تسييس الدين.. "ديانت" أداة أردوغان لاستلاب مسلمي وعرب فرنسا

تسييس الدين.. "ديانت" أداة أردوغان لاستلاب مسلمي وعرب فرنسا

مشاهدة

05/08/2019

محاولات الاختراق الديني من قبِل تركيا، للجاليات الإسلامية والعربية في فرنسا متعددة، تصدت لها باريس مراراً، لكن أنقرة مازالت مصرة على نشر بعض أفكارها المتطرفة عبر محاولة تعميم تجربة مدارس الأئمة والخطباء التركية، ليس فقط في فرنسا، وإنما أيضاً في ألمانيا وسائر دول الاتحاد الأوروبي، خدمة لأجدنة العثمانيين الجدد.

مشروع التوسع التركي في الفضاء الإسلامي بأوروبا، ليس وليد اللحظة، وإنما قدم له، وكان مهندسه الأبرز، أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء الأسبق، والذي يتردد مؤخرًا أنه على وشك الانشقاق عن رفيق دربه رجب أردوغان، بعد خلافات عديدة حول إدارة الحكم على المستويين الداخلي والخارجي، فقد كان داود أوغلو يرى أن تركيا يمكن أن تصبح قوة عالمية طالما اتبعت سياسة خارجية توسعية قائمة على أيديولوجية إسلامية.

يقول الباحث التركي أحمد إردي أوزتوك، إن داود أوغلو ركز على الاختلافات الجوهرية بين الإسلام والحضارات الأخرى، وخاصة الغرب، من أجل تقديم تركيا بوصفها راعية الإسلام في العالم في مقابل الغرب. ويؤكد الباحث أن هذا التوجه الأيديولوجي الذي قدمه داود أوغلو أصبح مبدأ أساسيًا للسياسة الخارجية التركية منذ تولي حزب العدالة والتنمية الحكم في 2002.

وتبعا لذلك أصبح تيار العثمانيين الجدد يتبنى توجها جديدا يسعى لاستخدام الإسلام (السني) كعنصر قوة في السياسة الخارجية، وهو ما دأب على تنفيذه الرئيس التركي، رجب أردوغان، مستغلا "رئاسة الشؤون الدينية التركية" "ديانت" لتكون أداة رئيسية في تنفيذ هذه السياسة من خلال التأثير على الجاليات الإسلامية والعربية ومنها الجاليات الموجودة في فرنسا.

مسلمو فرنسا
حسب إحصاء يعود لعام 2017 يبلغ عدد المسلمين في فرنسا 5.7 مليون شخص، وبذلك يشكل المسلمون أكبر التجمعات الدينية في فرنسا بعد الكاثوليك، وتعد فرنسا أكبر الدول الأوروبية احتضانا للجالية الإسلامية.

وهكذا تشكل الجاليات الإسلامية والعربية مطمعًا للعثمانيين الجدد من حزب "العدالة والتنمية" وزعيمه رجب أردوغان، الذي يسعى لإحياء إرث الإمبراطورية العثمانية البائدة، وتوسيع رقعة نفوذ أنقرة، وتنصيب نفسه سلطانا على المسلمين، والتحدث باسمهم في جميع أنحاء العالم، واستعادة سيطرته ونفوذه على المواطنين العرب الذين ينظر إليهم بوصفهم الرعايا السابقين للامبراطورية العثمانية.

لدى أردوغان عدة آليات ومؤسسات يستخدمها للتأثير والتغلغل في الجاليات العربية والإسلامية في فرنسا، وعلى رأس هذه المؤسسات "رئاسة الشؤون الدينية التركية" (ديانت) التي تلعب دورا خطيرا في الترويج لتركيا ولأردوغان وحزبه بين صفوف المسلمين والعرب في البلد الأوروبي.

دور ديانت
في مارس 2010 نشرت الباحثة التركية، زانا جيتاك، دراسة عن دور رئاسة الشؤون الدينية التركية (ديانت) في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، وهو الجهة المسؤولة عن تنظيم شؤون المسلمين في فرنسا. وخلصت الباحثة في دراستها إلى أن الحكومة التركية تستخدم "ديانت" كأداة لسياستها الخارجية لدعم فكرة "الإسلام التركي" بين صفوف الجاليات العربية والإسلامية وتقديمه للدولة الفرنسية بوصفه النموذج المعتدل والعقلاني من الدين الإسلامي وأنه متوافق مع الحداثة.

كما توصلت الباحثة إلى أن "ديانت" تقدم نفسها بوصفها الممثل الشرعي للمسلمين لا سيما المسلمين من أصول تركية في فرنسا، وهي بذلك تشكل همزة الوصل بين أردوغان والجاليات الإسلامية والعربية في فرنسا.

وفضلا عن استمالة الجاليات الاسلامية في فرنسا، يشير الباحث التركي أحمد إردي أوزتوك إلى دور آخر تقوم به "ديانت" في فرنسا، وهو الحفاظ على سيطرة حزب "العدالة والتنمية" على كيانه الانتخابي في الشتات، ومنع الجالية التركية من الانصهار في المجتمع الفرنسي، وكسب أصواتها في الانتخابات، حيث تبلغ نسبة المواطنين من أصل تركي في فرنسا قرابة 700 ألف شخص، يقوم نصفهم (320 ألف) بالتصويت في الانتخابات.

يوضح أوزتوك أن "ديانت" لعبت دور أكبر بكثير من الدور الذي يحدده لها القانون التركي، في السنوات الأخيرة منذ وصول حزب "العدالة والتنمية" للحكم. إذ إن الأخير لم يغير الهيكل السياسي المحلي في تركيا فحسب، بل إنه استخدمها في سياسته الخارجية.

وتقوم ديانت عبر أذرعها المختلفة في الدولة الفرنسية، بالتغلغل في الضواحي الفرنسية، والترويج لأردوغان بوصفه الزعيم الذي يدافع عن المسلمين في جميع أنحاء العالم، والقائد الذي يتحدى الإسلاموفوبيا واضطهاد وقمع المسلمين، والمدافع الأول عن القضية الفلسطينية. حيث تعمل على أن يحل ـردوغان محل طارق رمضان، حفيد حسن البنا، أحد رموز هذا التيار العثمانلي في فرنسا، والذي سقط بفضائح جنسية في نهاية 2017م.

نشأة ديانت
تم تأسيس رئاسة الشؤون الدينية التركية "ديانت" رسميا عام 1924 في أنقرة بموجب القانون رقم 429 لتحل محل منصب "شيخ الإسلام" الذي عرفته الدولة العثمانية، وذلك قبل المصادقة على علمانية الجمهورية التركية في الدستور.

حدد القانون أهداف المؤسسة في "إدارة دور الصلاة والتعامل مع المعتقدات والممارسات الإسلامية التي تقع خارج نطاق اللوائح التي أصدرها البرلمان التركي ونفذها". فقد كان الهدف من ديانت أن تكون مسؤولة عن إدارة شؤون الدين الإسلامي بصورة مؤسسية.

تتكون "ديانت" حاليا من عدة إدارات تشمل: رئاسة المجلس الأعلى للشؤون الدينية، ورئاسة مجلس القراءات ومراجعة المصاحف، وإدارة الخدمات الدينية، وإدارة الخدمات التعليمية، وإدارة خدمات الحج والعمرة، وإدارة المنشورات الدينية، وإدارة العلاقات الخارجية، وإدارة التوجيه والتفتيش، وإدارة المراقبة الداخلية، وإدارة التطوير الاستراتيجي، وإدارة الموارد البشرية، وإدارة الخدمات الإدارية

نشر الباحث التركي أحمد إردي أوزتوك دراسة في 2018، عن "ديانت" أوضح فيها أنها مرت بعدة مراحل منذ تأسيسها حيث انتقلت من طور المحلية إلى العالمية، حيث افتتحت لها فرعا في فرنسا، وتحولت هذه المؤسسة إلى أداة سياسية، ووسيلة لاستغلال الدين في تحقيق أهداف سياسية بعد وصول حزب "العدالة والتنمية" إلى الحكم في أنقرة في 2002م.

انبثاق ديتيب
في عام 1984 ، كسرت "ديانت" إطار المحلية وانطلقت إلى الانتشار الإقليمي والعالمي، حيث تم تأسيس أول فرع لها في ألمانيا تحت اسم الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية (ديتيب). يقع مقر "ديتيب" في كولونيا، وكان يسيطر على أكثر من 900 مسجد في جميع أنحاء ألمانيا في عام 2017.

وعلى غرار ألمانيا، افتتحت "ديانت" التركية فرعا آخر لها في فرنسا في الثمانينيات وهو "الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية" والذي يقوم بنفس الدور الذي يضطلع به في ألمانيا، ناهيك عن تنفيذ العديد من الأنشطة للترويج لتركيا بين صفوف الجاليات العربية والإسلامية.

يشير الباحث التركي إلى أن أنقرة استطاعت من خلال هذه المؤسسة أن تحصل على مناطق نفوذ خارج حدودها، وتمكنت من التأثير على الحياة الاجتماعية والسياسية في فرنسا، وبطبيعة الحال انصب التأثير على الجاليتات العربية والإسلامية على وجه خاص، كما أمكنها أن تكتل الجالية التركية في فرنسا، وتربطهم بتركيا، وتستخدمهم لصالحها في فرنسا.

أنشطة ديتيب
الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية (ديتيب) في باريس الذي يعد الذراع الفرنسية لرئاسة الشؤون الدينية في تركيا، له دور كبير في الترويج للسياسة التركية في فرنسا، ويقوم بعدة مشروعات للتأثير على الجاليات الإسلامية والعربية فيها.
يقوم "ديتيب" بإنشاء وإدارة المساجد، ولديها مسجد يؤمه إمام معتمد من تركيا، ويشرف على 151 إماما معتمدين من الدولة التركية. كما تقوم "ديتيب" بفتح المقاهي وإعداد وتجهيز قاعات تحفيظ القرآن، فضلا عن بعض المنشآت لتقديم الدروس الخصوصية للتلاميذ.

كما قام "ديتيب" بإنشاء كلية دينية خاصة في مدينة سترازبورغ  لتكوين الأئمة الأتراك. وتسمى كلية الدين الإسلامية. زارها وزير الخارجية التركي داوود أوغلو  في شتاء 2012.

وتشير الباحثة جيتاك أن "ديانت" التي يتبعها "ديتيب" بلغت ذروة أنشطتها في ظل حكم حزب "العدالة والتنمية"، حيث حصلت على مهام جديدة تمشيا مع السياسات الجديدة التي تبنتها أنقرة تحت حكم العثمانيين الجدد، وأصبحت لسان حال حزب "العدالة والتنمية" في الخارج، وبدأت في بناء المساجد في فرنسا.

ويقوم "ديتيب" بنشر وتوزيع المصاحف والكتب الدينية في فرنسا باللغة العربية، وبنحو 27 لغة أخرى، وتقوم بتقديم الدعم المالي للمؤسسات الإسلامية في فرنسا. كما توفر الدعم التعليمي والمادي للأئمة المسلمين داخل فرنسا، وتشارك في تنظيم بعض التجمعات الرسمية.

أبواق الدعاية
بدأ "ديانت" في ظل حكم أردوغان، تلعب دورًا قياديًا بين المنظمات الإسلامية الأخرى المتواجدة في فرنسا، وتحاول أن تنافسها إن لم تستطع أن تستوعبها وتؤثر عليها. علاوة على ذلك، ففي ظل حكومة أردوغان، بدأت "ديانت" تتجاوز صلاحياتها وتقوم بأشياء خارج نطاق الخدمة الدينية.

يشير أوزتوك إلى أنه في ظل حكم حزب "العدالة والتنمية" بدأ "ديتيب" في العمل كآلية دبلوماسية موازية للدولة التركية في فرنسا وأصبح له يقوم بدور مزدوج. فمن جهة، أصبح "ديتيب" يقدم نفسه بوصفه متحدثا باسم المسلمين أمام فرنسا، مما يدل على استعداده ليصبح ممثلًا للإسلام الأوروبي وفرض النموذج التركي، أي فهم حزب "العدالة والتنمية" للإسلام التركي. ومن ناحية أخرى، يقوم بوظيفة الترويج للهوية، وتسخير الجاليات الإسلامية وعلى رأسها التركية بطبيعة الحال للدفاع عن مصلحة الدولة التركية.

ثمة تقارير تشير عن أدوار مشبوهة تقوم بها "ديانت" مثل جمع معلومات استخبارية حول المواطنين الفرنسيين من أصول تركية المناهضين لحزب "العدالة والتنمية" في فرنسا.

توصل الباحث أوزتوك إلى أن حزب "العدالة والتنمية" قام بتغيير الفهم التركي للعلمانية من خلال دمج الخطاب الديني في مختلف مجالات صنع السياسة وتوسيع مجالات نفوذ "ديانت" في فرنسا. حيث لجأ الحزب لأسلوب الترويج للإسلام السني بين الجاليات الإسلامية والعربية في فرنسا بوصفه هدفًا ووسيلة لممارسة التأثير على الأقليات المسلمة فيها، وهو ما يعني من الناحية العملية التأثير الاجتماعي والسياسي في الدولة الفرنسية الأمر الذي أثار قلق باريس.

قلق فرنسي
في يونيو الماضي أثارت مجلة "ليكسبريس" الفرنسية، حملة صحافية نبهت فيها إلى خطورة النشاط التركي المستتر في فرنسا، بإشراف أردوغان الذي يتابعها لحظة بلحظة.

وذكر تقرير نشرته المجلة للصحافيين أنياس لوران وبول كونج أن القلق يساور الحكومة الفرنسية من الطموحات السياسية والدينية التي يبديها أردوغان في فرنسا، في إشارة إلى تحركاته على مستوى الجاليات العربية والإسلامية ناهيك عن الجالية التركية بطبيعة الحال.

وأشار التقرير إلى أن القيادة الفرنسية تدرس أساليب التصدي لهذا الخطر المحدق بالقيم الأوروبية، ووجه وزير التربية الوطنية الفرنسي، جان ميشال بلانيكه، على إذاعة مونت كارلو، عدة انتقادات حادة لحكومة أردوغان حيث أشار إلى  العديد من "الأنشطة غير الودية التي تأتي من تركيا"، واوضح أن هناك هواجس وقلق إزاء ما تقوم به السلطات التركية في فرنسا،  ومحاولات دعم الأصولية الإسلامية في البلد الأوروبي.

وسبق أن حذر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في مارس الماضى، أثناء لقائه ببعض المفكرين والمثقفين الفرنسيين من تلاعب تركيا أردوغان بمبادئ العلمانية، حيث نقلت تقارير إعلامية على لسانه أنه قال إن المشروع التركي اليوم إنما هو مشروع سياسي ديني.

وتشير المجلة إلى أن إدارة الشؤون الدينية في تركيا "ديانيت"، ليست هي الوحيدة التي تسعى لبسط نفوذها في فرنسا، فقد وسعت جماعات إسلامية، مثل "مللي غوروش" نفوذها من خلال فتح المساجد والمدارس والمراكز الثقافية التي تنشر فيها رؤية محافظة للإسلام.

عن "عثمانلي"


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية