الاحتلال يجفّف ينابيع الأغوار لتعطيش الفلسطينيين وتدمير زراعتهم

الاحتلال يجفّف ينابيع الأغوار لتعطيش الفلسطينيين وتدمير زراعتهم

مشاهدة

25/12/2021

منذ احتلال الضفة الغربية، عام 1967، تتطلّع العيون الإسرائيلية إلى السيطرة على مصادر المياه الفلسطينية، تحديداً في منطقة الأغوار، والتي تتوزع على أراضيها المئات من ينابيع وآبار المياه، بغرض توفير البنى التحتية اللازمة للمستوطنين في البؤر الاستيطانية المقامة على مساحات واسعة من الضفة الغربية والأغوار من مصادر المياه العذبة، في ظلّ حرمان الفلسطينيين في التجمعات السكنية من أيّة حقوق مائية.

اقرأ أيضاً: مدير المسجد الأقصى لـ"حفريات": رحلات المدارس الإسرائيلية تكريس للرواية التوراتية المزعومة

وتقع منطقة الأغوار على طول الجزء الشمالي الشرقي من الضفة الغربية؛ وتشمل: محافظة أريحا، ومحافظة طوباس، وجزءاً من محافظة نابلس، وتبلغ مساحة هذه المنطقة حوالي 1638 كيلومتراً مربعاً؛ وتشكّل أكثر من 28% من مساحة الضفة الغربية، والبالغة حوالي 5690 كيلو متراً مربعاً.

وتقسم مناطق الأغوار إلى: مناطق (A) وتخضع لسيطرة السلطة الوطنية الفلسطينيّة، ومساحتها 85 كم2، ونسبتها 7.4% من مساحة الأغوار الكلية. ومناطق(B)، وهي منطقة تقاسم مشترك بين السلطة وإسرائيل، ومساحتها 50 كم2، ونسبتها 4.3% من المساحة الكليّة للأغوار. ومناطق (C) وتخضع للسيطرة الإسرائيليّة الكاملة، ومساحتها 1155 كلم، وتشكل الغالبيّة العظمى من منطقة الأغوار (بنسبة 88.3%).

تشكل الزراعة العصب الاقتصادي لسكان مناطق الأغوار

وتشكل الزراعة العصب الاقتصادي لسكان مناطق الأغوار؛ إذ إنّ غالبيتهم يعملون في هذا القطاع؛ نظراً لخصوبة الأراضي الزراعية؛ والميزة النسبية للزراعة، حيث يتم إنتاج محاصيل في موسم الشتاء، لا يمكن إنتاجها في مناطق أخرى؛ إضافة إلى توافر العديد من المصادر المائية، والمتمثلة في الينابيع، التي تتدفق مياهها من السفوح الجبلية المطلة على الأغوار.

وبحسب دراسة أعدّها مركز عبد الله الحوراني للدراسات التابع لمنظمة التحرير، أواخر عام 2017؛ فإنّ "الأغوار الشمالية تقع ضمن الحوض المائي الشرقي الأكبر في فلسطين، ورغم ذلك تسيطر إسرائيل على 85% من مياهها، فيما يتحكم الفلسطينيون بـ 15% المتبقية، كما أنّ معدل استهلاك المستوطن القاطن في الأغوار الشمالية يزداد 8 أضعاف عمّا يستهلكه المواطن الذي يقطن في أماكن أخرى".

الهدف الرئيس الذي يسعى الاحتلال من ورائه لتجفيف وسرقة مياه الينابيع والآبار الفلسطينية في التجمعات الفلسطينيّة بالأغوار، هو تعطيش السكان، وتدمير أراضيهم الزراعية وثروتهم الحيوانية

وبحسب اتفاقية أوسلو الموقّعة عام 1993، فقد تمّ تخصيص 118 مليون متر مكعب من المياه للفلسطينيين سنوياً، وهذه الحصة تُقدَّر بنحو 15% من كمية المياه المتاحة في فلسطين التاريخية التي تبلغ 700 مليون متر مكعب، وعلى الرغم من ذلك، فإنّ الاحتلال لم يعطِ الفلسطينيين هذه الحصة كاملة طيلة السنوات الماضية، كذلك لم يزد الحصة في حين تضاعف عدد الأهالي منذ ذلك الوقت، حينها كان عددهم في الضفة الغربية وقطاع غزة مليونَين ونصف المليون، في حين يزيد اليوم عن أربعة ملايين.

وفي الوقت الذي توصي فيه منظمة الصحة العالمية بـ 110 لترات من المياه كحدّ أدنى للفرد الواحد في اليوم، تُستخدَم لأغراض الشرب والاستحمام وغيرهما من الحاجات اليومية، فإنّ المواطن الفلسطيني يحصل على معدّل 83 لتراً من المياه فقط، لكنّ الكمية تبدو أقل بكثير في المناطق التي تعاني من مضايقات الاحتلال مثل مناطق الأغوار، حيث يحصل الفرد فيها على كمية تتراوح بين 20 و25 لتراً من المياه فقط، فيما يحصل المستوطن على كمية تصل إلى 400 لتر من المياه في اليوم.

اقرأ أيضاً: حماس عندما تطلب الدعم ولو من الصين

وكان ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء إسرائيلي، قد قال، بكل قوة ووضوح، عام 1955: "اليهود يخوضون مع العرب معركة مياه ويتوقف مصير دولة إسرائيل على نتيجة هذه المعركة".

وعام 1964، أكمل مشروع المياه القُطري الذي حوَّل بموجبه مياه نهر الأردن إلى منطقة النقب جنوب فلسطين بواسطة مضخات ضخمة ترفع المياه من 108م تحت سطح البحر إلى 238م فوق السطح بتكاليف باهظة تستهلك ثلث إجمالي كمية الكهرباء التي تحتاجها "إسرائيل".

تجفيف الينابيع والآبار

بدوره، يقول رئيس مجلس قروي المالح والمضارب البدويّة، مهدي دراغمة، خلال حديثه لـ "حفريات" إنّ "الهدف الرئيس الذي يسعى الاحتلال من ورائه لتجفيف وسرقة مياه الينابيع والآبار الفلسطينية في التجمعات الفلسطينيّة بالأغوار، هو تعطيش السكان، وتدمير أراضيهم الزراعية وثروتهم الحيوانية، والتي يعتمدون عليها بشكل أساسي في حياتهم، ليتم تهجيرهم بشكل قسري من هذه التجمعات، لبناء المزيد من المستوطنات والبؤر الاستيطانية".

 رئيس مجلس قروي المالح والمضارب البدويّة، مهدي دراغمة: السلطات الإسرائيلية تعتمد على حفر أنفاق عميقة إلى جانب عيون الينابيع                                 

وتابع دراغمة بأنّ "السلطات الإسرائيلية تعتمد على حفر أنفاق عميقة إلى جانب عيون الينابيع، وتقوم على سحبها بواسطة أنابيب ضخمة إلى داخل المستوطنات الجاثمة على أراضي الأغوار؛ كمستوطنة محولا، ومسكيوت، وغيرها، حتى بات عدد كبير من السكان في التجمعات السكنية التي تصل إلى ما يقارب 26 تجمعاً، يلجأون إلى إحضار المياه من القرى المجاورة عبر الصهاريج، لاستخدامها في مياه الشرب والزراعة وسقي الماشية، إلا أنّ قوات الاحتلال تلاحق أصحاب هذه الصهاريج وتفرض عليهم غرامات مالية باهظة".

اقرأ أيضاً: الحياة على ذمة الموت: عائلات غزاوية تعيش في المقابر

ولفت إلى أنّ "الاحتلال يسيطر على العديد من مياه الينابيع؛ كنبع عين الحلوة، وأم الجمال، وعين الساكوت، ومؤخراً نبع خلة خضر، وتمنع إسرائيل الفلسطينيين من الاقتراب منها أو الحصول على مياهها، وذلك لعلم الاحتلال أنّه بسيطرته على المياه، يكون قد استولى على جميع مساحة الأغوار الفلسطينيّة، والتي تقع على أكبر حوض مائي في فلسطين".

الاستيطان الرعوي

دراغمة أكّد أنّ "غالبية الأراضي في الأغوار تقع تحت السيطرة الإسرائيلية، كما تنتشر في المنطقة ما تسمى بالمستوطنات الرعويّة، من خلال قيام مجموعات من المستوطنين برعي الأغنام والأبقار فوق مساحات شاسعة من الأراضي تفوق مساحة المستوطنات الأخرى المجاورة، بعد أن يتم نصب خيام عليها، وغالباً ما يتم تسييجها بشباك معدنية، للاستيلاء عليها بحماية من قوات الاحتلال، والتي تقوم على إتاحة البنى التحتية اللازمة، من مياه وكهرباء وغيرها، لبقائهم في هذه المناطق".

 

الاحتلال يستولي على مساحات واسعة من أراضي الأغوار بحجة أنّها مناطق عسكرية مغلقة، عبر استغلال هذه المساحات لإجراء الجيش الإسرائيلي مناوراته العسكرية

وبيّن رئيس مجلس قروي المالح والمضارب البدوية؛ أنّ "الاستيطان الإسرائيلي تصاعد في الأغوار بعد عام 1967 بشكل كبير، بحيث أصبح متعدد الأهداف والأغراض، ليكون استيطاناً سياسياً واقتصادياً، من خلال السيطرة على مساحات واسعة من الأرض، وسلب مياهها وخيراتها، حتى وصلت المستوطنات في الأغوار إلى أكثر من 37 مستوطنة وبؤرة استيطانية تضمّ أكثر من 10 آلاف مستوطن صهيوني".

اقرأ أيضاً: لماذا يحرّم على النساء زيارة دير تاريخي في بيت لحم؟

ويرى رئيس مجلس قروي بردلا بالأغوار الفلسطينية، زايد صوافطة؛ أنّ "الاحتلال الإسرائيلي يستخدم كل الطرق والوسائل للسيطرة والاستيلاء على الأراضي والآبار وينابيع المياه في مناطق واسعة من الأغوار، بمساعدة تجار وسماسرة الأراضي يسهلون للاحتلال تسريبها إليهم، مقابل مبالغ مالية باهظة، لتجفيف المياه في مناطق الأغوار، وسحبها إلى داخل المستوطنات الصهيونية".

رئيس مجلس قروي بردلا بالأغوار الفلسطينية، زايد صوافطة: "السبب الرئيس أيضاً للتغول الذي تشهده الأغوار هو أيضاً عزوف بعض السكان في التجمعات السكنية الفلسطينية عن الرعي وزراعة الأراضي

ويضيف صوافطة، لـ "حفريات": "السبب الرئيس أيضاً للتغول الذي تشهده الأغوار هو أيضاً عزوف بعض السكان في التجمعات السكنية الفلسطينية عن الرعي وزراعة الأراضي، والانشغال في المهن الأخرى، كالتعليم والصحة وغيرها، على الرغم من استرجاع قرية بردلا لوحدها 1300 دونم، استولى الاحتلال الإسرائيلي عليها قبل عدة سنوات، وتمّت استعادتها بعد سنوات من المداولات في المحاكم الصهيونية".

اقرأ أيضاً: الاستيطان العامودي: بنايات عملاقة بخدمات فريدة لجذب الإسرائيليين

ولفت إلى أنّ "قوات الاحتلال قامت بحفر أنفاق بعمق 40 متراً تحت الأرض، لسرقة المياه إلى المستوطنَتَين المطلَّتين على القرية، والتي لا يتجاوز عدد سكانها 750 مستوطناً، فيما يترَك الآلاف من الفلسطينيين بالقرية والتجمعات الأخرى المجاورة، يعانون العطش، ولا يستطيعون الاقتراب من هذه الينابيع، وكلّ من يحاول الحصول على احتياجاته منها، يتم إطلاق النار المباشر عليه من قبل المستوطنين وقوات الاحتلال".

حزام أمني

وأوضح صوافطة؛ أنّه "لمنع الفلسطينيين من الاقتراب من نهر الأردن، والاستفادة من مياهه لأغراض الشرب وريّ المزروعات وسقاية الماشية، لجأ الاحتلال لإقامة حزام أمني بعرض كيلو متر واحد من قرية بردلا وحتى مدينة أريحا، للسيطرة على هذه المنطقة بشكل كامل، بحيث يمنع السكان الفلسطينيين من الاقتراب منها".

اقرأ أيضاً: إسرائيل تحصّن سجونها.. ومحللون لـ "حفريات": الأسرى سينالون الحرية

وأكّد صوافطة؛ أنّ "الاحتلال يستولي على مساحات واسعة من أراضي الأغوار بحجة أنّها مناطق عسكرية مغلقة، عبر استغلال هذه المساحات لإجراء الجيش الإسرائيلي مناوراته العسكرية؛ حيث يتم الطلب من التجمعات السكنية القريبة من المناورات بإخلائها لساعات طويلة حتى ساعات المساء، قبل أن يسمح لهم بالعودة إلى منازلهم، وهي سياسة إسرائيلية تهدف إلى التنغيص عليهم، ودفعهم لترك منازلهم وأراضيهم قسراً".

الصفحة الرئيسية