تركيا ومسعى الانضمام للاتحاد الأوروبي... أبرز محطات المسيرة المتعثرة

تركيا ومسعى الانضمام للاتحاد الأوروبي... أبرز محطات المسيرة المتعثرة

مشاهدة

30/11/2020

عبر عقود طويلة، ومنذ فترات تعود إلى عقد الخمسينيات من القرن الماضي، كان الانضمام إلى الكتلة الأوروبية، بمختلف صيغها وتطوراتها، أحد الأهداف الاستراتيجية بالنسبة إلى تركيا. بالرغم من ذلك، وبسبب العواقب السياسة والاقتصادية العديدة، ظلّت مسيرة نيل تركيا العضوية الكاملة متعثرةً، بل وصلت إلى حدّ التلاشي مؤخراً.

اتفاقية أنقرة... بداية مبكّرة وواعدة

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت الأنظار التركية متجهة للالتحاق بالغرب والانضمام إلى التكتلات السياسية والاقتصادية ضمن إطاره، وجاء هذا التوجه مدفوعاً بالطموح لتحقيق الازدهار والرفاه للبلاد. وفي العام 1952م جاء انضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو"، ومن ثمّ في العام 1955م، كانت تركيا مؤسسةً لحلف بغداد الدفاعي الموالي للمعسكر الغربي.

ممثلا الجانبين التركي والأوروبي يوقعان اتفاقية أنقرة عام 1963

تلا ذلك تطلّع تركيا للانضمام إلى الكتلة الأوروبية في صورتها الناشئة، فتقدمت في تموز (يوليو) عام 1959م بطلب لعضوية "الجماعة الأوروبية للفحم والصلب" التي تأسست عام 1951م وبدأت بـ6 دول، وكانت نواةً أولى للسوق الأوروبية المشتركة. وبناءً عليه، وفي أيلول (سبتمبر) من عام 1963م تمّ توقيع "اتفاقية أنقرة"، التي أنشئت بموجبها رابطة بين تركيا والجماعة الاقتصادية الأوروبية الناشئة.

اتفاقية الاتحاد الجمركي... خطوة أخرى

تقدّمت تركيا بطلب العضوية الكاملة في الجماعة الأوروبية (السوق الأوروبية المشتركة) في نيسان (أبريل) من عام 1987م. إلّا أنه تمّ تأجيل قرار النظر في الطلب حتى عام 1993م؛ إذ كانت "الجماعة الأوروبية" (EC) في طريقها لتتحول وتصبح "الاتحاد الأوروبي" (EU)، وما يقتضيه ذلك من تشديد الشروط السياسية والاقتصادية للانضمام.

في قمة هلسنكي عام 1999 تمّ منح تركيا وضعية الترشح لمفاوضات العضوية لأول مرّة

وبعد تأسيس الاتحاد الأوروبي عام 1993م، وقّعت معه تركيا اتفاقية اتحاد جمركي في كانون الأول (ديسمبر) 1995م، ما اعتبر بداية لانطلاق مسار مبشّر ضمن مسعى الانضمام إلى الاتحاد. وفي الأول من كانون الثاني (يناير) 1996م دخل الاتفاق حيز التنفيذ، وبناءً عليه بدأت البضائع بالانتقال بين تركيا والاتحاد الأوروبي دون أي قيود جمركية.

سحب الاعتراض... وقبول طلب الترشّح

في عام 1997م تمّ استثناء تركيا من بين 12 دولة قبل طلب ترشيحها لعضوية الاتحاد الأوروبي. وكان أحد الأسباب الرئيسية في عدم قبول طلب الترشح التركي يتمثل في "الفيتو" الذي رفعته اليونان بسبب توتر علاقاتها مع تركيا، وخاصة بسبب الأزمة القبرصية وأزمة ترسيم الحدود البحرية في البحر المتوسط وبحر إيجة.

صورة جماعية للقادة الحضور في قمة هلسنكي عام 1999

في قمة هلسنكي (عاصمة فنلندا) عام 1999م، وافق الاتحاد الأوروبي على قبول الطلب التركي، وذلك بعدما سحبت اليونان اعتراضها، إثر ظهور بوادر لتحسن العلاقات بين البلدين عام 1999م، والتي تتوّجت في شباط (فبراير) من ذلك العام بزيارة وزير الخارجية التركي، إسماعيل جيم، لليونان في أوّل زيارة من نوعها منذ 40 عاماً. وبذلك تمّ منح تركيا وضعية الترشح لمفاوضات العضوية لأول مرّة.

مرحلة من المفاوضات... عنوانها الحذر والتردد

إثر قبول طلب الترشّح، بدأت مرحلة المفاوضات الأولى، إذ طالب الاتحاد الأوروبي بشروط يجب على تركيا الالتزام بها في سبيل الانضمام، تضمنت جملة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والتشريعية، وشروط متعلقة بالحرّيات وحقوق الإنسان. وهو ما كانت تركيا تبدي استعداداً له، باستثناء بعض القضايا المتعلقة بالمسألة الكردية.

كانت القضية القبرصية ومسألة الحدود البحرية مع اليونان أهمّ القضايا التي عرقلت الجولة الأولى من مفاوضات انضمام تركيا

لكنّ المطالب الأكثر تحديّاً كانت من اليونان، التي أصرّت على تحقيق شرطين أساسيين لقبول عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، وهما: إقناع تركيا للقبارصة الأتراك بالتخلي عن إعلان الدولة في شمالي الجزيرة، وموافقة أنقرة على السماح لأثينا بتمديد حدودها الإقليمية في بحر إيجه مسافة 12 ميلاً بحرياً.

اقرأ أيضاً: هل دفع الاتحاد الأوروبي تركيا تجاه التمدد نحو المحيط العربي؟

إثر هذه المطالب، تصاعدت أزمة الثقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وتمثلت في ظنّ المسؤولين الأتراك بأنّ الاتحاد الأوروبي يراوغ في خصوص المطالب، لينتزع من تركيا حلاً للقضية القبرصية ومسألة الحدود في بحر إيجه مع اليونان تحت غطاء شروط العضوية، ومن ثمّ إذا ما حصل الاتحاد على ما أراد وضع العراقيل أمام تركيا لإبقائها خارجه. ونتيجة لذلك، في عام 2001م رفض الجانب التركي صراحةً اعتبار حل القضية القبرصية والخلافات الحدودية مع اليونان ضمن الشروط الأساسية لانضمام تركيا للاتحاد، وهو ما أدى إلى عرقلة مسار المفاوضات وتوقفها.

مرحلة ثانية من المفاوضات

في عام 2004م، جاءت توسعة الاتحاد الأوروبي في شرق أوروبا ليضم 10 دول جديدة، بما فيها قبرص، التي دخلت الاتحاد وباتت تتمتع كذلك بحقّ النقض (الفيتو) فيما يتعلق بطلبات الدول للترشح، وبالتالي ازدادت وطأة حضور المسألة القبرصية وأثرها على عرقلة الفرص التركية.

باللون الأزرق، الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بعد توسعته عام 2004

وفي كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه، وافق الاتحاد الأوروبي على بدء جولة جديدة من مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد، بدايةً من العام 2005م. وكانت هناك رغبة من بعض الدول، مثل؛ ألمانيا والنمسا في ترك باب المفاوضات مفتوحاً بسبب احتمال أن تؤدي إلى "شراكة متميزة"، حتى وإن لم تنتهِ إلى تحقيق العضوية الكاملة لتركيا في الاتحاد. إلّا أنّه وفي كانون الأول (ديسمبر) عام 2006م، قرّر الاتحاد الأوروبي تجميد مناقشة 8 فصول من أصل 35 فصلاً قيد التفاوض؛ وبالتالي تعطلت مفاوضات الانضمام مجدداً.

أسباب متعددة تحول دون العضوية

تعدّدت الأسباب وراء تعثر ملف الانضمام التركي، وكان في مقدمتها الأسباب الاقتصادية؛ وتمثل جانب منها في كون عملية تطوير الاقتصاد التركي لكي يكون مهيَّأ للاندماج في الاقتصاد الأوروبي تشكّل عبئاً مالياً كبيراً؛ وذلك باعتبار حجم تركيا السكاني والجغرافي. كما أنّ انضمام تركيا للاتحاد سوف يعني اندفاع أعداد كبيرة من العمالة التركية إلى دول الاتحاد، ونظراً لتدني أجورهم فإنّ ذلك سيؤدي إلى تدني الأجور في الدول الأوروبية، وبالتالي زيادة معدلات البطالة. هذا بالإضافة إلى توقع انتشار السلع التركية رخيصة الثمن في دول الاتحاد؛ ممّا سوف يؤثر على الصناعة المحلية فيها. إضافة إلى أنّ انضمام تركيا سيدفع المستثمرين الأوروبيين لنقل استثماراتهم إلى تركيا التي ستكون -في حال انضمامها- من أكبر أسواق أوروبا.

جاء قرار الاتحاد الأوروبي بإعادة تفعيل المفاوضات عام 2013 بعد أن أثنت المفوضية الأوروبية على الإصلاحات التي نفذتها تركيا

أمّا سياسياً، فإنّ انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي يعني أن تصبح ثاني أكبر عضو في الاتحاد، من حيث عدد السكان (بعد ألمانيا)، مع احتمال أن تكون العضو الأول خلال أعوام؛ في ظلّ ارتفاع معدلات النمو السكاني فيها عمّا هو عليه في الدول الأوروبية الأخرى. وهو ما يعطيها بالتالي أكبر عدد من الممثلين داخل البرلمان الأوروبي؛ إذ يقوم الوزن التمثيلي لكل دولة في الاتحاد على أساس عدد سكانها.

إعادة التفعيل... ومن ثمّ التعليق من جديد

في حزيران (يونيو) من العام 2013م، حدث التحوّل مع قرار الاتحاد الأوروبي بإعادة تفعيل المفاوضات مع تركيا، وجاء القرار الأوروبي بعد أن أثنت المفوضية الأوروبية على الإصلاحات التي نفذتها تركيا على نظامها القضائي، وعلى المستوى القانوني، إضافة الى الجهود الهادفة إلى التقدم بعملية السلام المتعثرة مع المقاتلين الأكراد.

عام 2018 أوصت مقرّرة البرلمان الأوروبي كاتي بيري بتعليق مفاوضات انضمام تركيا

لكن سرعان ما عادت العلاقات للتأزّم من جديد على إثر محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في تموز (يوليو) عام 2016م، وما تبعها من حملات اعتقال واسعة شنّتها السلطات التركية، إذ دعت فيديريكا موغيريني، المسؤولة عن الشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016م، تركيا لحماية ديمقراطيتها، واحترام حقوق الإنسان، والحريات، وسيادة القانون، و"بما يتفق مع التزاماتها بوصفها دولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي".

اقرأ أيضاً: هل ستنجح ألاعيب أردوغان بخداع الاتحاد الأوروبي مرة أخرى؟

وفي 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016م، صوّت البرلمان الأوروبي على قرار غير ملزم بتعليق مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد، بسبب ما رأى أنه تعسف وإفراط في استخدام القوة ضد المشتبه بضلوعهم في المحاولة الانقلابية.

وفي العام 2017م ازدادت حدّة التوتر بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وذلك على خلفية التعديلات الدستورية التي تبنّاها البرلمان التركي في نيسان (أبريل) 2017م، وما تضمنته من منح صلاحيات جديدة للرئيس التركي. وفي 6 تموز (يوليو) 2017م أصدر البرلمان الأوروبي توصية بتعليق مفاوضات الانضمام بشكل نهائي إذا ما تمّ تفعيل التعديلات الدستورية. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2018م، أوصت مقررة البرلمان الأوروبي، كاتي بيري، في تقرير أعدته بشأن تركيا، بتعليق مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد؛ معتبرةً أنّ التحويل الذي تمّ لنظام الحكم في تركيا مخالف للمعايير الخاصة بشروط قبول العضوية. وفي آذار (مارس) 2019م تجدد طلب البرلمان الأوروبي بتعليق مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

اقرأ أيضاً: الاتحاد الأوروبي يخطط لفرض عقوبات أكثر صرامة على تركيا

تزامنت مطالبات تعليق المفاوضات مع تصاعد التوترات بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، بدايةً من إقدام تركيا على إتمام صفقة الصواريخ الروسية الدفاعية، إلى تصاعد النزاع في العام 2019م حول قيام الشركات التركية بالتنقيب عن الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط. ومن ثمّ جاءت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، لتعيد إشعال وتأجيج الأزمة المستمرة فيما يتعلق بالنزاع الحدودي بين تركيا واليونان حول الحدود البحرية في المتوسط. وخلال العام 2020م، استمرّ تصاعد الأزمات بين الجانبين، وتعددت جبهات الخلاف من ليبيا، إلى شرق المتوسط، إلى الموقف من الحرب بين أذربيجان وأرمينيا في القوقاز.

الصفحة الرئيسية