أصوات في واشنطن: ترامب خسر الشرق الأوسط

5016
عدد القراءات

2019-01-16

من الكاتب والصحافي المتخصص بشؤون الشرق الأوسط، فريد زكريا، عبر برنامجه الأسبوعي على "سي ان ان"، إلى ريتشارد كوهين في "واشنطن بوست"، مروراً بتوماس فريدمان في "نيويورك تايمز"، وكثيرين غيرهم من المعلّقين والمحلّلين والخبراء في مراكز البحوث الأمريكية، ثمّة إجماعٌ على أنّ أمريكا في عهد الرئيس دونالد ترامب خسرت نفوذها في منطقة الشرق الأوسط كلياً، بعد أن كانت خسارتها جزئية في عهد الرئيس السابق باراك أوباما.

اقرأ أيضاً: بومبيو يرد على طهران

ويلفت كوهين إلى جذر تاريخي لفكرته في خسارة أمريكا اليوم للشرق الأوسط "بعد أن انتصر الشيوعيون بقيادة ماو تسي تونغ من خلال ثورتهم، صاح الجمهوريون في واشنطن "من خسر الصين؟" والآن، وبعد مرور كل هذه الأعوام، يطرح الجمهوريون السؤال نفسه عن سوريا. جوابهم: باراك أوباما. جوابي هو أنّ كلاً من الرئيس الأسبق أوباما والرئيس ترامب يتقاسمان اللوم"، ويضيف فضلاً عن خسارة ترامب لسوريا "لقد فقد الرجل عقله".

وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو

يأتي هذا في وقت تتصاعد الانتقادات للتناقض الفج في سياسة واشنطن بالشرق الأوسط، فوزير الخارجية مايك بومبيو، يقول في الأسبوع الماضي بالقاهرة: "لن تتراجع أمريكا حتى ينتهي القتال مع التنظيمات الإرهابية" بمقابل جملة "اتخذ الرئيس ترامب قراراً بإعادة قواتنا من سوريا إلى الوطن". وهذه ليست علامة التناقض الوحيدة التي لم يتوقف عندها الوزير أو مساعدوه فحسب؛ بل إنّه زاد من تعقيد الأمور بإعلانه: "عندما تتراجع أمريكا، غالباً ما يتبع ذلك حال من الفوضى. وعندما نهمل أصدقاءنا وحلفاءنا، يتصاعد الاستياء"، وهذا ما يسود اليوم بين حلفاء واشنطن في المنطقة، بل ليس الاستياء وحسب، إنما غياب الثقة.

اقرأ أيضاً: 10 قضايا يركّز عليها بومبيو مع شركاء واشنطن

لقد أصاب قرار ترامب بالانسحاب الذي أعلن عنه في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي من سوريا، حلفاء واشنطن بالدهشة: بدت إسرائيل مضطربة، كانت فرنسا وبريطانيا في حيرة، الأكراد شعروا بالخذلان وأنّهم تعرضوا للخيانة، استقال وزير الدفاع جيم ماتيس، وكذلك فعل مبعوث الولايات المتحدة إلى التحالف الدولي الذي يقاتل تنظيم "داعش"، بريت ماكغورك. هنا ولوقف عجلة التداعيات من الدوران السريع، هرع السناتور الجمهوري المؤثر، ليندسي غراهام، إلى البيت الأبيض، ليحث ترامب على إبطاء عملية الانسحاب، على الأقل.

مسؤولية أوباما؟

وثمّة شبه إجماع بين كثير من المحللين والخبراء في واشنطن على أنّ "كلاً من الرئيس ترامب والوزير بومبيو على حق بشأن الموقف العابث لأوباما في سوريا. فقد كان عليه أن يتدخل عندما كانت هناك معارضة معتدلة بوجه الرئيس السوري بشار الأسد. وكان يجب عليه أن ينفّذ تهديده الضمني عندما وصف استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية بأنّه "خط أحمر". وبدلاً من ذلك، وبعد هجوم مميت بغاز "السارين"، لم يفعل أوباما شيئاً تقريباً. في المقابل، ضرب ترامب سوريا مرتين لاستخدام الأسلحة الكيميائية".

كان على أوباما التدخل عندما كانت هناك معارضة معتدلة بوجه الرئيس الأسد

الفتيل السوري لمواجهة عالمية

لقد أصبحت سوريا، بحسب رؤية ريتشارد كوهين، "المعادل الحديث للبلقان قبل الحرب العالمية الأولى. إنها برميل بارود ينتظر مباراة. حيث تتصادم المصالح الأمريكية والروسية والإيرانية والتركية والكردية والسعودية والإسلامية والإسرائيلية. تخوض إسرائيل وإيران بالفعل حرباً بالوكالة هناك - طلعة جوية بعد طلعة جوية إسرائيلية ضربت العديد من المنشآت الإيرانية في سوريا، أحدها ضرب مطار دمشق مؤخراً".

أصبحت سوريا، بحسب رؤية كوهين، المعادل الحديث للبلقان قبل الحرب العالمية الأولى. إنها برميل بارود ينتظر مباراة

عانى البلقان من عدة أزمات قبل أن يصبح خارجاً عن السيطرة وتترتب عليه حربٌ عالمية. بالمقابل هناك العديد من اللاعبين في سوريا: الأتراك حريصون على الوصول إلى الأكراد وإخماد شعلتهم، تريد إيران تقوية نفوذها في سوريا وحزب الله في لبنان لمواجهة إسرائيل. يريد الأسد أن يسوي الكثير من النقاط ليحسبها، وحليفه هو روسيا، التي قدمت للتوّ إمدادات جديدة من الصواريخ.
هنا تبدو كلمات بومبيو الحكيمة: "عندما تتراجع أمريكا، غالباً ما يتبع ذلك الفوضى"، بحاجة لمن يسمعها جيداً، ومع ذلك تتراجع أمريكا فقد أعلنت وزارة الدفاع (البنتاغون) أنّها بدأت بسحب المعدات من سوريا.

ريتشارد كوهين

ويعود كاتبٌ مسموعُ الرأي مثل؛ كوهين إلى "المثال البلقاني" ولكن ليس بوصفها الشرارة التي أوقت نيران الحرب العالمية الأولى، بل عن تلك المنطقة في نهاية القرن الماضي "يجب على شخص ما أن يخبر ترامب عن كوسوفو. تلك المنطقة الصغيرة البلقانية، التي أصبحت الآن جمهورية مستقلة تطمح إليها، أنقذت من الاحتلال الصربي وحمام الدم في عام 1999 بسبب تدخل مصمم من قبل الناتو بقيادة الولايات المتحدة. تم استخدام القوة الجوية – وليس قوات على الأرض. روسيا حينها، حليفة الصرب، رفضت تفويض الأمم المتحدة للتدخل، لذلك تصرّف حلف الناتو بمفرده. اليوم، تتفاوض كوسوفو وصربيا على اتفاق سلام دائم".

الرئيس الفوضوي في عالم فوضوي

أهمية ذلك المثال تقرأ على أنّها دعوة لاستخدام القوة الجوية الأمريكية بكشل مكثف، لا سيما أنّها حققت حضوراً جيداً في سوريا، لكن "الأمم، مثل الأطفال، بحاجة إلى معرفة القواعد. الولايات المتحدة مثل الوالد. وتتطلع بلدان أخرى إليها للحصول على التوجيه وتطبيق. لقد فشل ترامب تماماً في هذا الصدد. فقد كان يرفض التحالفات، الناتو على سبيل المثال والاتفاق مع القادة الأجانب الحلفاء"، وفق كوهين.

اقرأ أيضاً: ماذا قال بومبيو عن دور الإمارات في التصدي لإيران؟
هنا تبدو كلمات ريتشارد كوهين مدوية في نبرتها وأهميتها "في عالم فوضوي، كانت مساهمة ترامب أكثر فوضى. السؤال الآن ليس ما إذا كان سيفقد سوريا ولكن هل سيخسر المنطقة بأكملها؟ إنه في طريقه إلى ذلك".

اقرأ المزيد...

الوسوم: