الإسلام السياسي.. وتمثيلات خطاب الهوية

الإسلام السياسي.. وتمثيلات خطاب الهوية

مشاهدة

25/10/2018

أسّست تجربة الإسلام السياسي مع ظهور جماعة الإخوان المسلمين في العام 1928 تمثيلات جديدة من خطاب الهوية الإسلاموي، عكست من خلاله تماهياً بين الهوية الانشقاقية للجماعة والإسلام ذاته، في سياق أيديولوجي كان بمثابة "خصخصة" للإسلام، ما أدّى في النهاية إلى تمثيلات جعلت من التعريف الجديد لذلك الخطاب الهوياتي مبدءاً تفسيرياً لمواقف وتصنيفات وعلاقات، شكّلت انقساماً عمودياً في مجتمعات المسلمين، وأسّست لمرجعيات أيديولوجية جديدة كان من شأنها تفجير الإسلام في وجه مجتمعات المسلمين، وتفريخ جماعات على يمين الجماعة الأم، وصولاً إلى تنظيم "داعش" الإرهابي.

اقرأ أيضاً: كيف تحوّل الإعلام الديني من الوعظ لخطاب أيديولوجي سياسي؟

كان الأساس هو وهْم "الدولة" الإسلامية الذي سوق له حسن البنا متأثراً بمنظومة الدولة الحديثة (التي هي إحدى ثمرات الحداثة السياسية للعالم المعاصر) بالجملة الشهيرة: "الإسلام دين ودولة" دون أدنى انتباه، فيما بعد، من الجماعة للتناقض الأساسي بين الكلمتين: أي بين الدين والدولة القومية الحديثة!

نحتاج قراءة تأويلية معرفية جديدة ومعاصرة لمقاصد الإسلام تُسكِّنْ تناقضات المسلمين المتوهمة مع متغيرات الأزمنة الحديثة

فالدولة القومية الحديثة (دولة وستفاليا) بما هي سلطة إكراه عمومي عبر احتكارها للعنف، وفرضها لسيادة القانون، وتعريفها للمواطنة الحصرية، وضبطها لتعريف المواطنة وحقوقها العابرة للأديان، وحدودها السياسية، لا يمكن وصفها بأنها دولة دينية أو دولة متدينة، لسبب أساسي آخر يتناقض مع مفهوم الآية الكريمة: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، كما يتناقض في الوقت ذاته مع مفهوم آية: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا".

هذا يعني، بالضرورة، أنّ خطاب تعريف الإسلام بأنه دولة، الذي ابتدعه "حسن البنا" ورسَّخ مفهومه المؤدلج في الوعي العام للجماعة، سيخلق اقتراناً شرطياً في نفوس أتباعه؛ بين من يعارض تلك الدولة -ولو كان مسلماً- والكافر الذي لا يرضى بحكم الله، من خلال إسقاط أيديولوجي متوهم يطابق فهم الجماعة بالإسلام ذاته.

اقرأ أيضاً: 5 اغتيالات دموية نفذتها جماعات الإسلام السياسي

وهنا سنقع على أهم تمثيلات خطاب الهوية التي يتعذر معها فك الارتباط بين الذات والموضوع، بحيث تفضي النهايات الضرورية لتمثيلات خطاب الهوية في العلاقة مع الآخر المختلف إلى التكفير والإقصاء، لقد ألجأ خطاب الهوية جماعات الإسلام السياسي بالضرورة إلى خصخصة مفاهيم الإسلام، وتحريفها عبر ابتداع مرجعيات جديدة تتماهي مع المنطق الداخلي الأيديولوجي للدعوة، ولهذا كرّست أفكار الجماعة ومفاهيمها المتحولة سبباً جوهرياً لانقسام عمودي في المجتمع (تجربة دولة الإخوان المسلمين بعد ثورة 25 يناير في مصر نموذجاً)، فتحوّلت مفاهيم شرعية أصيلة للإسلام، عرفها المسلمون طوال تاريخهم عبر مرجعيات التقليد العلمي السني ومذاهبه الفقهية الأربعة إلى جانب (المذاهب الشيعية) عن معانيها العلمية والمعرفية مثل: "الجهاد"، و"الجماعة"، و"الشريعة"، و"التكفير" و"الدعوة" و"الهجرة" و"الخلافة" و"التمكين" وغيرها، من أجل الوصول إلى مفاهيم محرفة ومفخّخة بالعنف الذي يتوسل الوصول إلى قيام دولة "مستحيلة"! 

أسّست تجربة الإسلام السياسي تمثيلات جديدة لخطاب الهوية عكست تماهياً بين الهوية الانشقاقية للجماعة والإسلام ذاته

والمفارقة هنا، أنّ خطاب الهوية، الذي يجعل من الدولة والدين أقنوماً واحداً، فيكرس سعياً مستحيلاً لدولة متوهمة، أصبح عقدة العقد في خطاب جماعة الإخوان المسلمين؛ لأنّ تفكيك وهْم فكرة الدولة والدين في رؤية الجماعة عبر الفكر النقدي والمعرفة سيعني سقوطاً لمبرر وجودها ذاته، وسيكشف خطورة مرجعياتها الأيديولوجية تلك ودورها التدميري في تفكيك نسيج المجتمعات وتفجير استقرارها، لهذا لا تمارس جماعة الإخوان المسلمين منهجيات الفكر والمعرفة، ولهذا، كذلك، لا نكاد نجد لهذه الجماعة اليوم مفكراً واحداً؛ كما دلّ التجريب السياسي الفج لهم بعد ثورة 25 يناير المصرية.

إنّ منعكسات خطاب الهوية لدى جماعة الإخوان المسلمين، وجماعات الإسلام السياسي كرّس، من ناحية أخرى، اغتراباً عن الجماعة الوطنية في كل بلدٍ على حدة، عبر أفكار الهوية الأممية المتعالية عن الوطن والمواطنة، حسباناً منها أنّ هناك إمكانية واقعية لتحقيق تلك الأفكار الأيديولوجية المتعذرة، حكماً، ما أدّى إلى فشل تجارب الإسلام السياسي التي جربت تلك الأفكار (السودان نموذجاً).

اقرأ أيضاً: مفهوم المواطنة في دولة الإسلام السياسي

لقد مارست توترات الأيديولوجيا في خطاب الهوية لدى الإخوان قمعاً متواصلاً لحرية المعرفة، فصوّرت الواقع ميداناً للصراع، وجعلت من ذلك الصراع مع الآخر الحميم في الوطن صراعاً أبدياً يكرّس لرؤى متمانعة حيال الإجماعات الضرورية والتوافقات الأساسية لصيغة الوطن ونسبية السياسة.

تفكيك وهْم فكرة الدولة والدين في رؤية جماعة الإخوان سيعني سقوطاً لمبرر وجودها ذاته

واليوم، حين انفجر خطاب الهوية في تجارب الإسلام السياسي، وامتدت حرائقه إلى مختلف بلدان العالم العربي، وبدت عيوبه الظاهرة، مايزال هناك من يرى في هذا الخطاب المأزوم إمكانية لحلول مشكلات منطقتنا العربية المتخلفة، عبر الشعار المضلِّل "الإسلام هو الحل"، في حين أنّ الإسلام: دين، لا هو حل ولا هو مشكلة كذلك (مشكلتنا هي التخلف)، فلم يكن الإسلام يوماً ما مشكلة من مشكلات هذه المجتمعات (كما يزعم خطاب هوية حداثوي آخر)!

ما تحتاج إليه مجتمعاتنا هي: قراءة تأويلية معرفية جديدة ومعاصرة لمقاصد الإسلام تُسكِّنْ تناقضات المسلمين المتوهمة مع متغيرات الأزمنة الحديثة، وتُفعِّل القيم الإنسانية للإسلام، لنزع فتيل متفجرات خطاب الهوية الإسلاموي الذي صوّر الإسلام ومبادئه الإنسانية العظيمة للعالم الحديث ديناً دموياً لا "يهدي" للبشرية سوى الانتحاريين والإرهابيين الذين هم ضحايا التخلف وتمثيلات خطاب الهوية.

الصفحة الرئيسية