احتجاجات الأحواز تتمدّد: هل تقود السياسات الفارسية إلى ثورة؟

احتجاجات الأحواز تتمدّد: هل تقود السياسات الفارسية إلى ثورة؟

مشاهدة

31/07/2021

لا يعدو المشهد الاحتجاجي الذي تمّ تدشينه في إقليم الأحواز بإيران، على خلفية أزمة المياه، وغيرها من المعضلات الفئوية التي تسبّب فيها غياب التنمية وتعمّد الإهمال، رغم وفرة الموارد والثروات الطبيعية، كما هو الحال في باقي المناطق التي تتواجد فيها الأقليات، كونه أمراً جديداً أو مباغتاً، بيد أنّ عدوى المظاهرات التي اتّسعت رقعتها وزادت وتيرتها، لأكثر من اثنتي عشرة ليلة، قد انتقلت إلى عدة مدن ومحافظات، من بينها العاصمة الإيرانية طهران، متحدّية في ذلك الممارسات القمعية التي فرضتها قوى الأمن والحرس الثوري، بداية من القتل المباشر، مروراً بقطع الكهرباء والإنترنت، وحتى عمليات التوقيف والاعتقال المستمر.

وتجاوزت الشعارات التي ردّدها المحتجون أزمة نقص المياه، بينما طاولت النظام برمّته، ومن بينها: "الموت لخامنئي"، "لا نريد الجمهورية الإسلامية"، "خامنئي اخجل واترك البلد"، و"لا غزة ولا لبنان، روحي فداء لإيران"، و"الموت للديكتاتور"، و"ليرحل الملالي.. لن تنفعهم الدبابة والمدفع والصاروخ".

القمع وتوحّش السلطة

وبحسب تلفزيون "إيران إنترناشيونال"؛ فإنّ "قوات الأمن الإيرانية حاصرت حيّ الثورة في الأحواز من مدخليه الرئيسَين، وتفتّش كلّ من يدخل المنطقة ويخرج منها، كما تطلب من المارة في الحي فتح هواتفهم المحمولة، وتعتقلهم في حال العثور على مقاطع فيديو للاحتجاجات".

قام نظام طهران بضمّ أراضي الأحواز، بشكل قسري، إلى الدولة الإيرانية، وتغيير كافة الأسماء العربية للمدن للفارسية، وإلغاء استعمال اللغة المحلية (العربية) في التعامل اليومي

وعلى ما يبدو؛ فإنّ الأزمة قد باغتت النظام الإيراني، والتي سرعان ما تفاقمت واندلعت الاحتجاجات العفوية في عدة مناطق، لذا؛ قام الرئيس الإيراني المنتهية ولايته حسن روحاني، بعد نحو عشرة أيام، بإطلاق وعوده بحلّ الأزمة، وهو الأمر الذي يعقّب عليه المعارض الإيراني الأحوازي صلاح أبو شريف، أمين عام الجبهة الديمقراطية الأحوازية ومسؤول العلاقات الخارجية لجبهة الشعوب غير الفارسية في إيران، بأنّه "مجرد كلام" لا يطابقه أيّ فعل أو ممارسة جادة على أرض الواقع، موضحاً، لـ "حفريات"؛ أنّ "السلاح والرصاص بيد الحرس الثوري كان الفعل الوحيد الذي يسعى لمواجهة الأزمة، ويقبض على الأحداث، ومن ثم؛ جاء خطاب حسن روحاني متأخراً، بعد تأزم الأوضاع، وفشل العنف والقمع في احتواء المشكلة، بينما لم تتراجع وتيرة الاحتجاجات التي تضامن معها الآذريون في شمال غرب طهران".

أمين عام الجبهة الديمقراطية الأحوازية صلاح أبو شريف

وبخلاف التعاطي الخشن لقوى الحرس الثوري الإيراني، حاول روحاني التهدئة عبر خطاب ناعم، حيث رأى أنّ الأزمة ناجمة عن "شحّ المياه بسبب ارتفاع درجة الحرارة، وتراجع هطول الأمطار".

كما شدّد المرشد الإيراني، علي خامنئي، في الوقت ذاته، على ضرورة معالجة المشكلة في الأحواز، وقال إنّ "مسألة المياه في خوزستان تمثّل مصدر قلق للسلطات، ولو تمّ الاهتمام بمسألة المياه في خوزستان مسبقاً لما واجهت البلاد المشكلات الحالية".

اقرأ أيضاً: إيران وحكم الملالي المثير للانقسام

ويرى أمين عام الجبهة الديمقراطية الأحوازية ومسؤول العلاقات الخارجية لجبهة الشعوب غير الفارسية في إيران؛ أنّه منذ اليوم الأول لـ "الاحتلال" الإيراني للأحواز، في العشرين من نيسان (أبريل) 1925، يمارس نظام الملالي كافة أشكال القهر والقمع، كما يفرض السياسات العنصرية، ومنها التطهير العرقي، المحظورة دولياً، ضدّ الشعب العربي الأحوازي، والذي يعيش في منطقة تمتدّ لنحو 400 ألف كيلو مربع، على طول الضفاف الشرقية للخليج العربي.

اقرأ أيضاً: مجلة أمريكية تكشف زيف ادعاءات إيران حول برنامجها النووي

ويضيف أبو شريف لـ "حفريات": "تعدّ منطقتنا الأحوازية من أهم المناطق التي تتواجد فيها مصادر الثروة الطبيعية، كالنفط والغاز، والمياه العذبة، وأهم الموانئ، إضافة لأهم الشركات النفطية والبتروكيماويات وإنتاج الكهرباء"، غير أنّ النظام في طهران عمد إلى إفقار المنطقة جنباً إلى جنب مع عمليات التغيير الديموغرافي، وذلك من خلال "ضمّ أراضي الأحواز، بشكل قسري، إلى الدولة الإيرانية، وتغيير كافة الأسماء العربية للمدن للفارسية، وإلغاء استعمال اللغة المحلية (العربية) في التعامل اليومي، وكذا بالدراسة، إضافة إلى مصادرة الأراضي، ونهب الثروات الطبيعية، التي تشكّل نسبتها أكثر من 80% من الدخل الوطني للنظام، واستخدام هذه الثروات للبنية التحتية للدولة، ومشاريعها التوسعية؛ ومنها تمويل الميليشيات الإرهابية، وكذا مشروع إيران النووي والصواريخ البالستية".

غياب التنمية والتمثيل السياسي

ويشير المصدر ذاته إلى حظر تشكيل أيّ حزب أو تنظيم أو مؤسسة سياسية، تعبّر عن مطالب الأحوازيين الوطنية، الأمر الذي أدّى لقمع كلّ النشطاء السياسيين بالنار والحديد, واستمرار الإعدامات العلنية، الفردية والجماعية، ناهيك عن الاغتيالات والإخفاء القسري من قبل أفراد جهاز الاستخبارات الإيرانية ضدّ النشطاء في الداخل والخارج.

كما يلفت إلى قيام النظام ببناء المعسكرات والمنشآت النووية والصاروخية، العلنية والسرية، في المدن الأحوازية، فضلاً عن بناء السدود العديدة التي وصلت إلى 17 سدّاً على الأنهار داخل الأحواز، واستخدامها كسلاح في الشتاء والربيع لإغراق المدن والقرى والمزارع بالمنطقة، وفي الصيف تتسبّب في تجفيف الأنهار، ما أدّى، بالتبعية، إلى انهيار الزراعة والثروة الحيوانية والمزارع السمكية.

وإلى ذلك، شدّدت الخارجية الأمريكية، على ضرورة وقف كلّ أعمال العنف من قبل قوات الأمن الإيرانية، وكذا الاعتقال التعسفي للمحتجين، وقد أصدرت بياناً رسمياً جاء فيه: "نحن ندعم حقوق الشعب الإيراني في التجمع السلمي، وكذلك حقوقهم في التعبير عن أنفسهم بحرّية، ويجب أن يكونوا قادرين على القيام بذلك دون خوف من العنف أو الاعتقال من قبل قوات الأمن".

وتابعت: "نحثّ طهران على السماح لمواطنيها بممارسة حقوقهم العالمية في حرية التعبير، فضلاً عن حرية الوصول إلى المعلومات عبر الإنترنت".

وبالتزامن مع بيان الخارجية الأمريكية، أصدرت منظمة العفو الدولية بياناً مماثلاً، طالبت فيه القوى الأمنية بإيران بوقف استخدام الأسلحة والقوة ضدّ المحتجين، والتي أسفرت عن مقتل 8 مواطنين، بينهم مراهق، ودعت إلى الإفراج الفوري عن المعتقلين وحماية السجناء من التعذيب وسوء المعاملة.

ولفتت المنظمة الأممية المعنية بحقوق الإنسان إلى أنّ النظام لديه "سجل مروّع في استخدام القوة المميتة غير المشروعة"، منوّهة إلى أنّ "الأحداث في خوزستان تذكر بما جرى في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2019".

الباحث محمود أبو القاسم لـ "حفريات": "رغم أنّ الأحواز التي يقطنها العرب تعدّ من المصادر الأساسية للنفط الإيراني، إلا أنّها تبقى الأقل تنمية والأكثر تعرضاً للتمييز

وفي حديثه لـ "حفريات"، يوضح الدكتور محمود حمدي أبو القاسم، الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة)، أنّه رغم مواقف عرب الأحواز السياسية، المهمة والمؤثرة، كمساهمتهم في إسقاط نظام الشاه ونجاح ثورة الخميني وقد ساندوه، إلا أنّ الحكومات الإيرانية المتعاقبة عمدت إلى وصفهم بـ "عرب اللسان"، وما يزالون عرضة لسياسات التمييز العنصري والطائفي، رغم موقفهم من الثورة، وكذا مشاركتهم في الحرب الإيرانية العراقية.

ويردف أبو القاسم لـ "حفريات": "ورغم أنّ منطقة خوزستان (الأحواز) التي يقطنها العرب تعدّ أحد المصادر الأساسية للنفط الإيراني، إلا أنّها تبقى الأقل تنمية والأكثر تعرضاً للتمييز الاقتصادي والاجتماعي".

ويتابع: "هذه السياسة الفارسية مقصودة كي تبقى المنطقة الأحوازية متخلفة وفقيرة؛ فالسلطات الإيرانية تعمد إلى تنظيم عمليات للتسبّب في تصحّر الإقليم، من خلال ربط نهر الأحواز بمناطق خارج الإقليم وتحويل المياه المعدنية إليها".

الصفحة الرئيسية