الإرهاب والسياحة: ذئاب تفترس الاقتصادات الوطنية

الإرهاب والسياحة: ذئاب تفترس الاقتصادات الوطنية

مشاهدة

20/11/2019

أثارت عملية طعن 3 سياح من المكسيك، وسائحة من سويسرا، في مدينة جرش الأثرية،  شمال الأردن، يوم الأربعاء 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، من قبل شاب يبلغ من العمر 22 عاماً، كثيراً من ردود الفعل داخل البلاد وخارجها، خاصة لدى الأجهزة الأمنية، وخبراء ودارسي ظاهرة الإرهاب العالمي؛ لأنّها استهدفت قطاع السياحة والسفر في الأردن الذي بقي محافظاً على فعاليته ونشاطه ومساهمته في 14% من "الناتج المحلي الإجمالي"، ويشغّل ما مجموعه (53453) شخصاً، خلال النصف الأول من العام 2019،  وارتفع الدخل السياحي للأردن، العام الماضي، 2018، إلى نحو خمسة مليارات دولار مقارنة بالعام الذي سبقه، الذي سجل نحو 4.6 مليار دولار، ويزوره قرابة 5 ملايين سائح سنوي، بحسب وزارة السياحة الأردنية، في وقت يعاني فيه اقتصاد البلاد حالياً من ركودٍ حاد.

اقرأ أيضاً: "الاعتدال والتطرف".. محاولة للفهم والمواجهة
العملية التي جاءت بعد أيام من مقتل زعيم تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي، في 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، لم تزل قيد التحقيق المكثف لدى الأجهزة الأمنية المسؤولة عن قضايا وملفات العنف السياسي خاصة في قضايا الإرهاب سواء المحلي أو العالمي.

تُنصح الدول التي تريد التوسع في السياحة وجلب الاستثمارات لها التركيز بشكل رئيس على الأمن العام الشامل

ورغم كثرة التسريبات والأخبار من مصادر متنوعة ومتعددة، خاصة عبر "وسائل التواصل الاجتماعي" حول تفصيلات العملية، وتطرف منفّذها، وعلاقته بتنظيم داعش؛ إلا أنّه لم يصدر - حتى الآن- بيان رسمي حول العملية، خاصة حول الجهة التي تقف وراء العملية والدافع والأهداف من وراء استهداف السياح الأجانب؛ باعتبار أنّ عنصر الأهداف والدوافع ركن أساسي في تعريف العمل الإرهابي والإرهاب بشكل عام.
إنّ الدرس الأهم  الذي يمكن أن نتعلمه من هذه العملية هو أنّ الإرهاب، حتى من خلال استخدام الأفراد المعزولين، إلا من أدوات العولمة التكنولوجية، أو ما يسمى "الذئاب المنفردة"، سيبقى الآن وفي المستقبل خطراً محدقاً وماثلاً، من خلال قدرته فائقة البشاعة على تهديده للاقتصاد الوطني والعالمي، والآثار السلبية المباشرة والخطيرة  للإرهاب على قطاع السياحة والسفر في العالم، الذي يعدّ حالياً ثاني أكثر القطاعات الاقتصادية نشاطاً ونمواً ومساهمة في الدخل القومي الإجمالي، وخلق فرص العمل والاستثمارات، بحسب ما تثبته الأرقام والإحصائيات الرسمية. 
أهمية السياحة
يعدّ قطاع السياحة والسفر ثاني أكثر القطاعات الاقتصادية نمواً في العالم، بنسبة نمو بلغت3.9 % عام 2018، ومن أكبر قطاعات الاقتصاد العالمي في خلق الوظائف وتحفيز الصادرات وتوليد الرخاء الاقتصادي في العالم عبر سلسلة طويلة من الصناعات الداخلة فيه من شركات ومؤسسات صغيرة وكبيرة في النقل، والتزويد، والمواد الغذائية، والإقامة، وأسواق التجزئة، والثقافة، والرياضة، التي تنتج كلّها في النهاية سلعاً وخدمات يتبادلها الناس عبر العالم فتزيد الترابط بينهم عبر عولمة السياحة والسفر. 

اقرأ أيضاً: "الإرهاب: مقدمة نقدّية".. كيف نفهم الظاهرة بعيداً عن السائد؟
وللدلالة على أهمية هذا القطاع في الاقتصاد العالمي؛ يمكن الإشارة الى التقرير السنوي 2019، الذي أصدره "المجلس العالمي للسياحة والسفر"World Travel & Tourism Council’s) WTTC)"،  الذي يقيس أثر السياحة والسفر في 185 دولة، و25 منطقة في العالم، منذ 25 عاماً؛ حيث تبيّن أنّ قطاع السياحة والسفر يساهم بما نسبته 10.4% من "الناتج المحلي الإجمالي" العالمي بمبلغ 8.8 ترليون دولار أمريكي، وما مجموعه 319 مليون فرصة عمل، أي ما نسبته 10% من سوق العمل العالمية العام 2018، ويلاحظ أنّ مساهمة هذا القطاع في "الناتج المحلي الإجمالي" العالمي كانت في زيادة مستمرة منذ العام 2009، ويتوقَّع أن تزيد بنسبة %3.5 العام 2029.

اقرأ أيضاً: ازدواج المعايير.. كيف يفهم الغرب ظاهرة الإرهاب؟
في الوقت نفسه؛ تشير العديد من الدراسات العلمّية المحكمّة إلى أنّ خطر الإرهاب أصبح، وبشكل متزايد، وثيق الصلة بالسياحة على المستوى العالمي، وهذا يعني أنّ على الأطراف الفاعلة في قطاعات السياحة أن تعي آثار العمليات الإرهابية، سواء التي جرت في الماضي أو الحاضر أوستجري في المستقبل، على سلوك السياح، خاصّة الأجانب، وأنّه من المهم إدراك ومعرفة أنّ المعلومات المتوفرة عن العمليات الإرهابية (في دولة ما) تؤثر بشكل مباشر ومهمّ في تفضيلات السيّاح ووجهاتهم في السياحة العالمية.
إنّ خيارات وتفضيلات السياح وهيكلية القرار عندهم التي تعتمد على خبرات السفر، والبحث عن الإثارة والمتعة، والعوامل الديموغرافية، والإقامة، والأسعار، وسياسات الحجز وإلغاء الحجوزات، كلّها تتغير نتيجة لزيادة تهديد خطر الإرهاب في أيّ بلد كان.
الحصانة ضدّ الإرهاب
ليس هناك دولة، مهما كانت قوية كبيرة أو صغيرة، مُحصّنة ضدّ خطر الإرهاب، هذه هي حجة الدفاع المنتشرة اليوم لدى أجهزة الأمن المهنية بمكافحة الإرهاب في كلّ دول العالم؛ التي تعرضت للهجمات الإرهابية، خاصة تلك التي تعتبر وجهة للسياحة العالمية.
قد تكون هذه الحُجة صحيحة شكلاً، لكنّها حجة غير أخلاقية، ولا تكفي على أرض الواقع، وفي كلّ مناحي الحياة اليومية، والأخطر؛ إذ استمرت الأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة السيادّية بالاتكاء عليها، وتحوّلها إلى إستراتيجية للهروب من المسؤولية وتغطية الفشل.

المعلومات المتوفرة عن العمليات الإرهابية تؤثر بشكل مباشر ومهمّ في تفضيلات السيّاح ووجهاتهم في السياحة العالمية

إنّ قطاع السياحة معرض للكوارث الطبيعية، والكوارث التي من صنع الإنسان، مثل الإرهاب، على حدّ سواء، ومع ذلك، يميل الناس إلى التغاضي، أو تفهّم، الكوارث الطبيعية في حين أنّ الهجمات الإرهابية لها آثار طويلة الأجل، وتؤدي إلى إلغاء خطط السفر والاستثمارات، بالتالي؛ خسائر مادية واسعة ومتنوعة.
وفي هذا المجال؛ فإنّ انطباعات الناس عن الدول ذات الواجهة السياحية في غاية الأهمية وتلعب دوراً مهماً في تحديد وجهة السائح، هكذا بنت أمريكا سمعتها كبلد الأحلام والفرص، وفرنسا بلد الفنّ والحبّ، وسويسرا جنة الله على الأرض، وماليزيا آسيا الحقيقية، أما الدول التي ينتشر بها الإرهاب، ثم لا تستطيع تأمين الحماية المادية للسياح فإنّها تعدّ طاردة للسياحة.

اقرأ أيضاً: أين تكمن مشكلة دراسة الإرهاب المعاصر؟
هناك علاقة سلبية (عكسيّة) بين الإرهاب والسياحة، وهناك علاقة إيجابية قوية بين الأمن والسياحة، وهناك العديد من الدراسات "الكمّية" التي أثبتت بالأرقام والإحصائيات هذه النتيجة؛ فكلّما زادت العمليات الإرهابية في دولة ما، انخفضت مساهمة قطاع السياحة في ذلك البلد، ببساطة؛ لأنّ السياح على المستوى العالمي يميلون إلى زيارة المناطق قليلة المخاطر والمعروف عنها توفر الأمن ويتجنبون المناطق الخطرة التي ينتشر فيها الإرهاب، حتى إن كانت تمتلك مناطق سياحية جميلة ومميزة.
ومن هنا؛ تُنصح الدول التي تريد التوسع في السياحة وجلب الاستثمارات لهذا القطاع التركيز بشكل رئيس على الأمن العام الشامل، ثم على "الأمن المادي" للسياح، وتأمين حركة تنقل السياح، إذا كانت بالفعل ترغب أن تزدهر صناعة السياحة لديها.
وفي الوقت نفسه؛ تستمرّ بالعمل من خلال مجالات التجارة العالمية، وبرامج التبادل الثقافي، والإعلان عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة عن ضمانات توفر مثل هذا الأمن على أرض الواقع.

الصفحة الرئيسية