"بريد الليل" يحمل لهدى بركات جائزة البوكر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
1212
عدد القراءات

2019-04-24

فازت الروائية اللبنانية هدى بركات بـ"الجائزة العالمية للرواية العربية" (البوكر العربية 2019)، في دورتها الثانية عشرة، عن روايتها "بريد الليل"، التي أعلنت عنها لجنة الجائزة في حفل أقيم في أبوظبي عشيّة افتتاح معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته التاسعة والعشرين.

اقرأ أيضاً: "بأي ذنب رحلت" للمعزوز بالقائمة الطويلة للبوكر: إعادة الرواية العربية إلى أفق الفلسفة

وقال الناقد المغربي، شرف الدين ماجدولين، رئيس لجنة التحكيم "تعبر رواية "بريد الليل" عن تجربة في الكتابة الروائية شديدة الخصوصية بتكثيفها واقتصادها اللغوي وبنائها السردي وقدرتها على تصوير العمق الإنساني، ويتمثل تحدّيها الكبير بأنّها استخدمت وسائل روائية شائعة وأفلحت في أن تبدع داخلها وأن تقنع القارئ بها".

"بريد الليل"

وقالت بركات عقب إعلان النتيجة "سعيدة جداً بهذه الجائزة لأنّ الجائزة التي أنالها عن رواية كتبتها باللغة العربية تعادل ربما كل ما قد يقدمه العالم لي من اعتبارات أو جوائز أو تقدير".

وكانت الأسماء الأخرى التي تنافست على الجائزة الأولى هي: الأردنية كفى الزعبي "شمس بيضاء باردة"، والسورية شهلا العجيلي "صيف مع العدو"، والمصري عادل عصمت "الوصايا"، والعراقية إنعام كجه جي "النبيذة"، والمغربي محمد المعزوز "بأي ذنب رحلت؟".

اقرأ أيضاً: البريطانية آنا بيرنز تفوز بجائزة مان بوكر المرموقة عن روايتها "بائع الحليب"

وتشارك الكاتبة اللبنانية مع زملائها الذين وصلوا إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية هذا العام في ندوة خاصة تقام لهم اليوم بمعرض أبوظبي الدولي للكتاب.

والجائزة التي تأسست في 2007 هي الأبرز والأعلى قيمة عربياً بمجال الرواية؛ إذ تحصل كل رواية من الروايات الست التي تصل إلى القائمة النهائية على عشرة آلاف دولار بينما تحصل الرواية الفائزة على 50 ألفاً إضافية مع ترجمتها للغة الإنجليزية.

ولدت بركات في بيروت عام 1952 وعملت في التدريس والصحافة وتعيش حالياً في باريس؛ حيث أصدرت ست روايات ومسرحيتين ومجموعة قصصية، كما شاركت في كتب جماعية باللغة الفرنسية، وتُرجمت أعمالها إلى لغات عديدة.

حصلت بركات خلال مشوارها الأدبي على "جائزة نجيب محفوظ"، التي تمنحها "الجامعة الأمريكية في مصر"، عن روايتها "حارث المياه"، ووصلت روايتها "ملكوت هذه الأرض" إلى القائمة الطويلة في "جائزة البوكر العربية" عام 2013، كما وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة "مان بوكر العالمية" عام 2015، وكرمت من قبل فرنسا مرتين، وحصلت على "جائزة سلطان العويس الأدبية" عام 2017.

"بريد الليل" هي رواية تدور حول بشر هاربين من مصائرهم

بشر هاربون من مصائرهم

إنّ "بريد الليل" هي رواية تدور حول بشر هاربين من مصائرهم، وقد أصبح الصمت والعزلة والكآبة والاضطراب كونهم الجديد، فهي رواية "إنسانية توازن بين جدة التكنيك وجمال الأسلوب وراهنية الموضوع الذي تعالجه".

ولدت بركات في بيروت عام 1952 وعملت في التدريس والصحافة وتعيش حالياً في باريس

رغم أن لا تحديد للمكان في "بريد الليل"، إلا أنّ لبنان حاضر في الرواية في كل تفاصيلها، في ضياع شخصياتها، في آلامهم وتمزقاتهم. وعبر 5 رسائل يكتبها أصحابها بما يشبه الفضفضة، لا يعرف القارئ إن كانت مصارحة أو هذياناً، كذباً أو خبثاً، اعترافات أم مجرد كلام لا يراد منه أن يصل إلى المخاطب.

كل رسالة لها نكهتها وأسلوبها وروحها الخاصة، والبوسطجي هذا الذي لن يوصل الرسائل التي كتبت، وليس موجوداً أصلاً، ليس حضوره تقنياً، كما فهم البعض، "هو وجود له رمزيته، لأن دوره الوجودي برمته قد انتهى، ولم يعد له من وظيفة فعلية لتأمين التواصل بين الناس"؛ فالرسالة أصبحت "رمزاً لتواصل قد انقطع"، وفق قول بركات في مقالة أجريت معها بصحيفة "الشرق الأوسط".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



وفاة إمام عبدالفتاح.. ناسك الفلسفة وإمامُ الترجمة

209
عدد القراءات

2019-06-19

وسط زحمة الحياة التي طالما زهد فيها وربأ بنفسه أن تشغله عما نذر عمره له، رحل أمس الثلاثاء، إمامُ الترجمة العربية وعاشق الفلسفة إمام عبدالفتاح إمام بعد فترة مرض قصيرة، عن عمر ناهز ٨٥ عاماً.

اقرأ أيضاً: طيب تيزيني.. شاهد على "موت الإنسان" وسوريا الجريحة

أثار إمام، المولود بالشرقية العام 1934 لوالد من علماء الأزهر، الاستغراب بكم الأعمال الكثيرة التي ارتبطت باسمه بما ينوء به رجل واحد، فقد أصدر ما يقرب من مائة كتاب ما بين تأليف وترجمة ومراجعة، ومن أشهر مؤلفاته: "المنهج الجدلي عند هيجل"، "مدخل إلى الفلسفة"، "أفكار ومواقف"، "تطور الجدل بعد هيجل" (3 أجزاء)، "الديمقراطية والوعي السياسي"، "كيركجور، رائد الوجودية"، جزءان، "هوبز فيلسوف العقلانية"، "الطاغية" عدة طبعات، "الأخلاق والسياسة"، و"معجم ديانات وأساطير العالم".

ظل إمام مخلصاً لنصيحة أستاذه زكي نجيب محمود: ليكن المعجم أقرب شيء إلى يدك

كما أشرف عضو الجمعية الهيجلية بكندا واتحاد كتاب مصر على ترجمة موسوعة "كوبلستون" الصادرة عن المركز القومي للترجمة والتي تعد الأهم في تاريخ الفلسفة الغربية، وترجمَ بعض أجزائها.

الحيرة التي يثيرها الرجل حد التشكيك بنسبة كل هذه المنجزات إليه سرعان ما تتلاشى حين يدرك من لم يعرفه كيف عاش هذا العاشق للكتاب؛ فهو يقول في آخر مقابلاته إنّه بعد أن بلغ من العمر عتياً لم يكن له أي هواية أو عادة تشغله عن الورقة والقلم، وأكد أنّه لم يجلس يوماً على مقهى مستغرباً ممن يضيعون الساعات فيه، "ليس لي في الدنيا سوى فوضى مكتبي.. أنام مبكراً وأصحو في الرابعة أو الخامسة وبعد إفطاري أنكب على مكتبي.. ولا أشاهد التلفاز إلا لماماً.. حياتي كلها هي الكتب".

ارتبط اسم إمام، في بداية حياته الفكرية، بترجمة أعمال الفيلسوف الألماني هيج

ارتبط اسم إمام، في بداية حياته الفكرية، بترجمة أعمال الفيلسوف الألماني هيجل، منذ أن نال درجة الماجستير من آداب القاهرة، وكان موضوعها "المنهج الجدلي عند هيجل" العام 1968، كما نال درجة الدكتوراه من آداب عين شمس وموضوعها "تطور الجدل بعد هيجل" بمرتبة الشرف الأولى العام 1972.

اقرأ أيضاً: رحيل برنار دادييه أعظم كتّاب ساحل العاج

تنقّل إمام عبد الفتاح مدرساً لمادة الفلسفة بين جامعات جامعة القاهرة وعين شمس، والمنصورة، والزقازيق الكويت، وطرابلس، وكلية الدعوة الإسلامية- وجامعة سبها بليبيا، وأشرف وناقش العديد من رسائل الماجستير والدكتوراة.

بعد مسيرته الأكاديمية الحافلة اكتفى الراحل في السنوات الأخيرة بالعمل في الترجمة والإشراف على مترجمين شباب أنجزوا سلسلة "أقدم لك" للمجلس الأعلى للثقافة، التي صدر منها حتى الآن ما يقرب من سبعين عدداً.

 

 

رغم خبرته الواسعة في مجال الترجمة التي بدأت منذ المرحلة الجامعية، ظل إمام عبدالفتاح حتى آخر أيامه مخلصاً بتواضع لنصيحة أستاذه زكي نجيب محمود "ليكن المعجم أقرب شيء إلى يدك، ولا تقل لنفسك أنا أعرف هذا المصطلح، وقد سبق لي ترجمته".

الحيرة التي يثيرها إمام حد التشكيك بنسبة كل هذه المنجزات إليه تتلاشى حين يدرك المرء كيف عاش هذا العاشق للكتاب

يقول إمام إنّ أول صدمة صادفها في عالم الترجمة ذلك "القول المحبط"، على حد تعبيره، "كل مترجم هو خائن"، وهو يعارض تعميمه بشدة مؤكداً صعوبة قبوله بحجة أنّ المترجم لن يستطيع أن يكون موضوعياً ودقيقاً؛ بحيث ينقل إلى لغته روح النص الأصلي الذي يقوم بترجمته، "ما دام لم يحرّف في الترجمة أو يخطئ في النقل".

في كتابه الشهير "الطاغية"، الصادر عن سلسلة عالم المعرفة، ثم في كتابه "الأخلاق.. والسياسة"، يلخص إمام عبد الفتاح رويته الفلسفية للسياسة التي تميل إجمالاً إلى المنهج الوسطي الواقعي الذي يفرق بين الأخلاق والسياسة دون التقليل من أهمية كل منهما أو إنكار الاتصال والتعاون بينهما؛ "الحكم لا يستقيم أبداً طالما تداخلت معه أمور من قبيل الدولة الدينية، والمستبد العادل.."، مؤكداً  "مازلت أؤمن إيماناً راسخاً لا يتزعزع أنّ تردي الأوضاع العربية يعود بالدرجة الأولى للنظام السياسي وليس إلى الأخلاق كما يظن البعض ولا إلى الدين كما يتوهم البعض الآخر".

"جن": مسلسل متواضع المستوى أثار زوبعة في فنجان

صورة رشا سلامة
كاتبة وصحافية أردنية
1,551
عدد القراءات

2019-06-17

توالت ردّات الفعل المتتالية بمجرد عرض الحلقة الأولى من المسلسل الأردني، بإنتاج أمريكي، على شبكة "نتفلكس"، تحت عنوان "جن"، وكان ظهورها الأبرز عبر وسائل الإعلام التي انجرّت وراء الاصطفافات في مرات ووراء السبق الصحافي من دون تدقيق في أوقات أخرى، وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي التي جنحت فيها المخالفات نحو القدح والذمّ والتحقير.

تحوّلت الانتقادات لـ "جن" لقضية رأي عام، حين أُطلِقت تصريحات على مستوى رسمي شارك فيها المفتي والمدعي العام ومؤسسات الإعلام

توالت ردّات الفعل كما حجارة الدومينو التي يدفع كل منها الآخر؛ إذ سبق عرض المسلسل حملة إعلانية محصورة في نطاق متوسط، تلته حالة من الاستياء والانتقادات بمجرد عرض الحلقة الأولى على "نتفلكس" بذريعة تضمّنها ألفاظاً بذيئة ومشاهد خادشة للحياء ومخالفة قيم المجتمع الأردني، ليعقب هذا مطالبات بمحاسبة القائمين عليه. وصرحت هيئة الإعلام المرئي والمسموع أنّ المسلسل ليس من ضمن صلاحياتها، وقالت الهيئة الملكية للأفلام إنّ دورها يقتصر على تسهيل الدعم اللوجستي للتصوير في الأردن فحسب، فيما أعلنت سلطة منطقة العقبة أنها بصدد اتخاذ إجراءات رادعة بحق القائمين على العمل، وليحسم مدّعي عام عمّان الجدل بإيعاز لوحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية باتخاذ إجراءات فورية لوقف بث المسلسل ونشره، ولتُصرّح "نتفلكس" عقب هذا بأنها لن تتهاون مع الألفاظ الجارحة والاتهامات التي طالت طاقم العمل.
يذكر أنّ المسلسل، من تأليف وإنتاج إيلان وراجيف داساني وإخراج اللبناني مير جان بوشعيا وإخراج الأردني أمين مطالقة.

 

هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي وتراشق الاتهامات
في وقت اكتفت فيه معظم وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية بتناقل مستجدّات الأمر تباعاً، من تنديدات وتصريحات من دون مناقشة مستفيضة لحيثيات العمل ومن دون إيراد رأي الأطراف كافة عند النقل عن رؤية جهة ما للعمل والقائمين عليه، فإنّ وسائل التواصل الاجتماعي خلقت حالة عالية من التحريض والذم والقدح والاتهامات، ما اقترب بالأمر من حدود خطاب الكراهية، كما أنّ مراقبة للتعليقات لم تجرِ، وكان ثمة جهل ملحوظ لدى كُثر من المعلّقين وناشري التعليقات حول أنّ مساءلة قانونية قد تحدث بسبب ما انطوَت عليه هذه التعليقات من ذم وقدح واتهامات وتحقير.

اقرأ أيضاً: هل تجتمع الإنسانية مع العنف في الثقافة العامة؟.. مسلسل الهيبة نموذجاً
وسائل إعلام عربية وعالمية انشغلت بردّات الفعل حول الفيلم، فيما لم يحظَ الفيلم نفسه كمادة بمناقشة ما، فظهرت عناوين من قبيل "مسلسل جن الذي جنّن الأردنيين" و"مشاهد إباحية تتسبّب في وقف مسلسل جن في الأردن" و" بعد عرضه على نتفليكس.. مسلسل جن يثير جدلاً بالأردن" و"بدء عرض مسلسل جن.. هجوم عاصف عبر تويتر ونتفليكس ترد".
الأمر لم يخلُ من اتهامات لجهات عدّة، منها ما طال هيئة الإعلام المرئي والمسموع، ومنها ما طال الهيئة الملكية للأفلام، واتهامات أخرى طالت هيئة تنشيط السياحة وأخرى تعلّقت بقناة تلفزيونية محلية قيل في معرض الاتهامات إنها أسهمت في ترويج الفيلم من دون التدقيق في محتواه.
وعند العودة لما بُثّ عبر هذه القناة تحديداً يتبيّن التالي:
- الفيديو بُثّ عبر منصة "إنستغرام"، قبل أسابيع، ولم يكن ترويجياً بل أقرب للقيمة الخبرية التي تتحدّث عن تصوير أول مسلسل عربي على "نتفلكس" في الأردن.

- عُرِضَ تقرير في ساعات الصباح الباكر على هذه القناة؛ للحديث عن المسلسل الذي تمّ تصويره في البتراء، وكان التقرير متقضباً ولم تظهر فيه أي مقاطع من العمل.

- عرضت القناة مشاركة لنقيب الفنانين الأردنيين السابق ساري الأسعد، الذي تحدّث عن المسلسل من وجهة نظر أخرى بعيدة عن التسويق.

ويشي ما سبق بحجم الاتهامات التي أُطلِقت جزافاً إلى حد كبير، ومنها ما ذهبَ لتناول سلطة منطقة العقبة، على الرغم من كون الجهة هذه لم تقترب من حدود الفيلم من قريب أو من بعيد.

اقرأ أيضاً: "دفعة القاهرة": مسلسل ممتع لكنه مخيّب للآمال
بدورهما، أصدرت الهيئة الملكية للأفلام وهيئة الإعلام المرئي والمسموع بيانين؛ للتعليق على الاتهامات الموجة إليهما، ليتضمّن بيان الهيئة الملكية للأفلام "لا يوجد في نص القانون أي مهمة رقابية للهيئة على الأعمال المقدمة ولا تتطلع على النص أو السيناريو. اللافت أن ثمة مطالبات بمزيد من الحريات والخيارات الشخصية. لكن عندما نواجه حالات كهذه، ينسى البعض هذه المطالب. ففي نهاية المطاف هذه قضية خيار شخصي لمشاهدة أو عدم مشاهدة عمل قد لا نتفق على محتواه"، فيما جاء في بيان هيئة الإعلام المرئي والمسموع أن مثل هذا الإنتاج (المسلسل) لا يدخل ضمن صلاحياتها، كاطلاع ورقابة على السيناريو، أو جميع الأمور الفنية والتقنية من حيث الإعداد والإنتاج والتمثيل والإخراج، وذلك وفقاً لأحكام قانون الإعلام المرئي والمسموع النافذ، مكملة أنّ مسؤوليتها الوطنية تتمثل في المتابعة مع الجهات ذات العلاقة "لمنع عرض مثل هذه المشاهد داخل الأردن سواءً مع الهيئة الملكية للأفلام أو مع أي جهة فنية مختصة أخرى".

الاحتجاجات تركزت على العبارات النابية التي وردت في المسلسل

تحويل الأمر لقضية رأي عام
تحوّلت الانتقادات المتوالية لمسلسل "جن" لقضية رأي عام، حين أُطلِقت تصريحات على مستوى رسمي حول الأمر، من بينها ما ذهب إليه مدّعي عام عمّان من إيعاز لوحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية باتخاذ إجراءات فورية لوقف بث المسلسل ونشره، وليُصرّح مفتي المملكة الأردنية الهاشمية محمد الخلايلة أيضاً حول الأمر، بقوله إنّ العمل يُخالف تعاليم الدين الإسلامي، ولتطفو على السطح أنباء تتحدّث عن اجتماع بين مجلس النوّاب والحكومة؛ لبحث الأمر.

اقرأ أيضاً: مسلسل Wild Wild Country: يُسائل الديمقراطية الأمريكية
وفي تعليقه على هذا السجال الإعلامي، يقول الصحافي يحيى شقير، المختصّ بالتشريعات الإعلاميّة، إنّ  "وسائل التواصل الاجتماعي حوّلت قضية مسلسل جنّ  إلى قضية رأي عام، وأصرّ على أنّ وسائل التواصل الاجتماعي وليست وسائل الإعلام من قام بذلك؛ ذلك أنّ الأولى سحبت البساط من تحت الصحف والتلفاز وجميع مظاهر الإعلام التقليدية، وباتت باروميتر لقياس الرأي العام وتشكيله".

شقير: أن يتم بث المسلسل من الخارج سواءً عبر الفضائيات أو عبر الاشتراكات فلا ولاية للقانون الأردني عليه

وينوه شقير إلى أنه "في المعايير الدولية للبث السينمائي والتلفزيوني، يجب التفريق بين طريقتين للبث: الأولى ما يسمى البث الخطي linear وهو ما يتم بثه على التلفزيون الوطني للعامة، وفيه يتم التشدد على جوانب العنف والأخلاق العامة، أما البث غير الخطي non-linear أو البث حسب الطلب on-demand كما في حالة مسلسل جن، فيمكن مشاهدته من قبل مشتركي نتفلكس، حيث يدفع المشاهد بدل هذه المشاهدة، فتكون القيود أكثر ليونة".
يردف شقير أنه "يُشترَط في جميع الحالات وضع تحذير للمشاهد بوجود مشاهد جريئة أو عنف مع المقياس المناسب لأعمار المشاهدين"، مضيفاً "أن يتم بث المسلسل من الخارج سواءً كان هذا عبر الفضائيات أو عبر الاشتراكات فلا ولاية للقانون الأردني عليه، أما في حال الرغبة في عرضه في الأردن سواءً كان هذا في دور السينما أو الفضائيات المحلية، فقانون الإعلام المرئي والمسموع يقوم بالرقابة المسبقة".
توالت ردّات الفعل كما حجارة الدومينو التي يدفع كل منها الآخر

رؤية فنية
ويعلّق أستاذ الإعلام في الجامعة الأمريكية في دبي، الدكتور موسى برهومة، على ما سبق، بقوله "أزعم أن الغالبية العظمى من المعترضين على المسلسل لم يشاهدوه، ولا يعرفون ما هي نتفلكس، لكنهم ساروا وراء السائرين بأنّ المسلسل يتصادم مع أخلاق الأردنيين، مع أنّ المسلسل لا صلة له بالأردنيين، وهو عمل فني يشارك فيه ممثلات وممثلون من الأردن، وجرى تصويره وإنتاجه لمصلحة شركة عالمية هي نتفلكس، ولا يزعم المسلسل أنه يعبّر عن الشعب الأردني وقيمه".
يستدرك برهومة، قائلاً "لا أعتقد أنّ هذا المسلسل عمل فني خارق؛ فهو مسلسل متواضع المستوى، وحكايته ساذجة ولا تتضمن أي تسويغ فني للأحداث التي اختارها القائمون على العمل أن تكون فانتازية. الاحتجاجات تركزت على العبارات النابية التي وردت في المسلسل، وحقاً لا ضرورة لها على الإطلاق إلا إذا كان المقصود بها إحداث الصدمة، وقد تحقق هذا الأمر على نحو سلبي لا يخدم المسلسل ولا أفق الدراما في الأردن".

اقرأ أيضاً: جدل في الشارع الأردني بعد عرض مسلسل "جن" عبر "نتفليكس"
ويرى برهومة أنّ "المجتمع الأردني بطبعه محافظ، وهذا أمر لا يعيبه ولا ينتقص منه أبداً، لكن الذي يجري في أعقاب أية قضية تتناول منظومة الأخلاق العامة، أنّ هناك وكلاء جعلوا أنفسهم ناطقين حصريين باسم القيم والأعراف وأداء الشعائر الدينية. وهؤلاء الوكلاء ينشطون كلما أثيرت زوبعة، كما جرى أخيراً حول المسلسل، وهي ليست أكثر من زوبعة في فنجان".
يضيف برهومة أنّ "الغريب حقاً هو أنّ هؤلاء الوكلاء أصحاب صوت عالٍ، ويتبعون مؤسسات تنظيمية ذات أجندة معروفة تتعقب الحالات التي تعتقد أنها ناشزة، من أجل الاصطياد في المياه العكرة، فتثوّر الشارع والناس عبر وسائط السوشال ميديا، وينجرّ خلفها المتابعون كالقطيع".
وأعرب برهومة عن أسفه من "استثمار هذا المسلسل من أجل الإساءة إلى حرية التعبير والرأي والإبداع، ومن أجل المغالاة في محاصرة الفنون بعامة؛ لأنها، في نظر أولئك الوكلاء الحصريين، عدوّة الدين والأخلاق والقيم".

الروائي البلقاني الأكثر شهرة في العالم يجعل بيته متحفاً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
922
عدد القراءات

2019-06-11

حوّل الروائي الألباني، إسماعيل قادري، منزله الواقع في تيرانا إلى متحف يشهد على أيام الحقبة الشيوعية، حيث لم يمنعه التضييق والقمع من الكتابة، ليصبح واحداً من أهم الأدباء العالميين، وتجربة روائية لها فرادتها.

وقال الروائي الشهير، في حوار معه وهو جالس في الزاوية التي اعتاد أن يجلس فيها لكتابة مسوّداته: "كنت أعمل هنا، إلى جانب المدفأة"، بحسب وكالات أنباء.

قادري: أنا لست متواضعاً، من حيث المبدأ، أنا ضد التواضع… خلال النظام الشمولي، كان التواضع دعوة إلى الخضوع

وأضاف قادري، الذي أنجز بعض أعماله الأكثر شهرة بما فيها روايته "قصر الأحلام" فيما كان يعيش في هذه الشقة الواقعة في الطابق الثالث من مبنى إسمنتي مع عائلته بين عامي 1973 و1990، "كنت أكتب والأوراق على ركبتَي وأعمل في الصباح فقط".

وخلال تلك الفترة، كانت النوافذ مغطاة بستائر سميكة لحماية منزلهم من أعين النظام الشيوعي الذي كان على رأسه الدكتاتور السابق أنور خوجة، الذي عزل ألبانيا عن العالم خلال حكمه الذي استمر 40 عاماً.

وافتتح هذا المتحف الجديد الذي أطلق عليه اسم "قادري هاوس استوديو"، في نهاية الشهر الماضي. مع أرضيات خشبية وجدران خضراء وبيضاء، تنتشر عليها تذكارات شخصية للكاتب مثل مجموعة من الغلايين موضوعة على طاولة، آلة كاتبة، رف مملوء بالكتب، وبطاقة هوية تحمل صورة قادري وهو شاب وتصنفه "شرطياً احتياطياً". وهناك أيضاً صورة للممثل الإيطالي مارتشيلو ماستروياني الذي أدى دور البطولة في فيلم مقتبس عن روايته "جنرال الجيش الميت" التي كانت أول أعمال قادري التي تحظى بإشادة دولية.

 أطلق عليه اسم "قادري هاوس استوديو"

متحف وليس ضريحاً

وأوضح الروائي أنه يريد أن يكون هذا المكان متحفاً وليس ضريحاً. مع زوجته إيلينا، وهي كاتبة أيضاً، يمضي قادري وقته الآن بين تيرانا والحي اللاتيني في باريس التي اختارها منفى له في العام 1990 قبل فترة وجيزة من انهيار النظام الشيوعي في ألبانيا.

اقرأ أيضاً: رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد

وقد وصل حدّ القمع الشديد لنظام خوجة إلى مهندس الشقة ماكس فيلو الذي حكم عليه بالسجن لمدة ثماني سنوات بسبب التصميم التكعيبي للمبنى الذي يعتبر انحرافاً عن النماذج الاشتراكية.

بيْد أنّ قادري قال إنه لم يدع الدكتاتورية تقضي على إبداعه. فقد رفض في رواياته ومقالاته وقصائده، الواقعية الاشتراكية التي تمليها السلطات، واستخدم فيها بدلاً من ذلك الرموز والتاريخ والأساطير للإضاءة على ظروف الحياة في ظل الاستبداد الذي كان موجوداً.

قال قادري "الأوقات المظلمة تجلب مفاجآت غير سارة لكنها جميلة

الأوقات المظلمة تنتج أعمالاً رائعة

وقال قادري "الأوقات المظلمة تجلب مفاجآت غير سارة لكنها جميلة". وأوضح "غالباً ما تُنتج أعمال أدبية رائعة خلال العصور المظلمة، كما لو أنّ هدفها معالجة المحن التي يعاني منها الناس". وفي الوقت الذي كان يسجن فيه روائيون وشعراء ومبدعون أو يقتلون، نجا قادري من هذا المصير.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة

في مذكراتها، قالت نجيمية أرملة أنور خوجة الذي كان يدعي أنه يعشق الأدب، أنّ الزعيم الألباني أنقذ هذا المؤلف الشهير مرات عدة. وتظهر محفوظات من عصر خوجة أنّ قادري كان في الكثير من الأحيان على وشك أن يسجن، وأن قصيدته "باشوات حمر" التي نُشرت في العام 1975 تسببت في نفيه مؤقتاً إلى قرية نائية. لكن قادري نفى أن تكون ربطته علاقة مميزة بالدكتاتور وقال "كانت أعمالي تلتزم قوانين الأدب فقط، ولم تطع أي قانون آخر".

حكم النظام الألباني على مهندس شقة قادري بالسجن ثماني سنوات بسبب التصميم التكعيبي الذي يعتبر انحرافاً عن النماذج الاشتراكية

في نهاية المطاف، هرب الكاتب إلى باريس لطلب اللجوء قبل أشهر قليلة من إطاحة النظام في أوائل التسعينات. وأوضح قادري الذي ترك في ذلك الوقت العديد من المخطوطات في شقته في تيرانا التي استولت عليها السلطات، لكن استعادتها الشرطة في وقت لاحق، أنّ تلك المغادرة كانت "نوعاً من الشفاء" وشكلاً من أشكال الاحتجاج.

وتُرجمت أعمال إسماعيل قادري إلى أكثر من 40 لغة، ما جعله الروائي البلقاني الأكثر شهرة في العالم. وقد فاز بجائزة البوكر البريطانية عام 2004 وجائزة أمير استورياس العام 2009 ورشح مرات عدة لجائزة نوبل للآداب.

ورغم أنّ الموضوع "يحرجه"، فقد قال إنه يستمتع برؤية اسمه "مذكوراً بين المرشحين" لجائزة نوبل. وقال "أنا لست متواضعاً، من حيث المبدأ، أنا ضد التواضع… خلال النظام الشمولي، كان التواضع دعوة إلى الخضوع. يجب على الكتاب ألا يحنوا رؤوسهم". وحول ما إذا كان سعيداً خلال الأيام التي أمضاها في تيرانا تحت قبضة الشيوعية قال "كان الناس الذين عاشوا خلال هذه الفترة غير سعداء، لكن الفن فوق كل ذلك".




القطاع النفطي الإيراني يتراجع.. هذا هو موقف أوروبا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
356
عدد القراءات

2019-06-19

أقرّ وزير النفط الإيراني، بيجن زنغنه، بالصعوبات التي تواجه القطاع النفطي في إيران، مؤكداً أنّ؛ أوروبا لا تتعاون لشراء نفط بلاده في مواجهة العقوبات الأمريكية المفروضة على الجمهورية الإسلامية، وفق ما ونقلت وكالة "فارس" للأنباء.

وحجبت وزارة النفط الإيرانية بيانات صادراتها من النفط، خلال نيسان (أبريل) الماضي، للشهر التاسع على التوالي، وسط تدني صادراتها من الخام بفعل العقوبات الأمريكية.

وزير النفط الإيراني يؤكد أنّ أوروبا لا تتعاون لشراء نفط بلاده في مواجهة العقوبات الأمريكية

ومنذ أيار (مايو) 2018؛ انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني، وأعادت فرض عقوبات اقتصادية ومالية ونفطية على طهران، اعتباراً من آب (أغسطس) 2018، وتوسعت في تشرين الأول (نوفمبر) من العام ذاته.

وعرقلت العقوبات الأمريكية صادرات طهران من النفط الخام، بعد منع العديد من الشركات العاملة في صناعة النفط والمشتقات البتروكيماوية، وشركات نقل الخام، أبرزها، شركة "ميرسك تانكرز" الدنماركية، المتخصصة في نقل شحنات الخام.

وجاء في تقرير منظمة "أوبك" الشهري؛ أنّ "إنتاج طهران من النفط الخام تراجع بنحو 227 ألف برميل يومياً، في أيار (مايو) الماضي، مقارنة بـشهر نيسان (أبريل) 2019.

وكان وزير النفط الإيراني، بيجان نمدار زنقنة، قد اعترف بأنّ "طهران تستخدم طرقاً "غير تقليدية" للالتفاف على العقوبات الأمريكية، ومواصلة بيع نفطها في السوق السوداء، في مقابلة نشرت الأسبوع الماضي.

وقال الوزير، لوكالة "شانا" الإخبارية الإيرانية: "لدينا مبيعات غير رسمية، أو غير تقليدية، جميعها سرية، لأنّ الولايات المتحدة ستوقفها إن علمت بها".

وامتنع زنقنة عن إعطاء مزيد من التفاصيل بشأن الصادرات النفطية الإيرانية، مؤكداً أنّه لن يكشف أيّة أرقام إلى أن تُرفع العقوبات.

 

وشهد شاهد: مصور سابق في "الجزيرة" يكشف علاقة القناة بالجماعات المسلحة.. هذا ما قاله!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
306
عدد القراءات

2019-06-19

كشف المصور الحربي السابق بقناة "الجزيرة"، محمد فوزي، الأدوار المريبة للقناة وأجندتها العدائية الداعمة للجماعات المسلحة ونشر الفتنة والاضطرابات.

فوزي: مسلحون في "جبهة النصرة" و"تنظيم أحرار الشام" في سوريا يعملون مع قناة "الجزيرة" كموظفين برواتب

وقال المصور، الذي عمل في شبكة "الجزيرة" نحو 12 عاماً، في مقابلة مع موقع "العين" الإخباري: "كنّا نذهب إلى أماكن الأحداث الإرهابية قبل وقوعها، كنت أعتقد حينها أنّنا نقدّم سبقاً صحفياً".

وعبّر فوزي، لـ "العين"، عن ندمه على العمل في "الجزيرة"؛ بسبب الدور التي اضطلعت به ومساهمتها فيما حدث من تخريب ودمار في المنطقة.

وكشف فوزي، في المقابلة، أنّ هناك أعضاء من تنظيمات مسلحة، مثل: "جبهة النصرة" و"تنظيم أحرار الشام" في سوريا، يعملون مع قناة "الجزيرة"، كموظفين، ويحصلون على رواتب لتسهيل مهمات القناة الصحفية.

"ورغم أنّ علاقة الجماعات المسلحة بقناة "الجزيرة" كانت غامضة، وتثير تساؤلات بين بعض العاملين، إلا أننا –كموظفين- لم يكن لنا الحقّ في السؤال"؛ وفق فوزي.

وقال فوزي: إنّ "قناة "الجزيرة" اشترت مجموعة كبيرة من الكاميرات صغيرة الحجم ووزعتها على التنظيمات المسلحة داخل سوريا."

ولفت، في المقابلة، إلى أنّ القناة "كانت تسمح لنا فقط بتصوير المناطق بعد القصف، أو استهدافها من جبهة النصرة، لكن لم يكن مسموح لنا أن نرافقهم في عملياتهم تجاه المدنيين".

فوزي يكشف كواليس مقابلة قناة الجزيرة مع زعيم جبهة النصرة الجولاني في 2015

وكشف فوزي ترتيبات خاصة لفضائية "الجزيرة"، خلال مقابلتها مع "أبو محمد الجولاني"، عام 2015، زعيم جبهة النصرة في سوريا.

وأشار، وفق "العين"، إلى أنّه شارك في صنع الصورة الذهنية لزعيم جبهة النصرة في سوريا؛ حيث إنّ الفضائية طلبت منه تغيير ملابسه، وإضافة لافتة سوداء خلفه، ووضع سلاح بجواره.

وأضاف: "عندما التقيت زعيم جبهة النصرة في منزله، كان يبدو شخصاً عادياً، يرتدي معطفاً، إلّا أنني طلبت منه تغيير ملابسه، وكذلك وضع لافتة خلفه، وحمل سلاح".

ورأى فوزي؛ أنّ تصريحات زعيم جبهة النصرة خلال المقابلة، ومنها جملة مهمة هي: "ندعم تنظيم القاعدة، ونوافق على طلباته"، توضح التعاون بين "الجزيرة" وتنظيم جبهة النصرة وتنظيم القاعدة، برأيه.

وكشف بعض كواليس اللقاء، وأبرزها، وفق قوله لـ"العين": إنّ "شخصاً جاء خلال المقابلة من الخارج، وأعطى زعيم جبهة النصرة مبلغاً كبيراً من المال وضعه في جيبه".

وأشار فوزي للمصدر ذاته، إلى أنّ أهمّ شيء عند التنظيمات المسلحة هو تصوير العمليات؛ لأنهم يتلقون أموالاً كبيرة مقابل العمليات الإرهابية المصورة.

وقال مصور الحربي السابق في قناة الجزيرة: "فريق عمل الفضائية كان يسكن في سوريا مع الإرهابيين، ومع أسر متعاونة مع الإرهابيين، في بيوت مؤمّنة من جبهة النصرة".

فوزي: فريق عمل الفضائية كان يسكن في سوريا مع الإرهابيين في بيوت مؤمنة من جبهة النصرة

وكشف فوزي في المقابلة؛ أنّ "صحفياً يعمل في "الجزيرة الإنجليزية"، كان يستخدم عربات الفضائية لتمرير إرهابيين من الحدود التركية إلى داخل سوريا، أثناء وجود فريق عمل "الجزيرة" في منطقة "هاتاي" الحدودية.

وأوضح مصور "الجزيرة" السابق؛ أنّه التقى شخصاً كان معدّاً في قناة "الجزيرة"، وكان يعمل كذلك وسيط سلاح وأموال، في منطقة هاتاي على الحدود مع تركيا وسوريا.

وأضاف فوزي: "هذت الشخص كان له باع طويل جداً في تهريب الأسلحة وشرائها، وهو أيضاً شقيق أحد المعارضين السوريين البارزين، وكان له العديد من الأنشطة الغامضة وسط صفوف العاملين في القناة".

تيسير علوني

ولفت فوزي إلى أنّ "هذا الشخض أصبح مديراً لمكتب قناة "الجزيرة" في لندن، مكافأة له على ما قام به في سوريا لصالح الشبكة".

وقال المصور في المقابلة: "الجزيرة كانت من أوائل المحطات التلفزيونية التي دخلت إلى ليبيا".

وأشار فوزي إلى أنّ التغطية الصحفية في ليبيا كانت غريبة ومختلفة؛ حيث "كنا نذهب لأماكن الأحداث أو الهجوم بالأسلحة قبل وقوعها، وكأنها كانت تنفذ بالتنسيق مع "الجزيرة""، وفق قوله لـ"العين".

ونوّه إلى أنّ "الفضائية تملك علاقات قوية جداً مع الجماعات المسلحة في ليبيا، كانت لنا الأفضلية عند التنظيمات الإرهابية المختلفة".

فوزي: التغطية الصحفية في ليبيا كانت غريبة ومختلفة حيث كنا نذهب لأماكن الأحداث قبل وقوعها

ولفت إلى أنّ "مكتب قناة "الجزيرة" في مدينة بنغازي (شرق)، كان عبارة عن مركز للشرطة الليبية، على البحر المتوسط، وتم تدميره واستخدمته "الجزيرة" كمكتب لاحقاً، دون تنسيق مع أحد، ولم يعترضها أحد؛ بل وكانت المظاهرات يتم ترتيبها أمام مكتب "الجزيرة"، بتنسيق مع الجماعات المسلحة، حتى يتم تصويرهم"، وفق قوله في المقابلة.

وكشف المراسل الحربي السابق لقناة "الجزيرة"؛ أنّ "المسؤول الإعلامي لتنظيم القاعدة في "شمال مالي" هو نفسه معدّ قناة "الجزيرة"، وهو الشخص الذي يرتب كلّ اللقاءات الصحفية للفضائية مع التنظيمات المسلحة في إفريقيا"، موضحاً: "عندما احتلّ تنظيم أنصار الشريعة في شمال إفريقيا أجزاء من دولة مالي، "ذهبنا نحن طاقم "الجزيرة"، إلى دولة مالي عن طريق النيجر عبر الحدود، بتنسيق مع معدّ "الجزيرة"، الذي هو في نفس الوقت المسؤول الإعلامي لتنظيم أنصار الشريعة".

وأشار إلى أنّه "في هذه الأثناء، دار حديث بين أمير الجماعة المغربي وشخص آخر موريتاني، مسؤول عن تصوير كل عمليات القاعدة، ولديه شركة إنتاج اسمها "صحارى"، ويعمل أيضاً مع "الجزيرة"، وهو منسق الرحلة لقناة للجزيرة".

وأضاف: "مالك شركة "صحارى"؛ التي تصور العمليات الإرهابية للقاعدة في إفريقيا كان مراسل "الجزيرة" في موريتانيا سابقاً".

وكشف فوزي؛ أنّه أثناء حضوره مؤتمراً صحفياً لوزير خارجية طالبان، عام ٢٠٠١، فوجئ بمصور "الجزيرة" لاحقاً، سامي الحاج، بصحبة الوزير".

وأشار إلى أنّ القناة استعانت بسامي الحاج بعد هذه الواقعة في أفغانستان، ضمن خطتها دائماً، حيث كانت تجند أشخاصاً مرتبطين بالجماعات المسلحة، وترسل لهم كاميرات صغيرة يرسلون منها المواد لإذاعتها بعد ذلك.

وكشف مراسل الجزيرة الحربي السابق؛ أنّ "تيسير علوني، مراسل "الجزيرة"، عام 2001، جاء إلى المراسلين العرب في كابول، وقال لهم: "التحالف الشمالي سوف يقتحم المدينة في اليوم التالي، وسوف آتي غداً وأؤمن خروجكم""، مردفاً: "تيسير علوني جاء بصفته عربياً في هذه الأثناء، وليس بصفته مراسل "الجزيرة"".

ولكن، والحديث لـ "فوزي"، علوني جاء فعلاً في اليوم الثاني صباحاً، وأخذ شخصاً واحداً من حركة طالبان، واسمه "أبو جهاد"، وهو سوري الأصل، ويعدّ أحد قيادات القاعدة في حينها.

سامي الحاج

وأكّد أنّ "علوني" كان قريباً جداً من تنظيم القاعدة، ولهذا اصطحب قيادياً منها، وهرب قبل الاجتياح.

وعمل علوني مراسلاً لقناة "الجزيرة" في أفغانستان، تشرين الأول (أكتوبر) 2001، وهرب قبل ساعات قليلة من دخول قوات التحالف إلى العاصمة كابول، بصحبة تنظيم القاعدة، وفق ما ورد على لسان فوزي في مقابلته مع موقع "العين" الإخباري.

 هذا وقد أبدى المراسل الحربي السابق للجزيرة ندمه على عمله بالفضائية، لمدة ١٢ عاماً؛ حيث إنّ أهدافها لم تكن معلومة له، لكن الآن كلّ شيء أصبح واضحاً للعيان، وفق قوله.

وأضاف فوزي في المقابلة: "كنت أحاول أن أكون بعيداً عن قسم الأخبار العربية؛ لأنّها أساس كلّ المشكلات؛ حيث إنّ أغلبهم من الإخوان، فعندما جاء وضاح خنفر (عمل بالجزيرة من 2003-2011) إلى قناة "الجزيرة"، جاء بفريق كبير من الإخوان المسلمين".

 

التحالف يعترض طائرة مسيّرة تحمل متفجرات.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
274
عدد القراءات

2019-06-19

اعترضت قوات التحالف العربي، اليوم، طائرة حوثية مسيَّرة، تحمل متفجرات، قبل دخولها الأجواء السعودية.

وقال المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، العقيد الركن تركي المالكي: إنّ "قوات التحالف الجوية تمكّنت، عند الساعة التاسعة من صباح اليوم، من اعتراض وإسقاط طائرة بدون طيار "مسيّرة"، كانت متجهة نحو الأراضي السعودية"، وفق ما ذكرت وكالة "واس".

الطائرة الحوثية المسيَّرة محمّلة بالمتفجرات وأُطلقت باتجاه السعودية من محافظة الحديدة

وأوضح العقيد المالكي؛ أنّ "الطائرة المسيّرة، تم رصد إطلاقها من قبل الميليشيا الحوثية من محافظة الحديدة، وتم اعتراضها فوق الأجواء بمحافظة حجة، قبل دخولها المجال الجوي للمملكة".

وأضاف: "الميليشيا الحوثية الإرهابية مستمرة بمخالفة اتفاق ستوكهولم، وخرق وقف إطلاق النار بالحديدة، وتواصل اتخاذ المحافظة مكاناً لانطلاق الأعمال العدائية والعمليات الإرهابية، بإطلاق الصواريخ البالستية والطائرات بدون طيار، وكذلك إطلاق هجمات القوارب المفخخة والمسيّرة عن بعد".

وشدّد على أنّ هذه الأعمال تمثّل تهديداً حقيقياً للأمن الإقليمي والدولي، وتقويضاً للجهود السياسية لإنجاح اتفاق (ستوكهولم)، كما تواصل مخالفة القانون الدولي الإنساني، باستهداف المناطق المأهولة بالسكان، واتخاذ المدنيين كدروع بشرية لنشاطاتها الإرهابية المتعلقة بتخزين وإطلاق الصواريخ البالستية والطائرات بدون طيار، وتفخيخ وإطلاق القوارب المفخخة والمسيَّرة عن بعد.

وبيّن العقيد المالكي؛ أنّ قيادة القوات المشتركة للتحالف تؤكّد الحقّ المشروع باتخاذ وتنفيذ إجراءات الردع المناسبة للتعامل مع هذه الأعمال العدائية والإرهابية، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني، وقواعده العرفية.

وتحاول الأداة الإجرامية الإرهابية الحوثية، استهداف المنشآت المدنية والمدنيين في المملكة العربية السعودية، في محاولات بائسة ومتكررة، عبر هذه الطائرات المسيرة.

وكان تحالف دعم الشرعية في اليمن قد أعلن، ليل الإثنين-الثلاثاء، عن اعتراض وإسقاط طائرتين مسيَّرتين تحملان متفجرات، أطلقتهما ميليشيات الحوثي باتجاه المملكة.

وأمس الأول، الإثنين، دان مجلس الأمن الدولي بشدة، استهداف الحوثيين مطار أبها الدولي السعودي، قبل أيام، داعياً إلى محاسبة مَن يقف وراء هذا الاعتداء الذي قوبل بموجة إدانات عربية وإقليمية ودولية واسعة.

 




في يوم اللاجئ العالمي.. الحاجة سردانة: ننام ونستيقظ على أمل العودة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
33
عدد القراءات

2019-06-19

ماجدة أبو طير

منذ النكبة الفلسطينية حتى اليوم، لم تجد الحاجة هدى يوسف سردانة، الراحة، فالألم يتنوع والقدرة على تحمله باتت قليلة، ولا يوجد في الذاكرة متّسع لحزن جديد.

من الطفولة إلى الشيخوخة، تشكو سردانة من أن «عمراً بأكمله يتجسّد أمامنا لا فرح به بل هو نكبات متتالية تشبه أوطاننا».

وفي يوم اللاجئ العالمي وفي زقاق مخيم البقعة الذي يعتبر من أكبر وأهم المخيمات الفلسطينية في العاصمة الأردنية عمّان، وصلت «البيان» إلى منزل صغير جداً هو عبارة عن غرفتين، استقبلتنا الحاجة بثوبها الفلسطيني المطرّز مرحّبة بنا بلهجة بلدتها «الفالوجة». للحظات فقط وبلا مقدمات بدأت تحكي عن النكبة والنكسة، وكيف تنقّلت من مخيم إلى آخر وصولاً إلى مخيّم البقعة.

حلم العودة

تقول سردانة وهي تلامس الـ 84 عاماً من عمرها: لا يختلف مخيم عن آخر، واللاجئ يبقى متمسكاً في حلم العودة إلى نهاية حياته، ويُذكّر على الدوام أولاده وأحفاده بوطنه، كيف سُلب في لحظات، على أمل أن يكون الخير القادم في هذه الأجيال.. حياة اللجوء لا يمكن وصفها بكلمتين فقد عشنا الموت والرعب ومع ذلك زاد الإصرار لدينا وتشبثنا بالحياة.

تضيف: المرأة في اللجوء تصبح قوّتها مضاعفة لإثبات حقها في الوجود والوقوف إلى جانب أسرتها. لقد حضرت النكبة وكان عمري 12 عاماً وبدأت أسمع قصص المذابح والقتل والتهجير، وكل ذلك ترك أثراً في شخصيتي، وأصبح الصمود منهجاً في تفاصيل حياتي. اليوم أعيش وحيدة في المخيم.. لم أتزوج ووالدتي توفيت مؤخراً، ورغم ذلك فإنني أقاوم المرض والحزن والذكريات.

لجوء متنقل

في عام 1948 كل القرى الفلسطينية هُجرت إلا بلدة الفالوجة، حيث صمدت في وجه العصابات اليهودية لمدة عام، وبعد ذلك توجه أهلها إلى الخليل ومن ثم إلى أريحا وصولاً إلى منطقة «الكرامة» في الأغوار المحاذية للأردن، وكانت تسمى آنذاك «البيار». وعاشت هنالك الحاجة هدى وعائلتها ما يقارب 20 عاماً، ومن ثم انتقلت إلى مخيم «البقعة».

وشهدت سردانة وعائلتها النكبة والنكسة والعديد من المذابح. تقول الحاجة هدى: بعد حرب 1967 توجهنا إلى مخيم البقعة وسكنا في الخيام لمدة عامين، وفي الثالثة بنينا كرفانات من ألواح الإسبست والزينكو. اللاجئ الفلسطيني مرّ بتجارب مليئة بالقسوة والخوف، والأخطر من ذلك كله أننا لم نكن على دراية بمستقبلنا، وفي كل يوم نستيقظ على أمل العودة للفالوجة.

عن "البيان" الإماراتية

هل يبقى ترامب حتى 2024؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
18
عدد القراءات

2019-06-19

وحيد عبد المجيد

بداية مبكرة للانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستُجرى في نوفمبر 2020. تبدأ هذه الانتخابات رسمياً في فبراير القادم مع الجولة التمهيدية الأولى في ولاية أوهايو، لتتواصل حتى اختيار مرشحيْ الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، منتصفَ العام نفسه.
والمعتاد أنه عندما يكون الرئيس في ولايته الأولى، يُعيد حزبه ترشيحه لفترة ثانية، ولا تُجرى بالتالي انتخابات تمهيدية في داخله. ولذا ستُجرى هذه الانتخابات في الحزب الديمقراطي فقط، لأن الرئيس ترامب سيكون مرشح الحزب الجمهوري في انتخابات 2020.
لكن مقدمات السباق داخل الحزب الديمقراطي بدأت مبكراً مطلعَ العام الجاري، عندما ظهر عدد متزايد من الطامحين لخوض السباق من أجل الترشح، دون أي مؤشر على إمكان حدوث توافق على أحدهم ليكون معبراً عن الاتجاه الرئيس في الحزب. غير أن الصراع داخل الحزب لم يشتد إلا عندما أعلن نائب الرئيس السابق جو بايدن، في 25 أبريل، خوضه المنافسة.
ولا يمثل انضمام بايدن للسباق حلاً لمشكلة التوافق على مرشح يحظى بدعم الحزب كله، بل ربما يفاقم هذه المشكلة. يمثل بايدن (76 عاماً) اتجاهاً وسطياً ينظر إليه قطاع معتبر في قاعدة الحزب بوصفه يمثل الماضي، وليس المستقبل.
كما أن تقدم عمر بيرني ساندرز (77 عاماً)، اليساري الذي نافس هيلاري كلينتون عام 2016 بشراسة، يجعله غير قادر على إقناع قطاعات تنحو لليسار في قاعدة الحزب، كونها تتحفظ على استمرار الأجيال الأقدم في تصدر المشهد السياسي. ومن أهم هذه القطاعات جماعات شبابية تقدمية يتفاوت حضورها من ولاية إلى أخرى. لا تريد هذه الجماعات مرشحاً ديمقراطياً ذا توجهات يسارية فقط، ولكن صغير السن أيضاً. ولا يبدو أنها تتجه إلى توافق على أي من المتسابقين الشباب الذين تُعد عضو الكونغرس «الكساندريا أوسكايو-كورترز» أصغرهم سناً (30 عاماً).
وتفيد مؤشرات أولية أن الكثير من الشباب التقدميين، وغيرهم ممن يميلون لليسار في قاعدة الحزب، يفضلون ترشيح سيدة مرة أخرى. لكن هذه القاعدة منقسمة بشدة، الأمر الذي قد يؤدي حال استمراره إلى إضعاف فرص المتسابقات، وكذلك المتسابقين الشباب، وربما كل مَن يميلون لليسار، لأنه يُشتت الأصوات، ويُضعف فرص الحصول على تمويل كافٍ، وخاصة أن أغلبهم يعتمدون على تبرعات صغيرة عبر شبكة «الإنترنت».
وفي هذه الحال، ستزداد فرصة بايدن، الذي تلقى تبرعات قيمتها 6.3 مليون دولار خلال 24 ساعة فقط بعد إعلان ترشحه، لأنه قد يكون المستفيد الأول من تشتت أصوات القاعدة التي تسعى إلى تجديد شباب الحزب الديمقراطي وتغيير اتجاهه.
وربما يكون ترشيح بايدن خبراً ساراً للرئيس ترامب، الذي قد لا يجد صعوبة -في هذه الحال- في الفوز بفترة رئاسية ثانية. شبح تجربة باراك أوباما يلاحق نائبه بايدن. فقد فضّل نصف الناخبين تقريباً ترامب، القادم من خارج المؤسسة السياسية في انتخابات نوفمبر 2016 الرئاسية، على هيلاري التي عملت مع أوباما وحظيت بدعمه في تلك الانتخابات. وحدث ذلك قبيل أن يجربوا ترامب، ويلمسوا التحسن الملموس في الاقتصاد الأميركي، والتغيير الإيجابي في بعض اتجاهات السياسة الخارجية. ولذا، فالأرجح أن يحصل ترامب على تأييد أكبر بعد أن انخفضت نسبة البطالة إلى أدنى معدل لها منذ عام 1969، وازدادت فرص العمل بمعدل نحو 200 ألف وظيفة جديدة شهرياً في المتوسط، وارتفعت الأجور بنسبة 3%، وتراجع التضخم إلى نحو 2% وأقل.
ولذا، فالأرجح أن يزداد الميل إلى إعادة انتخاب ترامب إذا صار بايدن منافسه في الانتخابات النهائية، لأنه كان أقرب إلى أوباما من هيلاري. وحتى إذا اختفى أوباما من المشهد، وفق طلب بايدن الذي يدرك أن الرئيس السابق عبء عليه، لن ينسى الناخبون الناقمون على أداء البيت الأبيض في الفترة بين 2009 و2016 العلاقة الوثيقة بينهما. وإذا أضفنا أن بايدن لن يحظى بدعم كامل في حزبه المنقسم بشدة، تبدو فرصة استمرار ترامب في الرئاسة حتى نهاية 2024 كبيرة. والأرجح في هذا الحال أن تزداد تدريجياً شعبيته التي تخطت 45% للمرة الأولى منذ تنصيبه، وفق استطلاع معهد «غالوب»، الذي نُشرت نتائجه في 6 مايو الجاري.

عن "الاتحاد" الإماراتية

لماذا نصوّت لليمين المتشدد؟

70
عدد القراءات

2019-06-19

ترجمة: علي نوار


يتطرق كتاب "وباء التشدد" للصحفي أندريو جيريز، وأستاذ العلوم السياسية، فرانكو ديللي دوني، إلى تصاعد ظاهرة الأحزاب القومية المتشددة والمناهضة لأوروبا والمعادية للأجانب التي تشهدها أوروبا، عن طريق تحليل نماذج من 12 دولة في القارة العجوز، ونقدم هنا الفصل الأخير من العمل الذي يستعرض الأدوات النفسية التي تدفع ملايين الأوروبيين اليوم إلى التصويت لصالح هذه التيارات.

اقرأ أيضاً: وثيقة سرية: اليمين المتطرف بألمانيا يتدرب على سيناريو الحرب الأهلية

"يمنحوننا أصواتهم لأنهم أشخاص عاديون للغاية يعانون مشكلات عادية للغاية". تخص هذه العبارة القيادية رفيعة المستوى في حزب "بديل لأجل ألمانيا" اليميني المتشدد في ألمانيا، بياتريكس فون شتورش، وهي ليست كأي جملة، فهي مفتاحية للبدء في فهم التأثير الناجح للخطاب الذي تتبنّاه حركات اليمين المتشدد الجديدة في أوروبا.

يجب إبراز السخط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية والذي يتزايد بمرور الوقت وأسفر عن سقوط أحزاب عريقة في عدة دول

ليس ثمة مقترحات ولا خطط ولا حتى أيديولوجيا، الأمر كله عبارة عن قيم ومشاعر، وفي نفس الوقت بتوصيف زخم ما وغريزة وتطلّع لشيء مختلف، نشعر جميعاً بأنّنا "عاديون" ونقتنع تماماً بأنّ مشكلاتنا واهتماماتنا ومخاوفنا "عادية". ولا يعرّف خطاب اليمين المتشدد ماهية هذا "العادي"، بل يتركه لرغبات المواطن كي يملأه بما يبدو له مناسباً، ويطلق على عملية الملء هذه مصطلح "الشعور العام"، ولا يوجد خلف هذا الشعور سوى القيم الخاصة بنا، والمفاهيم التي تسمح لنا بالتمييز بين ما نريد وما لا نريد، وما هو خير وشرّ، ما نؤيّده وما نرفضه، وعلى أساس كل ذلك نمنح أصواتنا.

زعيم الحزب المتطرف الإسباني فوكس
نجح اليمين المتشدد في إعداد سرديات تختلف من دولة إلى أخرى، تبلور القيم الأساسية بالنسبة لقطاعات بعينها، ربما تكون هذه القيم غائبة أو مشوّهة في خطاب الأحزاب الأخرى. قيم لا مكان لها بالضرورة في خطط الحكومة، عن طريق مقترحات قوانين أو مشروعات محدّدة. ومن منظور اليمين المتشدد، فإنّ الشيء الأهم هو صياغة منطق أعمق ألا وهو ذلك الذي يحرّكنا: الخوف من المجهول وكراهية المختلف والإحباط الناجم عن عدم تحقّق توقّعاتنا.

اقرأ أيضاً: بعد فلندا.. هل يصعد اليمين المتطرف في إسبانيا؟
هذا هو بالضبط ما تغفل عنه الأغلبية الساحقة من المراقبين ومنافسي أحزاب اليمين المتشدد، الذين لا يدركون السبب وراء قدرة حزب يفتقر لأي محتوى على حشد ملايين الناخبين. يعجز الكثير من ساسة اليسار واليمين على حدٍ سواء في إيجاد منطق ما خلف تنامي نفوذ اليمين المتشدد، وربما لن ينجحوا في ذلك مطلقاً.

تُعتبر الأُطر هي التمثيل العقلي الذي يساعدنا على هيكلة المعلومات التي نتلقّاها بشكل مستمر

فهم لا يعرفون سوى المنطق كأداة ومحفّز ودافع للشعبية الانتخابية، يظنّون أنّ عملية التصويت تخضع لمعايير ذات أساس منطقي بالضرورة، ويعيشون على أوهام القرن الـ19 والـ20، والتنوير، وقدرتنا على التفكير المنطقي العقلاني بوصفه مرشداً لأفعالنا. لكن الحقيقة أنّ عقلنا أعقد بكثير من مجرّد آلية التفكير في المميزات والعيوب؛ فالقرارات تخضع للدوافع والتي بدورها، في أغلب الأحوال، لا تكون ناتجة عن التمحيص، وربما لا نكون على دراية من الأساس بهذه الدوافع، ومن بين أبرز دوافعنا تظهر المشاعر.

تعزّز ظاهرة اليمين المتشدد هذه الفكرة؛ فالدعم الانتخابي الذي يحصل عليه هذا التيار منبعه في حالات قليلة جداً القرار المنطقي، بالمفهوم الكلاسيكي للمصطلح. وعلى الجانب الآخر، سيكون من المستحيل استيعاب لماذا -على سبيل المثال- يلجأ عامل بسيط ربما يعاني البطالة إلى التصويت لصالح حزب يميني متشدد يخطّط لإضفاء قدر أكبر من المرونة وإفقار سوق العمل، هل يمكن للمشاعر أن تعطينا إجابة في هذه الحالة؟

المشاعر وراء الخطاب

يوجد في أوروبا عدد هائل من أحزب اليمين المتشدد التي لم تنجح فحسب في دخول البرلمان بجميع دول القارة، بل تمكّنت أيضاً من المساهمة في تشكيل بعض الحكومات أو حتى قيادتها. وفي منطقة يغلب عليها نظام الحكم البرلماني، تكتسب النقطة الأخيرة أهمية بالغة لا يمكن التقليل منها؛ فاليمين المتشدد في حقبة ما بعد الحرب ليس ظاهرة هامشية أو محلّية أو مؤقّتة.

اقرأ أيضاً: هل حفّز حريق "نوتردام" من "كراهية الإسلام" عند اليمين الأوروبي المتطرف؟
والواقع أنّ القدرة على جمع مشاعر الاستياء وتقنين الإحباط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية، أدّى إلى تحوّل هذه الظاهرة لنتيجة تلقائية للإطار السياسي. وبتعبير آخر؛ فإنّ الكثيرين يرون أنّ اليمين المتشدد كان مستفيداً عارضاً من التصويت العقابي الذي يستهدف إنزال الهزيمة بأحزاب الأغلبية لحين إعادة ترتيب الأخيرة لأوراقها والعودة للاستماع إلى مطالب المجتمع.

يرتكز اليمين المتشدد إلى حركة تحرّرية من استبداد التقدميين ولم يعد تحدّي الصواب السياسي يستدعي عقاباً مجتمعياً

بيد أنّ هذه الرؤية، التي استُخدمت وأعيد تدويرها مع كل مرة يظهر فيها حزب سياسي يميني متشدد في أي دولة بأوروبا على مدار الأعوام الـ20 المنصرمة، لم تعد صالحة. فهي تتعامى عن بعض العناصر المميّزة لقوى اليمين المتشدد. استعانت هذه التيارات بتلك الخصائص في خطابها للّعب على مشاعر بعينها، وبالتالي التأثير على شرائح من الناخبين بحيث تغيّر مواقفها.
فمن جانب، يجب إبراز السخط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية والذي يتزايد بمرور الوقت وأسفر عن سقوط أحزاب عريقة في عدة دول. فالاتهامات ضد السياسة القديمة هي أداة شائعة الاستخدام في الخطاب الشعبوي. وتسمح للمرشحين الشعبويين بإيجاد عدو يعمل بصورة تتعارض مع مصالح من يمثّلونه؛ الشعب، وبالتالي ينصّبون أنفسهم حماة له. رغم أنّ أثر هذا العامل يرتبط بصلة وثيقة بظهور مشاعر الإحباط. بكلمات أخرى، فإنّ هذا العامل في خطاب اليمين المتشدد يركّز على شعور الاحتقار والسخط إزاء الأحزاب السياسية التقليدية وأعضائها.

اقرأ أيضاً: نيوزيلندا.. هل انتهى تهديد اليمين المتطرف؟
ومن جانب آخر، يلعب المكوّن المناهض لأوروبا دوراً محورياً كذلك. فتصوير الاتحاد الأوروبي على أنّه كبش فداء لجميع الشرور يمنح هذه الأحزاب عدواً ملموساً أكثر هذه المرة. وفي الوقت عينه، يمنحها القدرة على تطوير خاصية ثالثة تميّز خطاب اليمين المتشدد؛ القومية. وفي سرديات هذا التيار، يرمز الاتحاد الأوروبي لكل ما هو مضاد للوطن وفخر الانتماء والحفاظ على الملامح الثقافية لكل منطقة. وإجمالاً، فإنّ العامل الأهم في هذا العنصر هو الخوف. رهاب غير واضح الشكل لكن يغلب عليه عامل مشترك: التهديدات على الهوية.

الإحباط، الغضب، الاستياء، الخوف، الكراهية، تهديد الهوية، أدركت قوى اليمين المتشدد في القارة الأوروبية أنّ استعمال كل هذه العوامل كأداة هو أفضل سلاح بوسعها التوفّر عليه، لكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو: لماذا ينجح الأمر؟

نايجل فاجي عند باب أحد مراكز الاقتراع في المملكة المتحدة في الانتخابات الأوروبية

الجدل الخاطئ
إنّ المنطق والمشاعر هما مفهومان يجري تصويرهما على أنّهما متعاكسان، أو هكذا لقّنوننا. فالمنطق هو سبب القرارات الصائبة، على العكس من ذلك فإنّ المشاعر حين تتغلّب علينا، تعوقنا عن حسن الاختيار، والأول هو ما يميّزنا عن الحيوانات، فيما ترمز المشاعر للحيوان الكامن بداخلنا، لكن من الضروري فهم أنّ الطريقة التي يعمل بها عقلنا لا تتّفق مع هذا الفهم.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرّف يتّحد في أوروبا.. هذه أهدافه
إنّ المنطق والمشاعر لا يمكن لأحدهما أن يشغل مكان الآخر، ولا يمكن التبديل بينهما، لكنّهما على النقيض من ذلك يكمّلان بعضهما، ويضطّلع كل منهما بمهام مختلفة. فمهام المنطق تتباين عما نعتقده، وبالفعل فإنّنا نعرّف أنفسنا بكائنات عقلانية تدرس المميّزات والعيوب لحظة اتخاذ القرارات. إلّا أنّه وفقاً لأحدث ما توصل إليه العلم في دراسات المخ، فإنّنا بعيدون كل البعد عن ذلك. ويكشف الباحثان أوجو مورسييه ودان سبريبر في كتابهما "معضلة المنطق"، أنّ المنطق، وبالمفهوم الكلاسيكي للمصطلح، يشمل وظيفتين أساسيتين: وهما البحث أو صياغة تبريرات منطقية لكل من قراراتنا، وهي عملية تعرف باسم "المنطقة"؛ والثاني، تقييم الأسباب التي يقدّمها الآخرون حين يحاولون تبرير قراراتهم.

من الضروري أن تتجنّب وسائل الإعلام تحوّلها لأبواق دعاية وترويج لصالح الحركات اليمينية المتشددة

والهدف من وراء المنطقة هو الحفاظ على صورتنا الاجتماعية، فعندما نكون بصدد اتخاذ قرار ما، فإنّنا نستدعي مجموعة من الاعتبارات التي ستخضع بشكل تلقائي للتقييم من قبل المحيطين بنا. فإذا قرّر شخص التصويت لصالح اليمين المتشدد وكشف عن ذلك على الملأ، سيصبح مُلزماً بتفسير الأمر، ويبدأ عقله في البحث عن التبريرات اللازمة لإضفاء المنطقية على قراره أمام الآخرين. وفي هذه الحالة، تصبح الوظيفة الرئيسة للمنطقية اجتماعية بحتة.
أما الوظيفة الثانية للمنطق فتتكامل مع الأولى؛ إذ يتعلّق الأمر بالتقييم الذي نجريه تجاه مبرّرات الآخرين. هل هي كافية؟ هل هي مقبولة؟ هل تشارك نفس القيم مع هؤلاء الذين يدّعونها؟ وتدفعنا الوظيفة الثانية هذه إلى مراجعة حُجج المتُكلّم كي نتمكن من تحديد موقفنا في هذا السياق.

اقرأ أيضاً: هل سيحكم اليمين المتطرف فرنسا؟

يرتبط دور المشاعر بإيجاد دوافع للشروع في شيء ما، وبدون هذه الدوافع سنصبح عاجزين عن اتخاذ القرارات، أو على الأقل ستحتاج هذه العملية للكثير من الوقت والطاقة. وبحسب خبيرة علم النفس والباحثة ليزا فيلدمان باريت، فإنّ المشاعر هي بناءات اجتماعية تسمح لنا بقراءة ما يحيط بنا وإعداد جسدنا كي يتعامل معه، فإذا كان شخص ما متواجداً بمفرده خلال الليل في منطقة نائية من مدينة مجهولة بالنسبة له، فمن المحتمل أن يشعر بالخوف من أي جلبة مفاجئة مثل نفير سيارة عالٍ أو نباح كلب أو صافرة إنذار، كل هذه العوامل قد يترجمها مخ هذا الشخص على أنّها خطر محتمل ويبدأ في تجهيز الجسد كي يتعامل معه (ازدياد معدّل خفقان القلب وسريان الدم، على سبيل المثال).

اقرأ أيضاً: ما هي أوجه التشابه بين اليمين المتطرف وتنظيم داعش؟

إنّ الخوف الذي يشعر به هذا الشخص في تلك اللحظة والمكان هو شعور مبني على أساس تصنيف لمحفّزات بعينها في موقف مُحدّد (ضوضاء في محيط غير معلوم وغير آمن). هذا الشعور هو ما يمنح القدرة على اتخاذ قرار ربّما عن غير وعي. بمعنى أنّ الشعور، أو الخوف هنا في هذه الحالة، يعمل كمؤشّر يجمع عدداً لا حصر له من المُحفّزات كي نستطيع تلافي أو الحدّ من خطر محتمل.

ويعرّف أستاذ علم النفس بجامعة إموري في ولاية جورجيا الأمريكية، درو ويستن، المشاعر على أنّها وقود اتخاذ القرارات. وإذا انتقلنا إلى مستوى اتخاذ القرارات السياسية، مثل دعم أو رفض حزب سياسي ما، فسنكتشف أنّ المشاعر تلعب دوراً رئيساً. فبالاعتقاد، على سبيل المثال، أنّ منظومتنا الأخلاقية مُهدّدة، سيظهر الخوف، وهذا الخوف هو ما يدفعنا للتحرّك بطريقة دفاعية.
يقودنا كل ذلك إلى سؤال؛ ما هي الأسباب التي تؤدّي بنا إلى الإحساس بشعور ما مثل الخوف أو الكراهية أو الإحباط، والأهمّ من ذلك كيف لنا الوصول إلى هذه المعلومات أو ما هي احتمالات تعرّضنا للتلاعب دون أن ندرك ذلك؟

مظهر من مظاهر النشطاء اليمينيين ضد سياسة الهجرة التي تتبعها حكومة ميركل الألمانية

النقاش والإطار التفسيري

إنّ تقييم المعلومات وما يتبعه من اتخاذ للقرارات قد يتباين كلية وفقاً لطريقة عرضها. بعبارة أخرى: نفس المعلومات المُقدّمة بطرق مختلفة تؤدّي إلى آثار متباينة، توصّل إلى هذا الاكتشاف خبيرا علم النفس دانييل كانمان وآموس تفيرسكي، اللذان عكفا منذ حقبة السبعينيات على دراسة عملية اتخاذ القرار، وتُعد أبحاثهما حجر الأساس لمفهوم الإطار التفسيري.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرف قنبلة العالم الموقوتة

تُعتبر الأُطر هي التمثيل العقلي الذي يساعدنا على هيكلة المعلومات التي نتلقّاها بشكل مستمر، وتقدّم الأُطر تعريفاً لمشكلة تتضمّن بدورها عرضاً ما للمعلومات. لذا فقبول إطار يعني بالتبعية تقبّل فرضيّات أو شروط وفي الوقت ذاته تبعات نقاش ما. على سبيل المثال، الإشارة إلى الاتحاد الأوروبي بوصف (بيروقراطية بروكسل) يحمل بداخله تقييماً لنفس المصطلحات السلبية التي تستدعي انطباعاً على كل فرد منّا، حتى لو كان غير واعٍ لذلك.
واختصاراً، فإنّ الأٌطر تسهم في فهم وتنظيم ما يحدث حولنا، وفي نفس الوقت تحدّد وتنتقي وتهيكل المعلومات، وينتج عن ذلك ليس التأثير على تقييمنا فحسب، بل وأيضاً المشاعر التي نختبرها.
لقد عرفت القوى المختلفة اليمينية المتشددة في أوروبا كيف تهيمن على الاستخدام الاستراتيجي للأُطر، وأدركت أنّ هذه الأُطر هي وسيلة لربط مشاعر مُعيّنة بموضوعات مُعيّنة، ومن هنا تحقيق المكاسب الانتخابية والسياسية، ولعلّ هذا هو السبب وراء حصول كل ملفّ من أجنداتها التي تضعها هذه الأحزاب على أٌطر مختلفة ضمن خطابها، وبصورة ممنهجة.

من الواضح أنّ سردية اليمين المتشدد تجمع المشاعر الثلاثة: الكراهية والخوف والإحباط، بحيث يتغذّى كل منها على الآخر

على جانب آخر، فإنّ اليمينيين المتشددين ناجحين للغاية في استخدام السرديات، وذلك عن طريق توظيف ونقل الأُطر والقيم التي يدّعون تمثيلها والمشاعر التي يثيرونها، في عملية يصفها الفيلسوف والرياضي نسيم نقولا طالب بـ"سردية المغالطة".
عملية الحصول على المعلومات بالنسبة لعقولنا مُكلّفة، فأولًا يجب استثمار موارد من أجل ذلك، وثانياً نستثمر موارد إضافية للاحتفاظ بها، وأخيراً نبذل استثماراً كي نعيد استخدامها. وتُعتبر القصص هي الأداة المثلى كي يدّخر المخ أكبر قدر ممكن من الموارد. حيث تبدو المعلومات في القصص منظّمة ومتكاملة وتسمح ببناء سببيات بين الأحداث، ولا تتضافر هذه الخواص فقط من أجل إعادة بناء القصة، أو بمصطلح آخر؛ الذاكرة، بل إنّ المعلومات تُخزّن كتجربة حيّة وليس كحزمة من البيانات.
لكن الرواية تتضمّن في الوقت ذاته تبسيطاً للمعلومات، وتزداد احتمالات السقوط نحو التقليص بسبب قدرتها التفسيرية والترابطية، وتبدو القصة قابلة للاعتماد عليها رغم أنّها قد تعرض جانباً واحداً من الموضوع، وبالتالي، تحوي النتائج الناجمة عنها ربما خطر أن تكون مضلّلة أو لا أساس لها من الصحة.

اقرأ أيضاً: لماذا ينشط اليمين المتشدد في ألمانيا الشرقية؟
تجعلنا الروايات عرضة لسلسلة من الانحيازات المعرفية التي قد تستغل للتلاعب بالرؤية التي نطوّرها تجاه جدل بعينه، وبهدف تبسيط ومعالجة المعلومات التي نتلقاها باستمرار بصورة سريعة وفعّالة، فإنّ عقلنا يلجأ للانحيازات المعرفية، أي إنّه يعود للخبرات السابقة كي يتّخذ قرارات دون حتى أن ندرك ذلك، وعموماً، فإنّ هذه وظيفة مفيدة جداً، لكن في بعض الأحيان، تؤدّي هذه الانحيازات إلى انحرافات في التأويل، يطلق عليها الانحيازات المعرفية.

إنّ الميل نحو الاعتقاد بقوة حُجّة لأنها قابلة للتصديق، والتركيز فحسب على المعلومات التي تعضّد الأفكار الموجودة بالفعل، أو حتى تفضيل نتيجة صحيحة حتى لو كانت تنطوي على أضرار، هي بعض أوجه هذا الانحياز المعرفي. وتكمن قوة هذه الانحيازات في تجاهلنا لها، بمعنى أنّها تحدث بصورة طبيعية تتطلّب قدراً هائلاً من الطاقة كي ننتبه لها، وبالتالي إعادة النظر في القرارات الناتجة عنها.

في ضوء الخصائص المذكورة، يصبح خطاب المغالطات أداة مُفضّلة لليمين المتشدد، سواء من أجل نقل أُطره أو ضمان انتشاره عن طريق التكرارية.

يروّج اليمين المتشدد لإطار غياب العدالة الذي يؤدي لسوء توزيع الموارد كمشكلة ينبغي حلّها

إطار غياب العدالة: الإحباط الدائم

تاريخياً، لطالما شكّل النقاش حول توزيع الثروة جزءاً من أجندة الأحزاب اليسارية، فالصراع الطبقي والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال هي العناصر البارزة في هذا الاتجاه. لكن ملكية هذا الملف لم تعد قاصرة على هذا التيار السياسي وحده، فقد تمكّن اليمين المتشدد من انتزاعه، لينجح بذلك في إدخال "إطار" إلى النقاش العام يناطح خطاب اليسار ويسعى لوضع إعادة تصوّر للمشكلة.

إنّ معقولية الرواية تجعلها أحياناً سبباً كافياً للاعتقاد بصحّتها وبالتالي يصبح الخوف والكراهية والإحباط أشياء مُبرّرة

ويروّج اليمين المتشدد لإطار غياب العدالة الذي يؤدي لسوء توزيع الموارد كمشكلة ينبغي حلّها، إلّا أنّه يغير تعريفها، بحيث تصبح المشكلة لا بين الأغنياء والفقراء مثلما يرى اليسار، بل تتّخذ صورة أفقية لتتحّول إلى مشكلة بين الفقراء والأجانب الفقراء، بمعنى أنّه يجري الربط بين مسألة الهجرة والشرائح الأكثر تعرّضاً للتهميش. وبفعل ذلك، يضع اليمين المتشدد تلك الفئات في موضع المنافسة على الموارد العامة وفرص العمل والتعليم لأجل أبنائهم والحصول على المنازل، والقائمة لا تنتهي.

وإذا نظرنا إلى الحالة الألمانية، فسنجد أنّ الإطار يعمل على أكمل وجه بفضل خطاب وصول اللاجئين في 2015. وفي هذا الخطاب يُصوّر اللاجئين على أنّهم زوّار غير مرغوب فيهم و"فتحت لهم الأبواب" المستشارة أنجيلا ميركل.

اقرأ أيضاً: عن اليمين السياسي في المنطقة العربية.. أيّ دور وهُويّة؟

يؤدّي الإحباط الناجم عن هذا الإطار، مُعزّزاً بخطاب اليمين المتشدد، إلى حصوله على أصوات هؤلاء الذين لا تتحقّق تطلّعاتهم ولا يشعرون بالرضى، فلم يعد الكثيرون يثقون في النظام ولا الأحزاب السياسية التقليدية، ويشعرون بالإحباط والتهميش والنسيان، كما يستثار الشعور بالاستياء لدى هذه القطاعات حين تجد ضالّتها في كبش فداء أضعف بكثير من الأغنياء والمصارف والشركات العالمية.
بالتالي يسمح إطار غياب العدالة بتلافي اكتساب المشكلة لطابع معاداة الأجانب، على الأقل ظاهرياً، ويضفي نوعاً من المنطقية على رفض الغاضبين للاجئ أو الإفريقي الذي عانى الأمرّين كي ينجو بحياته في مياه البحر الأبيض المتوسط. لا يتعلّق الأمر بالهجوم عليه، بل بالدفاع عن النفس. وهنا يصبح الانحياز المعرفي جلياً للغاية: التركيز على المعلومات التي تؤكّد المخاوف. لقد خان السياسيون، الذين لا يمكن الوثوق بهم، شعبهم بالسماح بدخول الأجانب واستغلالهم للموارد، ويعمد خطاب اليمين المتشدد على الادعاء بأنّ هؤلاء السياسيين هم مشكلة البلاد وأنّ تغييرهم هو الحل، وهذا ما يقودنا إلى المثال الثاني.

الشعب في مواجهة عدو الشعب

إطار التهديد الكامن: الخوف والكراهية

يتميّز خطاب اليمين المتشدد بالثنائية المنطقية. الشعب في مواجهة عدو الشعب، مفهومان يضطلع اليمين المتشدد بتعريفهما وملئهما وفقاً لما يراه. السياسة القديمة، الاتحاد الأوروبي، البنوك، وسائل الإعلام، قد تكون هي أعداء الشعب، والأخيرة تلعب دور العدو عند عملها بما يتعارض مع مصالح البلاد، مع تقديم هذه المصالح على أنّها التمثيل الجماعي للمواطنين.

إنّ بناء هذا الخطاب عملية بسيطة للغاية، لكن لا تفتقر للفعالية في الوقت ذاته. فمن جانب هناك الشرير، العدو، سبب المشكلات ومعاناة الضحية، وعلى جانب آخر قد يظهر المتواطئ، الذي لا يفعل شيئاً سوى منح الشرعية للشرير والتعاون معه. وأخيراً هناك البطل الذي يأتي لمحاربة الشر، رغم أنّه يتعيّن عليه قبلها تجاوز عدة مصاعب من أجل تحقيق هدفه، وفي هذا البناء الخطابي البسيط، يبثّ اليمين المتشدد إطاره التفسيري الأكثر فعالية: إطار التهديد الكامن.

أما الضحية فهو الشعب، يتعرّض الشعب للخطر، ومن الضروري إبراز أنّ هذه النظرة ليست مادية بحتة، ولا تركّز فحسب على الموارد التي يساء توزيعها، بل على قيم الشعب المُهدّدة. فالضحية هنا يشعر بالخوف من فقدان ثقافته ودينه وأسلوب حياته والخوف من ألّا تعود الأمور لسابق عهدها والخوف من الفوضى، كل هذه القيم تلخّص مسألة الهوية الوطنية.

كان للصحافة دور كبير في استمرار الخطاب اليميني المتشدد فقد سقطت الكثير من وسائل الإعلام في فخ نشر الأُطر

وعلى التوازي مع هذا الخطر، أو الشرير، توجد عدة صور في سرديات اليمين المتشدد. فقد تشير إلى الإسلام كـ"دين غريب لا جذور له في أوروبا.."، كما قد يوصف المهاجرين بجماعة خارجية "لا تريد الاندماج وتمتلك تقاليد غريبة وتتعارض على الأرجح مع القيم المحلية"، وقد يُساق السياسيون والأحزاب التقليدية كذلك إلى لعب دور العدو، وأيضاً "تحرّكاتها المعادية للوطن والأنانية والتي تحطّ من شأن مصالح من يمثّلونهم" ليصبحوا في نظر اليمين المتشدد "الجرثومة المسُبّبة لمرض" النظام.

وفي نفس السياق، من شأن الأشرار أن ينتقلوا إلى خانة المتواطئين، فالسياسة "بفتح الأبواب في وجه الهجرة"، أو وسائل الإعلام "بإخفاء الحقيقة"، مثالان واضحان جداً على ذلك.

وأخيراً، فإنّ البطل هنا ليس سوى الحزب اليميني المتشدد، وزعيمه بشكل عام، الذي يصل "للدفاع عن الشعب" وتحقيق عدة أهداف في نفس الوقت "تحذير الشعب من التهديد الكامن، واتهام المذنبين بشرورهم، واسترداد القيم المُنتهكة، وإعادة النظام إلى البلاد".

يحوي إطار التهديد الكامن بداخله عدة أُطر فرعية منبثقة عنه، تظهر في سرديات اليمين المتشدد. فالخوف من التحوّل إلى "أقلية في بلادنا" نموذج لذلك، وقد استعانت عدة أحزاب وحركات بهذه العبارة للتحذير مما أسمته باستبدال ثقافي، وكذلك انهيار الهويات الوطنية. إنّ المكوّن الوطني أو القومي، الذي يتضمّنه هذا الإطار الفرعي، لا يؤدي لإثارة الخوف فحسب، بل ينشر الكراهية تجاه الثقافات الوافدة.

اقرأ أيضاً: الإرهاب اليميني: القتل باسم الكراهية

يندرج دور المرأة وهويات الأنواع .. ونقاط أخرى ضمن بعض ملفّات النقاش التي يطبّق فيها اليمين المتشدد نموذج إطار التهديد الكامن، ويجترّ في خطابه عناصر محافظة متشددة يستخدمها اليمين المتشدد كرأس حربة في مواجهة الحدود الناجمة عن الصواب السياسي. وفي هذا السياق، يضحى ما كان يُنظر إليه باعتباره تقليلاً من الاحترام اليوم واقعاً لا يجرؤ أحد على الإشارة له.

يرتكز اليمين المتشدد إلى حركة تحرّرية من استبداد التقدميين، وبالتالي، لم يعد تحدّي الصواب السياسي يستدعي عقاباً مجتمعياً، بل يتحوّل إلى دفاع عن قيم بعينها. ويرتبط العنصر الأخير تحديداً بالخوف من الفوضى وغياب القواعد وضياع الوضع الراهن.

كان لمواقع التواصل الاجتماعي هي الأخرى دور في انتشار خطاب اليمين المتشدد

ثلاثية المشاعر

يلعب خطاب اليمين المتشدد عادة على استثارة حزمة من المشاعر التي تترجم في مجتمعاتنا إلى الكراهية والخوف والإحباط، وبعيداً عن النماذج التي سبق وصفها على حدة، فمن الواضح أنّ سردية اليمين المتشدد تجمع المشاعر الثلاثة بحيث يتغذّى كل منها على الآخر. السخط على السياسة يتحوّل إلى كراهية بسبب تجاهل مخاوف الشعب الذي يشعر في داخله بغياب الأمان والخوف وعدم اليقين.

اقرأ أيضاً: بين اليمين المتطرف وداعش.. رؤى مشتركة تهدد الإنسانية

كما تعود فعالية هذا الخطاب إلى الاستفادة من انحيازاتنا المعرفية. ومثلما ذكرنا آنفاً، فإنّ معقولية الرواية تجعلها في كثير من الأحيان سبباً كافياً للاعتقاد بصحّتها، وبالتالي يصبح الخوف والكراهية والإحباط أشياء مُبرّرة. وهنا نظنّ أنّ الخلاصة التي توصّلنا إليها هي نتاج عملية عقلانية، بالمفهوم التقليدي، بينما نحن في حقيقة الأمر نحاول إيجاد تبريرات لمواقف مُعيّنة.

لقد تزايد انتشار خطاب اليمين المتشدد وأطره بسبب عوامل خارجية أخرى. فمن جانب، عانت باقي الأحزاب السياسية صعوبات حقيقية لإدراك المنطق الدعائي لليمين المتشدد، ولم تفهم حتى الآن بعض هذه الأحزاب ما يحدث. فمع إغراقها في التحليل المتخصّص، لم تكن الأحزاب التقليدية قادرة على تطوير أُطر بديلة للمنافسة في الساحة العامة. فقد رأت كيف أنّ قوى يمينية متشددة مختلفة كانت قادرة على اكتساب الناخبين إليها، لا سيما في ملفات مثل الهجرة واللاجئين والهوية الوطنية وموضوعات أخرى. بل إنّ قوى اليمين المتشدد سجّلت نقاطاً لصالحها حتى في النقاشات التي غابت عنها الأحزاب التقليدية بشكل رسّخ لأُطرها أكثر.

اقرأ أيضاً: كيف يخدم اليمين الأوروبي المتطرف خطة داعش؟

كما أنّ دور الصحافة كان كبيراً فيما يخصّ استمرار الخطاب اليميني المتشدد، فقد سقطت الكثير من وسائل الإعلام في فخ نشر الأُطر، وبالتالي، سرديات القوى اليمينية المتشددة، فقد ساهمت بصورة غير مقصودة إذن في نشر دعاية اليمين المتشدد، وبشكل ما منحه أهمية لم يكن قادراً على اكتسابها بمفرده.

لم ينته بعد الجدل الإعلامي حول تغطية النشاط السياسي لهذه الأحزاب أم تجاهله، لكن خطر تقديم دعاية مجانية للاستفزازات الاستراتيجية التي يشنّها زعماء اليمين المتشدد لا يزال كامناً. هناك مبادرات جديرة بالاهتمام من قبل بعض مجموعات الصحفيين للتثبّت من الحقائق تقدّم أفكاراً جيدة لمكافحة المعلومات الكاذبة المنتشرة، بيد أنّ مداها محدود في مواجهة ملايين الرسائل الخاصة، والمنشورات التي تُبثّ عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية النشطة يومياً على مدار 24 ساعة.

اقرأ أيضاً: بين اليمين المتطرف وداعش.. رؤى مشتركة تهدد الإنسانية

كان لمواقع التواصل الاجتماعي هي الأخرى دور في انتشار خطاب اليمين المتشدد. دون أي نوع من الرقابة، وفّرت شبكة الإنترنت لهذه القوى السياسية فرصة كبيرة للوصول إلى قطاعات من الناخبين كانت عاجزة عن الوصول إليها بالوسائل التقليدية، فضلاً عن التمييز بين شرائح الناخبين المختلفة لتزداد بذلك فعالية رسائله ودرجة تعقيدها.

في خضم هذه الأجواء المواتية، تمكّن اليمينيون المتشددون من بث خطابهم، وبالتالي تفعيل ثلاثية الخوف-الكراهية-الإحباط لدى الشعب. وتعدّ هذه العواطف، مضافاً إليها الانحيازات المعرفية ودور العناصر المذكورة بالأعلى، مفاتيح لفهم تنامي نفوذ اليمين المتشدد وبناء قواعد له في أنظمة سياسية محلية.

مسألة انتخابات

تحظى الأحزاب السياسية بفرصة ذهبية لمراجعة مفاهيمها بشأن الناخبين، لكن شريطة تخلّيها عن ثنائية المنطق في مواجهة المشاعر، القديمة والبالية. كما أنّها بصدد فرصة سانحة لإعادة اكتشاف قيمها، وبناء -بالاستناداً إليها- أُطر تتنافس مع تلك الخاصة باليمين المتشدد، وفي حال فعلت ذلك، فستفرض على المواطنين اختيار القيم الأساسية بالنسبة لهم، ممّا يعني عدم الانزلاق وراء الإجابات التلقائية التي يقدّمها المخ.
أمّا في حالة تجاهلها لهذا الوضع وإذا ما قرّرت المضيّ قدماً في نفس نهجها الحالي، فستكون الأحزاب السياسية غير قادرة على عدم الخروج من خندق السياسة القديمة، ما سيعمّق انعدام ثقة الناخبين بها، ما سيؤدّي بالتبعية للاتجاه نحو خيارات أكثر أصولية.

اقرأ أيضاً: كيف يخدم اليمين الأوروبي المتطرف خطة داعش؟

كما يمثّل هذا السياق تحدّياً كبيراً بالنسبة للصحافة على مستوى القارة. فدورها رئيس من حيث عدة جوانب، فالمعلومات الكاذبة، على سبيل المثال، هي نقطة محورية تجبر كافة وسائل الإعلام على الارتقاء بمعاييرها للرقابة والتحقّق من صحة المعلومات، والحيلولة دون انتشار معلومات زائفة لن يكون خدمة للمواطنين فحسب، بل سينعكس إيجاباً على جودة الديمقراطية في المنطقة بأسرها.

على جانب آخر، من الضروري أيضاً أن تتجنّب وسائل الإعلام تحوّلها لأبواق دعاية وترويج لصالح الحركات اليمينية المتشددة. ولن يتحقّق ذلك عن طريق التوقّف عن تغطية أنشطة هذه الحركات وتجاهلها، لكن عبر عمل صحفي نقدي دقيق وواع لوجود أُطر هدفها التأثير على الرأي العام.

بوسع المواطنين الاختيار، يمكنهم التفكير في ماهية قيم الخطاب، وتحديد ما إذا كان الاختزال الذي تروّج له حركات اليمين المتشدد يتوافق معهم أم لا. هل معاداة الأجانب إحدى القيم التي يمكن الدفاع عنها؟ هل العنصرية كذلك؟ أم الكراهية أو الأنانية؟

تحليل للكاتب فرانكو ديللي دوني عن أسباب اتجاه قطاع من الناخبين لمنح أصواتهم لليمين المتشدد في أوروبا، نشر بالنسخة الإسبانية من مجلة (فورين بوليسي)


المصدر: https://bit.ly/2HEAOfm

الصفحة الرئيسية