الوضع العسكري والميداني في ليبيا.. حكومتان بلا دولة

الوضع العسكري والميداني في ليبيا.. حكومتان بلا دولة

مشاهدة

19/05/2022

تطورات متسارعة، جرت اليومين الماضيين، على صعيد التحركات العسكرية في الغرب الليبي؛ حيث مُنيت محاولة رئيس الحكومة المكلّف، فتحي باشاغا، الرامية إلى دخول العاصمة طرابلس؛ لتسلُّم السلطة بالفشل.

كان وزير الداخلية السابق، الذي ينتمي إلى مدينة مصراتة الساحلية القوية، مثل منافسه عبد الحميد الدبيبة، قد أكد الأسبوع الماضي أنّه "سوف يدخل طرابلس دون عنف". في حين شكك البرلمان الليبي في وقت سابق، بحسب وكالة "رويترز" للأنباء، في قدرته على تحقيق ذلك، قائلاً: إنّ "حكومة باشاغا، قد تعمل من مدينة سرت"، الواقعة في وسط البلاد، بالقرب من خط المواجهة المجمد بين الفصائل الشرقية والغربية.

محاولة فاشلة واشتباكات عنيفة

حاول فتحي باشاغا، أول من أمس الثلاثاء، توطين حكومته في طرابلس، وتحرك بالفعل نحو العاصمة برفقة قوات من عناصر ميليشيا لواء النواصي. في غضون ذلك، قال رئيس الوزراء المُكلف، في مقطع فيديو بثته محطات التلفزة الليبيّة، إنّه "لقي ترحيباً حاراً في طرابلس"، وأعلن أنّه سيعقد مؤتمراً صحفياً مساء الثلاثاء، سيلقي خلاله "خطاب الوحدة للشعب الليبي".

من جهته، تعهد وزير داخلية باشاغا، عصام أبو زريبة، الثلاثاء، بأن تتولى إدارته مهامها سلمياً، وأكد أنّه "مع الالتزام بالقانون"، ودعا "جميع القوى الأمنية والجهات المعنية، إلى التعاون؛ لضمان عملية انتقال سلس للسلطة".

لكنّ خطوة باشاغا أسفرت عن اشتباكات عنيفة، مع الميليشيات المتحالفة مع الدبيبة، بعد ساعات من دخول الأول بصحبة وزراء حكومته إلى العاصمة الليبيّة، وأعلنت تقارير أمنية أنّ رجلاً على الأقل قتل، وأصيب خمسة آخرون في الاشتباكات، ما أدّى إلى عرقلة موكب رئيس الوزراء المكلّف.

تقارير ميدانية أفادت أنّ أصوات إطلاق نار من أسلحة ثقيلة، ونيران آلية، قد سُمعت في أنحاء العاصمة، أول من أمس؛ حيث ألغيت المدارس، وخفت حركة المرور في ساعات الذروة المزدحمة عادة، بينما شهدت المناطق الوسطى، البعيدة عن الاشتباكات على الجانب الشمالي الشرقي من طرابلس، هدوءاً نسبياً، ولم يكن هناك سوى القليل من الأدلة، على وجود أنشطة عسكرية بها من قبل حكومة الدبيبة، الذي لا يزال يسيطر على العاصمة.

 

خطوة باشاغا أسفرت عن اشتباكات عنيفة، مع الميليشيات المتحالفة مع الدبيبة، بعد ساعات من دخول الأول بصحبة وزراء حكومته إلى العاصمة الليبيّة

 

وأفادت التقارير أنّ باشاغا حاول، مرة أخرى، دخول طرابلس خلال الليل، برفقة المقاتلين المتحالفين معه، على أمل تولي الحكومة، لكن سرعان ما تصدت له القوات المتحالفة مع الدبيبة من جديد.

وكان مكتب باشاغا قد أصدر بياناً، بالتزامن مع محاولات التمركز في طرابلس، قال فيه إنّ حكومته سوف تنفذ مهامها من داخل العاصمة، لكنه أعلن في وقت لاحق، أنّ باشاغا والوزراء المرافقين له، سوف يغادرون لمنع سقوط قتلى من المدنيين. ولفت البيان إلى أنّ "باشاغا دخل طرابلس خلال الليل، بعد شهرين من الجمود بين الإدارتين المتنافستين في ليبيا، لكنّه انسحب بعد ساعات من اندلاع القتال في العاصمة".

وبحسب مصادر ميدانية، فقد توسطت ميليشيا كتائب 444 بين الخصمين، وسهلت عملية انسحاب رئيس الوزراء المكلّف.

سرت مقراً للحكومة المكلّفة

بدوره، أعلن فتحي باشاغا، أمس الأربعاء، أنّه سيتخذ من مدينة سرت في سط البلاد مقراً لحكومته، بعد أن أجبرته الاشتباكات على التراجع عن محاولته في اليوم السابق، لإحضار حكومته إلى العاصمة الليبية طرابلس، وأعلن أنّه اختار مدينة سرت، الواقعة على طول ساحل البحر المتوسط، وفي منتصف الطريق بين شرق البلاد وغربها، لتكون بمثابة حلقة وصل بينهما.

وبحسب تقارير دولية، فإنّ الأزمة الحالية؛ تهدّد بإعادة ليبيا إلى دوامة الاقتتال، بعد أشهر من السلام النسبي، أو إعادة الحديث عن مشاريع التقسيم، بين حكومة باشاغا المدعومة من الشرق، وإدارة طرابلس بقيادة عبد الحميد الدبيبة. بينما ألقى رئيسا الوزراء المتنافسان باللوم على بعضهما البعض، الأمر الذي يثير المخاوف من عودة البلاد مرة أخرى إلى الحرب الأهلية، بعد أكثر من عام من الهدوء المشحون.

باشاغا، أعلن للصحفيين من سرت، في وقت متأخر من أول من أمس، أنّ "ليبيا لن توقفها مدينة أو منطقة"، واصفاً طرابلس بأنّها "مدينة مخطوفة"، يسيطر عليها خصمه الدبيبة. مؤكداً أنّه سوف يعود إليها، بمجرد التأكد من أنّه "لن يكون هناك إراقة للدماء".

وتتميز مدينة سرت بأهمية إستراتيجية بالغة، فهي بوابة حقول النفط الرئيسية، ومقر محطات التصدير في البلاد، ومن المرجح أن يؤدي انتقال باشاغا إليها، إلى تعميق الانقسام السياسي في الدولة المنقسمة بالفعل.

كانت فكرة جلوس الحكومة الليبية في سرت، قد طُرحت للنقاش في محادثات العام 2020، التي أنهت آخر نوبة قتال كبيرة في ليبيا. وفي الآونة الأخيرة، دعا رئيس البرلمان، المستشار عقيلة صالح، حليف باشاغا، إلى العمل من سرت، بدلاً من محاولة تنصيب الحكومة في طرابلس.

من جهته، أعرب منسق الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، عن قلقه في أعقاب أحداث أول من أمس، قائلاً إنّ "الوضع في ليبيا، أصبح خطيراً للغاية في الساعات الماضية". وأضاف: "كنا نتوقع حدوث شيء كهذا، لأنّه في ليبيا لم تجر انتخابات، لكنْ لدينا حكومتان".

من جانبها، حثّت السفارة الأمريكية الخصوم في ليبيا، على الاتفاق على "أساس دستوري يؤدي إلى انتخابات رئاسيّة وبرلمانيّة، في إطار زمني واقعي".

تفاقم الوضع الأمني

سبق محاولة باشاغا الفاشلة، تدهور حاد في الوضع الأمني غربي طرابلس، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة السبت الماضي، بين ميليشيا فرسان جنزور، واللواء 55، التابع لجهاز الدعم والاستقرار، بقيادة عبد الغني الكيكلي، الذي يُعد قائد أبرز القوى العسكرية الموالية للدبيبة في طرابلس، والتي تمتلك قدرات قتالية كبيرة، وتتمركز في حي أبو سليم، بوسط العاصمة.

في غضون ذلك، اتهمت بلدية جنزور، في بيان لها حول الأحداث، اللواء 55 بالتحريض على الاشتباكات، وعبّرت عن استغرابها؛ من عدم التواصل بين الجهات الرسمية في الدولة، لمدة 7 ساعات متواصلة من الاشتباكات بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة.

 

سبق محاولة باشاغا الفاشلة، تدهور حاد في الوضع الأمني غربي طرابلس، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة السبت الماضي، بين ميليشيا فرسان جنزور، واللواء 55، التابع لجهاز الدعم والاستقرار، بقيادة عبد الغني الكيكلي

 

وقال البيان إنّ "مجموعات الميليشيات الإجرامية، عملت خلال الفترة الماضية على إقامة حواجز احتيالية، في معمل الألبان وتقاطع الدوادي لممارسة السرقة، ما دفع الجهات الأمنية إلى إقامة نقاط تفتيش أمنية خاصة بها". وطالبت بلدية جنزور، الجهات الرسمية بالدولة، وعلى رأسها رئيس مجلس الوزراء ورئيس الأركان، بتحمل المسؤولية في اتخاذ الإجراءات القانونية والتنفيذية؛ لحلّ هذه الميليشيات.

من جهتها، أكدت الشركة العامة للكهرباء في بلدية جنزور، أنّ اشتباكات الميليشيات في منطقة جنزور غربي طرابلس، السبت الماضي، أدّت إلى إلحاق أضرار جسيمة بخطوط الكهرباء، وبمحطة كهرباء طرابلس الغربية، كما أفادت شركة GECOL، أنّ الأضرار التي لحقت بخطوط التوزيع العلوية، ومحطة كهرباء طرابلس الغربية السريعة، أدّت إلى توقف عمل المحطة من قبل المقاولين الأجانب.

ورداً على هذه الاشتباكات، والانتقادات الواسعة بسبب التقاعس، ناقش نائب المجلس الرئاسي، عبد الله اللافي، بصفته القائد الأعلى للجيش الليبي، مع رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، ورئيس الأركان العامة، محمد الحداد، الوضع العسكري والأمني، في ضوء المعارك التي وقعت في منطقة جنزور.

وبحسب مراقبين، فإنّ هذه الاشتباكات أظهرت ضعف حكومة الوحدة الوطنية، وعدم قدرتها على السيطرة على الميليشيات التابعة لها، وأنّ الميليشيات المختلفة في جميع أنحاء ليبيا، لا تزال قادرة على العمل، في ظل حالة الانفلات الأمني التام، والقدرة على الإفلات من العقاب، وذلك على حساب المدنيين، وممتلكات ومقدرات البلاد، في ظل عدم وجود الدولة الرسمية.

مواضيع ذات صلة:

لماذا تخلى إخوان ليبيا عن فتحي باشاغا؟

بلحاج عائداً إلى ليبيا من قطر: سفير مصالحة أم نذير حرب؟

هل فقدت البعثة الأممية في ليبيا مصداقيتها؟ 

الصفحة الرئيسية