تركيا و "المنطقة الآمنة"

تركيا و "المنطقة الآمنة"


08/02/2020

محمد نور الدين
أثارت المعارك العسكرية في محافظة إدلب بين الجيش السوري والجماعات المسلحة هناك، ومن ثم الاشتباك المباشر بالمدفعية بين الجيشين السوري والتركي للمرة الأولى في تاريخهما الحديث، تساؤلات عما إذا كان ذلك سيجر إلى حرب سورية تركية، أو يؤدي إلى انكسار المسار المتقدم في العلاقات بين روسيا وتركيا.
الاشتباك السوري التركي جاء على خلفية محاولة الجيش السوري التقدم والسيطرة على مزيد من الأراضي والمدن والبلدات الواقعة تحت سيطرة التنظيمات المسلحة المدعومة من تركيا. ومع تقدم الجيش السوري والسيطرة على معرة النعمان، وخان طومان، وتطويق سراقب، كان النظام التركي يرسل جيشه للتدخل ومنع انهيار المجموعات التي يرعاها ويديرها.
وعلى ما يبدو، كانت حركة الجيش السوري منسقة مع موسكو التي أسهمت بتدخل سلاحها الجوي في تغيير الموازين الميدانية لصالح دمشق.
وفي الواقع فإن دمشق تسعى بكل جدية، إلى السيطرة على مناطق تتيح لها فتح طرق رئيسية من اللاذقية وحمص وحماة في اتجاه مدينة حلب التي ستعيد كثيراً من الحيوية للحركة الاقتصادية الداخلية.
وبخلاف مناطق خفض التصعيد السابقة في درعا والغوطة ودير الزور وغيرها، فإن إدلب التي وضعت ضمن مناطق خفض التصعيد لم تشملها التسويات التي كانت تحدث بين الدولة السورية والجماعات المسلحة. وجاء «اتفاق سوتشي» بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان في 17 سبتمبر 2018، ليُخضع إدلب لشكل جديد من أشكال التسوية بالدعوة إلى سحب السلاح الثقيل، ونقل المسلحين المتشددين إلى مناطق أخرى في إدلب أو خارجها، وفتح الطرق الدولية المؤدية إلى حلب، وتسيير دوريات مشتركة روسية تركية، وإقامة 12 نقطة مراقبة للقوات التركية في المحافظة على خطوط التماس مع القوات السورية.
لكن تركيا أخلّت بوعودها ولم تنفذ شيئاً من الاتفاقية سوى إقامة نقاط المراقبة التي أتاحت لها أن تحوّلها إلى مراكز عسكرية تثبِّت قدماً لواقع احتلالي جديد، فيما كانت روسيا تعرب من وقت لآخر عن قلقها من عدم التزام تركيا بتنفيذ اتفاقية «سوتشي»، ولكنها كانت تعطيها المهلة تلو الأخرى، وقد مر على الاتفاقية عام ونصف العام دون نتيجة.
والتساؤل هو: لماذا تتمسك تركيا بإدلب ولا تخرج منها المسلحين المتشددين؟ الإجابة هي أن تركيا لا تنظر إلى إدلب إلا على أنها أداة ضغط على النظام في سوريا، في انتظار الحل النهائي لتكون لتركيا كما تأمل حصة في النظام السياسي الجديد في سوريا. كما أن إدلب تؤوي عشرات الآلاف من المسلحين الذين تستخدمهم تركيا «غب الطلب»؛ أي حيث يمكن أن تحتاج إليهم سواء ضد الجيش السوري أو في مناطق أخرى من سوريا، أو في العراق، وأخيراً في ليبيا، حيث أرسلت أنقرة الآلاف منهم لمحاربة قوات اللواء خليفة حفتر، وحماية حكومة فايز السراج، ولتهديد الأمن القومي العربي.
لقد كال أردوغان خلال العمليات العسكرية للجيش السوري، الاتهامات لروسيا مستخدماً مفردات قاسية بحق بوتين، متهماً إياه بأنه غير صادق. وقد نعى أردوغان اتفاقيات «أستانا وسوتشي»، لكن الأكثر لفتاً للانتباه هو أن تركيا عبر مسؤوليها، دعت الولايات المتحدة وأوروبا إلى التدخل لوقف الهجوم السوري الروسي، ومنع حصول موجة جديدة من اللاجئين مهددة بأنهم سيتدفقون إلى أوروبا.
استنجاد أردوغان بالولايات المتحدة هو الذي طرح تساؤلاً عن إمكانية تدهور العلاقات التركية مع روسيا، لكن في ضوء المصالح المشتركة بين أنقرة وموسكو لا يتوقع أن يؤثر التباين حول إدلب في المسار العام الإيجابي بينهما، وإن كان التوجه التركي نحو أمريكا وإصدار الخارجية الأمريكية بياناً يدعم تركيا، وينتقد سوريا وروسيا يشكل دليلاً على أن العلاقات الاستراتيجية بين أنقرة والغرب لم تنقطع، ليبقى الغرب الحضن الدافئ لسلطة حزب العدالة والتنمية إذا ما اضطرت إلى ذلك.
ولعل تركيا ستستغل التوتر المستجد في إدلب لتحقيق أحد أهدافها التاريخية، وهو القيام بعملية عسكرية واسعة تسفر عن احتلال إدلب مباشرة، بما فيها المدينة، واعتبارها «منطقة آمنة» لتنضم إلى مثيلاتها في عفرين وجرابلس وشرقي الفرات، وكل ذلك في إطار الهدف التاريخي لاستكمال السيطرة على الشريط الحدودي داخل سوريا، واستعادة حدود الميثاق الملّي لعام 1920 كاملاً.

عن "الخليج" الإماراتية



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية