الإخوان المسلمون يحتفلون في إسطنبول.. الجماعة إلى أين؟

الإخوان وتركيا

الإخوان المسلمون يحتفلون في إسطنبول.. الجماعة إلى أين؟

مشاهدة

06/04/2018

للمرة الأولى في تاريخها، تشظّت جماعة الإخوان المسلمين، إلى قسمين، كلّ منهما يدّعي أنّه الممثل لخطها والأمين على أدبياتها ومشروعها، فإلى جانب أصحاب النهج التقليدي، انخرط رموز من الجماعة في العنف المادي المباشر عبر ما يسمّى بجناح العمل النوعي، الذي تبلور خطه هذا بعد سقوط الجماعة في اختبار حكم أكبر دولة عربية عبر عام كامل، لتعرف الساحة بروز عناوين مختلفة لتنظيمات تتبع للجماعة، وتمارس الإرهاب؛ كحسم، ولواء الثورة، والعقاب الثوري، وغيرها من المسمّيات التي ضربت عملياتها الساحة المصرية في أعقاب عزل الإخوان عن حكم مصر.

وبدا أنّ هذا الانقسام تجاوز الأطر التنظيمية، أو مكاتب في الداخل والخارج، إلى انقسام حول جدوى المشروع وصلاحيته؛ بل وجدوى وجود تنظيم يعمل لهذا الهدف، وهو هدف استعادة الخلافة الإسلامية، وقيادة العالم تحت وهم الأستاذية.

مما يؤكد أنّ الإخوان كحركة اجتماعية وسياسية، استكملت أطوار حياتها، وهي تعيش مرحلة الأفول والنهاية الحتمية التي أكدت فشلها في بلوغ أهدافها التي حددتها لنفسها.

تبلور خط جناح العمل النوعي للإخوان بعد سقوطهم في اختبار حكم مصر عبر عام كامل

في ظل هذه الظروف غير المسبوقة، تقدمت تركيا لتحسم الصراع التنظيمي والفكري داخل التنظيم، الذي وجدت فيه بغيتها كقوة ناعمة، وسلاحاً تستطيع أن تستخدمه في خدمة طموحها الجارف في إحياء الخلافة العثمانية الجديدة، وتدشين ولاية تركيا على العالم الإسلامي.

انحياز للثعالب العجوزة

لم يكن نعت يوسف القرضاوي لأردوغان، في احتفال أقيم بإسطنبول في آب (أغسطس) 2016، تحت عنوان "شكراً تركيا" بأنّه "سلطان المسلمين"، مجرد شكل من أشكال المدح المجاني؛ بعد أن أصبح الأمل الوحيد في إعادة تعويم الجماعة كلاعب دولي، عبر التدخل لإعادة هيكلتها لتكون في خدمة مشروعه الشخصي، الذي ضحّى في سبيله برفقاء النضال؛ أحمد داود أوغلو، وعبد الله غول؛ بل وفتح الله غولن، الذي استخدمه أردوغان ليعبّد طريقه نحو الحكم، ليتهمه فيما بعد بقيادة تنظيم موازٍ للدولة، ومحاولة الانقلاب، فطارد، وما يزال، كل أعضاء جماعته "جماعة الخدمة".

القرضاوي وأردوغان

 

التأمل في قائمة المشاركين في الحفل، الذي أحيته مؤخراً جماعة الإخوان المسلمين في الذكرى التسعين لتأسيسها بالجهة  الأوروبية لمدينة إسطنبول، يشي على الفور، بأنّ أردوغان دخل على خط الخلاف الفكري والتنظيمي، بين قسمي الجماعة اللذين يتنازعان قيادتها، منحازاً للثعالب العجوزة التي ظلّت ألعوبة لكلّ نظام أو دولة، طلبت استخدام التنظيم لتحقيق مصالحها.

لم يشمل الاجتماع أي شخص محسوب على جناح محمد كمال، أو ما يسمى "الجناح الثوري أو العنيف"، أو بالأحرى الجناح الذي تورط في عنف مادي مباشر، فغاب محمد جمال حشمت، وصحبه من أعضاء البرلمان الهاربين إلى تركيا، والحاضرين على قوائم احتفالات ومناسبات سابقة انطلقت منها.

الانقسام الإخواني تجاوز الأطر التنظيمية أو مكاتب في الداخل والخارج إلى حول جدوى المشروع وصلاحيته

وممن تم تجاهلهم أحمد عبد الرحمن؛ المحسوب على جناح محمد كمال، حتى محمود حسين، أمين عام الجماعة والمحسوب على جناح محمود عزت، لم يسمح له بإلقاء كلمة، فقط لأنّه عبر لقاء مع قناة "مكملين"، الموالية للإخوان، عندما سئل عن أي الاتجاهين أقرب للإخوان، ما يمثله أربكان أم أردوغان؟ فقال: أربكان، في اتهام ضمني لأردوغان بأنّه لا يمثل أفكار الجماعة.

بينما كانت كلمة ممثل الإخوان من نصيب إبراهيم منير؛ القيادي في التنظيم الدولي، المعروف ببراغماتيته، وعلاقاته بأجهزة المخابرات الغربية، الذي يشغل منصب نائب القائم بأعمال المرشد العام، محمود عزت، الذي استطاع بسط سيطرته على فروع الجماعة في الداخل والخارج.

هذا الاحتفال الذي نظمته بلدية إسطنبول، وادّعت تركيا أنّ منظمات مجتمع مدني تركية هي من أنفقت عليه، يدشّن حقبة تركية سيعمل فيها التنظيم على خدمة المشروع التركي في قيادة المنطقة؛ حيث سينسى التنظيم فكرة شرعية مرسي، لحساب شرعية استعادة حلم الخلافة بقيادة تركية بعد فشل المشروع المصري.

قائمة المشاركين في الحفل تشي أنّ أردوغان دخل على خط الخلاف الإخواني منحازاً للثعالب العجوزة

كل الرسائل في هذا الاحتفال كانت تقول إنّنا أمام تنظيم تمّت هيكلته برعاية تركية واضحة، غاب المغرب العربي بأقطاره ربما عن إدراك أنّه لا يستطيع أن يكون جزءاً من هذا المشروع، ليبقى جزءاً من أي مشروع وطني في بلاده، لذا لم يكن غريباً غياب أي ممثل للمغرب، أو تونس، أو الجزائر مثلاً، أما ليبيا؛ فيبدو الأمر مختلفاً، فوجود دور لإخوان ليبيا له ظهير تركي، حتّم ألّا يكون هناك ممثل لإخوان هذا البلد.

كذلك غاب أي ممثلين للتنظيم عن دول الخليج العربي أو العواصم الأوروبية.

حضر ياسين أقطاي، عضو البرلمان التركي، ومستشار الرئيس التركي، وصفته الأهم دوره كضابط الاتصال بين إخوان مصر والأتراك، منذ وقت طويل، ومهندس عملية هيكلة التنظيم، الذي عبّر قبل ذلك عن تصوره للإخوان، في حديث لـ"سكاي نيوز"، ووصف التنظيم بأنّه ذراع قوة ناعمة لاستعادة الخلافة، وملء فراغ غيابها، على حدّ تعبيره.

كلّ الحضور ينتمون للقرص الصلب داخل التنظيم الأكثر جموداً من الناحية الفكرية، والأكثر فقراً من ناحية الخيال والتدبير السياسي، أو من نستطيع أن نطلق عليهم؛ أسرى حلم حسن البنا وسيد قطب في الخلافة، وهؤلاء هم أفضل فريق يمكن توظيفه، لخدمة مشروع أردوغان، فهم تقليديون إلى حدّ بعيد، ولديهم تاريخ طويل من التوظيف من قبل الحكومات المختلفة.

أردوغان ومحمد مرسي قبل سقوط حكم الإخوان

لذا تفصح قائمة المتحدثين في هذا الحفل عن تبنّي الحكومة التركية، لهذا الفريق بالذات، بينما تكفلت كلمة، أو رسائل، خالد مشعل، بتوضيح معالم هذا الدور الجديد دون أن تشير له صراحة بالطبع.

حرصت القيادة التركية أن يكون ممثل حماس ومسؤولها السابق، في تدبير مقصود، ليحول دون اتهام الحركة بالمراوغة في علاقتها التي أعلنت فك الارتباط بتنظيم مصنف إرهابياً.

رسائل مشعل: تسليم الراية لـ"إخوان أردوغان"

بدت رسائل خالد مشعل تأكيداً على أنّ الجماعة تملك تراثاً فكرياً، يمكن الاستفادة منه، عندما مارس غزلاً واضحاً في شخصية المؤسس، التي وسمها بالإخلاص والدهاء معاً؛ حيث وصف البنّا بأنّه كان يملك قلب علي وعقل معاوية، في تأكيد على الاختيار التركي المفضّل، الذي يدّعي أنّ السياسي المسلم يجب أن يكون كذلك. 

بدت رسائل مشعل إلى من سمّاهم "إخوته من أبناء الجماعة"، أقرب إلى تأكيد كلّ الاتهامات التي لحقت بالجماعة، عبر عقود من تجربتها الملتبسة بين السياسة والدعوة؛ فعندما دعا إلى التجديد الدائم، كان يلمّح إلى الجمود الدائم الذي لازم مسيرة جماعة الإخوان، في الهياكل وطرائق العمل، مشيراً إلى أنّ التجديد هو من سمت الأحياء.

كان حضور ممثل حماس ومسؤولها السابق خالد مشعل في تدبير مقصود ليحول دون اتهام الحركة بالمراوغة

وعندما شدد على الشجاعة في التقييم والتصويب والنقد الذاتي، والاعتراف بالخطأ، كان يشير إلى حالة الإنكار المركب التي عاشتها الجماعة منذ خروجها من حكم مصر.

وعندما دعا إلى المزيد من الانفتاح على الآخر، وإتقان فنّ الشراكة مع الآخر وفق معادلة الوطني والأممي، والتوازن بينهما، كان يؤكد بذلك غياب فقه الشراكة والتحالف واحتقار الآخر، وعندما تحدث عن تدبر العلاقة مع الواقع الإقليمي والدولي، والتعامل بالذكاء والدهاء والحكمة، كان بذلك يعترف بفشل الإخوان في قراءة الواقع الإقليمي والدولي، وعدم القدرة على التعاطي معه برشد وفعالية.

 

هو، في النهاية، يريد أن يقول إنّ من نجح في كلّ ذلك هم إخوان أردوغان، وعلينا أن نسلّم لهم الراية، فهم الأمناء على هذا المشروع، مشروع عودة الخلافة تحت لافتة تركية، بعد أن تأكد الجميع أنّه ليس بالإمكان إحياء المشروع بمظلة عربية أو مصرية.

هذا الاحتفال لم يكن عملاً من أعمال العلاقات العامة، ولا لوناً من ألوان التعاطف مع المظلوم، كما حاول بعضهم أن يصور، لكنّه عمل مخابراتي يؤكد أنّ تركيا الدولة، كما استخدمت ورقة داعش في الساحتين؛ السورية والعراقية، والقاعدة في ليبيا ومصر، تعيد تعويم تنظيم الإخوان ليكون في خدمة القيادة التركية ومشروعها، الذي ستستخدم فيه فروع الجماعة كذراع ناعمة، عبر عشرات الدول، بعد أن انتهت حقب السيادة المصرية للتنظيم لتبدأ مرحلة القيادة التركية، في محاولة يائسة أخرى حتى تستكمل الجماعة أطوار حياتها.

*خبير بالحركات الإسلامية

الصفحة الرئيسية