الحبّ في التاريخ الإسلامي شاهد ضد التشدد والكراهية

تاريخ

الحبّ في التاريخ الإسلامي شاهد ضد التشدد والكراهية

مشاهدة

08/05/2019

لقرون خلت؛ كان الشعر ماسة العرب النفيسة، وإذا ذكر الشعر، فقد حضر الحُبّ؛ فالشاعر بالمقام الأول عاشق لما ينظم فيه شعره، سواء كان امرأة أو الإله أو الطبيعة، فكل شاعرٌ بالحبِ مفتون، وبينما تتعالى أصوات التشدد وتصدح أبواق الكراهية في تحريم الشعر ولعنة الحُب، يلزم العودة إلى تاريخ الحب الرفيق الأبدي للشعر عند العرب.

سجّلت أمهات الكتب قصص الحب التي عاشها خلفاء الأندلس ومنها قصة الخليفة المعتمد بن عبّاد الذي أحبّ جاريته الرومية

ولم تغفل كتب التراث عن الحب في فلسفة المسلمين القدامى، ودونت الكثير عنه، وبين مجلدات نهاية الأرب في فنون الأدب، سجل العلامة والمؤرخ المصري، شهاب الدين النويّري، فلسفة الحب عند العرب، كما استشفها من منقول التراث السابق على عصره، قائلاً: "وأما سبب العشق؛ فهو مصادفة النفس ما يلائم طبعها، فتستحسنه وتميل إليه، وأكثر أسباب المصادفة النظر، ولا يكون ذلك باللمح؛ بل بالتثبت في النظر ومعاودته بالنظر، فإذا غاب المحبوب عن العين طلبته النفس، ورامت التقرب منه، وتمنت الاستمتاع به، فيصير فكرها فيه، وتصويرها إياه في الغيبة حاضراً، وشغلها كلّها به، فيتجدّد من ذلك أمراض لانصراف الفكر إلى ذلك المعنى"، أمّا العلاّمة الحكيم داوود الأنطاكي، فلم تغفل كتاباته ذكر الحبّ وأخبار العاشقين؛ ففي كتابه "تزيين الأسواق بتفصيل أشواق العشاق"، يقول: "العشق فضيلة تنتج الحيلة، وتشجع الجبان، وتسخي كفّ البخيل، وتصفي ذهن الغبيّ، وتطلق بالشعر لسان الأعجم".

لم تغفل كتب التراث عن الحب في فلسفة المسلمين القدامى
ويردف في مقطع آخر: "وأما العشق فهو داعية للأدب، وتأويل باب تفتق به بالأذهان والفطن، ويستخرج به دقائق المكايد والحيل، وإليه تستريح الهمم، وتسكن به فواتر الأخلاق والشيّم، يمتع جليسه ويؤنس أليفه، وله سرور يجول في النفوس وفرح يسكنُ في القلوب".

اقرأ أيضاً: شخصيات الأدباء عبر رسائل الحب
وكتب المؤرخ الأمريكي، ويل ديورانت، في موسوعته "قصة الحضارة": "وأمّا العربيّ فإنه محبٌ حتى الثمالة، ومفتاح شخصيته يكمن بين كلمتين "الحُب والحرب" فأمّا الحب فإنّ العربي بطبعه محبٌ للنساء، بالمعنى العذري حيناً، والجنسي حيناً آخر، فالعربي يضحي لأجل محبوبته بكل غالٍ ونفيس، ويمكن أن يشعل لأجلها حروباً، ويصبح بين يدي امرأته كطفل يستجدي عطف والدته". وجاءت كلمات ديورانت بعد معايشته أهل الجزيرة وبدو العرب، فدوّن تاريخ الإٍسلام، وحياة النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، رضي الله عنهم، ونمط حياتهم وفسّر سلوكهم الإنساني من الظروف الموضوعية للبيئة المحيطة بهم، وعوامل الإنتاج؛ لذا فقد وصف العديد من الباحثين دراسته بالأكثر موضوعية وحيادية، من حيث عدم انطلاقها من نزعة أيديولوجية مؤيدة أو معارضة.

في نقد الجمود الديني
في كتابه "فجر الإٍسلام"؛ يرصد الباحث والمفكر المصري الراحل، أحمد أمين، التغيّرات التي حلّت بالمجتمع العربي بعد دخولهم الإسلام قائلاً: "وكثيرٌ من شُبّان بني أمية وبعض شبان بني هاشم كانوا يعيشون عيشة هي إلى الجاهلية أقرب منها إلى الإٍسلام، شراب وصيد وغزل، كزيد بن معاوية وصحبه، فقد كان زيد صاحب طرب وجوارح وكلاب للصيد، ومنادمة على الشراب، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب، وغلب على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله".

اقرأ أيضاً: ممّ يخاف التربويّون.. من عيد الحب أم من الحب نفسه؟
أما أستاذ الأدب العربي، الدكتور محمد عبد القادر أحمد؛ فقد أورد في كتابه "دراسات في أدب ونصوص العصر الأموي"، مقارنة بين نصوص الغزل في الجزيرة العربية قبل الإسلام وبعده، وما دونه من ملاحظات تنطوي على أنّه لم تحدث تغيّرات جذرية ملحوظة، بل جرت عملية تهذيب لأشعار الغزل الفاضحة والمجاهرة بما يحدث بين الرجل والمرأة، إلى الغزل العفيف، وله مردود أكثر عمقاً، كما يرى الكاتب، وهي التحولات في الصورة الذهنية عن المرأة قبل الٍاسلام وبعده.

اقرأ أيضاً: بين الحب وحاجة التملّك
وبحسب ما يرى عبد القادر؛ فإنّ أشعار العرب قبل الإسلام وبعده تعكس معرفتهم العميقة بالحب وتذوقه حتى الأعماق؛ فهي أشعار صادقة وحقيقية، لا تقليد أو محاكاة وهمية، وسلعة تجارية، فقد تبلور الشعر في العصر الأموي، الذي يحكي عن العاطفة القلبية تجاه المرأة، ومحاسن خلقها وروحها وحلاوة حديثها، لا فقط عن مفاتن، تعكس رغبات مكبوتة، وأمّا المرأة نفسها؛ فقد نالت قسطاً لا بأس به من الحرية بمعطيات عصرها وبيئتها الصحراوية، فصارت تخالط الرجال في مجالس الشعر والغناء، ونتيجة للتغيرات الديموغرافية واختلاط العرب بالأعاجم، فقد تنوعت أساليب الحياة لدى النساء، فصرن يتباهين بزينتهن، ويتنافسن بالتبرج وحفظ الشعر ونظمه، وكانت سكينة بنت الحسين أبرز علامات ذلك العصر، وأيقونة نسائية في زمانها، حسناً وأدباً وشعراً؛ ففي مجالسها أنشد شعراء الغزل والعاشقين أجمل ما قيل في الشعر العربيّ، ومن صالونها الأدبي خرجت شاعرات المشرق والمغرب الإسلامي على حدّ سواء، فكل تلك الكتابات تدحض ما يروجه الإسلامويون من الزهد في مباهج الحياة، وتصوير السلف المسلم بأنّهم تجردوا من متع الدنيا، وهو ما يستخدمونه كبراهين دامغة تسمح لهم بتكفير المجتمعات الإسلامية عن طيب نفس.
 أشعار العرب قبل الإسلام وبعده تعكس معرفتهم العميقة بالحب وتذوقه حتى الأعماق

الحُبّ أزلي وأبدي
وسط الصحراء القاحلة، بمواردها النادرة وطبيعتها القاسية، لم يجد العربي ملاذاً من جفاف بيئته سوى الارتواء بحبّ امرأة تسكن قلبه، لتكون برداً وسلاماً يخفف من حرارة أرضه الحارقة، وفي هذا الصدد؛ قدّمت الكاتبة الصحفية المصرية، إقبال بركة كتابها "الحبّ في صدر الإسلام" محاولة فك الجمود الفكري والعاطفي المسيطر على عصرنا الحالي، وإخضاع  السلف لطبيعتهم الإنسانية التي جردهم منها أصحاب الجمود العقدي، والتطرف الفكري، المتحكمين في صورة الإسلام المعاصر.

اقرأ أيضاً: 10 أفلام أشعلت حرائق الحب في قلوب العشاق
وبتعدد قصص الحب في تاريخ الدولة الإٍسلامية، فقد تعددت المؤلفات الأدبية والفقهية والفلسفية، حول تلك الغريزة الإنسانية، ولم يجد أكثر الفقهاء علماً وديناً حرجاً من الحديث فيها، وأفردت لها المؤلفات، وعلى رأس هؤلاء؛ جاء كتاب "طوق الحمامة في الألفة والآلاف"، للعلامة ابن حزم الأندلسي، الذي تناول عدة أبواب فلسفة الحب وأنواعه وطرائقه، ويعدّ أحد المصادر الأساسية والملهمة للأدب الإسباني، ورغم شهرة قيس وليلى، كأيقونة للحب العربي، إلّا أنه ما أكثر قصص الحب في ذلك العصر، حيث لم يجد المحبين حرجاً من البوح بعواطفهم، وإلّا لما وصلت إلينا أخبارهم، وما نشدت يوماً أشعارهم.
ولو أنّ ألفاً دون بثينة كلهم ... غيارى، وكل حارب مزمع قتلي
لحاولتها إما نهاراً مجاهراً... وإما سرى ليل ولو قطعت رجلي

بتلك الأبيات أنشد الشاعر العربي، جميل ابن قبيلة بني عامر، كلماته لمحبوبته بثينة، ابنة قبيلة بني عذرة، بعدما رفض أهلها أن يزوجوه إياها، وزوجوها لابن عمها، فلم يتراجع عن حبها، وكان ينشد الشعر في حضرتها وغيابها. وبحسب ما أوردت بركة في كتابها، فإنّ زواج بثينة لم يمنعها من لقاءاتها مع جميل، في تحدٍّ واضح لأهلها ومجتمعها؛ بل وزوجها، الذي علم أنها تلتقي بجميل وكان يشكوها لأبيها، ولم تتراجع بثينة يوماً عن حبّ جميل، وكأنّها تحمّل عائلتها وزر حرمانها من زواج من أحبّ قلبُها، وقد ذاع صيت قصة حبّ جميل لبثينة، حتى بلغ الخليفة الأموي، الذي أهدر دم جميل، فارتحل إلى اليمن، ولما علم بترحال بثينة إلى الشام، سافر إليها وتكررت لقاءاتهما.
وبينما يرى سلامة موسى، أنّ قصة جميل وبثينة فيها الكثير من المشاعر الصادقة وأفعال الحب الحقيقي؛ حيث ظلّ جميل مخلصاً في حبه لبثينة حتى بعد هجرته إلى مصر، وبقائه فيها حتى مماته، يرى طه حسين؛ أنّ قصتهما فيها الكثير من المبالغة والمجون، المناقض للحب العذري والغزل العفيف.
من المشرق إلى المغرب
ويرى أستاذ النقد الأدبي بجامعة حلوان، الدكتور صلاح السروي، أنّ الحبّ كان ركناً أساسياً وملهماً في الإرث الشعري والأدبي للعرب، منذ الجاهلية، وحتى في صدر الٍإسلام وسنوات تجليه. ويقول لـ "حفريات" إنّ تناول الأدباء والفقهاء والأئمة لأمور الحُب "كان أكثر انفتاحاً مما نحن فيه، ولولاه لما استمتعنا بنونية ابن زيدون، أعظم ما خطّ الأندلسيون في شعر الحبّ، وأشعار أبي العتاهية في محبوبته، وهو شاعر الخليفة العباسي هارون الرشيد، وغيرها من الدلالات الواضحة على تمتع المجتمع الإسلامي القديم بقدر كبير من الحرية والانفتاح لممارسة غرائزة الطبيعية، وأسماها وأعلاها منزلةً؛ كان الحبّ الذي احترفه العرب".

وسط الصحراء القاحلة بمواردها النادرة وطبيعتها القاسية لم يجد العربي ملاذاً سوى الارتواء بحبّ امرأة تسكن قلبه

وانتقالاً من المشرق الإسلامي إلى مغربه، فقد سجّلت أمهات الكتب، مثل "العقد الفريد"، و"الأغاني" للأصفهاني، قصص الحب التي عاشها خلفاء الأندلس وشعراؤهم، ومنها كانت قصة الخليفة المعتمد بن عبّاد، الخليفة الأندلسي وأحد ملوك الطوائف، الذي أحبّ جاريته اعتماد الروميكية، وهي جارية رومية، التقاها صدفة مع صديقه ووزيره ابن عمَار، فأعجب بجمالها وحفظها للشعر، فتزوجها، وكانت امرأته المفضلة، التي استأثرت بقلبه عن بقية النساء، وكانت تدرك هذا فكان للخليفة ما له من سلطان وقوة، إلّا أنّه يصير بين يديها لطيفاً كالحمل، كما يذكر ابن عبد ربّه الأندلسي، في كتابه "العقد الفريد"، فحفظ الشعر الأندلسي بديع ما قاله المعتمد في حبّ زوجته الروميكية، يشكو هجرها قائلاً:
أَغائِبَة الشَخصِ عَن ناظِري
وحاضرة في صميم الفؤاد
عليكِ السلام بقدر الشجون
ودمع الشؤون وقدر السّهاد
تملكت مني صعب المرامي
وصادفت ودّي سهل القياد
مرادي لقياك في كلّ حين
فيا ليت أنّي أعطى مرادي

الصفحة الرئيسية