التيار المدني يواجه اتحاد القرضاوي في تونس

التيار المدني يواجه اتحاد القرضاوي في تونس

مشاهدة

18/01/2021

أعلنت كتلة الحزب التونسي الحر، في بيان أصدرته في التاسع من شهر كانون الثاني (يناير) الجاري، أنّ أنشطة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فرع تونس، لم تخضع إطلاقاً لرقابة وزارة الشؤون الدينيّة، ولا تعلم الوزارة بما يتم تدريسه من طرف الاتحاد، وأضاف البيان أنّ الاتحاد في تونس، يخضع لتعليمات وتوجهات التنظيم الرئيس، الذي أسّسه يوسف القرضاوي.

يقدم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين/ فرع تونس مجموعة من الأنشطة والدورات التكوينيّة تتضمن فكراً متشدداً

وأضاف بيان الحزب، أنّ الاتفاقية المبرمة بين وزارة الشؤون الدينية والاتحاد في حكم المعدومة، ولم يتم تفعيلها من جانب الوزارة منذ العام 2013، كما جاء في البيان أنّ وزارة التعليم العالي، أعلنت عدم اعترافها بأيّ منظومة تعليم صادرة عن مؤسسات غير رسمية، وغير مطابقة للقوانين الجاري بها العمل، ولا علاقة لها بهذا الاتحاد، وبرنامج تعليمه، والشهادات الصادرة منه.

اقرأ أيضاً: هل تونس حقاً بخير بعد الثورة؟

وطالب الحزب، الحكومة التونسية الشروع في إجراءات حلّ هذا الاتحاد، الذي ينشط في الفضاء التونسي، وضرورة تحمل المسؤولية القانونية والسياسية، والاضطلاع بمسؤولية تطبيق القانون، وحماية المجتمع التونسي.

ذراع الإخوان في تونس

يقدم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فرع تونس، مجموعة من الأنشطة والدورات التكوينيّة، التي تتضمن فكراً دينياً متشدداً، يتنافى مع النمط المجتمعي التونسي، فضلاً عن تلقيه مقابلاً مادياً رمزياً، ما يطرح تساؤلاً مهماً حول مصادر تمويل هذا الاتحاد، فضلاً عن الاتهامات التي لحقت به، في توريط وتحفيز الشباب التونسي، على الالتحاق ببؤر القتال، في ساحات الصراع المشتعلة، في سوريا وليبيا وغيرها.

اقرأ أيضاً: هدوء حذر في الشارع التونسي.. هل يطوي صفحة الاضطرابات؟

يذهب الأكاديمي التونسي، الدكتور فريد بن بلقاسم، إلى أنّ الاتحاد يقدّم نفسه في موقعه الرسمي، باعتباره منظمة دعوية، ويعمل على تسويق صورة، قوامها القيام بأنشطة "علميّة"، تندرج ضمن إطار ما يسمّيه "العلم الشرعيّ"، "غير أنّ هذه صورة موهومة، فهذا الاتحاد ما هو في الواقع سوى ذراع إخوانيّة، مثله مثل تنظيمات أخرى، على غرار المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث".

الأكاديمي التونسي، الدكتور فريد بن بلقاسم

 ويؤكد الباحث في الفكر الإسلامي والحركات الإسلامية، في حديثه لـ"حفريات" أنّ "الدعوة والعلم، اللذين يتستر وراءهما الاتحاد، ما هما غير قناع يخفي حقيقته، التي كشف عنها في مناسبات عديدة، لعلّ أبرزها الفتاوى الصادرة عنه في أحداث "الربيع العربيّ"، ولاسيّما في سوريا وليبيا".

اقرأ أيضاً: أراد التونسيون حواراً فهددهم الغنوشي بالحرب.. هل يؤمن الإخوان بغير العنف؟

وكان الاتحاد أسّس فرعاً له في تونس العام 2012، أي في فترة ما يعرف بحكومة الترويكا، بقيادة حركة النهضة، وهي من المرّات النادرة، التي أمكن لهذا التنظيم أن يفتح فرعاً خارج مقرّه الرئيسي في قطر، ويعمل الفرع التونسيّ تحت غطاء التكوين والتأهيل الشرعي، على استهداف الشباب التونسيّ من الجنسين، وخصوصاً النساء لتلقين المبادئ الإخوانيّة، ضمن خطّة لاختراق الوعي التونسيّ، واستنبات قيم غريبة عنه، ومحاربة من يطلقون عليهم العلمانيين والحداثيين واليساريين.

فريد بن بلقاسم: الدعوة والعلم اللذان يتستر وراءهما الاتحاد  ما هما إلا قناع يخفي حقيقته

يتابع بن بلقاسم: أدرك التونسيون أنّ هذا الفرع ليس سوى جزء من الجناح الدعوي للحركة الإسلاميّة في تونس، ويضطلع بمهمّة الاختراق، وهو جزء من مخطّط التمكين، من خلال تهيئة قاعدة بشريّة شبابيّة ونسائيّة بالخصوص، تمثّل بالنسبة لهم قوّة تغيير لنمط المجتمع في المستقبل، وقد تحرّكت نخب فكريّة للتنبيه إلى ما يشكّله هذا التنظيم وغيره من التنظيمات "الدعويّة"، من خطورة على المجتمع التونسي، من حيث نسيج القيم التي تجمع بين مختلف فئاته وطبقاته، ومن حيث التطلّع إلى تكريس مبادئ المواطنة والمساواة والعيش المشترك.

اقرأ أيضاً: أزمة تونس: حلول تصطدم بالاستقطاب والمناكفات

ويلفت بن بلقاسم أنّه "مؤخّراً تحركت بعض القوى السياسيّة، أبرزها الحزب الدستوري الحر لتبنّي ما كانت تلك النخب قد نبّهت إليه، من خلال الاعتصامات ورفع الدعاوى القضائيّة، ونحن ننتظر ردّ فعل السلطات إزاء هذه التحرّكات المهمة، التي تجابه خطر الإسلام السياسي، والمنظمات التابعة له في تونس، خاصة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين فرع تونس".

معركة التيار المدني

من الصعوبة بمكان حصر طلب الشروع في إجراءات غلق الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فرع تونس، باعتبار ذلك امتداداً للخصومة بين الحزب الدستوري الحر وحركة النهضة، أو العداء الشخصي بين السيدة عبير موسي، والشيخ راشد الغنوشي؛ إذ إنّ هذا الطلب خرج بأكثر من صورة خلال الشهور الماضية، عبر بيان أصدره مجموعة من الكتّاب والمفكرين التونسيين، وكذلك اعتبر المرصد الوطني لمدنية الدولة، أنّ حلّ فرع الاتحاد في تونس، من شأنه أن يسهم في وقف نزيف العنف والإرهاب، داعياً الدولة إلى فتح تحقيقات بخصوص أنشطته، والتقصي حول مصادر تمويله.

التوجاني: هذا الاتحاد يسوق لإسلام القرضاوي المُعد خصيصاً للاستهلاك الأيديولوجي

في هذا الإطار، تشير الباحثة في الإسلاميات، الدكتورة زينب التوجاني، إلى أنّ الحزب الدستوري الحر، يعتصم منذ شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي، أمام مقر جمعية العلماء المسلمين، التي تتبع اتحاد القرضاوي، ويطالب بحلّ الجمعية، التي يعتبرها مخالفة للقانون التونسي، واعتبرت أنّ "هذه القضية كان من المفروض أن يتبناها كل المدافعين عن مدنية الدولة، والقوى الحداثية برمتها، وألّا يترك الدستوري الحر في الميدان وحيداً، لأنّ هذا الاتحاد يمثل خطراً على التونسيين، فهو يسوق لإسلام القرضاوي، المُعد خصيصاً للاستهلاك الأيديولوجي، وهي تنشر معارف دينية غير مراقبة، وتمنح المتعلمين إجازات لا تصلح للتشغيل، لأنّها غير معترف بها لانتداب الأئمة، فهذه الجمعية تعد جيشاً من حاملي معارف فقهية وشرعية، وحَفَظة الأحكام التي لا تطبق في تونس، بوصف قوانينها وضعية، لذلك يجب حلّ هذا التنظيم المزروع في تونس، لنشر الفكر الرجعي، ومعاداة الحداثة والتحديث، فالمعركة ضد اتحاد القرضاوي، هي معركة كل فكر حر، وكل إرادة سياسية حرة".

الدكتورة زينب التوجاني

وتؤكد التوجاني في حديثها لــ"حفريات" أنّها "ذكّرتُ التونسيين منذ بدأ اعتصام عبير موسي، بضرورة الوعي بمخاطر المؤسسة المشبوهة، فقد انعقد أيام 6-7-8 أيّار (مايو) العام 2012 بتونس، مؤتمر بالتنسيق بين جامعة الزيتونة، واتحاد العلماء المسلمين، وبإشراف وزير التعليم العالي، المنصف بن سالم، وكان من أهم الحضور القرضاوي، وعبدالفتاح مورو، وراشد الغنوشي، فالقرضاوي، مفتي الدم المطارد من مصر، والمتورط في تبرير جرائم باسم الدين، هو مؤسس الاتحاد العالمي، الذي انقلب ضدّ الغنوشي، واتهمه بالجبن، حين أعلن الفصل بين الدعوي والسياسي، ووضع يده في يد المرحوم الباجي، وقرّر أن ينزع عنه جبّة وعمامة المرشد، ويلبس البدلة الفرنجية".

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: مزايدات في تونس وخلاف مغاربي وملاحقات في السعودية

ولكن الغنوشي، بحسب التوجاني، "لم يفلح في إخفاء معالم الجريمة التي تسبب بها، ومسؤوليته السياسية في مقتل الشهيدين، واندلاع العنف في البلاد، ولم يعتذر إلى اليوم علناً، ولم يعترف بأنّه ورط آلاف الشباب التونسيين والشابات، في حرب سوريا ثم ليبيا، ولم يعترف أنّه بجلبه لاتحاد القرضاوي، تسبب في آلام مئات النساء، اللواتي فُرض عليهن "أولياء" أمورهن الحجاب في العام 2012، واللواتي خُدعن بخطاب القرضاوي الماكر، واللواتي سيكتشفن ككلّ الشعب التونسي تلك الخديعة، مع تسارع الأحداث في 2013، وسقوط دولة داعش في 2015، وما جرى من مجازر وفظاعات، ومشاهد دموية ووحشية، باسم الإسلام والإسلام براء".

اقرأ أيضاً: إخوان تونس والمصالحة الخليجية: لزومُ ما يلزمْ

 وتلفت التوجاني، إلى أنّ "أيادي هؤلاء مغمسة في الدمّ، ولم يكتفوا فقط بفتح البلاد لهجرة الشباب نحو الشرق للقتال، بل فتحوا الفضاء الاجتماعي على الصدام والصراع والانقسام، مستغلين مشاعر التونسيين الدينية العفوية، وميلهم إلى التعرف على الإسلام، بعد عقود من الدعوة السريّة الإخوانية، التي أوهمت الشعب أنّه على ضلال".

مدنية الدولة على المحك

المؤسف أنّ بعض دارسي الإسلام في الغرب، يعتقدون أنّ هذه المؤسسات تنشر الإسلام الوسطي، فيما يعتقد بعض التونسيين، أنّ دعم مساعي الحزب الدستوري في هذا المطلب الشرعي، هي مساندة سياسية، وكأنّ مساندة القضية تمثل خيانة لمبادئهم، المناهضة لرمزية عبير موسي، المتصلة بالعهد السابق والرئيس بن علي، وكل هؤلاء لا يدركون حجم تهديد الإسلام السياسي للقيم الاجتماعية التونسية، وللحداثة ومساعي التطوير.

أنيس اللواتي: اتحاد القرضاوي بتونس يمثل ذراعاً من أذرع الأخطبوط الإخواني في منطقة المغرب العربي

من جانبه، يؤكد الناشط السياسي، رئيس المنظمة الوطنية للشباب الدستوري التونسي، أنيس اللواتي، أنّ "هذا الاتحاد عبارة عن مجموعة من المشبوهين المحسوبين على الإسلام، الذين يوظّفون الدين في خدمة أغراضهم السياسية، ولتحقيق أهداف وكلائهم في المنطقة".

رئيس المنظمة الوطنية للشباب الدستوري التونسي، أنيس اللواتي

ويقول اللواتي في تصريحه لـ"حفريات"، أنّ "الأمر يتضح عندما نطالع اسم رئيس الاتحاد، يوسف القرضاوي، بكل ما يحمله تاريخه من مواقف تحض على العنف، ومناورات سياسية، تهدف إلى التمكين للإخوان المسلمين، تلك الجماعة التي ينتمي إليها، والتي جلبت إلى المنطقة كافة أشكال العنف والإرهاب".

ويرفض الناشط السياسي التونسي أن يكون لهذا الاتحاد فرع في "تونس المدنية، أرض التسامح وملتقى الحضارات والديانات، لذا كان من الطبيعي أن تتعالى أصوات الجميع دون استثناء، داعية لغلق فرع اتحاد القرضاوي بتونس، فهذا الفرع يمثل ذراعاً من أذرع الأخطبوط الإخواني، في منطقة المغرب العربي، وبالتالي فإنّ غلق فرع تونس، يمثل مجابهة موضوعية للخطر، المتمثل في حضوره داخل الفضاء التونسي، وما يمثله من تهديد للوضعية الآمنة المعروفة عن تونس".

ويختتم اللواتي قائلاً: "مهما حاولوا أن يبرروا وجود هذا الفرع، فإنّ حججهم واهية؛ لأنّ تونس دولة ذات سيادة، وبالتالي فإنّ الوطنيين الأحرار، باختلاف توجهاتهم السياسية، لن يسمحوا بمواصلة وجوده، ومن ثم تخليص تونس من أفكاره الظلامية".

الصفحة الرئيسية