّدات البث الإذاعي (الراديو).

دور المجالس وثقلها في تعزيز رؤية الإسلام

استند هذا الموقف على هيكلة المجتمعات الإسلامية الوطنية التي تمّ تعزيزُها من قِبل جمعيات مسؤولة ومؤثّرة - المجلس الأعلى للأئمة (COSIM)، المجلس الإسلامي الوطني (CNI)، في كوت ديفوار، المجلس الإسلامي الأعلى في مالي، اتحاد الجمعيات الإسلامية لبوركينا فاسو (FAIBF) في بوركينا فاسو. ويجب إضافة تعزيز مواقف الشباب المعرَّبين، الذين تجمّعوا في منظمات ومساجد، بعد نضالات، ونبذ أنصار الإسلام "التقليدي". هذا الموقف الذي تسانده مجتمعات حضرية وواعية بثقلها كقوّة اجتماعية نشطة، أثمر كثيراً من النتائج الإيجابية، من خلال إعطاء رؤية أكثر وضوحاً للإسلام.

اقرأ أيضاً: الصراعات الدينية تتأجج في إفريقيا

جلبت السنواتُ الأولى من الألفية الجديدة، المجتمعات الإسلامية، إلى موقف أكثر إلحاحاً. ويبدو أنّ السياق العام، الذي تميّز بتعزيز الديمقراطية، وبهيكلةٍ أفضل للمنظمات الإسلامية، وبكوادر ومثقفين مسلمين مجهزين بشكل أفضل، حتى يفرضوا أنفسهم كمحاورين ممثلين لمجتمعاتهم، قد شكل بيئة ملائمة للإسلام.

ساهم التدخل الاستعماري الفرنسي والبريطاني بانتشار الإسلام غرب إفريقيا

حَلبة الفضاء العام

صارت الجمعيات الإسلامية تدلي برأيها ومواقفها حول المسائل ذات الأهمية الوطنية. في كوت ديفوار، اتخذت جمعية كوسيم "COSIM" وسي إن إي "CNI"، موقفاً ضد مشروع الدستور الإيفواري الجديد، الذي كان، وفقاً لهم، ينطوي على جرثونات الصراع والإقصاء. وفي السنيغال، استثمر بعض رجال الدين، جهودَهم مباشرة، وبفعالية، في السياسة. سِيريني مصطفى سِي، وهو شخصية دينية مرموقة، رشّح نفسه للانتخابات الرئاسية لعام 2000 ، منافساً لعبدو ضيوف، وعبدلاي وادي. وفي عام 2002 تدخلت اللجنة الإسلامية لقانون الأسرة، وبقوّة، لإعطاء رأيها حول صياغة قانون الأسرة. وفي مالي، في عام 2001 نجح المجلس الإسلامي الأعلى في فرض مطالبه في صياغة قانون الأسرة الجديد. وفي النيجر في شباط (فبراير) العام 2011 وتلبية لطلب الجمعية من أجل الثقافة والتوجيه الإسلامي، قامت منظمات عديدة، على نحو رمزي، بحرق نسخة من مشروع قانون الأسرة.

اقرأ أيضاً: إستراتيجية الهيمنة الإيرانية في إفريقيا

وسائل الإعلام الإعلامي الإسلامي، وهي الأكثر عدداً، والأكثر احترافية، كثيراً ما تمنح الرؤية والبعد والأفق لزعمائها. ولذلك يُسهم نشرُ رسائلهم وآرائهم في تنفيذ أشكال جديدة من الدعوة (حملات الأسلمة)، وإعادة أسلمة شباب مسلمين.

تعدّد مع أكثرية سنيّة

وضوح رؤية الإسلام وقادته في المجال العام، هو بمثابة علامة على حيويته، ولكن أيضاً على تعدّده. إسلام غرب إفريقيا إسلامٌ  يضم الأكثرية السنيّة، وينتمي إلى مدرسة المالكي الفقهية. وينقسم المشهد الإسلامي بين عدة اتجاهات. وقد تجسدت الوهابية التي ظهرت في منطقة غرب إفريقيا حول عام 1940، عن طريق هجماته الشرسة ضد الأخوية الإسلامية التي تتهمها بالانحراف، بسبب مكانة الشيخ المهيمن. أمّا السلفية، وهي تيار إسلامي آخر قادم من الشرق الأوسط، فهي تجسد االإسلام الإفريقي الراديكالي. وقد أظهر التيار السلفي، الذي يتبنّى نموذج جماعة المؤمنين الأوائل لعهد النبي، صلى الله عليه وسلّم، في السنوات الأخيرة، إصرارّه ضد الحداثة في إفريقيا، وخاصة من خلال ما قام به من تدمير لمقابر تنتمي إلى التراث الثقافي في مالي. أمّا الأخويات الدينية الإسلامية فهي لا تزال راسخة في جميع أنحاء غرب إفريقيا.

الإسلام الدين السائد عددياً غرب أفريقيا، ويتراوح بين 20٪ من المسلمين في غانا، و90٪ في غامبيا، ومالي، والنيجر والسنغال

إلى جانب هذه التيارات، هناك الغالبية العظمى من المسلمين الذين لا يرتبطون بأي من التيارات المذكورة. هؤلاء المسلمون يُصنَّفون تحت مصطلح "المسلمون التقليديون". إنهم يعيشون إيمانهم ببساطة، في ممارسة يومية، من دون وَصْفات، ومن دون نضال، أو أي التزام. هل هم حامِلو هذا الإسلام المتسامح، القائم على التقاليد الإفريقية؟ هل سيشكلون حِصناً منيعاً ضد الإسلام الراديكالي القادم من الشرق الأوسط، والذي يتضح من الهجمات ومحاولات زعزعة الاستقرار التي تهز غرب إفريقيا؟

الإسلام في غرب إفريقيا..جهل أم نسيان

يقول المحلل كرسيتوف لوسور، المتخصص في الدراسات السياسية والباحث في العلوم الإسلامية، بمدينة استراسبورغ (فرنسا)، في مقال نشرته مجلة لاكروا الفرنسية "إنّ الاتفاق الذي تمّ التوقيع عليه في 20 حزيران (يونيو) العام 2015 في باماكو، بين الحكومة المالية وتمرّد الطوارق، لا يشير فقط إلى نهاية الصراع الإقليمي الذي بدأ في كانون الثاني (يناير) 2012، ولكنّه يتيح قبل كل شيء، عزل الجماعات الجهادية التي انضمت إلى الصراع. "كنا نظن أننا نعرف القارة الإفريقية، وخاصة غرب إفريقيا، وهي منطقة لم نغادرها أبداً على الرغم من إنهاء الاستعمار فيها، وهي ساحة احتفظنا فيها بتأثير اقتصادي، وسياسي بشكل خاص. لكنّ مسألة الإسلام ظلت غائبة بصورة فريدة عن رؤيتنا للقارة الإفريقية."

المسجد الكبير في بوركينا فاسو

دور الإسلام في نشر اللغة العربية

وأشار المحلل إلى أنّ ظهور الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى هو "نتيجة لعمليّة طويلة، استمرت منذ قرون، والتي لا يمكن اعتبارها عملية موحدة. في هذا السياق، أنتج الإسلام وحدةً لغوية من خلال المعرفة، وإنْ كانت بدائيّة في بعض الأحيان، وهي اللغة العربية. وقد يسّر الإسلامُ إنتاجَ مجموعة من القواعد وقانوناً للسلوك، وتعزيز العلاقات التجارية، والعلاقات بين العشائر. وبصرف النظر عن مساهمات بعض المتخصصين، لا يزال العمل في هذا الموضوع نادراً جداً. هناك ثلاثة عوامل تفسر هذا القصور.

اقرأ أيضاً: الديمقراطية في إفريقيا.. في انتظار حفلة "التيس" القادمة

بادئ ذي بدء، كان زمن الغزوات الاستعمارية هو زمن تعميم بناء اجتماعي معيّن، في دراسة هذه الشعوب الجديدة. في نهاية الغزوات نفسها، كان هدف السلطات العسكرية هو استقرار منطقة تُعتبر أكبر من فرنسا عدّة مرات.

اعتمدت السلطات الاستعمارية على بعض الأخويات (الجمعيات الدينية والصوفية)، وعلى امتداداتها بين السكان، من أجل تهيئة الظروف لسياسة الاستيعاب، من خلال إزالة أيّ رغبة في الاستقلال عندهم. ولا يزال هذا الترابط بين السياسة والدين الذي تمارسه السلالات المُرابطية (نسبة إلى النساك والأولياء المسلمين) حاضراً في بعض البلدان. ويتضح ذلك من أهمية الأخوية المريدية في صعود أسرة ويد Wade إلى رأس السنغال، في أوائل العقد الأول من القرن الحالي.

من مساجد كوت ديفوار

الجمعيات الدينية والتوفيق بين الأديان

ثم إنّ خصوصية إسلام الأخويات (الجمعيات الدينية) على نحو ما هو قائم في القارة الإفريقية، هي خصوصية تعود بشكل عام إلى ممارسة دينيّة مطبوعة بطاع التوفيق بين الأديان؛ أي إلى ممارسة ثقافية تقع خارج الصرامة التي تدعو إليها بعض التيارات المتشدّدة. وجود أماكن للحجّ غير الأماكن القائمة، ساهم كثيراً في الدفاع عن هذا الوضع. إلا أنّ الشرخ يأتي من المكانة التي تحتلها الباطنية، ومكانة "المعشوقين" الدينيين. بداية الشهادة في الإسلام تُذكّر بذلك "لا إله إلا الله". هذا الكفاح ضد إضافة كل أشكال "عشق" الدينيين إلى عقيدة التوحيد، موجود في أساس أيديولوجيا الحركات الأصولية. إسلام الأخويات الإفريقية يمثل إذن، في رأي الأصوليين، شكلاً هجيناً للإسلام الحقيقي، وهو الإسلام الذي لا يهمّ لا مُفكّري العالم الإسلامي، ولا الآخرين من المفكرين الغربيين. 

إسلام غرب إفريقيا إسلامٌ  يضم الأكثرية السنيّة، وينتمي إلى مدرسة المالكي الفقهية

وأخيراً فإنّ دراسة الإسلام في غرب إفريقيا لم تجد مكانها الخاص بها، لأنها كانت، لزمن طويل، تجد نفسها عند مفترق مختلف الحقول الأكاديمية: علم الاجتماع، الاستشراق، الإثنولوجيا. فقد ظلت دراسة الإسلام لزمن طويل، محصورة بين حفنة من الأخصائيين، الذين تلقّوا تكوينهم في الإسلام في مناطق إسلامية أخرى مختلفة، فحاولوا أن يستنسخوا نموذجاً نوعياً حول واقع مختلف. وهو تصوّر تم تقاسمه منذ القرن الثامن، من قِبل السلطات الدينية للخليفة العباسي، على الرغم من أنّ هذا الاستبعاد للمؤمنين السود لم يُبرّره يوماً لا القرآن الكريم، ولا الأحاديث النبوية.

اقرأ أيضاً: ما لا تعرفه عن "سنغافورة إفريقيا".. رواندا

وفي الختام يقول المحلل كريستوف لوسور "إنّ الاتفاق الذي تم التوقيع عليه في 20 حزيران (يونيو) العام 2015 في باماكو، بين الحكومة المالية وتمرّد الطوارق لا يشير فقط إلى نهاية الصراع الإقليمي الذي بدأ في كانون الثاني (يناير) العام 2012 ، ولكن قبل كل شيء يجعل من الممكن عزل الجماعات الجهادية التي انضمت إلى الصراع. كنّا نظن أننا عرفنا القارة الإفريقية وخاصة غرب إفريقيا، وهي منطقة لم نكن قد غادرناها أبداً على الرغم من إنهاء الاستعمار، وهي ساحة احتفظنا فيها بتأثير إقتصادي، ولكن سياسي بشكل خاص. لكنّ مسألة الإسلام ظلت غائبة بصورة فريدة عن رؤيتنا للقارة الإفريقية.


المصادر: fellows.rfiea.fr و la-croix.com

اقرأ المزيد...

الوسوم: