القرون الوسطى: حين كان العالم مديناً للإسلام

5414
عدد القراءات

2018-07-23

للإسلام منذ انتشاره في الشرق والغرب، علاقاتٌ تتأرجح بين التوتر والمسالمة مع العالم، ورغم طغيان الجانب السياسي المتعلق بالفتوحات الإسلامية في التاريخ الإسلامي، إلا أنّ جانباً آخر من الإسلام ترك أثره الأعمق رغم قلة تسليط الضوء عليه في هذه الأيام.

وعلى مدى أعوام، تلك التي سبقت معركة "بواتييه" عام 632 م، وأعقبت معركة "طلاس" في 755م، دخل العرب مع الغرب في تبادلاتٍ ثقافية وفكرية مختلفة. غير أنّ كثيرين، ممن يسترجعون هذه التواريخ وغيرها، يصرون على حسم العلاقة لصالح واحدٍ من الطرفين (العرب أو الغرب)، رغم أنّ المعرفة والثقافة والعلوم الأساسية للتنوير، كانت في يومٍ من الأيام جسراً بين الحضارات، لا وسيلة للقطيعة بينها.

صيدلية "إسلامية" في القرون الوسطى

بين الفلسفة والتقنية

يتحدث البرفيسور الفرنسي الخبير في القرون الوسطى وشرق المتوسط بيار توبار، عن دَينٍ كبير في ذمة الفكر الغربي تجاه العرب والإسلام؛ لأنهما نقلا الثقافة اليونانية الكلاسيكية إلى الثقافة اللاتينية من خلال شروحات العرب المسلمين لأفلاطون وأرسطو؛ حيث قام العرب كذلك بمجموعةٍ من التعليقات النقدية واللغوية والفلسفية على هذه النصوص أيضاَ.

المسلمون نشروا ثقافة المياه في العالم وفي إسبانيا تحديداً وخلقوا نوعاً من التوازن البيئي

ويشير توبار، من خلال كتاب "لقاء الحضارات في القرون الوسطى" وهو من تأليف؛ ميشال سو ودومينيك بارتيليمي، إلى الرابطة الكبيرة التي أسسها علماء مسلمون وعرب مع الغرب والعالم، من خلال الطب تحديداً، حين مارسوا تطبيقاتٍ عملية اختبروا فيها معارفهم، وأسسوا لفكرة "العيادة الطبية" والمعاينة العيادية للمرضى مما شكل فكرة المؤسسة الطبية المتكاملة، مثلما كان في بغداد التي تقدم الطب فيها كثيراً خلال القرون الوسطى.

اقرأ أيضاً: كيف حوّل الفنان المسلم محاذير الفقهاء إلى إبداع يسرّ الناظرين؟

ولا يقتصر رأي توبار، وهو كذلك عضو في الأكاديمية الفرنسية للنقش والفنون الجميلة، على هذا الجانب المعروف اليوم، بل يتحدث عن "ثقافة المياه" التي نشرها العرب في العالم، وفي إسبانيا تحديداً، حيث عملوا هناك على بناء نظام ري ونظام زراعيٍ متقدمين، لخلق نوعٍ متقدمٍ من التوازن البيئي (إيكولوجي) وهو نظام (أندلسي) إن صح التعبير. لكن هذا النظام المتقدم، الذي يدل على تقدم في التفكير الاجتماعي وثقافة العمل الجماعي والتطوير آنذاك، يجري تجاهله لأسبابٍ تتعلق بحروب الاسترداد ضد المسلمين في الأندلس.

اقرأ أيضاً: الحلاج: تصادمَ مع السلطتين الدينية والسياسية فتوضأ بدمه

ورغم وجود هذه القواعد المعقدة والمنظمة للإدارة عند العرب المسلمين في إسبانيا، إلا أنه يجري "إهمال اللحظة التنويرية العميقة في قلب القرن الثاني عشر" أو تلك اللحظة النهضوية، كما يصفها الاختصاصي الأمريكي في شؤون القرون الوسطى شارل هاسكينز، الذي يستعين به توبار لتأكيد رأيه.

كان للعرب والمسلمين دورٌ واضح في لقاء الديانات الثلاثة من خلال ترجمة وشرح الأعمال الفكرية الفلسفية وتسهيلها للطلاب

العرب أيضاً، وفي بغداد تحديداً، كان لهم دورٌ واضح في لقاء الديانات الثلاثة؛ الإسلام والمسيحية واليهودية. وهو ما يبرره توبار على أنه جاء نتيجة ازدهار الترجمة، وعمل المفكرون والمترجمون المسلمون، على تلخيص وتسهيل مواد الفلسفة المترجمة حتى صارت متاحة للطلاب من أعراقٍ ودياناتٍ مختلفة في ذلك الحين.

حوار حضاري بلا قيود

وفي حين تتخذ مسألة الحوار بين الإسلام والديانات الأخرى مسالك معقدة؛ ثقافياً وسياسياً في بعض الأحيان خلال العصر الحديث، تقول أستاذة التاريخ في جامعة السوربون إديث بارلييه إنّ "العالم المسلم البيروني، كتب كتاباً تاريخياً وثقافياً عن الهند، تناول فيه كذلك الهندوسية، ويعد الكتاب مرجعاً لا غنى عنه عبر التاريخ".

اقرأ أيضاً: ابن عربي: الحبّ يُعمي ويصم ولا يقبل الاشتراك

وتؤكد بارلييه، أنّ أهم ما يطرحه الكتاب هو الأسلوب المقارن الذي اعتمده البيروني لدراسة الثقافة والدين في الهند، ومحاولته "إنشاء حوارٍ حضاري متقدم مع حضارةٍ أخرى، من خلال كتابه الذي يتميز بموضوعيته وأمانته تجاه الهند، ويعمل على عكس التيار السياسي المتعلق بالهيمنة والحروب بين الحضارات".

حاول البيروني مبكراً إنشاء حوار حضاريٍ موضوعي بين الثقافات والديانات حول العالم لأنه رأى بينها معطيات مشتركة

وتظهر عبر القرون الوسطى، رغبة البيروني المتوفى عام 1051 للميلاد، بإنشاء علاقاتٍ إنسانية موضوعية بين الحضارات، وذلك "لإيمانه بوجود معطياتٍ مشتركة بين جميع الديانات والثقافات الإنسانية". وربما أن محاولات عديدة كهذه تمت، إلا أن الحروب والسياسة وأدتها تقريباً.

وليس بعيداً عن فكرة انصهار الحضارات وتفاهمها، التي حاول البيروني توضيحها في فترةٍ مبكرة من تاريخ تشكل العلاقة بين الإسلام والعالم، فإن دومينيك بارتيليمي يشير بثقةٍ في كتابه، إلى أن "الحروب الصليبية من جهة وكذلك التوسع الإسلامي من جهةٍ أخرى، لا يعنيان بناء العلاقة بشكل دائم بين الشرق والغرب على العنف والفصل الديني، بل إن التجارة والتبادلات الدبلوماسية استمرت بين الطرفين، فالدين لم يشكل على الدوام عائقاً لقيام علاقاتٍ دولية إن صح التعبير".

رغب البيروني بإنشاء علاقاتٍ إنسانية موضوعية بين الحضارات

ومن هذا المنطلق، تتحدث الباحثة في المركز الوطني للبحوث العلمية بباريس آن ماري مؤكدة على ضرورة النظر اليوم، في أن الحروب الصليبية وما جرى من حروب بين المسلمين والغربيين كان "ينتمي إلى سياق فروسي يتحلى بالقوة والبطولة والشرف والرغبة في حكم الممالك، ولم يكن ناتجاً بالفعل عن صراع أيديولوجياتٍ  أو صدام حضارات بمعناه الرائج اليوم" وهو وما أتاح الكثير من العلاقات الثقافية والتجارية بين حينٍ وآخر.

اقرأ أيضاً: عصر النهضة: ليست الموناليزا فقط.. مريم العذراء أيضاً تنظر إلى عينيك!

وبالعودة إلى العلوم وتصنيفاتها، فإنّ المؤرخ والباحث الفرنسي جول جوليفييه، يذكر في مقاله "تصنيف العلوم" الصادر ضمن موسوعة العلوم العربية في باريس عام 1997  أن العلوم الإسلامية في القرون الوسطى تميزت بضخامتها وتجانسها وقدرة العلماء المسلمين على تصنيفها بصورة متميزة مثلما فعل الفارابي الذي "صنف السياسة والأخلاق والهندسة والرياضيات والفلك والموسيقى وغيرها".

ويتحدث جوليفييه كذلك، عن دور هذه العلوم التي صنفها وشرحها المسلمون قدر الممكن، في إحياء الشغف العلمي والفلسفي لدى الغرب فيما بعد.

اقرأ أيضاً: "الاستبداد والعلم" عند الكواكبي.. حرب تنتصر للتنوير

ولعلّ هذه القراءة الموسعة لمفكرين وباحثين وعلماء غربيين، تكاد تقول إنّ الإسلام قدم على يد علمائه وتجاره ومفكريه ومثقفيه إلى العالم، ما لم تقدمه الحروب، في زمنٍ لم يكن ممكناً فيه الحديث عن "تعدد الثقافات ولقاء الحضارات"، غير أنه من الضروري ربما إرساء هذه القيم اليوم أكثر من ذي قبل.

ويبدو أن التاريخ العلمي والثقافي والفكري للمسلمين والعرب في ظل الإسلام، يعد تجربة ثقافيةً وحضاريةً وتنويريةً مثيرة، لم تترك آثارها الكافية مع تقدم الزمن، إلا لأن التاريخ السياسي والعسكري والسلطوي، تسيد لقرونٍ طويلة، مؤسساً لروايات أخرى أكثر ظلمةً.

اقرأ المزيد...

الوسوم: