بعد اتهامات الاغتصاب الأخيرة.. حوادث التحرش في مصر إلى أين؟

بعد اتهامات الاغتصاب الأخيرة.. حوادث التحرش في مصر إلى أين؟

مشاهدة

06/07/2020

لا يكاد الحديث يخفت حول حادثة تحرش جنسي في مصر، حتى تظهر أخرى، في ظاهرة باتت حاضرة في المجتمع المصري المصنّف كأحد المجتمعات العربية "المحافظة"، ما يطرح كثيراً من التساؤلات حول طبيعة ما يمر به المجتمع المصري، والأسباب التي وفّرت مساحة للضحايا لـ "البوح"، ومآلات ذلك مستقبلاً؟ 

من غير الممكن أن تمر واقعة تحرّش واحدة دون كيل الاتهامات إلى الضحية، سواء حول ملابسها أو سلوكها

وقد حازت قضية شاب مصري متهم بالتحرش بعدد كبير من الفتيات، يُدعى، وفق النيابة العامة، "أحمد بسام زكي"، على الانتباه بعد أسابيع قليلة من جدل آخر يتعلّق بفتيات تطبيق "تيك توك"، عقب تعرّض إحداهن للاغتصاب من قبل أحد أصدقائها، الذي قام بتصويرها عارية وبثّ المقطع عبر مواقع التواصل. 

ورغم اختلاف السياقات في كل حادثة تقريباً، غير أنّ التعاطي المجتمعي متشابه إلى حد ما؛ إذ من غير الممكن أن تمرّ واقعة واحدة دون كيل الاتهامات إلى الضحية، سواء حول ملابسها، أو سلوكها، أو تحميلها مسؤولية الخروج بصحبة الجاني، وكأنّ الثقة التي تبديها الفتاة تجاه أحدهم جريمة تستحق العقاب عليها بالاغتصاب أو التحرّش

اقرأ أيضاً: التحرش في مصر يتعدى أجساد النساء إلى قتل المدافعين عنهن

وفي إطار ذلك، يمرّ المجتمع المصري بحالة من الصدمة، ليس بسبب لوم الضحية، إذ يُعدّ ذلك اللوم عرفاً مجتمعياً متجذّراً، وفّر مع الصمت هالة من الحماية لمنظومة المتحرّشين، بترسيخ من النظرة المجتمعية الذكورية، أمّا الصدمة المقصودة، فهي في الحديث، والرفض، والإفصاح عن الوقائع، وارتفاع أصوات التوعية، وإتاحة منصات للبوح وتلقي الدعم، وأخيراً التحرّك القانوني السريع الذي ينتصر للضحية وليس للجاني. 

 

يمر المجتمع المصري بحالة من الصدمة، ليس بسبب لوم الضحية، فهو عرف مجتمعي متجذر وفّر حماية لمنظومة المتحرشين، لكن بسبب الإفصاح

ولأكثر من أسبوع، تقع قضية الشاب زكي ضمن القضايا الأكثر تداولاً على موقع "تويتر"، ولكن بوسوم مختلفة، تعكس المراحل التي يمرّ بها مثل ذلك النوع من القضايا؛ فبعدما تصدّر وسم #المتحرّش_أحمد_بسام_زكي وضمّ شهادات لضحاياه سواء كتبنها بأسمائهنّ أو بحسابات مستعارة، انتقل الجدل أخيراً إلى قضية التحرّش ككل ونظرة المجتمع المصري إليها، عبر وسم "#حق_المصريات_فين" أو "قدموا_بلاغات"، والذي ظهر بعد ارتفاع الأصوات المبرّرة للتحرّش. 

وتضمّنت التدوينات تفاصيل تعرّض 50 وفي روايات أخرى 100 فتاة وطفل دون 16 عاماً، لاغتصاب أو تحرّش من قبل المتهم، الذي يقطن أحد المجمّعات السكنية الفارهة في القاهرة، وارتاد الجامعة الأمريكية، وعُرف، وفق ما قيل على لسان بعض الضحايا، بقدرته على الحديث مع الفتيات قبل أن يُقدم على التحرّش بهن أو اغتصابهن، ثمّ ابتزازهنّ بدعوى امتلاكه مقاطع مصوّرة لهنّ. 

واللافت أنّ كافة القصص تقريباً، ما عدا حالتين، أفادت بعدم تحدث الفتيات عمّا تعرضن له خوفاً من ردّ فعل العائلة ونظرة المجتمع، وأنّ العائلتين اللتين علمتا بالأمر، فإنّ إحداهما غادرت مصر، وهي عائلة لمذيعة تونسية كانت إحدى ضحاياه، والثانية أرسلت الفتاة إلى الخارج، كما حدث في واقعة أخرى.

ويعكس التعاطي الأسري أو حال القلق من الإفصاح أزمة حقيقية داخل الأسرة والمجتمع، والأخطر أنّ تلك الأزمة لا تقتصر على الفئات الاجتماعية الأقلّ دخلاً وتعليماً، حيث إنّ ضحايا المتهم، وفق الادعاءات، من عائلات مرفّهة في الغالب، في محيط دائرته.

وكان الداعية المصري، عبد الله رشدي، بثّ مقطعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي يتحدث فيه عن أنّ ملابس الفتيات اللافتة أحد أسباب التحرّش، والتي يجب التطرّق إليها عند الحديث عن القضية، والتبرير الأسوأ عند سؤاله عن ظاهرة التحرّش بالأطفال قال: ما يراه الشبان طيلة اليوم يخلق عندهم كبتاً يحاولون تفريغه!

اقرأ أيضاً: كيف وحّدت حملة "مين الفلتان" اللبنانيات على مواجهة التحرش؟

وتكتسب نظرة رشدي دعماً مجتمعياً كبيراً، ليس فقط عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن داخل الأسرة المصرية وفي الشوارع وداخل مراكز العمل، حيث ما زال اللوم الذي ستتعرّض له الفتاة سبباً في صمت الكثيرات عن وقائع التحرّش بهن.

الحديث المكثف عن تلك الوقائع حالياً، يأتي في إطار اكتساب بعض الفتيات القوّة للبوح، وفي ظل نشاط نسوي بارز خلال الأعوام الماضية، لا يعكس حداثة تلك الحوادث على المجتمع، لكنه يعكس شجاعة أكبر في المواجهة.

القانون داعم لكسر تابو المجتمع 

قانونياً، شهدت المنظومة طفرات خلال الأعوام الماضية فيما يتعلق بردع التحرّش، غير أنّ تطبيقها ما زال محدوداً في ظل تعقيدات إدارية ومجتمعية، واللافت أنّه مع كل حادثة جديدة  تطفو على السطح تدعم بأفكار جديدة منظومة المواجهة.

ويعني ذلك أنّ كل حادثة تحرّش جديدة يتمّ الإفصاح عنها لتصبح قضية "رأي عام" تُقسّم المجتمع إلى فصيلين: الأول؛ الراديكالي الذي يكرّر الحديث ذاته كلّ مرّة عن "ملابس الفتيات والتبرّج والكبت الذي يحاول الشباب تفريغه بأفعال التحرّش"، بينما يبحث الفصيل الآخر؛ "عن حلول عملية لردع التحرّش، يشجع الفتيات اللاتي تعرّضن لمواقف مشابهة على الحديث وتقديم بلاغات، لخدش الهالة الحامية للمتحرّش بحجج مقنعة، يوعي أجيالاً جديدة من الفتيات عن مفهوم التحرّش ويوفر أرقاماً للإبلاغ، ويقدّم مقترحات لتفعيل منظومة المواجهة". 

 

بث داعية مصري مقطعاً مصوراً عبر مواقع التواصل الاجتماعي يتحدث فيه عن أنّ ملابس الفتيات اللافتة أحد أسباب التحرّش

وبما أنّ تكرار الحديث نفسه يفقده مع الوقت صداه، فإنه من المتوقع أن تتسبّب القضايا المتجددة للتحرش في تقويض الفعل مستقبلاً، أو على الأقل تكسب فصيل المواجهة، لا فصيل التبرير، قواعد جماهيرية أكبر، بحيث لا يصبح الحديث عن جرائم التحرّش والاغتصاب "تابوهاً" يتحرّج المجتمع من الاقتراب منه.

وإثر تفجير القضية الأخيرة الخاصة بالشاب المتهم بالتحرّش، قدّمت النائبة البرلمانية هالة أبو السعد مقترحاً إلى البرلمان ينصّ على قصر تلقي البلاغات الخاصة بالتحرّش والاغتصاب في أقسام الشرطة على وحدة حماية المرأة، والتي تتواجد فيها ضابطة أنثى وليس ضابطاً ذكراً، كي لا تتحرّج الضحايا من رواية ما تعرضنّ له، بحسب موقع "اليوم السابع".

ورغم أن المقترح قد لا يجد سبيلاً قريباً إلى التنفيذ، إلا أنّ مجرّد طرحه يعد مكسباً جديداً؛ إذ يمهّد لتطبيقه مستقبلاً، خصوصاً في ظل حيويته وسبيله لنفاذ القانون، حيث تضمنّت وقائع كثيرة عن التحرّش عدم تعاطي الضباط وأمناء الشرطة على نحو كافٍ مع بلاغات المتعرّضات للتحرّش أو سعيهم إلى الصلح بين الطرفين، ما يُهدر الحقّ المجتمعي في قضايا حسّاسة كهذه. 

اقرأ أيضاً: حلة نفسية في رؤوس مغتصبي الأطفال والمتحرشين بهم

من ناحية أخرى، باتت النيابة العامة المصرية داعماً رئيسياً وحائطاً مجتمعياً صلباً لتقويض ذلك النوع من القضايا، سواء بالتحرّك السريع الذي برز في الواقعة الأخيرة، أو حتى في تشريح مثل ذلك النوع من القضايا، حيث تخرج بيانات تنمّ عن وعي عميق بالقضية، لا تلوم الضحية وإنما تسدي النصح لتصحيح المنظومة الاجتماعية التي تؤدي إلى تعمّق مثل ذلك الخلل السلوكي لدى المتحرّشين. 

وكانت النيابة العامة المصرية قد تحرّكت بعد متابعتها للحملة الإلكترونية التي شنّها ناشطون ضد الشاب المتهم بالتحرّش، دون تلقي بلاغات رسمية، في مؤشر على الرغبة الحقيقية في التغيير؛ إذ كان من الممكن أن تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي وتخمد دون أن يحدث تغيير على الأرض مع عدم توجّه الضحايا ببلاغات رسمية. 

وعقب توقيف المتهم، ناشدت النيابة العامة الفتيات اللاتي شاركن في الحملة الإلكترونية برواية وقائع تحرّش المتهم أو اغتصابه لهن، على التقدّم ببلاغات رسمية إلى النيابة للمساعدة في سير التحقيقات.

وقالت النيابة في بيان مساء الجمعة الماضي: إنّ وحدة الرصد والتحليل بإدارة البيان في مكتب النائب العام، تابعت عن كَثَب خلال الأيام المنقضية وحتى تاريخه ما تمّ تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي بشأن مَن يُدعى "أحمد بسام زكي"، وتعدّيه على عدد من الفتيات بالقول والفعل، وإكراههنّ على ممارسات منافية للآداب بالتهديد والإكراه، وتتخذ الوحدة إجراءاتها بالفحص والرصد والتحليل تمهيداً لعرض القضية على المستشار حمادة الصاوي النائب العام لاتخاذ ما يلزم قانوناً.

اقرأ أيضاً: طارق رمضان: حفيد مؤسس الإخوان ومتهم بالتحرش

وشجّع تحرّك النيابة العامة إحدى ضحايا المتهم بالتوجّه إلى المجلس القومي للمرأة للإبلاغ عن تحرّش المتهم بها قبل أيام من انطلاق الحملة ضده، وبدوره تقدّم محامي المجلس ببلاغ إلى النيابة، فيما تسري حالة من السرّية حول باقي الحالات ومدى استجابة باقي الضحايا لمناشدة النيابة وتقديم بلاغات رسمية بالوقائع، بحسب ما أورده موقع جريدة الفجر. 

ويعاقب القانون المصري على التحرّش، سواء كان لفظياً أو بالفعل، بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة تتراوح بين  3 إلى 5 آلاف جنيه (الدولار نحو 16 جنيهاً)، وترتفع العقوبة إلى الحبس لمدة عام إذا لحق تحرشتتبع للضحية أو ملاحقتها. 

 

 النيابة العامة المصرية داعم رئيسي وحائط صلب لتقويض ذلك النوع من القضايا، سواء بالتحرّك السريع أو تشريح الظاهرة

ويرفع القانون المصري العقوبة إلى الحبس مدة تتراوح بين عامين إلى 5 أعوام، وغرامة تتراوح بين 20 إلى 50 ألف جنيه، إذا كان للجاني سلطة وظيفية أو أسرية أو اشترك أكثر من شخص في الواقعة وكان أحدهم يحمل سلاحاً. 

ويعاقب القانون المصري المغتصب بالسجن المشدّد، وترتفع العقوبة إلى الإعدام أو السجن المؤبد (25 عاماً) إذا كانت الضحية دون 18 عاماً وكان الجاني له سلطة عائلية على الضحية، أو أسفر الاغتصاب عن وفاة. 

وكانت الثورة المصرية في العام 2011 نافذة رئيسية لفرض المرأة قضاياها وحريتها على المجتمع، بما صاحبه من الإفصاح أكثر عن تلك الوقائع، وما تزال المرأة المصرية كما العربية عموماً تناضل، سواء ضد خوفها أو تسليعها أو تنميطها أو التبرير للمتحرّشين. 


الصفحة الرئيسية