الأم.. الكائن المربِك والمطمئِن

الأم.. الكائن المربِك والمطمئِن

مشاهدة

21/03/2018

من أكثر الكائنات ارتباطاً بالمثالية ومطلق الخير، فضلاً عن لا نهائية العطاء، الأم، الكائن المربِك والمطمئِن في آن، مربِكٌ في تفسيره ومطمئِنٌ في وجوده، المُجمَعُ على "قداسته" وتنزيهه عن الشّر والأنانية.

الأم في وعي الإنسان، غالباً، ما تتخذ الصورة المثالية للشّخص عن نفسه، يرى خيرَه وحبّه وصدقه وإنسانيته وتصالحه مع ذاته فيها، هذه الصفات العالية، وجد لها الإنسان هيئة من لحم ودم، لقد رأى صورته الناصعة متجسدةً أمامه في شكل كائن يُلمَسُ ويُنادى ويُشمّ، هذا مذهل!. إنه يستطيع أنْ ينظرَ في عينَيْ ضميره اليقظ، ويلمسَ يد رضاهُ عن ذاته، ويُقبّلَ جبين مرآةٍ يجري في عروقها دمُهُ.

هي حالة سلام مع الذات ومع الآخر وحلقة الوصل بين ما يجب أن يكون عليه الإنسان والإنسان

يقول جون كوينسي آدامز، الرئيس السادس للولايات المتحدة الأمريكية:  "كل ما في كياني من صنع أمي، ولأمي الفضل في كل ما وصلت إليه"، ويقول الإمام علي بن أبي طالب: "لا يلام الرجل في حبّ أمّه"، والمقولات التي تتخذ هذا الشّكل وهذه النبرة الصوفية السّامية لا تنتهي، ومعظمها تشترك في ثيمة واحدة تقريباً؛ إنّها تنسب الخير، كلّ الخير، للأم، وبالتالي لذات الناسب الخيّرة النقية، التي لا تقترف المثالب والرذائل، ولا تخفق مطلقاً في اختبار الإنسانية.

الأم هي حالة سلام مع الذات ومع الآخر، إنها حلقة الوصل التي لا تنكسر بين ما يجب أن يكون عليه الإنسان والإنسان، وبين إرادة الخير والخير ذاته. إنّها النهر الدافق الذي تتعمّد فيه البشرية، والمعبدُ الذي ترتفع تحت سقفه أكفّ التواقين إلى ذواتهم الأولى التي لم تتدنس.

تبدأ علاقة المرء بأمّه بمجرّد أن يكون، إنّها تحتضنه في أحشائها قبل أن يدرك أنّه موجود، وترعاه قبل أن يعرف ما معنى أن يرعاه أحد!، إنها علاقة لا يمكن أن تخضع للمعادلات الرياضية وحسابات المنطق، علاقة بطلتها الأمّ بلا منازع، سواء على صعيد بيولوجيّ أو على صعيد وجدانيّ. إنها تغرس في جوفها، راغبة، حياةً أخرى تتغذى على حياتها، وجسداً آخر تقدّم له بحبّ طاقتها لينمو على حسابها.

أي خلل أو ارتباك في هذه الصّورة ستتبعه كارثة على صعيد الشّخص ومن ثمّ المجتمع فالعالم بأسره

هذه هي الصورة العامّة والصحيحة للأم، وأي خلل أو ارتباك في هذه الصّورة، بغض النظر عن سببه أو شكله، ستتبعه كارثة إنسانية لا محالة، كارثةٌ على صعيد الشّخص ومن ثمّ المجتمع فالعالم بأسره.

دائماً ما نقرأ أو نسمع، أو نرى تلك العلاقات الطيّبة بين الأم وأبنائها، وهذا هو الطّبيعي، لكننا في الوقت ذاته لا يمكن أن ننكر أننا قرأنا أو سمعنا أو رأينا، هنا أو هناك، غير هذا تماماً. وجه هذا العالم الذي نعيش فيه لا يخلو من الندبات، كما أنّ البشرية نفسها لم تعرف قيمة الخير أكثر ولم تعظّمهُ فوق عظمته المنظورة إلا حينما عرفت الشرّ أكثر، فكم من أمّ ليست بأمّ وكم من ابن ليس بابن، ولنا أن نتخيّل المآسي والتشوهات في الأشخاص والمجتمعات التي قد تنتج عن اختلال هذه العلاقة، التي تُعدّ الأساس في كلّ العلاقات بين البشر، فهي اللّبنة التي يُبنى عليها كلّ بناء مهما علا أو انخفض. ولنا أن نتخيّل أيضاً ما الذي سوف يتركه صدع –وإن كان بسيطاً– في هذه اللّبنة من أثرٍ هادمٍ، على مدى قريب أو بعيد، بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى!

الصفحة الرئيسية