الطلاق في تركيا: أزمة يستغلها حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي لفرض مشروعه

الطلاق في تركيا: أزمة يستغلها حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي لفرض مشروعه
11770
عدد القراءات

2020-01-14

ترجمة: محمد الدخاخني


استقلّت نبيّة عبّارة، واجتازت مضيق البوسفور، بعيداً عن منزلها والحياة التي كانت تعيشها ذات يوم، وفي طريقها إلى لقاء ما، كان شعرها القصير، الذي اعتادت أن تغطيه بالحجاب فيما مضى، يطير مع الريح، وفي هذه المدينة القديمة والفوضوية التي يبلغ عدد سكانها 15 مليون نسمة، أصبحت نبيّة تشعر بالحرية، لكن فيما وراء البحر، في المناطق النائية من الأناضول، وقبل وقت ليس ببعيد، عاشت حياة أخرى، كامرأة متزوجة، حياة أقرب إلى حياة أمّها، وأمّها من قبلها.

تقدم تركيا حوافز للأزواج؛ من قبيل الإعفاء الضريبي ويمكن للنسوة اللواتي يعملن بدوام جزئي الحصول على "رعاية طفل" مدعومة من الدولة

نبيّة، وهي فتاة لها مظهر رقيق وابتسامة خجولة، وثمة نمش على وجهها، تزوجت في عمر 22 عاماً، فور تخرّجها من الجامعة (والكشف عن اسمها الأخير من شأنه أن يُعرّض كرامة أسرتها للخطر، كما قالت)، وبعد ذلك بعامين؛ تركت زوجها، وهو ما مثّل الوقوف أمام أسرتها، وكذلك مواجهة وصمة الطلاق في تركيا، وفيما تأخذ نفساً عميقاً من سيجارتها، تقول نبيّة: "أخبرني والدي بأنّه سيتبرأ مني لأنني أفعل شيئاً لا يُرضي الله، وأخبرتني والدتي بأنّها ستتبرأ مني إذا ذهبت وعشت بشكل مستقلّ في إسطنبول بعد الطلاق".

والآن، بعد مرور ستة أعوام، لم تعد نبيّة (30 عاماً) على اتّصال مع أسرتها، لكنها اكتسبت حرية وشعوراً بالتمكين يمثلان رمزيةً لما تحققه النساء في تركيا اليوم، وفي أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي.

بعد مرور ستة أعوام، لم تعد نبيّة (30 عاماً) على اتّصال مع أسرتها

الطلاق ووضع المرأة في تركيا

رغم إقرار الشريعة الإسلامية للطّلاق، منذ أكثر من 1400 عام، فإنه ما يزال ينظَر إليه على نطاق واسع في كثير من المجتمعات الإسلامية، على أنّه عمل تخريبي يفكّك الأسرة، والنسوة اللواتي يسعين إلى الطلاق غالباً ما يجدن أنفسهن موضع نبذٍ، ويُعاملن بوصفهن لا-أخلاقيات، رغم هذه التابوهات والقيود؛ فإنّ معدلات الطلاق ترتفع في كافة أنحاء البلدان الإسلامية، حتى في أماكن محافظة للغاية، مثل أفغانستان.

اقرأ أيضاً: عدوى "السترات الصفراء" تنتقل إلى إسطنبول
ومن جانبها، حققت تركيا، على وجه الخصوص، رقماً قياسياً فيما يتعلق بحالات الطلاق؛ حيث يبحث الرجال والنساء عن مخرج من الزيجات التعيسة، والمؤذية أحياناً؛ فعلى مدى الـ 15 عاماً الماضية، ارتفع معدل الطلاق من أقل من 15% من الزيجات إلى ما يقرب من ربعها، وتشير النساء التركيات الساعيات إلى الطلاق إلى العنف المنزلي دائماً كسبب رئيس، وهو ما ينطبق أيضاً خارج المناطق الحضرية، التي شهدت أيضاً نمواً طفيفاً في حالات الطلاق؛ فالنساء يصبحن أكثر استعداداً للسعي إلى الطلاق في مدن أصغر وأكثر تديناً، مثل قونية، في وسط الأناضول؛ حيث نشأت نبية.

أيضاً، يحظى عدد أكبر من الفتيات والنساء الآن بالتعليم والقدرة على الوصول إلى المعلومات التي تتيحها شبكة الإنترنت.

وقد أخبرتني إيبك بوزكورت، وهي ناشطة جريئة في مجال حقوق المرأة ومحامية مختصة في قضايا الطلاق في إسطنبول، بأنّ أحد أسباب هذا التغير في المعايير الاجتماعية يعود إلى أنّ المزيد من النساء يعملن الآن، كما أنهنّ أكثر وعياً بحقوقهن، وتضيف بوزكورت: "لقد سئمن من زيجاتهنّ، ومن المعاملة التي يتلقينها، ومن المعاملة التي يتلقاها أطفالهنّ، وكل الضغوط الجسدية والنفسية التي عانين منها، وكل ما يأملن حدوثه هو نهاية هذا الزواج".

اقرأ أيضاً: هل تقود تركيا حرب الكراهية مع الغرب؟

إنّ تركيا بلد ذو غالبية مسلمة، وتحكمها قوانين علمانية، وتتمتع المرأة هنا بحقوق متساوية في الملكية، وهي مؤهلة للحصول على النفقة بعد الطلاق، لكن خلال حكمه، الذي استمر 17 عاماً، دفع حزب العدالة والتنمية المحافظ في تركيا بأجندة قوية تستند إلى القيم الأسرية: ينبغي على النساء أن يتزوجن وينجبن ثلاثة أطفال، وفق الرئيس رجب طيب أردوغان، وتقدم تركيا حوافز للأزواج؛ من قبيل الإعفاء الضريبي، ويمكن للنسوة اللواتي يعملن بدوام جزئي الحصول على "رعاية طفل" مدعومة من الدولة.
ورغم هذه التدابير، وهو ما أثار استياء الحكومة، فقد انخفض معدّل الزواج بنسبة 27% على مدى ولاية حزب العدالة والتنمية، واختارت النساء الزواج في سنّ أكبر، وفي جانب كبير منه، يعود هذا بشكل غير مقصود إلى سياسات أردوغان الاقتصادية، التي أنتجت طفرة طويلة، من 2002 إلى 2012، شهدت دخول النساء إلى سوق العمل في المناطق الحضرية بأعداد غير مسبوقة.

اقرأ أيضاً: صراع أجنحة الإخوان وراء ترحيل بعضهم من تركيا
وفي تشرين الثاني (نوفمبر)، وأثناء حديثه إلى غرفة متخمة بنسوة مؤيدات له في قمة تتعلق بـ "العدالة الجندرية"، تفاخر أردوغان بإشرافه على زيادة نسبة النساء في قوة العمل؛ حيث ارتفعت النسبة من 28% (عام 2002) إلى 38% اليوم، وفي المؤتمر نفسه؛ أصرت زهرة زمرد سلجوق، وزيرة الأسرة والعمل والخدمات الاجتماعية، على أنّ الحكومة تعمل جاهدة لتشجيع الزواج وكبح الطلاق، لكنها وازنت رسالتها بالحديث عن ضرورة مراعاة رغبة النساء المتزايدة في الاستقلال، وقالت: "هدفنا الأساسي هو تقليل المشكلات التي تواجهها الأسرة، وحلّها، وحماية وحدتها دون تجاهل حقوق الأفراد".

اقرأ أيضاً: شباب "الإخوان" في تركيا يشنون هجوماً على قادة التنظيم
وكانت وزارتها تعرف باسم "وزارة المرأة والأسرة"؛ وقد تغير هذا الاسم، عام 2011، وهي خطوة تهدف، في الواقع، إلى زجر مناصري حقوق المرأة وتعزيز أجندة القيم الأسرية قبل الانتخابات العامة. وفي قمة تشرين الثاني (نوفمبر)؛ انتقدت ابنة أردوغان الكبرى، إسراء البيرق، الحقوق النسائية الغربية باعتبارها تساهلاً مع النفس، وكررت رسالة والدها، التي مفادها؛ أنّ تركيا في حاجة إلى إيجاد حلول خاصة بها للقضايا الجندرية، مع تركيز على الأدوار التقليدية للمرأة، كأمّ وأخت وابنة، وتحارب البيرق وحليفاتها المحافظات بشكل دفاعي ضدّ التغيرات الاجتماعية التي تجعل الطلاق أكثر قبولاً وسهولة.
وفي العام الماضي؛ دافع وزير العدل، عبد الحميد غول، عن الرجال الأتراك الذين يشتكون مما هو في نظرهم ظلم واقع عليهم، وهو إلزامهم بدفع النفقة لزوجاتهم السابقات طوال العمر.
وكان حزب العدالة والتنمية قد طالب بتقرير برلماني حول كيفية معالجة ارتفاع معدل الطلاق، وتمثلت إحدى التوصيات الرئيسة، في الوثيقة المنشورة في أيار (مايو) 2016، في أنه إذا كانت هناك امرأة متزوجة في حاجة إلى حماية موسعة من الشرطة، من قبيل أمر تقييدي بحق زوجها الذي يؤذيها، فإنه سيتعين عليها تقديم دليل على عنفه، وشملت المقترحات الأخرى تقديم النصح إلى القضاة الذين يشرفون على قضايا الطلاق بإحالة الأزواج إلى مكاتب مشورة الزواج، ووجوب انتهاء مدفوعات النفقة بعد عشرة أعوام.

اقرأ أيضاً: بعد عبدالحفيظ.. هل تسلّم تركيا عناصر من "الإخوان" لمصر؟
وقد حظي التقرير المذكور بانتقادات شديدة من جانب النسويات وناشطات حقوق المرأة في تركيا، ولم يتم تنفيذ أيّ من توصياته، رغم تلقّيه تغطية واسعة النطاق، ومن جانبها، جادلت المجموعات النسائية بأنّ النساء ذوات الدخل المنخفض اللائي لديهن وظائف بحد أدنى للأجور، أو الأمهات العازبات، لا يمكنهن تلبية احتياجاتهن دون نفقة.

انخفض معدّل الزواج بنسبة 27% على مدى ولاية حزب العدالة والتنمية

الأزمة والعنف والأسلمة
ووفق تايلان أكار، وهو أستاذ مساعد في علم الاجتماع بجامعة البوسفور، في إسطنبول، وله دراسات حول الطلاق والزواج؛ فإنّ معدل الطلاق ما يزال معتدلاً، ولا توجد أزمة عائلية في تركيا. لكن، كما كتب لي، "يبدو أنّ (الحكومة) أقنعت وسائل الإعلام والمجتمع بأنّ معدلات الطلاق قد وصلت إلى مستويات تشير إلى وجود أزمة".
وأدّت التغيرات في الطريقة التي يتم بها جمع الإحصائيات الرسمية إلى تقييمات متنازع عليها حول مدى سرعة ارتفاع معدل الطلاق؛ فالحكومة تشير إلى بيانات تظهر زيادات حادة في الفترة من 2000 إلى 2010، ويجادل خبراء مستقلون بأنّ البيانات الإدارية الحديثة لا تظهر سوى زيادة مطردة، ولكن معتدلة، وبعيداً عن الأزمة التي يشير إليها بعض من في الحكومة.

اقرأ أيضاً: روسيا وتركيا تتسببان في هروب عدد من عناصر داعش.. تفاصيل
وفي أعقاب التقرير المشار إليه؛ عينت الحكومة المزيد من المختصين في المشورة الزوجية، رغم أنّ النقاد يقولون إنّ هؤلاء المختصين الحكوميين، وبعضهم من الأئمة أو رجال الدين، يعيدون الزوجات في بعض الأحيان إلى أزواجهن الذين قاموا بإيذائهن.
وتقول بوزكورت، المحامية: "الحكومة تنكر الأسباب الحقيقية التي تقف وراء العنف المنزلي"، وتضيف: "تقول المنظمات النسائية إنّه ثمة زيادة في معدلات الطلاق؛ لأنّه ثمة زيادة في معدلات العنف المنزلي، ومن ناحية أخرى، تقول الحكومة: منذ أن صارت النساء راغبات في الطلاق، زاد العنف المنزلي".

مشكلة القانون التركي تكمن في أنّ عبء الإثبات في قضايا العنف الأسري يقع على عاتق الضحايا

ومن الصحيح أنّ جرائم قتل النساء قد نمت بشكل مطرد في تركيا خلال العقد الماضي؛ حيث قتلت أكثر من 2000 امرأة على أيدي شركائهن العاطفيين، وتقول النسويات إنّ عدد جرائم القتل يرتفع لأنّ عدداً أكبر من النساء يقاومن عدم المساواة وسوء المعاملة في زواجهن، ولا يبلغن عن العنف المنزلي، ولسوء الحظ؛ فإن بعض الرجال ينتقمون عبر عنف مميت، كما قالت غولسوم كاف، المؤسسة المشاركة لـ "لنوقف قتل النساء"، وهي مجموعة نسائية تدافع عن أسر الضحايا وتحسب جرائم قتل النساء في تركيا بشكل مستقل، لكنّ الحلّ، كما تقول الناشطات، ليس في ما تقوله الحكومة، وهو إنّ النساء يجب أن يواصلن في زيجات مؤذية ويحاولن تمشية الأمور مع أزواجهن، لكن في الإصلاح القانوني.
ومشكلة القانون التركي تكمن في أنّ عبء الإثبات في قضايا العنف الأسري يقع على عاتق الضحايا، اللائي، كما تجادل المدافعات عن حقوق المرأة، يعاملن كالمنبوذات في النظام القضائي، فإذا زعم رجل أنّ شريكته قد سبّته في مشاجرة أو "استفزته" بطريقة ما، فإنّ القاضي في كثير من الأحيان يعطيه هو، وليس هي، قرينة الشكّ. وتقوم كلوي فيرويذر، وهي مخرجة بريطانية، بصنع فيلم عن نساء تركيات تعرضن للضرب وإطلاق النار بعد تركهنّ شركائهن، عنوانه "الموت من أجل الطلاق".
وتقول فيرويذر: "رغم وجود تشريعات تحمي المرأة في كثير من الأحيان، فإنّه لا يتم تنفيذها دائماً، وغالباً ما توجد حواجز ثقافية أيضاً"، وتضيف: "رغم العنف الواضح، فإن بعض النساء اللواتي قابلناهن يواجهن استنكاراً من جانب عوائلهن؛ إذ تشعر الأسر بأنّ "النساء" يتحملن المسؤولية عن العنف الذي يعانين منه".

اقرأ أيضاً: شكوى للأمم المتحدة ضد تركيا بسبب جماعة الإخوان
وفي عام 2017؛ ورغم احتجاجات العلمانيات والنسويات، أقرّ المشرعون تدبيراً يسمح للأئمة بعقد القران، وهي خطوة يقول المعارضون إنها تتجه بالبلاد نحو الشريعة الإسلامية، وتضفي الطابع المؤسسي على عدم المساواة في قضايا الزواج والطلاق.
ويذكر أنّ ممارسات إسلامية من قبيل: تعدد الزوجات، والزواج دون سن الثامنة عشر، وحقّ الرجل في تطليق زوجته ببساطة، من خلال قوله "أنت طالق" ثلاث مرات، محظورة بموجب الدستور التركي العلماني، لكن بعض الأزواج، لا سيما في الريف الأناضولي المحافظ، ما يزالون يعيشون وفق هذه المعتقدات، وقد حاول مؤيدو القانون الجديد أن يجادلوا بأنه يمكن أن يساعد في تقليل زواج القاصرات، والذي يمثل حوالي 15% من الزيجات التي تجري في البلاد، من خلال زيادة الشفافية والإشراف الحكومي على حفلات الزفاف الديني.

كلما أصبحت النساء أكثر تعليماً، زاد احتمال رغبتهن في شركاء يرضونهن ويتماشون معهن

ثمن الاستقلال الفردي
غادرت نبيّة منزلها وعائلتها المتدينة في قونية، عام 2008، لدراسة اللاهوت في جامعة خاصة في إسطنبول، وكامرأة ترتدي الحجاب، لم تستطع نبيّة، في ذلك الوقت، الالتحاق بجامعة عامة؛ لأنّ الحكومات الكمالية العلمانية في تركيا حظرت ارتداءه في المؤسسات الحكومية، وقد ألغى حزب العدالة والتنمية هذا القانون عام 2010، أي قبل عام من تخرج نبيّة، ثم حصلت على وظيفة في مجلة أدبية؛ حيث التقت بالرجل الذي ستتزوجه.

أوزتورك: لقد أصاب التعب النساء من كونهن مواطنات من الدرجة الثانية، وكلّ ما أردته أن أؤخذ على محمل الجدّ

تقول: "لقد كان طيباً وذكياً، ولم يكن سلطوياً مثل أقرانه"، وبموافقة أسرتيهما، تزوجا، وانتقلا من إسطنبول بعد أن عُيّن أستاذاً جامعياً في بلدة نائية بالقرب من الحدود الأرمنية.
وتقول إنه كانت هناك تلميحات منذ بداية علاقتهما بوجود مشكلات؛ فقد يكون غيوراً، لكنّ السبب الرئيس الذي دفع نبية في نهاية المطاف إلى الرغبة في إنهاء الزواج؛ هو عدم التوافق الجنسي. وتوضح: "في الأسر العلمانية، يمكنهم (الرجال والنساء) التحدث عن الجنس، وحتى تجربته قبل الزواج، لكن في الأسر المحافظة، لا يتحدثون حتى عن أمهاتهم، كذلك، عادة ما يكون الجنس لرضا الرجال، فليس منتظراً من النساء سوى التكاثر".
وفي النهاية؛ طالبت نبية بالطلاق، ووافق زوجها؛ كانت إجراءات المحكمة على الأقل سهلة؛ لأنّه لم يكن لديهما أطفال أو ممتلكات للنزاع عليها، لكنّ عائلته ضايقتها؛ فقد أصرت والدته على أنّ "الشيطان قد دخل بينهما"، ووالده كان يتصل بها في وقت متأخر من الليل محاولاً تغيير رأيها.
والجزء الأصعب بالنسبة إلى نبية تمثل في مواجهة أسرتها، وحتى الآن، تبدو غير مرتاحة في الحديث عن ردّ فعلهم السلبي، وهكذا، أشعلت سيجارة أخرى، وضحكت في توتر.

اقرأ أيضاً: رغم الأزمات الداخلية.. تركيا تواصل سياستها التوسعية في إفريقيا
عادت إلى إسطنبول؛ حيث جمع أصدقاؤها المال لأجل أن تتمكن من العيش حتى تحصل على وظيفة، أيضاً، خلعت الحجاب الذي اعتادت أن ترتديه منذ أن كانت في الثانية عشرة من عمرها، وكانت هذه هي القشة الأخيرة، وهكذا نبذها والداها، تقول: "بالطبع، أفتقد أسرتي، لكنني لا أعتقد أنه من الصواب أن يتبرؤوا مني..".
وتدرس نبية اليوم للحصول على درجة الماجستير في وسائل الإعلام الجديدة، وتعمل كناشطة في مجال حقوق العمال، كما تشعر بالوحدة كونها عازبة في تركيا، وتواجه مشكلة في الوثوق بالرجال، وهي على اتصال بأختها الكبرى، ولكنها تتألم لخسارتها والديها مقابل حريتها.
ويوضح أكار، عالم الاجتماع: "كلما أصبحت النساء أكثر تعليماً، زاد احتمال رغبتهن في شركاء يرضونهن ويتماشون معهن، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، ولكن أيضاً من الناحية العاطفية والفكرية، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإنهن يؤجلن الزواج أو يخترن التخلي عنه بالكامل"، وليس فقط معدل الطلاق هو الذي يرتفع؛ فعلى مدى العقد الماضي، ارتفع متوسط سنّ الزواج من ثلاثة وعشرين إلى خمسة وعشرين عاماً بالنسبة إلى النساء.

الدوامة القانونية
لم تجد كافة النساء التركيات طريق نبية مفتوحة أمامهن؛ ففي يوم ممطر، قابلت نورسيل أوزتورك، وهي باحثة أنثروبولوجيا كندية-تركية، في أحد مراكز التسوق في إسطنبول، ويتعلق مجال دراستها في الواقع بالدور الذي تلعبه التقاليد الإسلامية في الطلاق في المحاكم العلمانية، واهتمامها أكثر من أكاديمي، على الأرجح؛ حيث سعت إلى الطلاق بنفسها، لكنها سحبت الدعوى لأنّ العملية كانت تؤثر على صحتها العقلية، وتهدد حضانتها لأطفالها.
واليوم، ما تزال أوزتورك (41 عاماً) تعيش مع زوجها، وهو أستاذ قانون في إسطنبول، في صمت متوتر وغير سعيد.

اقرأ أيضاً: تركيا وسياسة التتريك.. ماذا يحدث في شمال سوريا؟
وتقول في غضب واضح: "لقد أصاب التعب والإرهاق النساء من كونهن مواطنات من الدرجة الثانية، وكلّ ما أردته أن أؤخذ على محمل الجدّ"، وقد نشأت أوزتورك في منزل علماني في تورنتو، رغم أنّ أسرتها قامت بزيارات متكررة إلى تركيا، وعندما بلغت السابعة عشر من عمرها، وافق والدها، دون استشارة ابنته المراهقة، على زواجها من زوجها الحالي، الذي نشأ في تركيا، وبعد الزواج، انتقلا أيضاً إلى كندا، وأنجبا أربعة أطفال، وكانت أوزتورك تدرس فيما تربي أطفالها.
تقول: "يمكن أن أكون متعلمة، لكن كان عليّ أن أفكر وأفعل كما يريد زوجي، لم تكن لدي أيّة سلطة لصنع القرار، فيما يخص تربية أو تعليم أطفالنا؛ فالحفاضات والطعام هي مجال اختصاصي فقط".
وفي النهاية؛ أراد زوجها العودة إلى إسطنبول، والعمل كأكاديمي، ورغم مخاوفها، فعلا ذلك، وقد وضعت هذه الخطوة المزيد من الضغط على زواجها، وأخيراً، بعد أربعة وعشرين عاماً، تقدمت بطلب الطلاق، رغم أنها بعد أن تعثرت في النزاعات، تخلت عن هذا الجهد في نهاية المطاف.
ومن وجهة نظر أوزتورك الساخطة؛ فإنّ التقاليد العلمانية في تركيا تولي اهتماماً ظاهرياً فقط بحقوق النساء، والواقع يقصّر كثيراً في حقوقهن.

التقاليد العلمانية في تركيا تولي اهتماماً ظاهرياً فقط بحقوق النساء

مجتمع يتغير
بالنسبة إلى تانيار أبلاك، الذي يبلغ من العمر خمسين عاماً، ويدير شركة صغيرة في إسطنبول لبيع العسل ومنتجات الألبان، فقد سارت الأمور بسلاسة أكبر؛ فهو مرّ بتجربة الطلاق مرتين، ومضت كلتا العمليتين بسهولة، يقول: "الجميع يعتقد أن المرأة هي الضحية في تركيا؛ لأنّها هي التي تستبعد وتضرب وتترك وحدها، وفي كثير من الأحيان، تسير الأمور على هذا النحو، لكن يمكن أن يتعرض الرجال للاضطهاد في هذه العملية أيضاً"، وهو يعني بذلك أنّ الزواج يركز كثيراً على الأسرة لدرجة أنّه لا يسمح بالتنمية الفردية، ويضيف: "للأسف، هذه تقاليدنا".
ورغم إدراكه لامتيازه كرجل في تركيا؛ حيث لا يوجد ضغط كبير على الرجال للمساهمة في المنزل، فإنه يحاول فعل الأشياء بطريقة مختلفة؛ لديه صديقة، لكنه يعيش على بعد ممر من زوجته السابقة، وهي أيضاً والدة ابنه، ويتشارك ثلاثتهم في رعاية الابن، وأحياناً يتناولون الوجبات التي يطبخها معاً كعائلة واحدة.

اقرأ أيضاً: تقرير يكشف أزمة الإعلام في تركيا.. هذا ما جاء فيه
ومع زيادة الأماكن الحضرية في البلد، فإنه يكافح لإدارة علاقته بالحداثة داخل المؤسسة التقليدية للزواج، وحكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا مهددة بالأفكار الليبرالية، لكن التغيير قادم، بل وصل بالفعل.
وكما تقول نبية: "لن تتحمل النساء ذلك بعد الآن".


المصدر: فاريبا نوى، النيويورك ريفيو أوف بوكس

اقرأ المزيد...
الوسوم:



انتخابات إيران.. هل انتهى زمن الإصلاحيين في إيران؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-26

ترجمة: مدني قصري


شارك 42.57 بالمئة فقط، من الناخبين الإيرانيين، بمن فيهم 26.2 بالمئة في طهران، في الانتخابات التشريعية الأخيرة، والتي جرت يوم الجمعة 21 شباط (فبراير) 2020، ورغم أنّ نسبة المشاركة منخفضة تاريخياً، إلا أنّ هذه أقل نسبة منذ ثورة 1979، حيث تَوّجَت هذه الانتخابات، المرشحين المحافظين والمحافظين المتطرفين فقط، في حين تمّ استبعاد جزء كبير من الإصلاحيين والمعتدلين (بما في ذلك 90 نائباً منتهية ولايتهم مسبقاً)، من قبل مجلس حراس الدستور، الذي اعتبر ترشيحاتهم غير متوافقة من قبل الهيئة القوية - غير المنتخبة - في أيدي المحافظين.

اقرأ أيضاً: الانتخابات الإيرانية... عسكرة الثورة والدولة
يُحلّل الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في فريق "المعرفة النووية" في معهد سيري للعلوم السياسية Ceri-Sciences Po؛ كليمانت تيرم Clément Therme، والذي يعد أحد أفضل خبراء إيران في فرنسا، ونشر كتاب "إيران وخصومها، بين الأمة والثورة" مؤخراً، في هذه المقابلة، التي أجرتها معه صحيفة "لوبوان" الفرنسية، نتائج الانتخابات التشريعية الإيرانية، ويتناول آثارها على إيران والمنطقة. 
فوز المحافظين ليس مفاجئاً، فقد تم الإعلان عنه مسبقاً، من خلال الإقصاء الهائل للمرشحين الإصلاحيين

هل كان إعلان فوز الائتلاف المحافظ في الانتخابات التشريعية الإيرانية مفاجئاً؟
فوز المحافظين ليس مفاجئاً، فقد تم الإعلان عنه مسبقاً، من خلال الإقصاء الهائل للمرشحين الإصلاحيين، الأمر الذي يُذكرنا بما حدث خلال انتخابات 2004، حيث انخفض معدل المشاركة إلى 50 بالمئة في ذلك الوقت، إلّا أنّ نسبة المشاركة كانت أقل هذه المرة، حيث وصلت إلى 40 بالمئة فقط، لكن ما يثير الدهشة، هو أنّ النظام يعترف بسخط المواطنين الشديد، مع العلم أنّ المرشد الأعلى؛ آية الله خامنئي، قد دعا السكان إلى التصويت كواجب ديني ووطني، ومن الواضح أنّ هذا فشل شخصي للزعيم الأعلى، الذي شارك شخصياً في التعبئة.
كيف نُفسّر معدل المشاركة المنخفض؟
انخفاض معدل المشاركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، يمثل جزءاً من أزمة الثقة بين النظام والمواطنين، والتي تطوّرت وتفاقمت، بعد تحطّم طائرة الخطوط الجوية الأوكرانية، في 8 كانون الثاني (يناير) الماضي، بالإضافة إلى تأخر السلطات في نشر المعلومات المتعلقة بانتشار فيروس كورونا في إيران.

اقرأ أيضاً: هل نحن أمام إيران جديدة بعد الانتخابات البرلمانية؟
هناك بالفعل أزمة مصداقية اليوم، فيما يتعلق بإيمان المواطنين بكلمة الجمهورية الإسلامية، وفي هذا السياق، اعتبر السكان، أنّ المشاركة في الانتخابات وسيلة لإعطاء شرعية للنظام، لذلك رفض غالبيةُ المواطنين الإيرانيين هذه الانتخابات، خاصة في طهران، حيث وصلت نسبة المشاركة رسمياً إلى 25٪ فقط، علماً بأنّ السلطات رفضت نشر معدل المشاركة الدقيق.

ما الذي سيتغير حال انتقال البرلمان إلى الحضن المحافظ؟
لن يكون هناك الكثير من النقاش والجدل السياسي، حيث تمّ استبعاد أكثر النواب انتقاداً للنظام (الشخصيات المحافظة والإصلاحية المعتدلة)، لذلك سيكون البرلمان برلماناً مُخلِصاً جداً لآية الله خامنئي، الذي سيسعى إلى تعزيز خياراته الإستراتيجية؛ فالمحافظون المرتبطون بالدولة العميقة وبقوات الأمن، هم المفضَّلون دائماً من قبل نظام الجمهورية الإسلامية، وسوف يعتمدون على جهاز الأمن، ويعززون عملاء النظام، لتقديم وحدة وهمية سطحية، في مواجهة الضغوط القصوى من قبل الولايات المتحدة، كما سيساعد هذا الوضع في قمع قوى المجتمع المدني؛ كالحركات الاجتماعية للطلاب والمثقفين والنساء والأقليات العرقية، وسيكون الشعب أمام سلطة معزولة، ولكنها أكثر توحداً وتماسكاً، تتسامح أقل فأقل مع النقد في داخلها، في رأيي؛ سينصبّ النقاش من الآن فصاعداً على مستوى الشدة في النزعة المحافظة، وعلى درجة التوفيق بين غالبية المواطنين، الذين ما زالوا في حالة عدم ثقة تجاه النظام.
هل تلعب هذه الانتخابات دوراً في تعيين المرشد الأعلى القادم؟
لقد أتاحت هذه الانتخابات، في مرحلة أولى، إقصاء المرشحين المحتمَلين، فكان هذا حال الناطق السابق باسم البرلمان؛ علي لاريجاني، على سبيل المثال، فمن خلال المؤسسات غير المنتخبة، سيما مجلس حراس الدستور، الذي يقوم بالفرز على مستوى المرشحين، قام المرشد الأعلى بتطهير النظام، من خلال تقوية الفصائل التي يدعمها شخصياً، والتي يتمنى أن تلعب دوراً رئيسياً في الأعوام القليلة المقبلة في إيران، بعد اختفائه، وتتألف هذه المجموعة من؛ ابنه مجتبى خامنئي، وإبراهيم الريسي رئيس السلطة القضائية، الذي هُزِم خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة في إيران، وحسين الطيبو المسؤول عن الاستخبارات "حماة الثورة الإيرانية"، وشقيقه مهدي، بالإضافة إلى القائد الجديد لقوة القدس، خليفة قاسم سليماني؛ اسماعيل قاني، ويُمثّل هؤلاء مجموعة من الشخصيات التي ستكون حاسمة في تعيين المرشد القادم، فهم يرغبون في السيطرة على البرلمان، حتى تكون لديهم مجموعة من النواب، تعكس نظرتهم وتغذي خُطبهم.

هل تشير هذه الانتخابات التشريعية إلى نهاية الإصلاحيين في إيران، والتي يعتبرها جزء من الإيرانيين اليوم "خداعاً" في الجمهورية الإسلامية؟
نعم، على أي حال إن لم تكن هذه هي النهاية، فمن الواضح على المستوى المؤسسي، أنّ عجز المعتدلين عن الإصلاح، وتجاوز الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة، أي تطبيع العلاقات مع الأخيرة، قد كلفهم الكثير، ونحن لا نرى كيف يمكن لغالبية السكان، الذين صوتوا للإصلاحيين، على اعتبار أنّهم "الأقل سوءاً"، أن يستثمروا الآن رأس المال الاجتماعي، في هذه المجموعة السياسية المهمشة تماماً، والتي أصبحت محصورة أيضاً، بسبب تناقضاتها؛ بين الولاء التام للنظام (لقد دعوا السكان للتصويت في الانتخابات التشريعية، كما أصرّ الرئيس السابق محمد خاتمي شخصياً، رغم استبعاده من وسائل الإعلام في البلاد، على وضع ورقة تصويته في صندوق الاقتراع)، وبين خطاب متعارض وغير مطابق تماماً لولائهم لنظام الجمهورية الإسلامية.
هل يمكن أن نعزو، جزئياً، عودة البرلمان الإيراني للحضن المحافظ إلى سياسة دونالد ترامب المتمثلة في الضغط الأقصى؟
نعم، بالطبع، هناك بُعدُ ردِّ الفعل وتأثيره، فلا شكّ أنّ انتخاب ترامب يُقوّي أكثر المحافظين تشدداً في إيران؛ حيث إنّ الخلاف داخل البلاد، إلى جانب الضغط القوي الذي تمارسه الولايات المتحدة في الخارج، يدفع المرشد الأعلى إلى إعادة الاستثمار في أعظم مؤيديه، وليس في القاعدة الاجتماعية للنظام، لذلك نشهد الآن في إيران مرحلة من الانطواء على الذات، مع رغبة في الاعتماد أكثر فأكثر على جهاز الأمن، الذي يسيطر عليه المحافظون، لكن هذا الخطاب "عن العدو الأمريكي"، لا يلقَى في الوقت الحالي لدى المجتمع الإيراني نفسَ الصدى القوي، كما كان الحال في الأعوام الأولى من الثورة؛ لأنّ ما يريده معظم الإيرانيين اليوم؛ هو حكومة ذات كفاءة، قادرة على حل مشاكل البلاد، والتركيز على التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

هل يمكن أن يكون الرد الأمني، الذي ينادي به أكثر المحافظين تشدداً، كافياً لثني الإيرانيين عن التظاهر مرة أخرى؟
لقد انتقلت الجمهورية الإسلامية في إيران من أزمة شرعية النظام عام 2009، مع الحركة الخضراء، إلى أزمة السلطة من عام 2017 إلى عام 2019، مع ثورة الطبقات الشعبية، وصولاً إلى أزمة المصداقية اليوم، وتطرح هذه الأزمة الأخيرة المرتبطة بالسخط الشعبي الواسع، مشكلة حساسة وخطيرة أمام الجمهورية الإسلامية، ومن الواضح أنّ الاستجابة الأمنية ليست كافية، إذ يجب على السلطة أيضاً؛ ضمان الحد الأدنى من التنمية الاقتصادية والرفاه للسكان، خاصة للطبقات العاملة، حيث يتمثل التحدي الذي يواجه الجمهورية الإسلامية في تمكين المحرومين، الذين يمثلون جوهر الشرعية الثورية للنظام، ويطمحون لرؤية تحسن ملموس في ظروف معيشتهم، على المدى القصير أو المتوسط،، فإن لم يتحقق ذلك، فسوف تستمر دورة القمع / المظاهرات؛ لأنّ حل مشاكل البلاد الاقتصادية لا يكمن في انتخاب رئيس محافظ عام 2021، فليس لدى المحافظين أي حل يقدمونه في مستوى قوتهم المؤسسية.
ألا تستطيع إيران تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع روسيا والصين؟
في الواقع، يقترح المحافظون زيادة الاعتماد على الصين وروسيا، عن طريق زيادة عزل البلاد عن بقية العالم، هذا ما يسمونه الاكتفاء الذاتي  "khodkafaei"، وهو ما كانت تفعله إيران منذ عهد أحمدي نجاد، منتصف العقد الأول من القرن العشرين، لكنّ التقارب مع الصين وروسيا لا يمكن أن يضمن هذه التنمية الاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بالطاقة، التي تدفع الاقتصاد الإيراني، ويجب أن يكون هناك حد أدنى من التعاون مع النظام المعولم الذي تهيمن عليه المعايير الأمريكية.

اقرأ أيضاً: ثوران البرلمان الإيراني الجديد
وفي قطاعي النفط والغاز الرئيسيين، تحتاج إيران إلى أفضل التقنيات، التي لا تملكها سوى الشركات الغربية واليابانية، وقد رأينا مؤخراً أنّ الصين لم تكن قادرة على استبدال شركة "Total" في المرحلة 11 من حقل غاز الشمال أو حقل فارس الجنوبي South Pars، لذلك هناك خيار وجودي حقيقي يجب القيام به، بين تقوية النظام وارتقاء إيران كقوة إقليمية محترمة، مع تنمية اقتصادية كبيرة، لكنّ البلاد ستواجه عندئذ مشكلة التوافق مع الأيديولوجيا الثورية لآية الله الخميني.

هل يمكن أن نقارن المظاهرات في إيران بالمرحلة الحالية، باحتجاجات العراق ولبنان، خاصة وأنّ النظام الإيراني، الذي دان المتظاهرون هيمنته عليهم، يبدو مستعصياً على الحل؟
أصبحت الجمهورية الإسلامية اليوم قوة رجعية مضادة للثورة، وهي مفارقة؛ لأنّ  تنظيم القمع ودعمه في العراق ولبنان، يتم باسم أيديولوجيا خمينية ثورية، من خلال شبكة من الأمن والنفوذ الأيديولوجي والاقتصادي، تمتدُّ من إيران إلى لبنان؛ مع حزب الله وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، لذلك نشهد سخرية تاريخية حقيقية على وضع الجمهورية الإسلامية المتعارض مع الحركات الديمقراطية في الشرق الأوسط، منذ خريف عام 2019.
هل تُهدّد هذه الثورات الجمهورية الإسلامية على المدى القصير؟
تُشكّل هذه الثورات تهديداً للنفوذ الإقليمي لإيران في الشرق الأوسط، الذي اتضح أنه محدود، وذلك لأنّ إيران تستفيد أيضاً من الأخطاء الأمريكية في المنطقة، لقد رأينا هذا مع قيام الولايات المتحدة بالقضاء على الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الذي عزّز عداء العراقيين لأمريكا، ففي داخل إيران، هذا بالطبع تهديد لشرعية الجمهورية الإسلامية، التي تضاف إلى أزمة سلطة النظام والمخاوف إزاء المصداقية، في رأيي؛ هذا النظام غير مُهدّد على المدى القصير، لكنه مهدد بضعف كبير على المدى الطويل، يمكن ضمان بقاء النظام السياسي من خلال تقوية جهاز الأمن، والاعتماد بشكل أكبر على الركيزة القمعية، ولكن كلما قمع النظام شعبه أكثر، كلما أثار الرفض وخطر المعارضة، لقد أصبحت الثورة الإسلامية بشكل متزايد عاملاً من عوامل الانقسام داخل المجتمع الوطني الإيراني، داخل حدود البلاد وخارجها.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
https://www.lepoint.fr/monde/en-iran-une-crise-de-confiance-entre-regime...

للمشاركة:

هل يرعى حزب الله اللبناني جميع وكلاء إيران في الشرق الأوسط؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-25

ترجمة: مدني قصري


في 29 كانون الأول (ديسمبر) 2019، استهدفت سلسلة من الغارات الجوية الأمريكية مواقع لميليشيا حزب الله الشيعية في العراق، ما أسفر عن مقتل 25 عنصراً من مقاتليها، وتدمير جزء من معداتها العسكرية، لتعلن القوة شبه العسكرية في أعقاب تلك الغارات؛ "أنّ معركتها ضد أمريكا ومرتزقتها مفتوحة الآن أمام كل الاحتمالات"، فيما شجبت إيران هذا العمل الذي وصفته بـ "الإرهابي"، كما أدان المرجع الشيعي العراقي؛ آية الله السيستاني، "العدوان الأمريكي الرهيب"، وبعد 3 أيام، قُتل راعي الميليشيات الشيعية؛ اللواء الإيراني قاسم سليماني، بغارة جوية أمريكية في بغداد، إلى جانب "أبو مهدي المهندس"؛ الرجل القوي في قوات الحشد الشعبي (PMF)، ممّا تسبب في تعبئة حقيقية معادية للولايات المتحدة بين الميليشيات الشيعية في بلاد الشام.

الميليشيات: الدين المشترك والولاء لإيران
تعمل طهران، منذ التدخل العسكري الإسرائيلي في لبنان، يوم 6 حزيران (يونيو) 1982، على تجنيد وتدريب وتجهيز مقاتلين أجانب من خلفيات متنوعة؛ مثل لبنان والعراق وسوريا واليمن وأفغانستان وباكستان، قاسمها المشترك هو مرجعيتهم الشيعية وولاؤهم لإيران، وقد طوّر هؤلاء المقاتلون قدراتهم ومعداتهم وخبراتهم العسكرية على مرّ السنين، إلى درجة زادت من اهتمام وتوتر الولايات المتحدة وحلفائها، خاصة الإسرائيليين، بشكل مطرد.

اقرأ أيضاً: استنساخ نموذج الحرس الثوري: كيف عملت إيران على تصدير ثورتها؟
فما هي هذه الميليشيات الشيعية؟ ولماذا وكيف يجد عناصرها أنفسهم مرتبطين بإيران؟ ما هو وزنهم في التوازن الجيوسياسي اليوم؟. تسعى هذه المقالة إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، من خلال إعادة بناء التوليد الاجتماعي للميليشيات الشيعية في لبنان وسوريا، وكذلك في العراق، وبالتالي قيمتها اليوم في المعادلة الأمنية والدبلوماسية في الشرق الأوسط.
حزب الله، نقطة الانطلاق لإنشاء وكلاء الشيعة الإيرانيين
منحت الحروب في سوريا والعراق، إيرانَ الفرصة لتوسيع شبكات الميليشيات الشيعية في الشرق الأوسط وإضفاء الطابع الرسمي عليها، حيث تعمل حالياً وحدات شبه عسكرية كبيرة، مؤلفة من عراقيين وسوريين ولبنانيين وأفغان، وحتى من الباكستانيين، في مختلف مسارح العمليات التي تشارك فيها إيران، بشكل مباشر أو غير مباشر، وقد تم تعزيز هذا البرنامج وتوجيهه والإشراف عليه بواسطة قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني؛ قاسم سليماني، الذي اغتالته الولايات المتحدة في 2 كانون الثاني ( يناير).

ذهب بعض الباحثين حدّ تصنيف حزب الله على أنّه شريك على قدم المساواة مع إيران وليس مجرد وكيل

في الواقع، إنّ هذه الشبكة من المقاتلين الشيعة ليست ظاهرة جديدة، ومن الضروري العودة إلى الروابط بين إيران وحزب الله اللبناني، المُصنفّ حالياً كمنظمة إرهابية من قبل جامعة الدول العربية والولايات المتحدة، وإسرائيل، ودول أخرى، لِفهم الوضع الحالي وتحديد خصائص وعموميات الميليشيات الشيعية في بلاد الشام، حيث يعود التقارب بين الجمهورية الإسلامية، والمنظمة اللبنانية إلى التدخل العسكري الإسرائيلي في لبنان يوم 6 حزيران (يونيو) 1982، والذي أدى إلى تشكيل حزب الله بشكل رسمي في 16 شباط (فبراير) 1985، ولكن الحقيقة هي أنّ هذا التنظيم الغامض، كان موجوداً بشكل غير رسمي منذ بداية عقد الثمانينيات من القرن العشرين، كمجموعة من المقاتلين الشيعة الذين تركوا صفوف حزب الدعوة الإسلامي وحركة أمل الشيعية.

اقرأ أيضاً: هل باتت ميليشيا الحوثي الأداة المفضلة لـ"الحرس الثوري"؟!
وبدأت المساعدات الإيرانية لحزب الله، منذ بداية الصراع اللبناني - الإسرائيلي، حيث وصل 1500 مقاتل من نخبة أفراد قوة القدس الإيرانية، الذين أخذتهم من الجبهة العراقية، حيث كانت إيران والعراق منخرطتين في صراع وحشي هائل منذ عدة سنوات، إلى منطقة البقاع في بريتال وبابشيت وبعلبك، لتوفير الدعم المادي للمقاتلين الشيعة اللبنانيين، وتدريبهم في مجالات التجنيد الأيديولوجي والتدريب العسكري، ما يشي باهتمام إيران الشديد بحزب الله، فقد ثبت أنّ العلاقة بين إيران وحزب الله أصبحت "حميمة" إلى حد كبير، منذ تلك اللحظة، حتى أنّ بعض الباحثين ذهبوا حدّ تصنيف حزب الله على أنه "شريك على قدم المساواة مع إيران، وليس مجرد وكيل".

الحرس الثوري وتطوير نموذج "تدريب المدرب"
شمل التدريب الذي قدّمه الحرس الثوري الإيراني، اكساب حزب الله مهارات محددة؛ تهدف إلى القيام بمهام الاستطلاع وجمع المعلومات الاستخبارية، وتنفيذ الخطط التي شكل فيها الانتحاريون حجرَ الزاوية. وفي هذا السياق، زاد التدريب الذي قدمته إيران لصالح حزب الله من القدرات التشغيلية للمجموعة بشكل كبير، كما منح المنظمة اللبنانية، الخبرة التي أفادت بها مجموعات أخرى؛ مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين، ويُسخدم هذا النموذج من "تدريب المدرب" في سوريا اليوم، حيث عمل حزب الله، بالتعاون الوثيق مع الحرس الثوري، على تدريب المقاتلين الأجانب المؤيدين للنظام السوري، في مناطق حرب العصابات والحرب غير المتماثلة، ثم تم اختيار أفضل المتدربين، للحصول على المزيد من التدريب، بهدف إنتاج وحدات النخبة المختلطة، القادرة على محاربة الجهات الفاعلة؛ الحكومية وغير الحكومية، بفعالية وبشكل عشوائي، وهكذا وُلدت ميليشيا "لواء الإمام الباقر" عام 2012، ونشطت في محافظة حلب وجنوب منطقة تدمر، بشكل أساسي.
ميليشيات شيعية في سوريا
انخرط حزب الله بكثافة في عدة جبهات، ضد الجماعات الجهادية وحركات التمرد السورية، بسبب كفاءته العالية، إلا أنه مُني بخسائر فادحة في القتال، وصلت لما يقارب الـ 1600 مقاتل بين عامي 2011 و2019، وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، حيث لعب الحزب دوراً بارزاً في الدفاع عن المناطق العلوية السورية، وكذلك المدن والمحاور الإستراتيجية، وبهدف تخفيف الضغط على أفرادها، عملت المنظمة اللبنانية، على تجنيد عدد كبير من المقاتلين السوريين، لتشكيل "حزب الله السوري"، ما دفع العديد من الميليشيات الشيعية العراقية للمشاركة في القتال في سوريا، وخاصة في المنطقة الحدودية بين العراق وسوريا، التي تحدها مدينتا "أبو كمال والقائم"، في وادي الفرات الأوسط، وهذا هو الحال، على وجه الخصوص، بالنسبة لميليشيا حركات العبدل Harakat al-Abdal، أو كتائب الإمام علي.

وُعِدَ العديد من المقاتلين الأفغان اللاجئين في إيران بوثائق هوية قانونية لأفراد أسرهم إن وافقوا على القتال في سوريا

رغم الدلائل التي قد توحي، بأنّ بعض الخلافات يمكن أن تحدث بين قادة مختلف الميليشيات الشيعية مع مرور الوقت، استمرت هذه الجماعات بالتوسع والتعاون الوثيق فيما بينها، كما شوهد في سوريا؛ حيث إنّ الانقسام الذي أحدثته الميليشيا الشيعية؛ كتائب سيد الشهداء، على حساب كتائب "حزب الله العراقي"، في أوائل عام 2013، أو الذي أحدثه "حزب الله النجباء" على حساب "عصائب أهل الحق"، على سبيل المثال، لم يمنع هذه الجماعات من مواصلة التعاون والقتال في سوريا من أجل الدفاع عن نظام بشار الأسد.
بدوره، قام نظام دمشق، بتأسيس لواء "أبو فضل العباس"، كأول محاولة كبرى لإنشاء ميليشيات شيعية خاصة به، تستند أساساً إلى نموذج حزب الله اللبناني، الذي ساعد النظام كثيراً في تحقيق هدفه، كما دعم حزب الله تشكيل جماعات شيعية سورية أخرى؛ مثل لواء الإمام الباقر، الذي قاتل إلى جانب الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران.
وقد تم نشر قوات الشهيد محمد باقر الصدر (الاسم الحربي للقوات التي أرسلتها منظمة بدر إلى سوريا)، والمؤلفة من عراقيين شيعة، في جميع أنحاء سوريا، من أجل مدّ يد العون للنظام، ولكن قبل كل شيء، لإنشاء ميليشيات شيعية سورية جديدة، تشبه حزب الله اللبناني في طريقة عمله، وقد وُلدت عدة ميليشيات من هذه المبادرة؛ مثل لواء الإمام الحسين، ويتم استخدامها كقوات رد سريع.

الميليشيات الأفغانية والباكستانية في سوريا: قوات صدمة تخدم دمشق
أجبر الصراع في سوريا نظامَيْ الأسد وطهران على التفكير في تجنيد ميليشيات شيعية خارج منطقة الشرق الأوسط؛ آسيا تحديداً، ولا سيما باكستان وأفغانستان، إذ سرعان ما جذبتا الاهتمام بسبب المجتمعات الشيعية الكبيرة التي تعيش فيها (حوالي 7 ملايين في عام 2017 في أفغانستان، و30 مليوناً في باكستان عام 2018)، وتعرف السلطات الإيرانية الكثير عن ذلك، حيث يعيش حوالي 3 ملايين أفغاني في إيران، بمن فيهم حوالي 95 ألف لاجئ رسمي هناك، وقد سهّل هذا المجتمع الأفغاني القوي على الأراضي الإيرانية تجنيد مقاتلين جدد للجبهة في المناطق المعنية، إلى حدّ كبير.
الإغراء المالي والتعبئة الدينية
في الواقع، بالإضافة إلى اللبنانيين والسوريين والعراقيين، فإنّ الميليشيات الشيعية لديها عدد كبير من المجندين الأفغان والباكستانيين، إذ يتراوح عدد المقاتلين الأفغان الذين تجمعوا تحت راية لواء "فاطميون" بين 10000 و 12000 مقاتل، تم إرسالهم إلى الجبهات الأكثر عنفاً؛ مثل حلب ودرعا ودمشق واللاذقية وجبال القلمون، وتشير بعض التقارير، إلى أنّ لواء "فاطميون" تكبّد خسائر فادحة، قُدّرت بمئات القتلى. هؤلاء المقاتلون الأفغان، "الهزارة" في الغالب، مدفوعون بمزيج من الإغراء المالي والتعبئة الدينية، حيث تأثر الكثير منهم بخطاب حماية المقدسات الشيعية في سوريا؛ مثل مسجد السيدة زينب في دمشق، كما تشير دراسات أخرى إلى أنّ العديد من المقاتلين الأفغان، تم تجنيدهم مباشرة من مخيمات اللاجئين في إيران، حيث وُعِدوا بوثائق هوية إيرانية قانونية لأفراد أسرهم، في حال وافقوا على الذهاب للقتال في  سوريا.

اقرأ أيضاً: تحليل: الملالي والحرس الثوري وكفاح إيران من أجل العملة الصعبة
وطأت أقدام أولى الوحدات الباكستانية، الأرض السورية عام 2013، وهي وحدات قادمة من قبيلة توري الشيعية في منطقة كورام، ومن مجموعة "الهزارة" العرقية في منطقة كويته، حيث تم دمجهم مع الميليشيات الشيعية الأخرى دون أي تنسيق، قبل إنشاء ميليشيات خاصة للباكستانيين، حملت اسم لواء "زينبيون" في كانون الثاني (يناير) 2015.
ويستخدم كل من لواء "فاطميون" وولاء "زينبيون"، مواقع الإنترنت والصفحات المكتوبة باللغة الأوردية على الشبكات الاجتماعية، في تجنيد المقاتلين الباكستانيين، وإشراكهم بالصراع السوري، خاصة ضد داعش وغيرها من الجماعات السنية المتطرفة، إلّا أنّ هؤلاء المجنّدين شاركوا في معركة خشام، ضد الولايات المتحدة والأكراد، في 7 شباط (فبراير) 2018، والتي شنت خلالها الميليشيات الشيعية هجوماً مفاجئاً ضد القوات الأمريكية الخاصة، وقوات سوريا الديمقراطية، بالقرب من مدينة خشام في منطقة دير الزور، وأدى الردّ الأمريكي إلى مقتل 68 مقاتلاً شيعياً، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

مسار سياسي - عسكري يشبه مسار حزب الله اللبناني
من مناطق المستنقعات على الحدود الإيرانية العراقية، إلى الجبال الوعرة في لبنان، انخرطت الميليشيات الشيعية في جميع المعارك الإيرانية المباشرة وغير المباشرة، في الشرق الأوسط، على مدار العقود الثلاثة الماضية، وتمكنت خلالها من زيادة مهاراتها العسكرية والتكتيكية، وقدرتها على التكيف مع أنواع جديدة من الصراع، المتكافئ وغير المتكافئ.

الحكومة الفيدرالية في بغداد غير قادرة على معارضة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران عسكرياً أو حتى دبلوماسياً

ويشبه مسار الميليشيات الشيعية العراقية في هذا الصدد، مسار حزب الله في لبنان، مرة أخرى، من خلال الصراع غير المتماثل، حيث برزت المنظمة اللبنانية أولاً، من أوائل الثمانينيات حتّى انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان في 25 أيار (مايو) من العام 2000، ورغم ما عانته الحركة من انتكاسات، إلا أنّها نجحت في كثير من الأحيان باستهداف القوات الإسرائيلية وحلفائها في جيش لبنان الجنوبي "قوات لحد"، على سبيل المثال، وكانت المجموعة قد أثبتت بالفعل نشاطها قبل الإعلان الرسمي عن إنشاء حزب الله عام 1985، خاصة بعد هجومها بسيارة مفخخة على مقر أجهزة المخابرات والأمن الإسرائيلية في صُورْ، يوم 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1982، ممّا أسفر عن مقتل 75 شخصاً.

اقرأ أيضاً: الأطفال في إيران وسوريا وقود لأيديولوجيا الحرس الثوري

واتضح أنّ الوضع مشابه في العراق، من منتصف الثمانينيات إلى التسعينيات، فقد كان المنشقون الشيعة العراقيون، والأسرى السابقون الذين خدموا ضمن المجندين في جيش صدام حسين، خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، وجماعات متمردة عراقية شيعية أخرى مدعومة من طهران، وُضِعت من قبل فيلق الحرس الثوري، تحت رعاية منظمة بدر، التي تعهدت بعد ذلك بتدريب هؤلاء المقاتلين الجدد، وعلى غرار حزب الله في لبنان؛ طورت المجموعة على مرّ السنين مهارات وخبرات عسكرية في الحرب غير المتكافئة، من خلال هجماتها المختلفة على قوات الأمن التابعة لصدام حسين.

وفي ظلّ الحرب بين إسرائيل وحزب الله (12 تموز (يوليو) - 14 آب (أغسطس) 2006)، واحتلال الولايات المتحدة للعراق من عام 2003 إلى عام 2011، طوّرت الميليشيات الشيعية مهاراتها وترسانتها العسكرية المتزايدة على مر السنين، ليكون 14 تموز (يوليو) 2006 تاريخاً رئيسياً في هذا الصدد، حيث أطلق مقاتلو حزب الله صاروخاً أرضياً على السفينة الحربية الإسرائيلية لأوّل مرة، ما تسبب بأضرار جسيمة في السفينة، ومقتل 4 بحارة، وقد تمت مشاركة هذه التجربة، بالإضافة إلى سلاسل الإمداد بالصواريخ البالستية، القادمة من إيران، مع الحوثيين في اليمن اعتباراً من عام 2016، حيث أطلقوا، على سبيل المثال، صواريخ أرض - جو، على بارجة حربية أمريكية، وعلى قاعدة سعودية.
وخلال الحرب ضد قوات الاحتلال الأمريكية، أصبحت كتائب حزب الله متخصصة في الأجهزة المتفجرة المرتجلة، التي صممها حزب الله أثناء الحرب ضد إسرائيل عام 2006، كما تم إطلاق الصواريخ المرتجلة، التي أطلقت عليها المليشيات الشيعية اسم "عشتار"، بأعداد كبيرة ضد القوات الأمريكية على مر السنين، وقد طورت الميليشيات هذه الصواريخ وحسّنتها، خلال النزاع، مما زاد من مداها ومدى تأثيرها.

اقرأ أيضاً: الحرس الثوري يقود حملة لتصفية معارضي خط إيران في العراق
لقد ثبت أنّ إدخال الطائرات بدون طيار، في الفضاء العسكري، يمثل أحد النواقل الجديدة لرفع القدرات التشغيلية لحزب الله، وبالتالي للميليشيات الشيعية الأخرى، فقد اقتصر الأمر في البداية على مهام الاستطلاع والمراقبة، وبسرعة تم نشر الطائرات بدون طيار في سماء إسرائيل من قِبل حزب الله؛ الذي أثبت مراراً وتكراراً قدرته على تحويل مسار الطائرات الإسرائيلية بدون طيار. هذه الخبرة، التي طورها حزب الله بمساعدة الحرس الثوري، سرعان ما تم توسيعها وتبادلها مع الميليشيات الشيعية الأخرى، حيث تمكنت كتائب حزب الله "العراقي"، على سبيل المثال، من اختراق طائرة أمريكية بدون طيار في العراق، من خلال استغلال نظام اتصالات غير محمي عام 2009.
من خلال القتال جنباً إلى جنب، زودت هذه المجموعات بعضها البعض بالمهارات والخبرة العسكرية، سواء في التكتيكات غير المتماثلة أو التكتيكات التقليدية، وبسرعة كبيرة فرضت هذه الميليشيات نفسها كأداة هائلة لطهران في العراق والشرق الأوسط بشكل عام، ما دفع إيران إلى تمويل وتدريب وتسليح هذه القوات شبه العسكرية على نطاق واسع.

الحرب ضد تنظيم داعش أو التكريس السياسي - العسكري للميليشيات الشيعية
كرّس الصراع ضد "تنظيم الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا، دورَ الميليشيات الشيعية ووزنها في المعادلة العسكرية الإقليمية، خاصة في العراق، حيث ثبت أنّ دور هذه الميليشيات في الصراع كان حاسماً في عدة مناسبات، فقد فرضت الميليشيات الشيعية الانقلاب على "تنظيم الدولة الإسلامية" خلال شهر حزيران (يونيو) 2014، على سبيل المثال، بينما كان الأخير يهرع إلى بغداد، حاصدةً أرواح القوات المسلحة العراقية النظامية، في طريقها، وفي هذه الظروف، دعا آية الله العظمى علي السيستاني؛ زعيم الشيعة العراقيين، إلى التعبئة العامة في أوائل صيف 2014 بموجب فتوى دينية، لتشجيع العراقيين على حمل السلاح، من أجل إنقاذ العراق من التهديد الجهادي، لينضم العراقيون الشيعة إلى الميليشيات الشيعية الموجودة بالفعل، بالإضافة إلى الميليشيات الأخرى التي تم إنشاؤها لهذه المناسبة، بموافقة رئيس الوزراء في ذلك الوقت؛ نوري المالكي، الذي منحها وضعاً شبه رسمي، بموجب رعاية ميليشيات الحشد الشعبي، وفي الحال، دعمت إيران، وبشكل كبير هذه الوحدات الجديدة من الميليشيات الشيعية، التي سرعان ما فرضت نفسها كقوة عسكرية لا يمكن تعويضها، لتعمل حوالي 50 ميليشيا شيعية تحت قيادة الحشد الشعبي عام 2019. 

لقد فرضت المليشيات الشيعية نفسها بالفعل، مُخيبة بذلك أمل قوات الأمن العراقية، ففي حين أظهرت هذه الأخيرة ضعفها، وعدم فعاليتها واستعدادها  للقتال، تاركة المجال مفتوحاً أمام داعش لشن هجمات واسعة النطاق في المناطق الواسعة، أظهرت الميليشيات الشيعية حماسها في القتال؛ ففي خريف عام 2017 ظهرت قوات الحشد الشعبي، بما في ذلك سرايا الخراساني، في طليعة الهجوم ضد داعش في الحويجة، واستعادت السيطرة على الحي في 20 يوماً (21 أيلول (تموز) - 11 تشرين الأول (أكتوبر) 2017).

اقرأ أيضاً: "الحرس الثوري العراقي"
وبفضل هذا النجاح، جمعت هذه الميليشيات عدداً متزايداً من المجندين والمتطوعين، إلى أن أصبحوا أحد العناصر الأساسية للجيش العراقي، إن لم يكونوا بديلاً عنه، ومنذ عام 2010، تضاعف عدد الميليشيات الشيعية في العراق 20 مرَة؛ فبعد أن كانت تضم 4 آلاف مقاتل في بداية العقد الماضي، أصبحت الميليشيات الشيعية اليوم تضم بين 81 و84 ألف مقاتل، وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2017، في أعقاب الاستفتاء على استقلال كردستان العراق، يوم 25 أيلول (سبتمبر) من نفس العام، شنت قوات الأمن العراقية هجوماً واسعاً، أثبتت الميليشيات الشيعية أنها رأس الحربة الحقيقي فيه.
الوضع الحالي والآفاق
أياً كان مستوى حكمها الذاتي، تبقى الميليشيات الشيعية خاضعة بعمق إلى طهران، فلم تكن مشاركة الحشد الشعبي في هجوم تشرين الأول (أكتوبر) 2017 ضد حكومة إقليم كردستان، بإرادةٍ من بغداد، بل بأمرٍ من إيران، في الواقع، قبل الهجوم ببضعة أيام، ذهب الجنرال قاسم سليماني، إلى السليمانية؛ العاصمة السياسية للاتحاد الوطني الكردستاني، للتفاوض مع ممثلي الأخير، من أجل انسحاب البيشمركة من الاتحاد الوطني الكردستاني، في حال حدوث هجوم إيراني، وذلك ما تم بالفعل؛ فتحت ضغط طهران وتقدّم الميليشيات الشيعية، انسحب البيشمركة من الاتحاد الوطني الكردستاني عن طيب خاطر، دون تبادل فعلي للرصاص، على النقيض من الحزب الديمقراطي الكردستاني.

ميليشيا تجسد هيمنة نظام الملالي على العراق
تَظهرُ الميليشيات الشيعية اليوم، من نواحٍ كثيرة، بوصفها تجسيداً لهيمنة نظام الملالي على العراق، فقد كانت هذه الميليشيات، التي لا يمكن السيطرة عليها، موضوع مشاريع قوانين تهدف إلى إعادتها تحت رعاية الجيش النظامي العراقي، في مناسبات عديدة؛ ففي 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، أقرّ البرلمان العراقي قانوناً يعترف رسمياً بقوات الحشد الشعبي، باعتبارها فرعاً مستقلاً لقوات الأمن العراقية، وأذِن لها، في هذا الإطار، بتلقي تمويل من الدولة العراقية، ومع ذلك، فإنّ القانون يشترط في المقابل أن تتنازل قوات الحشد الشعبي عن سلاحها لبغداد، وأن تتخلى عن أي ميل أو أي نزوة سياسية تجاه إيران.

اقرأ أيضاً: إيران: تجارة المخدرات المربحة التي يديرها "الحرس الثوري"
ولم تمتثل قوات الحشد الشعبي لهذا القانون، ولا للمراسيم الرئاسية التي تلت ذلك، ولسبب وجيه، لا تستطيع الحكومة الفيدرالية في بغداد، في الوقت الحالي، معارضة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران عسكرياً، أو حتى دبلوماسياً، لذلك تنتشر قوات الشرطة العسكرية الخاصة في جميع أنحاء البلاد، وتتطور عسكرياً وسياسياً؛ ففي أيلول (سبتمبر) 2019، كانت قوات الحشد الشعبي قد أعربت عن رغبتها في امتلاك مكوّن جوي عسكري خاص بها، ورغم أنّ هذه المعلومات لم يتم تأكيدها أو الإعراب عنها من جديد، إلا أنّها توضح مدى الاستقلالية والقوة المتوفرة لدى الحشد الشعبي.
الحشد الشعبي الفائز الأكبر في الانتخابات
أصبح ثقل الميليشيات الشيعية في الحياة السياسية العراقية أكثر وضوحاً خلال الانتخابات البرلمانية، التي جرت في 12 أيار (مايو) 2018، حيث كانت قوائم اثنين من مسؤولي الحشد الشعبي من الفائزين الكبار؛ وهم تحالف "سائرون"، بقيادة رجل الدين الشيعي وزعيم ميليشيا سرايا السلام؛ مقتدى الصدر، الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد (54 من أصل 329)، يليه تحالف فتح (47 مقعداً)، بقيادة هادي الأميري، قائد منظمة بدر.

تصاعد الحمى السياسية بين الميليشيات
استعداداً للانتخابات المحلية المُقبلة، والمقرر إجراؤها في 21 شباط (فبراير) 2020، تصاعدت الحمى السياسية بين الميليشيات الشيعية، التي تحشد المزيد والمزيد لمحاولة كسب معظم السياسيين من صفوف الميليشيات الشيعية، إلا أنّ وفاة عراب هؤلاء؛ قاسم سليماني، قد غيرت الوضع؛ فليس لهذا المعشوق في إيران، بديلاً قادراً على ضمان الاستمرارية الكاملة في قيادة الميليشيات الشيعية، وإن كان قد تم تعيين ساعده الأيمن وزوج شقيقه؛ اللواء إسماعيل قاآني في طهران، فإنّ الميليشيات الشيعية، التي لا يمكن السيطرة عليها، لن تتبناه بالضرورة على النحو الذي تريده إيران.


مصدر الترجمة عن الفرنسية :

lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

رهاناتُ الطاقة في شرق المتوسط تهدّد تركيا بعزلة دولية

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-24

ترجمة: مدني قصري
 


"شرق البحر الأبيض المتوسط، بحر من الغاز"، يكفي هذا الاقتباس، من مقال على موقع شركة النفط الإيطالية العملاقة "إيني"، لفهم التحديات الاقتصادية في شرق البحر المتوسط.

أصبح شرق البحر المتوسط اليوم، مسرحاً لسباق حقيقي على المواد الهيدروكربونية من جانب دول البحر المتوسط المعنية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فإذا كان وجود تركيا أو قبرص في المعادلة مفاجئاً، فإنّ ليبيا وإيطاليا تشكلان المفاجأة الأكبر.

تشير الاستكشافات البحرية إلى وجود رواسب هيدروكربونية غنية على الشريط الحدودي في المناطق الاقتصادية الإسرائيلية والفلسطينية

ويجري هذا السباق على خلفية التنافس العميق بين مختلف أبطال القضية، الذين يلجؤون إلى التحالفات، ويُظهرون قواتهم العسكرية ببراعة، بهدف الاستفادة القصوى من الوضع، وقبل كل شيء، من الموارد، موضوع الرهان، حيث أعلنت تركيا نشر طائرات مقاتلة بدون طيار في المنطقة، في حين، التزمت الرئاسة الفرنسية تجاه أثينا بإرسال سفن تابعة للبحرية الفرنسية، لدعم القوات اليونانية المتمركزة في بحر إيجه.
سيحاول هذا المقال، تشريح خصوصيات وعموميات الأزمة، من أجل توضيح حجم تحديات الطاقة في المنطقة أولاً، ثم فهم حجم التصعيد الدبلوماسي الأمني وحساسية الموضوع لمختلف الدول المعنية، بشكل أفضل ثانياً.

تقديرات احتياطي النفط والغاز في شرق البحر المتوسط

تشهد احتياطيات الغاز في الشرق الأوسط أسرع نمو في العالم منذ عام 2009، مما يجعلها المنطقة الأقوى والأوسع من حيث المهام الاستكشافية، وقد قفزت احتياطيات الغاز المؤكدة بنسبة 33.6٪ منذ عام 2009، مَثّل الشرق الأوسط ما نسبته 40.4% منها، بعد أن كان يمثل 31.4٪ عام 2000.

أدت الغالبية العظمى من الاستكشافات البحرية إلى اكتشاف الكثير من رواسب الغاز والقليل من رواسب النفط

وتعتبر حالة شرق المتوسط (MEDOR)، لأسباب تقنية وعلمية، أكثر تعقيداً؛ ففي عام 2000، على سبيل المثال، قدّرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، أنّ احتياطيات الغاز يجب أن تبلغ حوالي 2715 مليار متر مكعب، وبعد مرور 10 أعوام، قامت اللجنة نفسها بمراجعة تقديراتها بالكامل، ورأت أنّ المنطقة يجب أن تحتوي على 5765 مليار متر مكعب من الغاز.
أما النفط فهو أقلّ وعوداً من الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، بشكل عام، حيث مَثل إنتاجه في مياه البحر المتوسط عام 2011، أقل من 6 ٪ من الإنتاج العالمي، وقدّرت دراسة أجرتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية عام 2010، احتياطيات النفط في حوض المشرق بـ 1.7 مليار برميل، ما يعني أنّ احتياطيات النفط المعروفة حالياً في البحر المتوسط سترتفع بنسبة 70٪، إذا كانت هذه التقديرات صحيحة.

اقرأ أيضاً: سياسة أردوغان في إدلب تُحمل تركيا أعباءً إنسانية واقتصادية جمة
ومع ذلك، فإنّ الغالبية العظمى من الاستكشافات البحرية، أدت إلى اكتشاف الكثير من رواسب الغاز، والقليل جداً من رواسب النفط.
اكتشافات حديثة.. أصل الاهتمام الحالي بشرق المتوسط
رغم ما مثلّه الخليج من أهمية حيوية في الإنتاج العالمي من الهيدروكربونات، منذ خمسينيات القرن العشرين، إلا أنّ شرق المتوسط  "ميدور" صار موضع اهتمام منذ بضعة أعوام فقط، عقب اكتشاف العديد من حقول الغاز الواعدة بشكل خاص.

اقرأ أيضاً: تركيا ومراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى
ويعود الاهتمام بشرق المتوسط إلى عام 1999، عندما تم اكتشاف حقل غاز نوا Noa، قبالة ساحل "إسرائيل"، وهكذا تسارعت الاستكشافات، ففي العام التالي، تم اكتشاف رواسب ماري – بي Mari-B، ثم حقلي داليت Dalit وتامار Tamar في عام 2009، وليفياثان Leviathan في عام 2010، وأخيراً أفروديت وتانين Tanin عام 2011.

تحافظ كل دولة في حوض المتوسط على نزاع إقليمي بحري مع جارتها، كإسرائيل ولبنان

ويمثّل جزء من حقل ليفياثان، الواقع في المياه الإقليمية، أصل اندفاع دول البحر الأبيض المتوسط الأخرى في حوض شرق المتوسط، بسبب حجم الرواسب، فهو يحتوي على حوالي 18 تريليون متر مكعب من الغاز، واستغلاله سيكون كافياً لتزويد "إسرائيل" بالكهرباء التي تحتاجها لـ 30 عاماً قادماً؛ حيث يُعتقد أنّ هذه الرواسب تحتوي على 600 مليون برميل من النفط، وهي موضوع مهمات استكشافية.
وتماشياً مع ليفياثان Leviathan، برزت رواسب تمار أيضاً، التي تحتوي على 10 تريليونات متر مكعب من الغاز، تتم إعادة تقييمها بشكل منتظم على مدار الأعوام، وقد ضاعفت تل أبيب جهود استغلال هذا الحقل الذي، بدأ العمل فيه بعد أقل من 5 أعوام على اكتشافه، عام 2014، حيث تم تشغيل حقل تمار منذ نهاية عام 2018، وهو أمر نادر في هذا المجال الاقتصادي.

وتتعلق الاكتشافات المذكورة أعلاه، والتي تمت منذ عام 1999، بالمياه الإقليمية الإسرائيلية فقط، وتُعدّ قبرص أيضاً واحدة من أكبر الفائزين في الاستكشافات البحرية، حيث إنّ أبرز رواسب الغاز المكتشفة حتى الآن هي تلك التي اكتشفت في المياه القبرصية، والمعروفة باسم "أفروديت"، التي اكتشفتها شركة نوبل إنيرجي Noble Energy الأمريكية عام 2011، التي تعتبر أصل معظم اكتشافات الرواسب الهيدروكربونية في حوض بلاد الشام.

اقرأ أيضاً: تركيا.. أخطبوط أم تخبط؟

وتقدّر احتياطيات حقل "أفروديت" حالياً؛ بحوالي 7 تريليونات متر مكعب من الغاز، وقد بدأت شركة نوبل إنرجي في حفر بئر جديد في 12 في حزيران (يونيو) 2013، حيث تأمل الحكومة القبرصية في اكتشاف كمية كافية من الغاز تصل إلى 30 أو 40 تريليون متر مكعب من احتياطيات الغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة "ZEE" التابعة لقبرص.

يُعتقد أن المياه الواقعة قبالة غزة تحتوي على الهيدروكربونات التي يقدر احتياطها بنحو تريليون متر مكعب من الغاز

كما عرضت السلطات القبرصية، عدة كتل استكشافية في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لها، في المزادات العلنية، حيث مُنحت في نهاية عام 2012 للعديد من الشركات العابرة للأوطان واتحادات أخرى، فقد فازت العملاقة الإيطالية ENI، والشركة الكورية الجنوبية كوغاز (KOGAS) بالكتل 2 و 3 و 9، بينما فازت شركة توتال الفرنسية بالكتل 10 و 11.
ويُعدّ اكتشاف بئر أفروديت 2، على الجانب الإسرائيلي من الحدود البحرية مع قبرص، اكتشافاً واعداً للغاية في ميدور "شرق المتوسط"، ومن الممكن أن تكون رواسب الغاز الطبيعي الموجودة هناك منبثقة من نفس التكوين الجيولوجي لبئر أفروديت، ويمكن أن تحتوي تقنياً، وفقاً للتقديرات، على حوالي 3 مليارات متر مكعب من الغاز، فإذا تبين أنّ أفروديت 2 مرتبط بنفس البنية الجيولوجية لأفروديت، سيتعين على "إسرائيل" وقبرص التوقيع على اتفاقية استغلال مشترك للحقل.

دان الاتحاد الأوروبي الأعمال التركية في شرق البحر المتوسط، مُعلناً دعمه لليونان وقبرص ضد تركيا

وقد تشير الاستكشافات البحرية العديدة الجارية حالياً على الشريط الحدودي في المناطق الاقتصادية الخالصة الإسرائيلية والفلسطينية، إلى وجود رواسب هيدروكربونية غنية هناك، ويُعتقد أن المياه الواقعة قبالة غزة تحتوي على الهيدروكربونات، التي يقدر احتياطها بنحو تريليون متر مكعب من الغاز، وقيل في هذا السياق إنّ السلطة الفلسطينية وإسرائيل ناقشتا في أيلول (سبتمبر) 2012، إمكانية تطوير هذه الاستكشافات البحرية في جميع أنحاء المياه الإقليمية الفلسطينية، ومع ذلك، فلم يظهر أي اتفاق في هذا الشأن.
كما انضمت السلطات اللبنانية، في نيسان (أبريل) 2013، إلى العطاءات، لاقتناء كتل استكشافية في مياهها الإقليمية، فمن بين 52 شركة تقدمت بالعطاءات، تم قبول 46 شركة، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، تم منح هذه الكتل للعديد من الفائزين، مقابل إنتاج بدأ في نهاية المطاف عام 2016، وتمتلك المياه اللبنانية، بالفعل، ما تجذب به شركات قطاع الطاقة، فإذا كانت رواسب النفط تمثل مئات الملايين من البراميل، فإن الغاز مرة أخرى، هو المتميز من حيث مادته، مع ما يقترب من 25 تريليون متر مكعب من الاحتياطيات.

بالنسبة لسوريا، فإنّ استكشاف مياهها الإقليمية في حالة توقف تام في الوقت الراهن، بسبب الحرب الأهلية التي هزت البلاد منذ آذار (مارس) 2011، وكانت الحكومة السورية قد قامت ببيع مجموعات استكشافية عن طريق المزاد، ولكن أمام حركات الاحتجاج الأولى، في أوائل عام 2011، فضلت دمشق تأجيل إعلان الفائزين إلى كانون الأول (ديسمبر) من نفس العام، وفي النهاية أعلنت قرارها في تموز (يوليو) 2013 في جلسة مغلقة، فإذا كان الفائزون غير معروفين، فمن المرجح أنّ سوريا قد عقدت، في نيسان (أبريل) 2013، محادثات طويلة مع موسكو وبكين حول الاستكشاف البحري لمياهها الإقليمية، قبل بضعة أشهر من جلسة تموز (يوليو) المغلقة، وإذا كانت نتائج هذه التبادلات غير معروفة، فمن المؤكد أن الوجود البحري الروسي المهيب في الموانئ السورية، في اللاذقية وطرطوس على وجه الخصوص، لا يمكن تفسيره بحجة التزام موسكو العسكري تجاه سوريا، فقط.

إنّ ضيق شرق المتوسط بالنظر إلى عدد البلدان التي لديها نافذة ساحلية عليه، يفرض على هذه البلدان امتلاك منطقة اقتصادية حصرية

أمّا البلدان التي تعتمد اعتماداً كبيراً في إنتاج الهيدروكربونات، على جيرانها الشرقيين، مثل؛ المملكة العربية السعودية أو قطر أو العراق أو الكويت، على سبيل المثال، فإنّ الحصول في سواحلها على موارد قادرة على تزويدها ببعض الاكتفاء الذاتي من الطاقة، أو الحدّ من اعتمادها على البلدان الأجنبية، مسألة تحمل بُعداً استراتيجياً للغاية.
في مياه شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث لا يزال صدى الصراع التركي اليوناني في قبرص، والذي بدأ عام 1974، يتردد بلا انقطاع، بالإضافة إلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والاشتباكات والمواجهات في سوريا المجاورة، فإنّ اكتشاف مثل هذه الموارد الطبيعية سيؤدي حتماً إلى تأجيج بعض التوترات الإقليمية، وإثارة توترات جديدة.

سلسلة من الأزمات
لفهم أفضل لخصائص وعموميات الأزمة الجيوسياسية – والجيواقتصادية الدائرة حالياً في شرق البحر المتوسط، من الضروري وضع هذه الأخيرة في سياقها، والتأكيد، أوّلاً وقبل كل شيء، على التعقيد العميق للأزمات المتعددة التي أدت إلى الأزمة القائمة حالياً.

منذ اكتشاف إمكانات الطاقة العالية في حوض شرق المتوسط عام 1999، شرعت دول البحر الأبيض المتوسط في سباق هيدروكربوني

بالفعل، كما رأينا في البداية، فمنذ اكتشاف إمكانات الطاقة العالية في حوض شرق المتوسط عام 1999، شرعت دول البحر الأبيض المتوسط في سباق هيدروكربوني، تحاول كل منها الاستفادة إلى أقصى حد من هذا الوضع، وهو ما أدى إلى إطلاق العنان للعديد من التحالفات، والتراجع عن المعاهدات، والتصعيد الأمني،.. إلخ.
باختصار، هذا هو السياق الذي بدأت فيه الأزمة الدبلوماسية في شرق البحر المتوسط اليوم، لاحتلال موقع مركزي في "ميدور"، على أقل تقدير؛ فجزيرة قبرص مقسمة إلى جمهورية موالية لليونان، في الجنوب، وجمهورية شمال قبرص الموالية لتركيا، حيث يعود تاريخ هذا الجزء من الجزيرة إلى الغزو التركي 20 تموز (يوليو) - 18 آب (أغسطس) 1974، والذي تم تنفيذه كرد فعل لمحاولة الانقلاب التي تم تنظيمها في 15 تموز (يوليو) 1974 بواسطة "ديكتاتورية العقداء" في اليونان، ونتج عن هذا التدخل احتلال تركيا لـ 38٪ من أراضي الجزيرة وانقسامها الجغرافي والسياسي والثقافي إلى قسمين، على الرغم من الجهود المتكررة التي بذلها المجتمع الدولي لإعادة توحيد قبرص، فقد فشلت المفاوضات لتحقيق هذه الغاية بشكل منهجي.

في هذا السياق، وحتى اليوم، لا تزال التوترات بين اليونان وتركيا حادة بشكل خاص، فالحوادث في البحر متكررة، كما يتضح من محاولات خفر السواحل الأتراك ضرْب سفن الصيد اليونانية، وقد يحدث تبادل لإطلاق النار، إنّ العداء بين المتصارعين؛ اليوناني والتركي، والذي تدعمه قبرص، بشقيها الجنوبي والشمالي، يمهد الطريق لسياق جيوسياسي في شرق البحر المتوسط.

اقرأ أيضاً: لماذا خسرت تركيا ورقة إدلب؟ وكيف ضاقت خياراتها في سوريا؟

وتحاول بقية الدول الاستفادة من هذا الوضع، ومن الفرص التي تمكنت من اغتنامها، حيث إنّ ضيق شرق المتوسط، بالنظر إلى عدد البلدان التي لديها نافذة ساحلية عليه (تركيا، سوريا، لبنان، إسرائيل، الأراضي الفلسطينية، مصر، قبرص وشمال قبرص، واليونان)، يفرض على هذه البلدان امتلاك منطقة اقتصادية حصرية، تكون أحياناً ضيقة جداً في أعين قادتها، سيما بعد اكتشاف رواسب الهيدروكربون الغنية في حوض شرق المتوسط.

تشهد احتياطيات الغاز في الشرق الأوسط أسرع نمو في العالم منذ عام 2009 مما يجعلها المنطقة الأوسع من حيث المهام الاستكشافية

وبناءً على هذه المعطيات، تحافظ كل دولة في الحوض، بشكل أو بآخر، على نزاع إقليمي بحري مع جارتها، كإسرائيل ولبنان، على سبيل المثال، اللتان تتبادلان الاتهامات بالتعدي على بعضهما البعض، ولسبب وجيه، لم يوقع الطرفان اتفاقية ثنائية تحدّد الحدود البحرية المشتركة بينهما؛ لأنّ لبنان لا يعترف بدولة إسرائيل.
وكذلك الأمر بين تركيا وقبرص، ففي حين لا تعترف الأخيرة بشمال قبرص، حيث ترى أنّ لها حقاً حصرياً في المنطقة الاقتصادية الخالصة، تؤيد تركيا مُهرَها القبرصي الشمالي الذي يطالب، بدوره، بمنطقة اقتصادية خالصة، تتداخل مع منطقة قبرص، كما تطالب أنقرة بجزء كبير من المناطق الاقتصادية اليونانية الخالصة، على مستوى بحر إيجه، بسبب كوكبة الجزر اليونانية في المنطقة المجاورة للسواحل التركية، وهي الجزر التي تمنح من المناطق الاقتصادية الخالصة لليونان بقدر ما تنتزعها من تركيا.
قانون البحار والتنافس على الهوامش
ينص قانون البحار، وتحديداً؛ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الموقعة في عام 1982 في مونتيغو باي (جامايكا)، على ألا تتجاوز المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدان ذات الانفتاح على البحر، 200 ميل بحري من خطوط الأساس (متوسط المياه عند انخفاض المد)، أو ألا تتجاوز الحافة الخارجية للجرف القاري (امتداد القارة تحت سطح المحيط)، إن كان أكثر من الـ 200 ميل المذكورة آنفاً، ومع ذلك، في حالة حوض شرق المتوسط، فإنّ تركز البلدان ضمن ضيق شرق البحر المتوسط، يجعل التحديد الدقيق للحدود البحرية مشوشاً وغامضاً، وهو ما تلعب عليه الدول لزيادة هوامشها في المناورات الدبلوماسية والاقتصادية.

اقرأ أيضاً: عمرو موسى: تدخلات إيران وتركيا تؤجج الصراعات في المنطقة
إنّ التنافس على هوامش المناورة، على خلفية الوضع القانوني المشوش والتوترات الجيوسياسية الملحوظة، يمثل في جزء كبير منه، أصلَ الأزمة الحالية في شرق البحر المتوسط.

تداعيات الأزمة

الأزمة الحالية هي امتداد لأزمة عام 2018، والتي كانت، بدورها، نتيجة سلسلة من الأزمات الصغيرة المبعثرة، والتي أضحت خطيرة؛ ففي عام 2002، اعترضت سفينة تابعة للبحرية التركية سفينة استكشاف نرويجية، كانت قبرص قد كلفتها بالحفر في المياه الإقليمية القبرصية التي تطالب بها أنقرة، وفي العام 2007، وضعت قبرص خطة كتلة استكشافية، وأطلقت مناقصة متعلقة بها، لكنّ تركيا، التي لم توقع على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ادعت أنّ إحدى الكتل التي حددتها قبرص ملك لها، مُعتبرة مناقصة نيقوسيا بشأن تلك الكتلة الاستكشافية غير شرعية، ومنذ عام 2008 إلى عام 2014، استمر التصعيد، وشارك فيه عدد متزايد من السفن الحربية التابعة للبحرية التركية، والتي كانت ترافق سفن الاستكشاف التركية في المياه القبرصية التي تطالب بها أنقرة، كما حدث في عام 2014، على سبيل المثال.
تركيا في المياه اليونانية
بدأت أزمة عام 2018 بِبيان أصدره وزير الخارجية التركي؛ ميفلوت تشافوس أوغلو، حيث أعلن في 6 شباط (فبراير)، عن عزم الحكومة التركية على بدء استكشافات بحرية جديدة في المياه اليونانية، وقبل كل شيء، في المياه القبرصية، وازداد التوتر، عندما منعت سفينة تركية في 9 شباط (فبراير)، سفينة الحفر التابعة لشركة ENI الإيطالية من استكشاف إحدى الكتل الاستكشافية التي فازت بها الأخيرة، على أساس أنّ هذه الكتلة تخص شمال قبرص، واستمرت المبارزات الدبلوماسية والأمنية في معظم الجزء المتبقي من عام 2018، مع زعيم حزب المعارضة التركي IYI؛ ميرال أكسينر، الذي دعا إلى غزو جديد لقبرص، لكن الموقف هدأ في نهاية المطاف من تلقاء نفسه، وليس من خلال حلّ حقيقي للمشاكل.
منتدى شرق البحر المتوسط للغاز لمواجهة تركيا
في 16 كانون الثاني (يناير) 2019، قررت الحكومات؛ القبرصية والمصرية واليونانية والإسرائيلية والإيطالية والأردنية والفلسطينية، مواجهة تركيا، من خلال إنشاء "منتدى شرق البحر المتوسط للغاز" EMFG، للإشراف على الحوار والتعاون، بعد ظهور سوق واعدة للغاز في المنطقة، واستبعدت الاتفاقية تركيا، رغم أنّ السلطات اليونانية قالت إنّ أي عضو جديد هو موضع ترحيب، شريطة احترام ميثاق (EMFG).

الاتحاد الأوروبي يُدين تركيا

اجتمع منتدى شرق البحر المتوسط للغاز، مرة أخرى، في تموز (يوليو) 2019، بمشاركة الولايات المتحدة هذه المرة، وبالتزامن مع ذلك، أعلن الاتحاد الأوروبي دعمه لليونان وقبرص ضد تركيا، حيث دان الأعمال التركية في شرق البحر المتوسط.
رسم حدود بحرية بين ليبيا وتركيا في مياه يونانية
رداً على هذه المبادرات وعلى هذا التحالف "المعادي للأتراك"، وقعت تركيا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، اتفاقية مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، في إطار تحالف متنامٍ بين الجيش الوطني التركي وحكومة الوفاق، قائم على دعم أنقرة العسكري لحكومة طرابلس ضد حكومة طبرق والمشير حفتر، هذا الاتفاق، ذو الخطوط العريضة الغامضة، والذي روجت له السلطات التركية إعلامياً، يضع، بشكل ما، حدوداً بحرية بين ليبيا وتركيا، استناداً إلى المياه الإقليمية التي يطالب بها البَلَدان حالياً، والتي تقع رسمياً ضمن قوانين اليونان على وجه الخصوص، حيث يهدف إنشاء هذه الحدود البحرية المشتركة، في نهاية المطاف، إلى تشجيع استغلال الموارد البحرية في المنطقة وتسهيل التجارة بين البلدين.
ويتضمن هذا الاتفاق جانباً عسكرياً أيضاً، وقد تمّت إدانته بحزم من قبل أعضاء مجموعة منتدى شرق البحر المتوسط للغاز والاتحاد الأوروبي، إلّا أنّه لا يبدو، في الوقت الحالي، أنّه قد تمت تسويته بأي شكل من الأشكال، على الجانب الاقتصادي على الأقل.
خط أنابيب الشرق الأوسط لإفشال الاتفاق التركي الليبي
رداً على الاتفاق التركي الليبي، وافقت اليونان وقبرص و"إسرائيل"، في 2 كانون الثاني (يناير) 2020، على إنشاء "خط أنابيب الشرق الأوسط"، وهو مشروع قيد النقاش والتأمل منذ عام 2013، تحت رعاية المفوضية الأوروبية، حيث يهدف إلى إنشاء خط أنابيب هيدروكربوني يخدم الاتحاد الأوروبي، عبر إيطاليا، انطلاقاً من "إسرائيل" وقبرص واليونان، دون الاعتماد على تركيا أو قبرص الشمالية أو ليبيا، ومن المتوقع أن يربط خط الأنابيب بِئْرَيْ ليفياثان وأفروديت، وهما أكبر رواسب في "إسرائيل" وقبرص.

تركيا تتحدى وتستكشف في المياه القبرصية

بدأت تركيا، التي قرّرت تحدّي خط أنابيب الشرق الأوسط، استكشافاتها الأولى في المياه الإقليمية القبرصية، عن طريق إرسال سفينة الحفر Yavyz إلى هناك، في 19 كانون الثاني (يناير) 2020، وفي اليوم التالي، أعلنت الجريدة الرسمية للرئاسة التركية عن خطتها لإدارة 5 آبار بحرية في "مياه الجمهورية التركية لشمال قبرص"، أي في المياه الإقليمية الخاضعة رسمياً لقبرص.
تركيا مهددة بعزلة دولية
خلال اجتماع في باريس، بين رئيس الوزراء اليوناني؛ كيرياكوس ميتسوتاكيس، والرئيس الفرنسي؛ إيمانويل ماكرون، في 27 كانون الثاني (يناير)، أكّد الأخير دعمه لليونان، بإرسال وشيك، للسفن البحرية الوطنية الفرنسية إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، تحت شعار "ضامنو السلام"، مع تصاعد التوترات بين اليونان وتركيا، ومطالبة الأخيرة أثينا بتجريد  16 جزيرة في بحر إيجة من السلاح، وفي 26 كانون الثاني (يناير) 2020، أعلن وزير الدفاع اليوناني؛ نيكوس باناجيوتوبولوس، أنّ القوات المسلحة اليونانية "درست جميع السيناريوهات، بما في ذلك الالتزام العسكري".
وحتّى إن ظلت فرص حدوث نزاع مسلح حقيقي بين تركيا واليونان و/أو قبرص، فرصاً ضعيفة للغاية، فإنّ الأزمة تتحول حالياً إلى منعطف خطر، يهدد، دبلوماسياً وتاريخياً، بزيادة عزلة تركيا على المسرح الدولي.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:



تسريبات تثبت تورط أردوغان ونجله وصهره في قضايا فساد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

قدّم زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض بـتركيا، كمال قليتش دار أوغلو، أدلة لإحدى محاكم أنقرة، تثبت صحة تسجيلات مسربة منذ عام 2013، وتكشف تورط رجب طيب أردوغان في نهب المال العام.

 

وبحسب الأدلة التي وضعها محامي قليتش بين يدي قضاة المحكمة المدنية الابتدائية السادسة، في العاصمة أنقرة؛ فإنّ أردوغان متورط وعائلته في نهب المال العام، ما يكشف دورهما التخريبي وإدخال تركيا في أزمات اقتصادية كبرى، وفق ما نقلت "العين" الإخبارية عن صحيفة "جمهوريت" التركية.

كمال قليتش يقدم أدلة تثبت صحة تسجيلات مسربة منذ عام 2013 تكشف تورط أردوغان بقضايا فساد

وأظهر أحد التسجيلات الصوتية المسربة مؤخراً لأردوغان ونجله؛ أنّهما اشتريا شقة بلغت قيمتها 25 مليون دولار، يسأل فيه بلال، نجل أردوغان، والده: "يمكننا إعطاء 25 مليون دولار لتشيليك (رجل أعمال) والباقي سنشتري به شقة من شهريزار (مشروع عقاري بإسطنبول) ليردّ الرئيس التركي: افعلوا ما ترونه".

بينما فضح تسريب صوتي آخر مخطط أردوغان ونجله بلال، للانتقام من فتح الله غولن، الداعية التركي المقيم حالياً في واشنطن، بعد كشف وقائع الفساد الكبرى.

ووفق التسريب الصوتي؛ فإنّ بلال تحدث لوالده الرئيس التركي قائلاً: "نحن وسرهات شقيق وزير المالية بيرات ألبيرق صهر أردوغان، جلسنا واتفقنا على أنّه لا بدّ أن يدفعوا ثمن نوايانا الحسنة، ولا بدّ من أن نفعل شيئاً، لا بدّ لجماعة غولن من أن تعرف حدودها وينتهي هذا".

وتعقيباً على حديث بلال، ردّ أردوغان، خلال التسريب الصوتي: "هناك بعض الإجراءات التي ستتخذ اليوم بالفعل، وسيصل الأمر لذروته، لكن لا بدّ لعائلة سرهات أن تقدّم دعماً كبيراً لوسائل الإعلام مع الأصدقاء الآخرين".

وأزاح تسريب صوتي ثالث لمكالمة هاتفية بين أردوغان ونجله بلال الستار عن فضيحة فساد لعائلة الرئيس التركي، وتدخلهم في شؤون القضاء بالبلاد.

وخلال هذا الاتصال، قال بلال لوالده: "يا أبي، لا بدّ من القيام بعملية وحملة ضدّ رجال الأمن والنيابة العامة في أسرع وقت ممكن، لا بدّ من القيام بحملة ضدّ النيابة العامة وكبار جماعة غولن".

إلا أنّ الرئيس التركي قاطع بلال، قائلاً له: "يا بني، لا تخلط الأمور ولا تتحدث في مثل هذه الأشياء على الهاتف توقف عن هذا الحديث الآن".

وقال محامي زعيم حزب الشعب الجمهوري، جلال تشيليك: "اليوم رفعت ضدّي قضية جنائية بسبب التسجيلات التي قدمتها في القضايا المرفوعة ضدّ رئيس الحزب".

وأضاف: "في إطار الصلاحيات التي منحني إياها القانون أخذت تقرير الخبراء المتعلق بالتسجيلات السبعة، 6 منهم داروا بين أردوغان ونجله بلال، وآخر له مع رئيس إدارة الإسكان وقتها هالوق قارابيل".

وبحسب تسجيل فيديو منسوب للمحامي تشيليك، نشرته صحيفة "جمهوريت" التركية المعارضة، فإنّ تقرير الخبراء يؤكد بوضوح أنّ التسجيلات المنسوبة لأردوغان "صحيحة تماماً"، قائلاً: "كشفنا أنّه لا يوجد فيها أيّ مونتاج".

وكانت صحف تركية معارضة قد وصفت بلال، نجل أردوغان؛ بأنّه "وزير نفط داعش" لدوره الكبير مع صهره بيرات ألبيراق في تسهيل تهريب النفط الذي استولى عليه التنظيم المتطرف في سوريا، وتسويقه والتربح منه.

قضايا الفساد تتمحور حول شراء شقق وأراضٍ، والتضيق على القضاء وملاحقة الصحفيين والموالين لغولن

وأوضحت الصحف؛ أنّ قيمة أصول شركته البحرية التي يمتلكها بالشراكة مع عمه مصطفى أردوغان، وصهره ضياء إلجين، تضخمت إلى 180 مليون دولار، ونقل مقر الشركة إلى منطقة بيليربيي على مضيق البوسفور، ووصلت قيمة المقر الجديد لـ 150 مليون دولار.

وتمثل خطوات أردوغان هذه امتداداً لسلسة اضطهاد لمعارضيه؛ ففي 16 شباط (فبراير) الجاري فتحت سلطات الرئيس التركي تحقيقاً مع مراسلة إحدى صحف المعارضة؛ لقيامها بالكشف عن فساد صادق ألبيرق، والد وزير الخزانة والمالية بيرات ألبيرق، صهر الرئيس رجب طيب أردوغان، في مسألة "تسقيع الأراضي".

وبدأت سلطات أردوغان التحقيق مع مراسلة صحيفة "جمهورييت"، المعارضة هزل أوجاق، لكتابتها تحقيقاً صحفياً عن شراء ألبيرق أراضٍ على طريق قناة إسطنبول المائية عام 2003، قبل شراء أخرى ونقل ملكيتها للوزير نفسه عام 2012.

 واعتبرت السلطات التركية خبر الصحفية "إهانة" لوزير المالية، في حين أنّها لم تنفِ في الوقت ذاته ما كشف عنه التقرير.

التحقيق المذكور كان قد كشف هذه الواقعة، في كانون الثاني (يناير) الماضي، حيث ذكر أنّ والد الوزير كان قد اشترى 3 أفدنة في منطقة "أرناؤوط كوى" الواقعة على مسار القناة، وبعد أن أعلن أردوغان عن هذا المشروع، في 2011، اشترى 13 فداناً أخرى ونقل ملكيتها لنجله وزير المالية.

ووفق ما ذكره التحقيق؛ فإنّ الأرض المشتراة تقع ضمن حدود المنطقة السكنية في الخطة الجديدة لقناة إسطنبول، وأشار سماسرة عقارات وخبراء إسكان إلى أنّ "الأراضي الموجودة بتلك المنطقة زادت قيمتها السوقية بشكل كبير".

وتشير تقارير للمعارضة التركية إلى أنّ وجود أردوغان وحزبه على رأس السلطة، منذ 17 عاماً، سهل عملية نهب عائلته لأموال الشعب التركي وتكوين ثروات طائلة، عبر صفقات تجارية مشبوهة، في حماية أجهزة حكومة العدالة والتنمية.

للمشاركة:

تركيا تفاقم أزمة المهاجرين في اليونان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

بعد الخلافات التي طرأت على العلاقات اليونانية التركية، بسبب اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، التي عقدها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مع حكومة السراج في ليبيا، فتحت أنقرة الباب على مصراعيه أمام المهاجرين للتوجه إلى اليونان، في محاولة لمفاقمة الأزمة، جراء تكدس أعداد المهاجرين غير الشرعيين القادمين.

 

 

ولاحتواء ذلك الوضع المتأزم في الجزر اليونانية؛ بدأت السلطات باتخاذ تدابير لإعادة تنظيم مراكز الاستقبال، وقوبل لذلك بردود أفعال متباينة، سواء من جهة المهاجرين أو سكان الجزر اليونانية، وفق ما نقلت صحيفة "أحوال" تركيا.

تركيا تفتح الباب على مصراعيه أمام المهاجرين إلى أوروبا عبر اليونان في محاولة لمفاقمة الأزمة

وفي هذا الصدد؛ قالت الشرطة اليونانية وشهود عيان: إنّ "اشتباكات اندلعت في جزيرة ليسبوس، أمس، بين الشرطة وسكان يحتجون على بناء مركز احتجاز للمهاجرين".

وقال الشهود؛ إنّ "نحو 500 شخص حاولوا منع تحميل معدات ثقيلة تُنقل برفقة تعزيزات من الشرطة، استعداداً لبناء المركز على الجزيرة الواقعة في بحر إيجة".

وأعقبت ذلك اشتباكات في الشوارع وحاول السكان قطع الطريق إلى موقع البناء.

وسيتحول الموقع في ليسبوس إلى مخيم يُراقب دخوله عن كثب، وسيحلّ محلّ مخيم موريا المفتوح، وهو منشأة مترامية الأطراف صُممت لاستيعاب أقل من ثلاثة آلاف شخص، لكنّها تضمّ الآن أكثر من 18 ألفاً من طالبي اللجوء.

وتعتزم السلطات اليونانية بناء مراكز احتجاز على جزر ليسبوس وتشيوس وساموس وكوس وليروس، والجزر القريبة من تركيا، التي يأتي منها الآلاف من طالبي اللجوء الذين يقصدون أوروبا كلّ عام.

واتخذت الحكومة اليونانية المحافظة موقفاً أكثر صرامة تجاه الهجرة مقارنة بالحكومة اليسارية السابقة؛ حيث أصدرت مناقصة لبناء سياج عائم لردع طالبي اللجوء الذين يصلون عن طريق البحر، واستحداث إجراءات أسرع في التعامل، يمكن أن تزيد من عمليات الترحيل.

سكان الجزر اليونانية يعيقون عملية بناء مخيمات جديدة لاستقبال المهاجرين ويشتبكون مع السلطات

ويشعر السكان المحليون بالقلق من أنّ بناء هذه المراكز والتي ستحلّ محلّ المخيمات التي يمكن الوصول اليها بشكل مفتوح، مما سيجعل منها أماكن مكتظة بشكل دائم.

وتقول السلطات إنّ المراكز المغلقة ستوفر السلامة العامة بشكل أكبر، وتخلق مخاطر صحية محتملة.

وقال ستيليوس بيتساس، المتحدث باسم الحكومة اليونانية؛ إنّ هذه المخاوف تحظى بأهمية خاصة بسبب انتشار فيروس كورونا.

وقال بيتساس: "من الواضح أنه يمكن التعامل مع أمور مثل فيروس كورونا بسرعة وفعالية في منشأة مغلقة، لكن لا يمكن ذلك في منشأة فوضوية مفتوحة تعتبر قنبلة صحية موقوتة".

وعبر مئات الألوف الحدود إلى أوروبا من تركيا عبر اليونان، في عامَي 2015 و2016، قبل إبرام اتفاق توسط فيه الاتحاد الأوروبي للحدّ من تدفقهم، لكنّ أعداد الوافدين الجدد ارتفعت منذ أيلول (سبتمبر) 2019.

 

 

للمشاركة:

هل توقف المنظمات الإغاثية عملها في مناطق سيطرة الحوثيين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

عادت جرائم ميليشيات الحوثي وتضييقهم على المنظمات الإغاثية الدولية، ونهبهم للمساعدات، إلى الواجهة، مع تحذير مسؤول أمريكي من عزم الجهات الدولية المانحة وقف المساعدات الإنسانية للمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بسبب العراقيل التي تضعها الميليشيات.

وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية، وفق ما نقلت "رويترز": إنّ الجهات المانحة وجماعات المعونة تعتزم وقف المساعدات الإنسانية للمناطق الواقعة تحت سيطرة ميليشيات الحوثي في اليمن خلال الأشهر المقبلة، إذا لم تتوقف الميليشيات عن عرقلة وصول المساعدات.

مسؤول أمريكي يؤكد عزم الجهات الدولية وقف المساعدات إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين

كما أوضح المسؤول الأمريكي قائلاً: "ترسم كلّ جهة مانحة ومنفذة خططاً لكيفية التصرف إذا لم يغير الحوثيون سلوكهم على الأرض، ومن بين الخطط تعليق الكثير من برامج المساعدات، باستثناء البرامج اللازمة فعلاً لإنقاذ الحياة؛ كبرامج إطعام الأطفال المرضى وما شابه".

وأضاف: "الجميع يدرس إطاراً زمنياً مدته شهر أو شهران، تلك هي النقطة التي ستبدأ عندها جهات التنفيذ المختلفة تعليق بعض البرامج".

يذكر أنّ وكالات الإغاثة اشتكت طوال العام الماضي من ظروف العمل الآخذة في التدهور، ومن عدم صدور تصاريح السفر، ومن قيود أخرى تتعلق بتوصيل المعونات.

وفي هذا السياق؛ أعربت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية عن قلقها البالغ إزاء موقف الحوثيين الذي فاقم من أثر الأزمة بالتدخل في عمليات المساعدات.

مجلس الأمن يوافق على قرار تمديد العقوبات على قادة في الميليشيات الحوثية وعلى حظر الأسلحة لعام آخر

وقالت بوجا جونجونوالا، القائمة بأعمال المتحدث باسم الوكالة: "نعمل بدأب على إيجاد أسلوب يتيح استمرار تقديم المعونة الأمريكية بلا توقف، لكن نتخذ خطوات للتخطيط للقادم مع شركائنا بحيث يمكنهم تعديل برامجهم بشكل آمن ومسؤول في حال اضطررنا لخفض المعونة".

هذا وقد وافق مجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة، أمس، على قرار تمديد العقوبات الموجهة لقادة في الميليشيات الحوثية، وعلى حظر إرسال أسلحة للحوثيين لعام آخر.

 وأيدت 13 دولة القرار، في حين امتنعت روسيا والصين عن التصويت، وقالتا إنّ       صياغة القرار غير متوازنة.

كما عبّر المجلس في نصّ القرار عن "قلقه البالغ من الوضع الإنساني في اليمن، ومن جميع محاولات الإعاقة غير المبررة لتقديم المساعدات الإنسانية، بما في ذلك التدخل الأخير في عمليات الإغاثة بمناطق يسيطر عليها الحوثيون".

 

 

للمشاركة:



انتخابات إيران.. هل انتهى زمن الإصلاحيين في إيران؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-26

ترجمة: مدني قصري


شارك 42.57 بالمئة فقط، من الناخبين الإيرانيين، بمن فيهم 26.2 بالمئة في طهران، في الانتخابات التشريعية الأخيرة، والتي جرت يوم الجمعة 21 شباط (فبراير) 2020، ورغم أنّ نسبة المشاركة منخفضة تاريخياً، إلا أنّ هذه أقل نسبة منذ ثورة 1979، حيث تَوّجَت هذه الانتخابات، المرشحين المحافظين والمحافظين المتطرفين فقط، في حين تمّ استبعاد جزء كبير من الإصلاحيين والمعتدلين (بما في ذلك 90 نائباً منتهية ولايتهم مسبقاً)، من قبل مجلس حراس الدستور، الذي اعتبر ترشيحاتهم غير متوافقة من قبل الهيئة القوية - غير المنتخبة - في أيدي المحافظين.

اقرأ أيضاً: الانتخابات الإيرانية... عسكرة الثورة والدولة
يُحلّل الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في فريق "المعرفة النووية" في معهد سيري للعلوم السياسية Ceri-Sciences Po؛ كليمانت تيرم Clément Therme، والذي يعد أحد أفضل خبراء إيران في فرنسا، ونشر كتاب "إيران وخصومها، بين الأمة والثورة" مؤخراً، في هذه المقابلة، التي أجرتها معه صحيفة "لوبوان" الفرنسية، نتائج الانتخابات التشريعية الإيرانية، ويتناول آثارها على إيران والمنطقة. 
فوز المحافظين ليس مفاجئاً، فقد تم الإعلان عنه مسبقاً، من خلال الإقصاء الهائل للمرشحين الإصلاحيين

هل كان إعلان فوز الائتلاف المحافظ في الانتخابات التشريعية الإيرانية مفاجئاً؟
فوز المحافظين ليس مفاجئاً، فقد تم الإعلان عنه مسبقاً، من خلال الإقصاء الهائل للمرشحين الإصلاحيين، الأمر الذي يُذكرنا بما حدث خلال انتخابات 2004، حيث انخفض معدل المشاركة إلى 50 بالمئة في ذلك الوقت، إلّا أنّ نسبة المشاركة كانت أقل هذه المرة، حيث وصلت إلى 40 بالمئة فقط، لكن ما يثير الدهشة، هو أنّ النظام يعترف بسخط المواطنين الشديد، مع العلم أنّ المرشد الأعلى؛ آية الله خامنئي، قد دعا السكان إلى التصويت كواجب ديني ووطني، ومن الواضح أنّ هذا فشل شخصي للزعيم الأعلى، الذي شارك شخصياً في التعبئة.
كيف نُفسّر معدل المشاركة المنخفض؟
انخفاض معدل المشاركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، يمثل جزءاً من أزمة الثقة بين النظام والمواطنين، والتي تطوّرت وتفاقمت، بعد تحطّم طائرة الخطوط الجوية الأوكرانية، في 8 كانون الثاني (يناير) الماضي، بالإضافة إلى تأخر السلطات في نشر المعلومات المتعلقة بانتشار فيروس كورونا في إيران.

اقرأ أيضاً: هل نحن أمام إيران جديدة بعد الانتخابات البرلمانية؟
هناك بالفعل أزمة مصداقية اليوم، فيما يتعلق بإيمان المواطنين بكلمة الجمهورية الإسلامية، وفي هذا السياق، اعتبر السكان، أنّ المشاركة في الانتخابات وسيلة لإعطاء شرعية للنظام، لذلك رفض غالبيةُ المواطنين الإيرانيين هذه الانتخابات، خاصة في طهران، حيث وصلت نسبة المشاركة رسمياً إلى 25٪ فقط، علماً بأنّ السلطات رفضت نشر معدل المشاركة الدقيق.

ما الذي سيتغير حال انتقال البرلمان إلى الحضن المحافظ؟
لن يكون هناك الكثير من النقاش والجدل السياسي، حيث تمّ استبعاد أكثر النواب انتقاداً للنظام (الشخصيات المحافظة والإصلاحية المعتدلة)، لذلك سيكون البرلمان برلماناً مُخلِصاً جداً لآية الله خامنئي، الذي سيسعى إلى تعزيز خياراته الإستراتيجية؛ فالمحافظون المرتبطون بالدولة العميقة وبقوات الأمن، هم المفضَّلون دائماً من قبل نظام الجمهورية الإسلامية، وسوف يعتمدون على جهاز الأمن، ويعززون عملاء النظام، لتقديم وحدة وهمية سطحية، في مواجهة الضغوط القصوى من قبل الولايات المتحدة، كما سيساعد هذا الوضع في قمع قوى المجتمع المدني؛ كالحركات الاجتماعية للطلاب والمثقفين والنساء والأقليات العرقية، وسيكون الشعب أمام سلطة معزولة، ولكنها أكثر توحداً وتماسكاً، تتسامح أقل فأقل مع النقد في داخلها، في رأيي؛ سينصبّ النقاش من الآن فصاعداً على مستوى الشدة في النزعة المحافظة، وعلى درجة التوفيق بين غالبية المواطنين، الذين ما زالوا في حالة عدم ثقة تجاه النظام.
هل تلعب هذه الانتخابات دوراً في تعيين المرشد الأعلى القادم؟
لقد أتاحت هذه الانتخابات، في مرحلة أولى، إقصاء المرشحين المحتمَلين، فكان هذا حال الناطق السابق باسم البرلمان؛ علي لاريجاني، على سبيل المثال، فمن خلال المؤسسات غير المنتخبة، سيما مجلس حراس الدستور، الذي يقوم بالفرز على مستوى المرشحين، قام المرشد الأعلى بتطهير النظام، من خلال تقوية الفصائل التي يدعمها شخصياً، والتي يتمنى أن تلعب دوراً رئيسياً في الأعوام القليلة المقبلة في إيران، بعد اختفائه، وتتألف هذه المجموعة من؛ ابنه مجتبى خامنئي، وإبراهيم الريسي رئيس السلطة القضائية، الذي هُزِم خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة في إيران، وحسين الطيبو المسؤول عن الاستخبارات "حماة الثورة الإيرانية"، وشقيقه مهدي، بالإضافة إلى القائد الجديد لقوة القدس، خليفة قاسم سليماني؛ اسماعيل قاني، ويُمثّل هؤلاء مجموعة من الشخصيات التي ستكون حاسمة في تعيين المرشد القادم، فهم يرغبون في السيطرة على البرلمان، حتى تكون لديهم مجموعة من النواب، تعكس نظرتهم وتغذي خُطبهم.

هل تشير هذه الانتخابات التشريعية إلى نهاية الإصلاحيين في إيران، والتي يعتبرها جزء من الإيرانيين اليوم "خداعاً" في الجمهورية الإسلامية؟
نعم، على أي حال إن لم تكن هذه هي النهاية، فمن الواضح على المستوى المؤسسي، أنّ عجز المعتدلين عن الإصلاح، وتجاوز الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة، أي تطبيع العلاقات مع الأخيرة، قد كلفهم الكثير، ونحن لا نرى كيف يمكن لغالبية السكان، الذين صوتوا للإصلاحيين، على اعتبار أنّهم "الأقل سوءاً"، أن يستثمروا الآن رأس المال الاجتماعي، في هذه المجموعة السياسية المهمشة تماماً، والتي أصبحت محصورة أيضاً، بسبب تناقضاتها؛ بين الولاء التام للنظام (لقد دعوا السكان للتصويت في الانتخابات التشريعية، كما أصرّ الرئيس السابق محمد خاتمي شخصياً، رغم استبعاده من وسائل الإعلام في البلاد، على وضع ورقة تصويته في صندوق الاقتراع)، وبين خطاب متعارض وغير مطابق تماماً لولائهم لنظام الجمهورية الإسلامية.
هل يمكن أن نعزو، جزئياً، عودة البرلمان الإيراني للحضن المحافظ إلى سياسة دونالد ترامب المتمثلة في الضغط الأقصى؟
نعم، بالطبع، هناك بُعدُ ردِّ الفعل وتأثيره، فلا شكّ أنّ انتخاب ترامب يُقوّي أكثر المحافظين تشدداً في إيران؛ حيث إنّ الخلاف داخل البلاد، إلى جانب الضغط القوي الذي تمارسه الولايات المتحدة في الخارج، يدفع المرشد الأعلى إلى إعادة الاستثمار في أعظم مؤيديه، وليس في القاعدة الاجتماعية للنظام، لذلك نشهد الآن في إيران مرحلة من الانطواء على الذات، مع رغبة في الاعتماد أكثر فأكثر على جهاز الأمن، الذي يسيطر عليه المحافظون، لكن هذا الخطاب "عن العدو الأمريكي"، لا يلقَى في الوقت الحالي لدى المجتمع الإيراني نفسَ الصدى القوي، كما كان الحال في الأعوام الأولى من الثورة؛ لأنّ ما يريده معظم الإيرانيين اليوم؛ هو حكومة ذات كفاءة، قادرة على حل مشاكل البلاد، والتركيز على التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

هل يمكن أن يكون الرد الأمني، الذي ينادي به أكثر المحافظين تشدداً، كافياً لثني الإيرانيين عن التظاهر مرة أخرى؟
لقد انتقلت الجمهورية الإسلامية في إيران من أزمة شرعية النظام عام 2009، مع الحركة الخضراء، إلى أزمة السلطة من عام 2017 إلى عام 2019، مع ثورة الطبقات الشعبية، وصولاً إلى أزمة المصداقية اليوم، وتطرح هذه الأزمة الأخيرة المرتبطة بالسخط الشعبي الواسع، مشكلة حساسة وخطيرة أمام الجمهورية الإسلامية، ومن الواضح أنّ الاستجابة الأمنية ليست كافية، إذ يجب على السلطة أيضاً؛ ضمان الحد الأدنى من التنمية الاقتصادية والرفاه للسكان، خاصة للطبقات العاملة، حيث يتمثل التحدي الذي يواجه الجمهورية الإسلامية في تمكين المحرومين، الذين يمثلون جوهر الشرعية الثورية للنظام، ويطمحون لرؤية تحسن ملموس في ظروف معيشتهم، على المدى القصير أو المتوسط،، فإن لم يتحقق ذلك، فسوف تستمر دورة القمع / المظاهرات؛ لأنّ حل مشاكل البلاد الاقتصادية لا يكمن في انتخاب رئيس محافظ عام 2021، فليس لدى المحافظين أي حل يقدمونه في مستوى قوتهم المؤسسية.
ألا تستطيع إيران تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع روسيا والصين؟
في الواقع، يقترح المحافظون زيادة الاعتماد على الصين وروسيا، عن طريق زيادة عزل البلاد عن بقية العالم، هذا ما يسمونه الاكتفاء الذاتي  "khodkafaei"، وهو ما كانت تفعله إيران منذ عهد أحمدي نجاد، منتصف العقد الأول من القرن العشرين، لكنّ التقارب مع الصين وروسيا لا يمكن أن يضمن هذه التنمية الاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بالطاقة، التي تدفع الاقتصاد الإيراني، ويجب أن يكون هناك حد أدنى من التعاون مع النظام المعولم الذي تهيمن عليه المعايير الأمريكية.

اقرأ أيضاً: ثوران البرلمان الإيراني الجديد
وفي قطاعي النفط والغاز الرئيسيين، تحتاج إيران إلى أفضل التقنيات، التي لا تملكها سوى الشركات الغربية واليابانية، وقد رأينا مؤخراً أنّ الصين لم تكن قادرة على استبدال شركة "Total" في المرحلة 11 من حقل غاز الشمال أو حقل فارس الجنوبي South Pars، لذلك هناك خيار وجودي حقيقي يجب القيام به، بين تقوية النظام وارتقاء إيران كقوة إقليمية محترمة، مع تنمية اقتصادية كبيرة، لكنّ البلاد ستواجه عندئذ مشكلة التوافق مع الأيديولوجيا الثورية لآية الله الخميني.

هل يمكن أن نقارن المظاهرات في إيران بالمرحلة الحالية، باحتجاجات العراق ولبنان، خاصة وأنّ النظام الإيراني، الذي دان المتظاهرون هيمنته عليهم، يبدو مستعصياً على الحل؟
أصبحت الجمهورية الإسلامية اليوم قوة رجعية مضادة للثورة، وهي مفارقة؛ لأنّ  تنظيم القمع ودعمه في العراق ولبنان، يتم باسم أيديولوجيا خمينية ثورية، من خلال شبكة من الأمن والنفوذ الأيديولوجي والاقتصادي، تمتدُّ من إيران إلى لبنان؛ مع حزب الله وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، لذلك نشهد سخرية تاريخية حقيقية على وضع الجمهورية الإسلامية المتعارض مع الحركات الديمقراطية في الشرق الأوسط، منذ خريف عام 2019.
هل تُهدّد هذه الثورات الجمهورية الإسلامية على المدى القصير؟
تُشكّل هذه الثورات تهديداً للنفوذ الإقليمي لإيران في الشرق الأوسط، الذي اتضح أنه محدود، وذلك لأنّ إيران تستفيد أيضاً من الأخطاء الأمريكية في المنطقة، لقد رأينا هذا مع قيام الولايات المتحدة بالقضاء على الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الذي عزّز عداء العراقيين لأمريكا، ففي داخل إيران، هذا بالطبع تهديد لشرعية الجمهورية الإسلامية، التي تضاف إلى أزمة سلطة النظام والمخاوف إزاء المصداقية، في رأيي؛ هذا النظام غير مُهدّد على المدى القصير، لكنه مهدد بضعف كبير على المدى الطويل، يمكن ضمان بقاء النظام السياسي من خلال تقوية جهاز الأمن، والاعتماد بشكل أكبر على الركيزة القمعية، ولكن كلما قمع النظام شعبه أكثر، كلما أثار الرفض وخطر المعارضة، لقد أصبحت الثورة الإسلامية بشكل متزايد عاملاً من عوامل الانقسام داخل المجتمع الوطني الإيراني، داخل حدود البلاد وخارجها.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
https://www.lepoint.fr/monde/en-iran-une-crise-de-confiance-entre-regime...

للمشاركة:

حزب الله.. الولاء لإيران قبل الأمن الصحي للبنان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

عديد نصار

لم يكن في وارد انتفاضة 17 أكتوبر، منذ انطلقت، أن تضع حزب الله على رأس استهدافاتها، وعلى الرغم تصدر هذا الحزب مواجهة الانتفاضة من خلال خطابات زعيمه الذي أعلن بوضوح رفضه لأهدافها، كما من خلال إرسال وتحريض المجموعات التشبيحية للاعتداء على المتظاهرين والتهجم عليهم في عمليات “غزو” لساحات اعتصامهم وأماكن تظاهرهم، إلا أن خطاب الانتفاضة لم يتغير، واضعا جميع القوى السياسية التي شاركت في السلطة على مدى 30 سنة في خانة واحدة في تحمل المسؤولية عما آلت إليه أوضاع البلاد والكارثة الاقتصادية والاجتماعية التي ألمت بها.

لم يكن ذلك حبا لحزب الله وزعيمه، ولا خوفا من سلاحه أو بطشه، ولكن ذلك كان لأمرين بسيطين: الأول والأهم العمل على افتكاك القواعد الشعبية التي تعتبر البيئة الحاضنة للحزب، والرازحة كما كل اللبنانيين تحت وطأة الأزمات المتفاقمة، وبالتالي عدم إثارة الشكوك لديها حول حقيقة الانتفاضة كي تكون في صلبها، لأنه دون هذه الفئة من المجتمع لا يمكن للانتفاضة أن تحقق هدفها الأساس لتحقيق باقي أهدافها والمتمثل في الانتقال من مجتمعات الرعايا الطائفية إلى مجتمع المواطنة المتساوية في رحاب وطن لجميع أبنائه وبناته يحكمه القانون ويسوده عمل المؤسسات. والثاني عدم جر الخارج الإقليمي والدولي إلى ملعب الانتفاضة.

غير أن حزب الله لم يترك بابا إلا وشرّعه على نفسه في تأكيد عدائه للانتفاضة الشعبية ولجميع أهدافها، ممارسا قمعا ظاهرا وخفيا على أبناء المناطق التي يسيطر عليها مانعا عليهم التظاهر والاعتصام وملاحقا الناشطين منهم الذين يشاركون في التظاهرات في المناطق الأخرى. وهو لم يترك وسيلة لتشويهها إلا واستخدمها مسخرا وسائل إعلامه وحلفائه وجيشه الإلكتروني لإطلاق اتهامات متنوعة بحق الناشطين ولإطلاق النعوت المسيئة إليهم.

وفي حين فُرض حظر تام للتظاهر في الضاحية الجنوبية لبيروت، أتيح للشيوعيين واليساريين تنظيم “حراك” شعبي غير صدامي، أي أنه لا يهاجم إلا القوى التي كانت منضوية في اصطفاف 14 آذار، وتحديدا سمير جعجع قائد القوات اللبنانية وكذلك المصارف وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، مستثنيا حزب الله وحركة أمل. ومع ذلك لم يسلم المتظاهرون الجنوبيون في صور والنبطية من الاعتداءات المتكررة.

غير أن كل ذلك لم يكف، إلى أن جاءت الكورونا لتضرب في قم، محجة حزب الله المقدسة. هنا برز بوضوح أن حزب الله الذي تصدى للانتفاضة لا تعنيه معاناة اللبنانيين الاقتصادية والمعيشية فحسب، وإنما لا تعنيه صحتهم العامة أيضا.

فرض حزب الله على الحكومة أجندته كاملة. فليس هناك وقف للرحلات الجوية من إيران إلى بيروت، ولا أحد يمكنه أن يتحكم بكيفية وصول “الحجاج” وكيفية استقبالهم وانتقالهم إلى أماكن سكناهم المنتشرة في مختلف المناطق، مع أن أول حالة إصابة سجلت في لبنان بفايروس كورونا المستجد جاءت من إيران وبالتحديد من مدينة قم.

وفي مطار بيروت الدولي، حيث ينبغي أن تتشدد المراقبة على الوافدين من البلاد المصابة بالفايروس، ظهر إلى العلن مدى سيطرة حزب الله على هذا المطار وتحكمه بأمنه. فيد حزب الله فوق يد الأمن العام ووزارة الصحة والحكومة مجتمعة. وقد افتضح ذلك عندما أقدم عنصر من الحزب على الاعتداء على إحدى المراسلات التي كانت تسأل القادمين على متن طائرة إيرانية من طهران، حيث انتزع هاتفها المحمول وفرض عليها تشغيله ثم بادر إلى مسح ما قامت بتسجيله مع القادمين بمعرفتهم ورضاهم، كل ذلك على مرأى ومسمع القوى الأمنية في المطار دون أن تحرك ساكنا.

وفي حين أغلقت غالبية الدول أراضيها أمام الوافدين من إيران، برر وزير الصحة استمرار استقبال الطائرات الإيرانية بأسباب سياسية و“إنسانية”، إذ لا يمكن للبنان أن يرفض استقبال أبنائه القادمين من إيران. بينما عمدت السعودية إلى الطلب من الكويت الإبقاء على السعودي المصاب بالفايروس على أراضيها حتى استكمال علاجه. أما كندا فقد عمدت إلى تشديد المراقبة على جميع الوافدين من كل بلدان العالم بعد أن تبين لها مدى خطورة انتشار الفايروس في عدد كبير من الدول.

لبنان المحكوم من حزب الله، الذي تصدى للانتفاضة وأمّن حماية نظام المناهبة وإعادة إنتاج حكومته بالطريقة التي تؤكد سيطرته على البلاد، بات مهددا بالكورونا. فاستمرار فتح أجوائه ومطاره للطائرات الإيرانية يمثل تهديدا صريحا للأمن الصحي في البلاد، حتى بات حزب الله الذي وضع لبنان تحت حجر مالي وفي قبضة عصابات ناهبة، يمثل أيضا تهديدا صريحا للأمن الصحي لعموم اللبنانيين. وهذا ما يجعل الصدام أمرا محتوما بين الانتفاضة وبين الحزب، إذ لم تعد المسألة متعلقة بلقمة العيش فقط، بل بالخطر المحدق بصحة كل من هو متواجد على الأراضي اللبنانية، لا لشيء إلا لأن حزب الله لا يريد قطع خطوط الاتصال مع إيران لأنه بذلك تنقطع عنه الإمدادات والمؤونة. وإلا فما معنى أن يترك القادمون يخرجون من حرم المطار دون الالتزام بنقلهم بباصات خصصتها لهم وزارة الصحة؟

سيكون حزب الله مع اللبنانيين وجها لوجه، وبالتحديد مع ما يقول عنهم إنهم “بيئته الحاضنة” إذا سُجلت إصابات جديدة بفايروس كورونا المستجد بين القادمين من إيران.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

الانتخابات الإيرانية... عسكرة الثورة والدولة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

مصطفى فحص

حسم ناظم ولاية الفقيه موقفه داخلياً، وحدَّد طبيعة جديدة للنظام تختلف عن الطبائع السابقة التي شهدت تنافساً بين تيارات متعددة إصلاحية ومعتدلة، ومتشددة، ضمن ثنائية «الثورة» و«الدولة»، وكان الانطباع العام أن التيارين الإصلاحي والمعتدل يميلان إلى فكرة «الدولة»، بينما ارتبط التيار المحافظ بطبيعة «الثورة». إلا أنَّ الانتخابات التشريعية الأخيرة فتحت الطريق رسمياً لإخضاع المؤسسات الرسمية والعقائدية، وثنائية «الثورة» و«الدولة»، لطبيعة واحدة.
تنتمي هذه الطبيعة الواحدة الجديدة بكاملها إلى عسكريتارية عقائدية موالية لمؤسسة «الحرس الثوري»، الذي بات بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة يسيطر على مجلس الشورى (البرلمان)، ومن المرجح أن يكون رئيسه أحد قادته السابقين. هذا التحول غير الصحي في الحياة السياسية للنظام يكشف عن مأزق بنيوي عند النخبة الحاكمة في عدم قدرتها على إعادة إنتاج طبقة سياسية جديدة وفقاً لشروطها الآيديولوجية في توقيت يجري فيه الاستعداد لمرحلة ما بعد المرشد، لذلك اتخذت قرارها الأصعب بإنهاء الإصلاحيين وإقصاء المعتدلين، رغم تداعيات هذا القرار المستقبلية التي ستظهر التراجع الحاد في شعبية النظام، الذي ترجم في ضعف الإقبال على الانتخابات، خصوصاً في المدن الكبرى المؤثرة في صناعة الرأي العام الإيراني، يقابله تراجع حاد في حضور التيار الأصولي في الشارع؛ الأمر الذي عجّل ببدء نقل السلطة إلى العسكر الذي يحظى بتأييد التيارات الراديكالية كافة التي تخوض معركة الدفاع عن النظام، بهدف ضمان استمراره.
أظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة سيطرة «الحرس الثوري» والتيار الأصولي على أغلبية مقاعد البرلمان، فلأول مرة يحصل «الحرس» على 120 مقعداً من أصل 290، فيما تراجعت حصة الإصلاحيين إلى 19 مقعداً، بينما تقاسمت أجنحة النظام المتشددة والأصولية بقية المقاعد. إلا أن هذه النتائج ستفرز برلماناً منسجماً في توجهاته الداخلية والخارجية، فهو داخلياً سيحمل على عاتقه مهمتين: الأولى داخلية في جزأين: الأول تعطيل ما تبقى من ولاية حسن روحاني الرئاسية ومحاصرته تشريعياً وإلغاء أي تأثير له حتى إخراجه نهائياً من المشهد السياسي الإيراني، لكيلا تتكرر تجربة ما بعد الرئاسة التي مارسها الرئيس رفسنجاني والرئيس خاتمي. أما الجزء الأهم لبرلمان العسكر فهو في تقديم تجربة تشريعية شعبوية تلامس واقع المواطن الإيراني المتذمر اقتصادياً ومعيشياً، وذلك بهدف التمهيد لسيطرة «الحرس» على موقع رئاسة الجمهورية. أما المهمة الثانية فهي تقديم تغطية تشريعية لقرارات النظام المتعلقة بالسياسة الخارجية واحتمال الانتقال إلى التصعيد مع واشنطن خلال المرحلة المقبلة؛ فمن المتوقع أن تشهد مزيداً من الاحتكاكات الخشنة الإيرانية عبر وكلائها في مقابل استمرار واشنطن في فرض مزيد من العقوبات على إيران.
من البرلمان حالياً إلى الرئاسة مستقبلاً، يستعد النظام الإيراني لعسكرة طبيعة السلطة، وهذا أشبه باعتراف ضمني من النخبة بتراجع خطابها العقائدي وتقلص تأثيره الثقافي والاجتماعي على المجتمعات الإيرانية إلى مرحلة تهدد وحدتها، التي قامت منذ عام 1979 على الربط بين هويتين؛ دينية ووطنية، جمعتهما مؤسسة الولي الفقيه الذي شكّل موقعه في رأس هرم السلطة ضماناً لهذا الربط الذي أمّن الغطاء الروحي لـ«الثورة» و«الدولة».
ولكن مع ازدياد صعوبات المرحلة الانتقالية وغياب وجه يمتلك إرثاً تاريخياً يسمح له بملء الفراغ الذي سيتركه غياب المرشد الحالي، لجأ النظام إلى التسليم بدور «الحرس الثوري» المطلق، وتسليمه زمام الأمور؛ حيث باستطاعته ضمان انتقال السلطة إلى مرشد جديد وتأمين الغطاء الثوري والعقائدي له وحماية موقعه في تركيبة السلطة، ولكن هذه المعادلة تفرض على «الحرس» التدخل مباشرة في الانتخابات الرئاسية؛ حيث من الصعب أن يقبل بوجود رئيس قوي في مرحلة انتقالية تضعف دور المرشد، كما أن معضلته الكبرى أنه لا يمكن له ضمان استقرار النظام إذا كان المرشد جديداً والرئيس ضعيفاً، لذلك بات أغلب التكهنات أن «الحرس» يتجه لحسم الموقف في الموقعين، وبات الأقرب والأكثر احتمالاً أن يكون الرئيس قوياً لكن بشرط أن يكون من «الحرس».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية