العقوبات الأميركية على مسؤولين لبنانيين.. تفكيك المنظومة المالية الجانبية لحزب الله

العقوبات الأميركية على مسؤولين لبنانيين.. تفكيك المنظومة المالية الجانبية لحزب الله

مشاهدة

09/09/2020

أيمن شروف

فرضت الولايات المتحدة الأميركية عقوبات على وزيرين لبنانيين سابقين، في خطوة كانت متوقعة ومنتظرة. الوزيران السابقان، على حسن خليل وهو الذي شغل وزارة المالية العامة لسنوات، ويوسف فنيانوس الذي كان وزيراً للأشغال في حكومة العهد الأولى عام 2016 والتي شكلها رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري.

من جملة ما تقوله وزارة الخزانة الأميركية في بيانها التي تشرح فيه أسباب هذه العقوبات إن "الوزيرين تعاونا مع حزب الله وتورطا بملفات فساد"، ففنيانوس "حرص من خلال منصبه كوزير للأشغال على تجيير ‏عقود مع الدولة اللبنانية لشركات مرتبطة بحزب الله كما أمّن عقوداً حكومية بملايين الدولارات للحزب ووفر له وثائق رسمية حساسة خاصة بمحكمة اغتيال رئيس الحكومة الأسبق الراحل رفيق الحريري".

وبحسب ما أوردته الوزارة، فإن "خليل سهل لحزب الله تحقيق أرباح مالية، وعمل على تحويلات مالية لتجنيبه العقوبات، كما ساهم في إعفاء حزب الله من دفع رسوم على وارادات إلكترونية، ورفض التوقيع عام 2019 على شيكات مطالباً بحصته".

وعلى الرغم من أنها تضع حزب الله على لائحة الإرهاب، فإن الولايات المتحدة لا تُصدر أي قانون أو تضع عقوبات على أي شخصية سياسية إلا في حال تورطها مباشرة بدعم الإرهاب بطريقة واضحة وليس بالمواقف السياسية، وبالتالي فإن أي عقوبة تصدر، تمرّ حكماً على وزارات الدفاع والخارجية والعدل والخزانة، وهو ما حصل في حالة الوزيرين، والعقوبات تستند إلى قانون مكافحة الإرهاب، "باتريوت آكت" الصادر بعد اعتداءات سبتمبر 2001.

ظل بري 

كان ينتظر اللبنانيون أن تصدر عقوبات ولكنهم لم يتوقعوا أن يكون فنيانوس وحسن خليل هما المستهدفان، فمن هما؟ 

مُنذ بداية عمله السياسي، تدرج على حسن خليل في صفوف حركة أمل التي يرأسها رئيس مجلس النواب نبيه بري، إلى أن حاز على ثقة الأخير، فصار رجله الأول في كُل الملفات الحساسة، وظله الذي لا يفارقه. وخليل الذي شغل منصب وزير الصحة في حكومة نجيب ميقاتي عام 2011 والتي أطاحت بحكومة سعد الحريري آنذاك، تربع على عرش وزارة المالية العامة مُنذ عام 2014 حتى استقالة حكومة الحريري إثر ضغط شعبي نتيجة انتفاضة 17 أكتوبر، وهو الآتي من خلفية قانونية، خريج كلية الحقوق ومزاولاً للمحاماة لسنوات.

ومُنذ عام 2014، تكرست وزارة المالية للطائفة الشيعية، فأوكل بري لمعاونه السياسي، حسن خليل، المهمة، والأخير لا يحظى فقط بثقة رئيسه، بل أيضاً بثقة حزب الله الذي يعتبره من أكثر الذين يثق بهم في محيط رئيس مجلس النواب، وفق ما يقوله مقربون من رئيس المجلس، ويُصر الثنائي الشيعي على إبقاء حقيبة المالية في يده ولا يزال حسن خليل يمارس دور وزير الظل حتى بعد انسحابه إذ ينقل عارفون في خبايا الوزارة أنه كان له الكلمة الفصل أثناء تواجد غازي وزنة في الوزارة في عهد حكومة حسان دياب، والأهم من كُل ما سبق هو الدور الذي يلعبه حسن خليل في أفريقيا وفي العلاقة مع رجال أعمال موزعين على دول عدة هناك وشبكة المصالح التي تؤمن تمويل حركة أمل وأبعد منها.

وتشرح وزارة الخزانة الأسباب التي دفعتها إلى إدراج حسن خليل على لائحة الإرهاب: "فمن موقعيه السابقين كوزير للمالية وللصحة العامة، كان علي حسن خليل واحداً من المسؤولين الذي استفاد منهم حزب الله لتحقيق مكاسب مالية، إذ تلقى دعماً من الحزب الذي تخوّف من ضعف تحالفه السياسي مع حركة أمل. كما قام بنقل أموال من المؤسسات اللبنانية إلى حزب الله بشكل يجنّب هذه المؤسسات فرض العقوبات الأميركية عليها. واستخدم منصبه كوزير للمالية لتخفيف القيود المالية الأميركية على الحزب واستخدم نفوذه لإعفاء أحد المنتمين لحزب الله من دفع معظم الضرائب على الأجهزة الإلكترونية، وجزء من المال الذي تمّ دفعه تم تخصيصه لتمويل الحزب..". 

يد فرنجية الطولى 

أما فنيانوس، والآتي أيضاً من خلفية حقوقية، فهو أقرب المقربين للوزير السابق ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية، حليف حزب الله والذي تربطه علاقة صداقة مع رئيس النظام السوري بشار الأسد. وهو أيضاً تدرج في تيار فرنجية إلى أن وصل إلى الدائرة الضيقة للأخير وصار أكثر الناس الذين يحوزون على ثقته ويوكلهم بكُل الملفات الحساسة والتي يعتبرها فرنجية استراتيجية بالنسبة له ولتياره.

ويتولّى فنيانوس إدارة العلاقة بين تيار المردة وعدد من قوى 8 آذار، ومع الأجهزة الأمنية والقضائية اللبنانية. ينقل عارفوه عن قُربه من قائد الجيش السابق جان قهوجي، وهو إلى جانب كُل ذلك، يدير ملف علاقة فرنجية ومن خلفه تياره بحزب الله، مُنذ سنوات وإلى اليوم. ويؤمن مسؤولو حزب الله له تماماً ويعتبرونه صديقاً وحليفاً وهو كاتم أسرار فرنجية وناقل رسائله إلى حارة حريك، أي إلى أمين عام حزب الله حسن نصرالله.

أكثر من ذلك، لعب فنيانوس دوراً بارزاً من خلال منصبه كوزير أشغال منذ عام 2016 حتى أواخر عام 2019 في خدمة حزب الله في مشاريع مالية تسهم في تمويل الأخير كذلك ما تعتبره الولايات المتحدة تحايلاً على العقوبات المفروضة عليه. 

وتقول الخزانة الأميركية: "استغلّ حزب الله علاقته بوزراء الحكومة وفنيانوس أحدهم لسحب الأموال من الموازنة العامة للحكومة، وضمان فوز شركات مملوكة من الحزب بمناقصات حصلت بموجبها على عقود بقيمة ملايين الدولارات. ومنح الحزب الله فنيانوس مئات آلاف الدولارات مقابل خدمات سياسية. كما ساعد حزب الله أيضاً في الوصول إلى وثائق قضائية حساسة متعلقة بالمحكمة الخاصة بلبنان، وأدى دور الوسيط بين الحزب وحلفائه في لبنان".

ماذا تعني العقوبات؟ 

هي المرة الأولى التي تصدر فيها عقوبات تطال الدائرة الضيقة لبري وفرنجية، وكان في الفترة الماضية قد تصاعد الحديث عن عقوبات ستفرضها الإدارة الأميركية على مسؤولين لبنانيين لتعاونهم مع حزب الله وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، قد كشفت قبل نحو شهر، نقلاً عن مصادر سياسية رسمية وأخرى مطّلعة، أن الولايات المتّحدة تعدّ لفرض عقوبات "لمكافحة الفساد" بحقّ شخصيات سياسية ورجال أعمال لبنانيين، في محاولة منها "لإضعاف نفوذ حزب الله في لبنان".

واللافت أن الصحيفة في تقريرها، كانت قد ربطت العقوبات بانفجار المرفأ في 4 أغسطس الماضي وهو الحدث الذي "عجّل الحراك داخل واشنطن لوضع أسماء بعض القادة السياسيين والعسكريين المتحالفين مع حزب الله ضمن اللائحة السوداء"، وتنقل عن مسؤولين أن "الولايات المتّحدة ترى أن الفرصة مؤاتية الآن لعزل حزب الله عن حلفائه".

يقول الباحث في معهد الدفاع عن الديموقراطية طوني بدران في حديثه لموقع "الحرة": "الحديث عن عقوبات بحق مسؤولين ليس وليد اليوم بل هو يرجع إلى أكثر من سنة، وهي اليوم تأتي في سياق واضح وهو خنق كُل من يدور في فلك حزب الله ولا نتحدث هنا عمن هم مع الحزب بل عن حلفائه المباشرين"، واللافت بحسب بدران أن "العقوبات بحق الرجل الأول إلى جانب بري أنها تأتي لتنفي التمايز بين شبكتي حزب الله وأمل في أفريقيا لأنها تتقاطعان في تبييض الأموال لصالح الطرفين وهذه أول مرة تُربط الأمور بهذه الطريقة".

يضع الصحافي والمحلل السياسي حسين عبد الحسين العقوبات في خانة التأكيد على أن "حزب الله بالنسبة للأميركيين هو منظمة إرهابية، ولا فصل بين جناحه العسكري وجناحه السياسي وهذا ما يتحدث عنه الأوروبيون، أي الفصل، في الحديث عن الحزب والتعاطي معه".

وطالما أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حمل في زيارته الأخيرة لبيروت مبادرة قرأها البعض أنها تعويم للحزب بطريقة ما، فإن عبد الحسين يرى أن "العقوبات رسالة واضحة أن لا فصل بين الجناحين وأن التعامل مع الحزب هو تعاون مع الإرهاب وهي رسالة إلى كل الأطراف السياسية المحلية مفادها أنه إذا كنتم لا تريدون التعامل مع مشكلة حزب الله، فتفضلوا العقوبات".

يضيف: "هذه المرة العقوبات تحمل أبعاداً أخرى وهي تحميل كُل من هو مُتعاون مع الحزب مسؤولية هذا التعاون وجعلهم عرضة للعقوبات كما حصل مع حسن خليل وفنيانوس"، ويشير إلى أنه "في وقت سابق كانت الحكومة محمية ولكن الآن الوضع تغيّر والحديث عن فساد هو فقط لتزيين القرار إلا أن الأساس واضح، وهو التعاون مع الحزب".

وكان الرئيس الفرنسي قد مهد لزيارته باتصال مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وضعه خلاله في أجواء المبادرة الفرنسية تجاه لبنان، ووضعت في حينها مصادر سياسية رفيعة "خطوة ماكرون في إطار إضفاء البعد الدولي الواسع على مبادرته ولكن هذا لا يعني أن الأميركيين موافقون بالكامل على كل ما يقول به ويفعله الرئيس الفرنسي".

ويقول بدران: "الولايات المتحدة في النهاية دولة عظمى وهي لا تفكر كما يعتقد البعض في لبنان على مستوى (رئيس التيار الوطني الحر جبران) باسيل او غيره من الشخصيات المحلية، بل تعاطيها يأتي من منطلق أن حزب الله حول لبنان إلى مركز عمليات الحرس الثوري الإيراني والتعامل معه هي في سياق حجم تدخله وتداخله في المعركة الكبرى أي مع إيران".

وكانت قد سرت في وقت سابق معلومات تتحدث عن ان العقوبات ستطال باسيل وهو ما لم يحصل، وهنا يقول عبد الحسين: "استطاع باسيل على ما يبدو أن يحمي نفسه ويفلت من العقوبات كون الأميركيين لم يستطيعوا الوصول اليه".

ويطرح باسيل نفسه ومن قبله فعل ذلك عمه رئيس الجمهورية ميشال عون، بأنه من يؤمن الغطاء المسيحي لحزب الله وبالتالي فإن عدم شموله بالعقوبات يقوي موقعه وموقفه مع الحزب، وهذا ما يسخر منه بدران الذي يقول إن "حزب الله لا يكترث إن فرضت عقوبات على جبران أو لم تفرض، هذا حديث غير عقلاني، وعقلية فصل حلفاء الحزب عنه بهذه الطريقة هي عقلية فاشلة ولا أعتقد أن الأميركيين في وارد القيام بهذا الأمر".

وتقول مصادر متابعة لملف العقوبات إن "ما يجري اليوم هو المزيد من الضغط على حزب الله وعلى كل من يتعامل ويتعاون معه من أجل إضعافه وكف سطوته عن القرار اللبناني وضرب جذوره التي امتدت في كل المنطقة ووصلت حتى إلى الولايات المتحدة".

يختم بدران: "الفصل السخيف بين جناح عسكري وآخر سياسي لم يعد يمر. العقوبات خطوة أولى تجاه عقوبات تحت قانون ماغنيتسكي، وفنيانوس يفتح المجال لعقوبات ممكن أن تطال الجميع ومن بينهم جهاد العرب المقرب من سعد الحريري. كل الخطوط الحمر سقطت".

ويخول قانون ماغنيتكسي الولايات المتحدة فرض عقوبات على منتهكي حقوق الإنسان في كل أنحاء العالم من خلال تجميد أصولهم وحظرهم من دخول البلاد فضلا عن عقوبات تمتد لنواحي وأمور أخرى.

عن "الحرة"

الصفحة الرئيسية