الصراعات الشبكية وحروب ما بعد الحداثة

الصراعات الشبكية وحروب ما بعد الحداثة

مشاهدة

23/01/2019

قد يكون مفهوم "الصراعات الشبكية وحروب ما بعد الحداثة"، في حاجة إلى المزيد من التوصيف والضبط المنهجي، في ظلّ ما شهده من تسطيح على الصعيد الإعلامي، أو محاولات للتوظيف الساذج على المستوى السياسي، بهدف تثبيت أوضاع متناقضة، بدعوى الحفاظ على بقاء الدولة، وغضّ الطرف عن تخبط الأنظمة السياسية.

اقرأ أيضاً: أمريكا تستعد لـ"حرب سيبرانية"
ويمكن القول: إنّ حرب الشبكة، أو الحرب اللامتماثلة/ غير المتكافئة، هي تلك التي يتّخذ فيها الصراع شكلاً شبكياً غير مركزي بين الأطراف المتناحرة؛ أي إنّ الحرب تقوم هنا على مبدأ اللامركزية، بحسب توصيف ويليام ليند؛ حيث يجري فيها استخدام الطرف الآخر بمحض إرادته؛ لتنفيذ أهداف يمكن من خلالها تحقيق انتصار مجاني سريع، دون الدخول في مواجهة تقليدية مباشرة، وبالتالي دون تحمّل أيّ قدر من الخسائر، وقد ظهر المصطلح، للمرة الأولى، عام 1989، في مقال نُشر بالجريدة الرسمية للبحرية الأمريكية "Marine Corps Gazette"، تحت عنوان: "الوجه المتغير للحرب في الجيل الرابع".
هناك مساران يتخذهما هذا النوع من الحروب، على النحو الآتي:
الأول: يتمّ عن طريق دولة نظامية، تقوم فيه باستغلال ظروف بعينها في دولة أخرى مستهدفة، تعاني في الغالب من مشكلات سياسية وتشوهات اقتصادية واجتماعية عديدة، بهدف فتح ثغرة لخلخلة الوضع القائم، وزعزعة استقرارها بشكل كُلي، ومن ثمّ فرض واقع جديد عليها يتفق وسياسات الأولى.

حرب الشبكة أو الحرب غير المتكافئة هي تلك التي يتخذ فيها الصراع شكلاً شبكياً غير مركزي بين الأطراف المتناحرة

وفي ذلك، يقول الأكاديمي الأمريكي مايوراينج: إنّ السلاح البشري هو الأداة الحاسمة في هذا النمط من الحروب؛ حيث يقوم مواطنو الدولة المستهدفة بتنفيذ سيناريو التدمير الذاتي، دون إدراك أبعاده الحقيقية، من خلال السعي نحو أهداف تبدو ملحّة وسامية، في ظلّ تردّي الواقع السياسي، وتأزّم الأحوال الاقتصادية، وهو ما يحقّق نوعاً من استنزاف دولة منهكة ومتخبطة بالأساس، عن طريق نشر الفوضى، وإشعال الفتن والحروب الأهلية.
الثاني: بحسب الخبير العسكري الأمريكي، أنطونيو إتسيفاريا؛ فإنّه يتم من خلال قوى غير نظامية، توظّف كلّ الوسائل التكنولوجية، والمعطيات السياسية والاجتماعية، لتدمير قوة نظامية أكثر قوة، بهدف إجبارها على التراجع عن سياساتها، وتبنّي سياسات مغايرة، وهو ما تقوم به حركات المقاومة، وكذلك التنظيمات الإرهابية، مع وضع الفارق بينهما في الاعتبار.

اقرأ أيضاً: في ذكرى هجمات 11 سبتمبر.. أين وصلت الحرب على الإرهاب؟
وعليه، يمكن القول: إنّ المصطلح ظهر وتخلّق في الأوساط العسكرية الأمريكية، بنهاية الحرب الباردة، ثم عاد للظهور بقوة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وإعلان الولايات المتحدة الحرب على الإرهاب، وبالتالي ظهور التنظيمات الشبكية الدولية على مسرح الأحداث، وهو ما جعل الصراعات اللامتماثلة تتم في الاتجاهين. 
عام 2006؛ شاع استخدام مصطلح الحرب الشبكية على نطاق واسع؛ ففي كتابه "الرافعة والحجر" The Sling and The Stone""؛ انطلق الكولونيل توماس هامز من الغزو الأمريكي للعراق، عام 2003، ليقول: إنّه بهزيمة الجيش العراقي، وسقوط بغداد، ظنّ الجميع أنّ الأمور انتهت، لكنّ موجات المقاومة العراقية المتتالية، وما نتج عنها من سقوط أعداد كبيرة من الجنود الأمريكيين بين قتيل وجريح، وفي ظلّ تصاعد وتيرة التفجيرات، شعر صانع القرار الأمريكي بالصدمة؛ حيث لم يكن متوقعاً أنْ تتخذ الأحداث هذا المسار الدموي، ويؤكد هامز أنّه منذ تلك اللحظة بدأت الحرب الشبكية في العراق، باستخدام الشبكات الاجتماعية، والمعطيات الاقتصادية والتكنولوجية، لتثبيت فكرة واحدة في ذهن صانع القرار في الطرف المعادي، وهي أنّه سوف يلقى الهزيمة، ولن يستطيع تحقيق أيّة فوائد دون دفع ثمن غالٍ يفوقها بمراحل، مؤكداً -في الوقت نفسه- أنّ حرب الجيل الرابع هي حرب طويلة المدى، قد تأخذ عقوداً، ثم عرج على الوضع في أفغانستان، ليؤكد أنّه اتجه هو الآخر، منذ عام 2004، نحو المسار نفسه، فلم تقم حركة طالبان بمواجهة القوات الأمريكية بشكل مباشر، إنما كان كلّ تركيزها ينصبّ على زعزعة وضع نظام كمال كرازي، الذي جاءت به واشنطن، بشتى الوسائل الممكنة، عن طريق استهداف خطوط المواصلات، ومناطق الخدمات المدنية والمؤسسات الخدمية، وعليه تحوّلت الحرب في العراق وأفغانستان؛ من نمط حروب الجيل الثالث (المريحة) إلى نمط الجيل الرابع الأكثر صعوبة.

اقرأ أيضاً: كيف نخوض حرباً ضد الحرب؟
كان المفكر الصيني، صن تزو، قد ألمح، قبل ذلك، إلى مدى فاعلية هذا النمط من المواجهات الشبكية؛ عندما أكّد أنّه من الصعب الدخول في صراع مفتوح ضدّ قوة عسكرية أقوى، بالأسلحة المتناظرة نفسها، ومن ثم يجب البحث عن أساليب مختلفة لاستخدامها، بهدف إلحاق الخسائر بالقوة الكبرى، وفي رأيه؛ يتمثل هذا الأسلوب في استهداف وحدة المجتمع، فيقول: "عندما يتم تحطيم التماسك الاجتماعي، فإنّ ذلك سوف يؤدي بالضرورة إلى تحطيم القوة العسكرية المراد كسرها".

لم تقم طالبان بمواجهة القوات الأمريكية مباشرة وإنما كان تركيزها ينصبّ على زعزعة نظام كرازي الذي جاءت به واشنطن

ويمكن هنا أن نلاحظ تخلّق حالة من التشيؤ (Reification)؛ أي تحوّل الأهداف السياسية إلى مجرد علاقات بين أشياء، مع تقلّص الذات بكلّ ما تمثله من وعي وتصورات، لتتحول بدورها إلى "شيء"، بكل ما يمثله ذلك من إذعان لمعطيات أيديولوجية مطلقة، تتمركز حول الأهداف بشكل آلي.
وبتطبيق توصيف لوكاتش للتشيؤ على مفهوم الحرب الشبكية، نجدها تمثل ذلك الوصف المادي والجدلي لعوامل الظرف التاريخي، وخطابَي المقاومة والمظلومية، بهدف الانتفاع من كلّ المعطيات الممكنة، وتوظيف شبكات البنى الاجتماعية، طوعاً وكرهاً، وهو ما يعكس نظرة جدلية، قد لا تتماهى مع الواقع، ولكنها تعيش فيه؛ حيث ينشأ الصراع من تفاعل الموضوع (تحرير الدولة والثورة على الاستبداد والفساد)، ونقيضه (الفوضى وهدم المؤسسات والتمرد)، وأخيراً الوعي (بعدم جدوى أنصاف الحلول)، وقد يأتي ذلك وفقاً لنوع من الأيديولوجيا القائمة على استخدام العنف (المادي والرمزي) تحت راية التمرد، فموضوع الثورات العربية جاء في سياق مثالي؛ هو البناء الثوري من أجل التحرر، تفاعل هذا الموضوع بشكل آلي مع نقيضه؛ وهو الهدم وتفكيك بنية الدولة، في ضوء وعي راديكالي حادّ بضرورة ممارسة الفعل الثوري حتى نهاية لا تبدو واضحة في الأفق.
وعليه، يمكن القول: إنّ تقنيات الجيل الرابع من الحروب، تعمل بشكل رئيس على مدخلات النظام الذهني العام، وتشكيلاته الدينية والاقتصادية والاجتماعية، وإعادة تكوينها بشكل تتخلق معه تيارات متناحرة، ومن خلال استمرار الصراع بينها، وعدم وضوح أهدافها، يمكنها هدم الدول والمجتمعات.

الصفحة الرئيسية