أفكارنا الدينية.. من أين تأتي؟ وما حدود الخطأ والصواب؟

أفكارنا الدينية.. من أين تأتي؟ وما حدود الخطأ والصواب؟

مشاهدة

15/07/2019

"يجب أن تكون الإجابات موجودة حتى لو عجزنا عن معرفتها.. وإلا فإنّ الأسئلة تكون غير أصيلة"

أشعيا برلين

تتحول التجربة الدينية بعد لحظة الإيمان والتصديق إلى توقعات إنسانية، فلا يمكن ممارسة الدين من غير توقعات، وهذه التوقعات هي بطبيعة الحال مستمدة من الإنسان نفسه، ولا تهبط عليه من خارجه، ولا يملك المؤمن سوى أن ينشئ تديّنه مستمداً من الحقيقة التي أدركها، وكما يقول نورثروب فراي "مركز الحقيقة حيث يتصادف أن يكون المرء، ومحيطها ما يدركه خيال المرء".

تتحول التجربة الدينية بعد لحظة الإيمان والتصديق إلى توقعات إنسانية فلا يمكن ممارسة الدين من غير توقعات

وهكذا أيضاً فإنّ الدين حين يتجاوز الفرد في علاقته الحصرية بالمقدس، يتحول إلى تديّن أو خطاب ديني لا يمكن وصفه بأنّه "مقدس ديني" وإن كان مستمداً من الدين، ففي التدين يعالج المؤمن النص الديني متحرّياً بأدواته الإنسانية ما يريده الله تعالى، تقول كارين آرمسترونغ: "الدين والفن يرتبطان ببعضهما، فالفن والدين كلاهما يحاولان استخلاص معنى أقصى من هذه الدنيا المعيبة الغاصة بالكوارث، وإن كان الدين يختلف عن الفن لأنه لا بد أن يتخذ بعداً أخلاقياً، وربما كان من الممكن وصف الدين بأنّه شرعة جمالية أخلاقية، فتجربة الإحساس بالقداسة أو الكيان المتعالي لا تكفي، بل يجب بعد ذلك تجسيد تلك التجربة في سلوكنا تجاه الآخرين". ويظلّ الصواب مقتصراً على وجدان وقلب المؤمن في اعتقاداته وممارساته الفردية، وكذلك المعنى الديني نفسه، وبغير هذه المقولة لن يتقدم الجدل الديني خطوة واحدة، لكن يظلّ في مكانه، يدور حول تأكيد ما هو مؤكد ومتفق عليه، ولا ينشئ ذلك فكرة جديدة.

اقرأ أيضاً: موجة البديل الإسلامي في جماعات الإسلام السياسي

يقال لدينا الكتاب والسنّة لن نضل ما تمسكنا بهما... ولكن الخلاف هو في فهم الكتاب والسنّة وتطبيقهما، وفي ذلك يقال هناك المحكم والمتشابه، ولكن الله تعالى لم يقل لنا ما المحكم والمتشابه، ويقال العلماء والمجتهدون يوضحون المعنى والمحكم والمتشابه، ولكن من هو العالم؟ هو من يتبعه الناس ويثقون به، أو تعينه السلطة، المفتي أو وزير الأوقاف أو المعلم أو الداعية بمن هم موظفو السلطة وأساتذة التعليم الديني في المدارس والجامعات والمفتون والقضاة، العالم لا يعرف إلا بثقة الناس أو بقرار سلطوي، وقد تكون السلطة بيد ضابط في الجيش أو حاكم عائلي (ملك أو أمير أو سلطان) أو مواطن منتخب، وفي المحصلة فإنّ من يحدد من هو العالم ومن ثم  المعنى الديني ومراد الله تعالى وتأويل وتفسير الآيات الكريمة والأحاديث النبوية وما المحكم والمتشابه وما الصحيح أو الخطأ واحد من ثلاث فئات: العسكري، أو زعيم عائلة حاكمة، أو المواطن العادي بما هو ناخب أو متّبَع أو ثقة، وفي الحالات الثلاث لا يمكن لأحد أن يجزم بالصواب والخطأ ولا أن يعرف من العالم ومن ليس عالماّ، لا نملك في الواقع سوى عدم يقين، ولا يرشدنا في الاختيار سوى عدم اليقين، والحال أنّ الصواب هو عدم اليقين.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي كأزمة في تاريخ الأفكار
لن يكون فعل ما خطأً أو حراماً حتى لو حرّمه الدين أو القانون أو الثقافة السائدة حتى تراه الذات بما هي فرد مستقل مفكر ومسؤول خطأ أو حراماً، قد تلتزم القانون أو الدين أو الثقافة السائدة، ولكن ذلك لا يعني أنك تعتقده خطأ أو حراماً، فالالتزام غير الاعتقاد، ولا يحدد الاعتقاد أو يقرره أو ينفيه سواك، ولا يمكن إجبارك عليه ولا منعك عنه.

الدين حين يتجاوز الفرد في علاقته الحصرية بالمقدس يتحول لتديّن أو خطاب ديني لا يمكن وصفه بأنّه مقدس ديني

وبالطبع فإنّ الصواب قائم بذاته، ولا يغير فيه حجة أو دليل، وما نفعله ليس سوى إدراك الصواب أو محاولة الاقتراب منه، لكن سيظل هناك فرق بين الصواب الحقيقي وبين إدراكنا، حتى عندما يكون إدراكنا للصواب مطابقاً له، فإنّ فرقاً مستمداً من الشك وعدم اليقين يظل قائماً في اعتقادنا وأفكارنا، وعلى نحو عملي وتطبيقي فإنّ الصواب غير موجود، ما هو موجود بالفعل هو الحجة والخيال والمشاعر والاعتقادات التي لا نعلم إن كانت صواباً أم لا.

فإذا كان ثمة صواب فهو صواب لا يغير فيه أحد، وكيف يكون صواباً إذا كان متغيراً أو مستمداً من الحجة والبرهان القاصرين حتماً والمتغيرين؟ الصواب إذن هو الفكرة القادرة على البقاء والمواجهة حتى نثبت خطأها، وفي المحصلة فإنّ الصواب هو ما نظنه صواباً، إنه ليس أيقونة نقصدها أو نلجأ إليها أو نحميها، لكنه سراب نتبعه، نمضي حياتنا نبحث عنه، ولا نجده أو لا نصل إليه، أو لا نعلم إن كنّا وجدناه أو وصلنا إليه، لكننا ربما نقترب منه، أو على الأقل نحاول ذلك بصدق. ولا نملك سوى الصدق! "قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم" (المائدة 119).

اقرأ أيضاً: إشكالية العلاقة بين السلطة والمعرفة في التاريخ الإسلامي
إنّ السلوك الدعوي والفقهي الغالب الذي يعكس شعوراً بامتلاك الحقيقة لدرجة الوصاية على الله تعالى، أو احتكار الحق، ليس من الدين في شيء، وليس سوى وهم أو تسلط على الناس، واعتداء على الدين، لا بأس أن تعتقد أنّ الله تعالى طلب من الناس أشياء ونهاهم عن أخرى، ولكنك لا تملك وصاية على هذه الرسالة، الناس يطلعون مثلك على المصادر وإذا احتاجوا إليك يسألونك ويقصدونك.

الصفحة الرئيسية