جامع الشيخ زايد تحفة معمارية وثالث أكبر مسجد في العالم

4988
عدد القراءات

2019-05-13

القادم إلى أبوظبي، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، لا بد أن تستوقفه من بعيد تحفة فنية مشعّة بالبياض، ومنقوشة على مرتفع من الأرض في شكل مبهر يخطف الأبصار. وليس على القادم أن يسأل حتى يعرف أنّ هذه التحفة هي جامع الشيخ زايد.
هذا البناء المعماري الفاتن أضحى ثالث أكبر مسجد في العالم بعد مسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوي بالمدينة المنورة في المملكة العربية السعودية، وتمّ بناؤه كمعلم يحتفي بالحضارة الإسلامية ومركز بارز لعلوم الدين الإسلامي.

اختار الشيخ زايد موقع المسجد في منطقة ترتفع 11 متراً عن سطح البحر، بحيث يمكن مشاهدته من جميع الاتجاهات

أُطلق على المسجد اسم مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة ورئيسها الأول المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي وضع بلاده بثقة على سكة الحضارة والمدنية من دون انفصال عن التراث والتاريخ.
اختار الشيخ زايد موقع المسجد في منطقة ترتفع بمقدار 11 متراً عن مستوى سطح البحر، وعلى ارتفاع 9.5 متراً عن مستوى الشارع، بحيث يمكن مشاهدته بوضوح من جميع الاتجاهات. كما كانت له بصماته المميزة في تصميمه وبنائه العمراني.
واحتضن المسجد قبر الشيخ زايد الذي طلب ذلك قبل أن ينتقل إلى رحمة الله عام 2004.
وخلال شهر مضان الحالي، حشدت إدارة مركز جامع الشيخ زايد الكبير جهودها لتوفير أجواء السكينة والطمأنينة والراحة لضيوف الجامع من مصلين ومفطرين وزوار، ضمن استعدادات استثنائية تليق بقدسية شهر الصيام، حيث تم إطلاق مبادرة "جسور" لدعوة الجمهور من الثقافات المختلفة لقضاء يوم رمضاني يعيشون تفاصيله في الجامع.

قباب المسجد
وقال الدكتور يوسف العبيدلي، مدير عام الجامع، في تصريحات صحفية إن مركز جامع الشيخ زايد "سخرت الجهود والطاقات؛ لتنظيم عدد من المبادرات الداعمة لمشروع رمضان، والتي تترجم رسالته الداعية لتخليد مآثر الوالد المؤسس وقيمه الإنسانية الداعية للتسامح".
ونوه العبيدلي إلى أنّ جامع الشيخ زايد استقبل 1251619 شخصاً، بينهم 854090 مفطراً، و289921 مصلياً، و107608 من الزوار خلال رمضان الماضي، حرص المركز على إعداد خطة إستراتيجية "تضمنت محاورها ترسيخ دور الجامع الديني، وإعلاء قيمة العمل التطوعي، ودعم قيم التواصل الحضاري، والإنساني، وترجمة القيم الأصيلة التي رسخها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في نفوس أبناء الإمارات".

اقرأ أيضاً: الشيخ زايد.. وتأسيس دولة القيم
ويجسد مشروع "ضيوفنا الصائمون"، الذي يقام سنوياً عن روح المغفور الشيخ زايد طوال الشهر الفضيل ، لوحة إنسانية متعددة الثقافات.
وعلى مدى أعوام متتالية حرص نادي ضباط القوات؛ الشريك الإستراتيجي للمركز، على دعم جهوده طوال الشهر الفضيل، خلال إعداد 600 ألف وجبة إفطار، من خلال فريق يضم 500 موظف وعامل يقومون بإعداد الوجبات يومياً.

تاريخ المسجد
بدأت أعمال البناء في المشروع في أواخر عام 1996 وبلغت تكلفته مليارين و455 مليون درهماً إماراتياً. ساهمت حوالي 38 شركة مقاولات و3000 عامل في إنجاز هذا المشروع الضخم على مدى 12 عاماً تقريباً، كما يشير إلى ذلك الموقع الإلكتروني للجامع.
وفي العشرين من ديسمبر (كانون أول) 2007، جرى الافتتاح الأولي للمسجد أمام الجمهور والمصلّين، وأقيمت الصلاة الأولى بحضور رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان.

اقرأ أيضاً: في ذكرى الشيخ زايد الخير: رحيل يتجدّد، وإنجازات تتنفس
يتميز المسجد بمجموعة من الصفات المعمارية التي تجعله إحدى أروع التحف المعمارية على مستوى العالم، إذ تبلغ المساحة الإجمالية للمسجد 22,412 متراً مربعاً، تساوي 5 أضعاف المساحة الدولية لملاعب كرة القدم، وتم استخدام 33,000 طناً من الحديد و250,000 متراً مكعباً من الإسمنت، كما يقوم المسجد على 6,500 عمود أساس. وتتضمن ساحة المسجد 1048 عموداً، وتوجد في المسجد 82 قبة.
وتعدّ قبة المسجد الرئيسية أكبر قبة مسجد في العالم، ويبلغ ارتفاعها 85 متراً وقطرها 32,8 متراً.

التصميم
بعد المرحلة الأولى التي تتضمن الأساسات والهيكل الإسمنتي، وُضعت اللمسات النهائية على المسجد بزخرفة من الرخام الأبيض اليوناني والإيطالي، والذي يعدّ من أنقى أنواع الرخام في العالم.
وبالنسبة للتصميم الداخلي، قام به خطاطون من دولة الإمارات وسوريا والأردن، وأشرف على العمل مجموعة من الفنانين من مختلف أنحاء العالم، حيث كُتبت آيات من القرآن الكريم بثلاثة أنواع من الخط العربي.

الصحن الخارجي للمسجد

وبالإضافة إلى استخدام نباتات فريدة من نوعها ومصممة خصيصاً للمسجد في ديكوره الداخلي الرائع، استخدم المصممون الفسيفساء لتغطية ساحة المسجد بالكامل (17 ألف متر مربع)، وتُعدّ من أكبر ساحات المساجد في العالم.
تزين المسجد سبع ثريات كريستال مختلفة الأحجام، قامت كبرى الشركات العالمية المتخصصة بتصنيعها من كريستال شواروفسكي وطلائها بالذهب.

اقرأ أيضاً: بالصور.. مصر تفتتح مسجد "الفتاح العليم" وأكبر كاتدرائية في الشرق الأوسط
ويصل ارتفاع الباب الزجاجي الرئيسي للجامع إلى 12,2 متر وعرضه 7 أمتار ويزن 2,2 طن، وتضم الجدران الداخلية زخرفة من ذهب عيار 24 قيراطاً وزجاجاً وفسيفساءً تتركز بكمية أكبر على الحائط الغربي، ويحيط الجامع 7,874 متراً مربعاً من البحيرات الاصطناعية تضم بلاطاً داكن اللون، واستخدم في منطقة المحراب ذهب من عيار 24 قيراطاً وأوراقاً ذهبية وزجاجاً وفسيفساءً، ويحتوي الجامع على 1,096 عموداً في المنطقة الخارجية و 96 عموداً في القاعة الرئيسية للصلاة التي تتضمن أكثر من 2,000 لوح رخام مصنوعة يدوياً، وغطيت بأحجار شبه كريمة تضم "لابيس لازولي" وعقيقاً أحمر وحجر أميثيست.

اقرأ أيضاً: مصر.. إمام مسجد ينقذ كنيسة
ويتميز جدار القبلة بارتفاع 23 متراً وعرض 50 متراً، وتم تخطيط أسماء الله الحسنى على جدار القبلة باستخدام الخط الكوفي مع خلفية مضاءة بألياف بصرية.
ويحتوي الجامع على 80 لوح "إيزنك" وهي ألواح قرميد مزينة بالسراميك اشتهرت في القرن السادس عشر بعد استخدامها في المباني الدينية التابعة للإمبراطورية العثمانية، وأشرف على تصميم قطع القرميد التي تم تصنيعها يدوياً خطاطون عالميون.
ويستوعب الجامع ما يزيد عن 40,000 ألفاً من المصلين، منهم 7000 في القاعة الرئيسية و1,500 في قاعة الرجال المفتوحة و 1500 في القاعة المفتوحة الأخرى المخصصة للنساء، وحوالي 30,000 في الصحن، و 682 في مدخل القاعة الرئيسية، إلى جانب 784 في مدخل القاعة الرئيسية للجامع.

 قاعة الصلاة الرئيسة

السجّادة
تزيد مساحتها عن 5,625 متر مربع في قاعة الصلاة الرئيسة. وقد قام حوالي 1,200 حرفّي إيراني بحياكتها يدوياً، مستخدمين 35 طناً من الصوف و12 طناً من القطن. وتعدّ هذه السجادة أكبر سجادة في العالم، حيث تتكون من 2,268,000 عقدة، ويُقدّر ثمنها بحوالي 30 مليون درهم.
تتضمن السجادة 25 لوناً طبيعياً يغلب عليها اللون الأخضر الذي كان المفضل عند المغفور له الشيخ زايد، وتتميز هذه السجادة بوجود خطوط أفقية ترتفع قليلاً عن سطحها الرئيسي، والغرض من هذه الخطوط هو تسوية صفوف المصلين.
وفي آب (أغسطس) 2007، تم تقسيم هذه التحفة الإيرانية وإحضارها إلى أبوظبي حيث تم تجميعها من جديد داخل المسجد.

يستوعب الجامع ما يزيد عن 40,000 ألفاً من المصلين وبلغت تكلفته مليارين و455 مليون درهماً إماراتياً

ويحتوي مركز الجامع على أضخم مكتبة وطنية تضم حقائق عن المخطوطات الإسلامية وفنون العمارة، ويقدم المركز برنامج تأهيل المواطنين ليكونوا مرشدين في جامع الشيخ زايد الكبير.
وفي سياق نشر المعرفة وتعميقها حول هذه التحفة المعمارية الفريدة، أصدرت هيئة أبوظبي للثقافة والتراث كتاباً حول جامع الشيخ زايد ضمت الصفحات الـ 28 الأولى منه طباعة بأصباغ ذهبية من عيار 18 قيراط، وهو التصميم الأول من نوعه في المنطقة.
وفي بيان صادر عن هيئة أبوظبي للثقافة، أشارت إلى دعمها لدار شواطئ للنشر من أجل إصدار أولى سلسلة كتب حول جامع الشيخ زايد الكبير بما يمثله من عمارة إسلامية فنية رائعة.
كذلك أوضحت الهيئة أنّ الصفحات الـ 28 الأولى من الكتاب هي إهداء إلى الشيخ زايد آل نهيان، وتحتوي على ورق طبيعي مصنوع يدوياً على الطريقة اليابانية، ومزخرف بتصاميم من فن الخط العربي المعاصر ومطبوع على شاشة حريرية بأصباغ ذهبية من عيار 18 قيراطاً.
الطبعة الأولى من الكتاب تألفت من ثلاثة ألاف نسخة حصرية باللغتين العربية والإنجليزية، وقدم لها ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الفريق أول الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إيماناً منه بما يشكله هذا الصرح الكبير من أهمية ثقافية وفنية إسلامية.
وتم تنفيذ طباعة الكتاب بأكمله في ايطاليا، بينما قام حرفيون من تركيا بتنفيذ الغلاف، ثم أجريت عليه يدوياً تقنيات تقليدية فخمة مثل عبارة "الله أكبر" المكتوبة بخط ذهبي من عيار 18 قيراطاً بأحرف بارزة، وتزين الغلاف المغطى بالكتان الطبيعي الأبيض.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل ظل قلب محمد منير مأهولاً بالمساكن الشعبية؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-07-18

في بلاد النوبة قديماً، عُبد آمون، إلهاً للشمس والريح والخصوبة، فامتلك القدرة على التجدد وإعادة خلق نفسه، واستطاع التحول لأفعى وطرح جلده، ثم تجلى للخلق، بينما ظلّ، في الوقت نفسه، منفصلاً ومستقلاً عنه، وعندما اتّحد مع رع، استطاع الجمع بين النقيضين "التجلّي والخفاء"، وإعادة تشكيل نفسه من جديد.

اقرأ أيضاً: الشيخ إمام يتحدى التجاهل الرسمي ويشدو بأغنيات خلدها الوجدان الشعبي

هكذا كان محمد منير، ابن النوبة ورمزها الأوحد منذ عدة عقود، فرغم أنه هُمِّشت فيها تلك المملكة الأم، منبت الإمبراطورية المصرية؛ لكنّ مشواره الحافل استطاع التجلي والخفاء، في أن يكون فنان الشعب تارة، وفنان النخبة تارة أخرى.

أول الألبومات الغنائية لمحمد منير"علموني عنيكِ"

في أعقاب ثورة تموز (يوليو) 1952، عاش المصريون لأعوام تحت مظلة الصوت الواحد والمطرب الواحد، مجتمعين حول حفلات قطبي الغناء العربي؛ أم كلثوم، وعبد الحليم، حتى وفاتهما في توقيت متقارب، ترجّلت أم كلثوم عام 1975، ثم عبد الحليم حافظ 1977، مسدلَين الستار على باب من أبواب تاريخ الفنّ المصري المرتبط بالنظام السياسي، ليُعلَن ميلاد فصل جديد من التاريخ الفني لمصر، في سياقه الاجتماعي، بانطلاق أول الألبومات الغنائية لمحمد منير"علموني عنيكِ"، في توقيت وفاة عبد الحليم نفسه، الذي لم يشبهه منير في شيء، سوى أنّه عبّر عن مرحلة جديدة في تاريخ المجتمع المصري، بدأت بنكسة حزيران (يونيو) 1967، ثم وفاة عبد الناصر، فانفتاح السادات 1974، ليظهر منير متشحاً بثوب مختلف عن أسلافه في الغناء؛ إذ كان نجم الشباب وقتها، هاني شاكر، والذي اتخذ من الغناء الرومانسي باباً لقلوب الجماهير، التي لم تلتفت إلى منير في أول ألبوماته؛ حيث لم يلقَ أيّ نجاح شعبيّ يذكر، فالجماهير المستفيقة لتوها من وفيات متلاحقة لرموز حركة وطنية وفنية، سيطرت على وجدانها، لم يكن بمقدورها الالتفات لأغنيات مثل: "إيه يا بلاد يا غريبة، عدوة ولا حبيبة".

كان المسيطر على هذا اللون الغنائي وقتها، الفنان الراحل محمد حمام، كفارس للأغنية الوطنية، التي ما تزال تتربّع على قلوب الجماهير، والحقيقة أنّه، وبحسب حلقات تلفزيونية بعنوان "الموهوبون في الأرض"، تحدّث فيها الكاتب الصحفي المصري، بلال فضل، عن محمد منير، بحكم الصداقة التي جمعتهما منذ تسعينيات القرن الماضي، وشاهد عيان على فترة صعوده جماهيرياً، أوضح فيها أنّ "منير، بذكاء فطري، استطاع تطوير الموسيقى المصرية بشكل غير مسبوق في عصره، وبتوأمته مع الرباعي: هاني شنودة، ويحيى خليل في الموسيقى والألحان، وعبد الرحمن الأبنودي، وعبد الرحيم منصور في الشعر وكلمات الأغاني، استطاع منير أن يحلق عالياً، رغم ما تعرض له من تهميش في بداية مسيرته؛ ففي لقاء له مع الإعلامي عمرو الليثي، أوضح منير أنّ مسألة لون بشرته وشعره مثّلا حاجزاً كبيراً مع الجمهور، ما ولّد لديه شعوراً بالاغتراب، رغم غنائه لأهل بلده. وفي لقاء آخر، أجراه الفنان المصري محمد الحلو، في برنامج "معكم منى الشاذلي"، على الفضائية المصرية "CBC"؛ يحكي قصة مشاجرة دارت بينه وبين منير في التسعينيات من القرن الماضي، حين أجرى لقاءً على التلفزيون المصري، قائلاً: "أنا وعلي الحجار ومدحت صالح وهاني شاكر فقط من نحمل لواء الطرب العربي الأصيل، ليفاجأ الحلو بمكالمة من منير غاضباً وشاتماً: "أنتم الأربعة... الخلفاء الراشدون! طب اعتبرني بلال يا أخي"، وهي كلمات عكست شعور منير بالضجر والاغتراب الناتج عن اختلاف لون بشرته وهيئة شعره، كونه تشبّه ببلال، رضي الله عنه، مؤذّن الرسول، عليه السلام، أسود البشرة.

 الفنان المصري محمد الحلو

أفق أكثر اتساعاً للغناء

منذ انطلاقة منير، التي حاد فيها عن أغنيات الشوق والحب واللوعة والهجر، رفض منير الانصياع لمتطلبات السوق، وهو ما دفع شباب الثمانينيات إلى تسميته بـ "مطرب النخبة"، وأحياناً أخرى "مطرب اليسار"، لكنّ منير كانت له رؤية أخرى أوضحها من خلال استمراره على النهج نفسه؛ كونه جاء من أقصى الجنوب، منبثقاً من معطف محمد حمام، الذي انقلب عليه لاحقاً، جاء منير خارج معايير السوق، فلا هو شاب وسيم مهندم الثياب يستطيع جذب أنظار الجماهير، ولا هو مطرب عاطفي يغني للشباب والمراهقين فيؤجّج مشاعرهم، إنّما تفتحت آفاقه وأدخل وجدان المصريين إلى ألوان أخرى، مزجت بين الفنّ والحياة؛ فالغناء أرحب من أن يتسع للحب فقط، كما استفاض منير في معظم اللقاءات الصحفية التي أجريت معه، في الثمانينيات من القرن الماضي؛ ففي حوار له مع الكاتب الصحفي، حامد العويضي، نشر بجريدة "الأهالي" المصرية، في التاسع من تموز (يوليو) 1986، عبّر منير من خلال الحوار عن امتعاضه من حال الأغنية المصرية، التي سيطر عليها التجار لمجاراة النهم الاستهلاكي وتحقيق أقصى معدلات ربح؛ لذلك فهو يرفض تقديم أغنيات تجعله في مصافّ المشاهير، بل تأسره الكلمة الرافضة، على حدّ تعبيره، وإذ عبّر هذا الحوار بشكل خاص عن السبيل الذي اتخذه منير في الغناء.

عام 1987؛ قدّم محمد منير مسرحية غنائية بعنوان "الملك هو الملك"، ثبّتت أقدامه في مصاف نجوم الغناء المصري، وحاز بها على لقبه الشعبي "الكينغ"، إلّا أنّ ما قدّمه منير من حالة غنائية اعتبرها البعض أيقونات في الفنّ الثوري، مثّلت جدلية كبيرة بالنسبة إلى مثقفي أجيال الستينيات، وحتى الثمانينيات، الذين أثقلت كواهلهم الأحلام المبددة منذ زمن الناصرية، وحتى انتفاضة الخبز 1977، التي كانت بمثابة تصفية للقضية الاجتماعية في مصر، فجمهور منير أغلبه من الطبقات الوسطى صاحبة القضية الوطنية الأكثر حضوراً على الساحة، بدءاً من العدالة الاجتماعية وحتى تحرير فلسطين من وطأة احتلال غاشم، عقد المصريون معه اتفاقية سلام كانت نكسة نفسية أخرى تضاف إلى همومهم، وبحسب ما يرى الكاتب والباحث أيمن عبد المعطي، في مقال له؛ فإنّ "ما قدمه منير لم يكن فناً ثورياً، وإنّما حبّ تقدّمي واقع تحت سيطرة الشجن المنبثقة من الأوجاع الاجتماعية التي يعاني منها المصريون".

ولكن تغيّر الأوضاع السياسية، اعتبر بعض الناس أنّ منير أصابه شيء من التعالي على الناس الذين رفعوه عالياً، وأنه يقوم بما يطلقون عليه الانقلاب على أحلامهم التي استشعروا في صوته تجسيداً لها، ووجهت له انتقادات بأنّه بات في حالة تقارب مع السلطة، وهو ما يستدل عليه من حالة الجدل الواضحة التي تلاحق منير من جماهيره، ونقد البعض له بصفته لم يعد يمثل حلم جماهير يناير، التي لم يصرح مباشرة بموقفه ضدّها، ولكن واحدة من الأغاني الأكثر ثورية التي قدمّها منير في مسيرته، وكانت أغنية "حدوتة مصرية"، والتي غنّاها في فيلم ليوسف شاهين حمل الاسم نفسه، وتغنّت بها جموع الثوار في ميدان التحرير، ظهرت في مدلوله المكانة التي يجسدها منير في نفوس أبناء الطبقات الوسطى، من تعبير أغنياته عن أوجاعهم حتى في أحلك اللحظات احتداماً بين السلطة والشعب.

"علّي صوتك بالغنا"

عام 1997، قدّم المخرج المصري الراحل، يوسف شاهين، فيلمه "المصير"، المستوحى من حياة الفيلسوف الأندلسي الأشهر، ابن رشد، وحلّ محمد منير بطلاً لتلك الملحمة التاريخية، التي رُشحَ بفضلها شاهين للسعفة الذهبية بمهرجان "كان" السينمائي الدوليّ، وتمّ تكريمه عن مجمل أعماله في خمسينية "كان" السينمائي الدوليّ، هنا صدحت المحطات التلفزيونية المصرية، ليلاً نهاراً، بأغنية منير الأشهر في تلك المرحلة: "علّي صوتك بالغنا..لسا الأغاني ممكنة"، كانت تلك الأغنية بمثابة ميلاد جديد لمنير، الذي خرج من قالبه التراثي في تقديم أغنيات وضعته في قالب "مطرب النوبة"، وهو قالب يرفضه منير بالطبع؛ لأنّه يعزز الإقليمية التي لطالما كرهها، واشتكى منها في العديد من حواراته الصحفية التي أجراها في مستهل حياته الفنيّة، وفي حوار أجرته جريدة "أخبار اليوم"، في كانون الثاني (يناير) 2019، مع الشاعرة المصرية، كوثر مصطفى، أحد أشهر شركاء منير، ومؤلفة أغنية "علّي صوتك"، التي خطّت بها مسيرة مختلفة لمنير، فقد شاركته كوثر لفترة امتدت 25 عاماً، قالت: "منير لا يعرف الصدفة، فكلّ كلمة يغنيها كان يقصدها ويقصد معانيها بالكامل، مثل أغنية "إزاي" التي لاقت رفضاً لعرضها في وقت الثورة، ولكنها ظهرت لجمهور منير، ولاقت إعجاباً جماهيرياً كبيراً".

فيديو قناة العربية.. الثورة هدية الحالمين:

وبحسب كلمات الشاعرة؛ فإنّه إذا كان منير لا يعرف الصدفة، فإنّ أغنياته تعبّر عنه بشكل أو بآخر، فهو لم يكن مع الناس اعتباطاً ولم ينقلب عليهم سهواً، وأكّد على الصفة نفسها في منير، الموسيقار هاني شنودة، في حديثه عن محمد منير لـ "حفريات"، قائلاً: "عرفت منير منذ بداية مشواره، ورغم موهبته الفذّة، إلّا أنّه كثيراً ما كان يتردّد قبل أدائه لأيّ لحن أو أغنية، وكلّ تفاصيل العمل يحب أن يدقّق فيها، ليخرج على أكمل وجه، فهو فنان متطلّع للكمال، كما يحبّ أن يندمج مع الحالة الشعبية السائدة بين أجيال الشباب، فمنير مرِن فنياً لأقصى درجة، ويحبّ أن يجتث نبض الشارع ليقدم ما يلائم مزاجه"، ربما التناقضات التي اجترّ لها منير قبيل ثورة يناير، وفي أعقابها، حتى إزاحة الإخوان عن حكم مصر، جسدت حالة من الجدل المماثل ضدّه من الجماهير المحبة؛ فقبيل ثورة يناير أدّى محمد منير وصلة غنائية في احتفالية القوات الجوية المصرية، في ذكرى تحرير سيناء، أمام الرئيس المخلوع، حسني مبارك، والمشير طنطاوي، وتصافح مع مبارك بحرارة في أعقاب الحفل، كما تناقل نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي فيديو في لقاء له على قناة "دريم" المصرية، يصف مبارك فيها بـ "الأب الحكيم لكلّ المصريين"، وهو ما لا يتوافق مع تصريحات منير لقناة "العربية"، بعد مرور بضعة أشهر فقط من اندلاع ثورة يناير، وانضمامه لصفوف شباب يناير، واصفاً الثورة بالحلم المتراكم على مدار عقود، من الفساد والديكتاتورية.

هل اختلف مشروع منير فعلاً؟

أصبح منير في الآونة الأخيرة مثار جدل كبير بين صفوف الشعب المصري، وهذا إن دّل على شيء فهو دلالة على منزلة عالية تمتع بها الفنان بين جماهيره لعدة عقود، واستشعار بعض الجماهير بالخذلان من فنانهم الأوحد، حتى إنّ ثوّار ميدان التحرير لم يجدوا سوى منير للتغني بأغنياته، إلى جانب تراث مشايخ الفنّ الثوري؛ محمد حمام، والشيخ إمام عيسى، بعد تخاذل نجوم الشباب، على رأسهم تامر حسني، الذي طرد من الميدان شرّ طردة، وبدأ نجمه في الخفوت بعدما سيطر لأعوام على ساحة الأغنية الشبابية، فها هو منير الفنان الوحيد الذي ما يزال حيّاً، يغني للثورة ويؤيد أحلام الثائرين، إلّا أنّ أغنية "متحيز"؛ عام 2014، اعتبرها البعض خروجا على مسيرة الفنان منير ومساره، متناسياً تاريخه الطويل من التغني بالآم المصريين وأوجاعهم، كما فعل في أغنية حدوتة مصرية:

مين العاقل فينا مين المجنون

مين يلي مدبوح من الألم

مين يلي ظالم فينا مين مظلوم

مين يلي ما يعرفش غير كلمة نعم

مين يلي محميلك خضار الفلاحين غلابة

مين يلي محميلك عمار عمالك الطيابة

مين يلي ببيع الضمير مين يشتري مين يشتري بيه الدمار

مين هو صاحب المسألة والمشكلة والحكاية والقلم

اقرأ أيضاً: مشايخ في سماء الطرب والموسيقى

يبقى لمنير في وجدان الشعب المصري تاريخه الفني الطويل، الذي امتد لأربعة عقود، قدّم فيها ما يزيد عن 450 أغنية، إلى جانب 17 فيلماً، بين ممثل ومؤدٍّ لأغنيات بعض الأفلام، إضافة إلى 17 مسلسلاً تلفزيونيّاً، وثلاث مسرحيات، كانت علامات فارقة في الإرث الفني لمصر الحديثة، وعكست التناقضات والتحولات الاجتماعية، وعبّرت عن الجماهير في أوقات كثيرة.

للمشاركة:

خالد الحروب يكتب بـ "حبر الشمس" عن بلاد الغرباء والمثقف اليقيني

2019-07-16

حتى تمسك بالكلمتين الرئيستين لتجربة خالد الحروب في الكتابة: الأكاديمي والأديب، لا بد لك من قراءة بعض نتاجه؛ لمعاينة كيف يتغوّل طرف على آخر في مرات، ما يخلق بدوره طابعاً فريداً لنتاجه، إلى حد قد يفكر فيه المتلقي باجتراح توصيف خاص لبعض كتاباته، ما يُذكّر إلى حد ما بحالة القيادي في الجبهة الديموقراطية ممدوح نوفل، الذي دوّن تجربته في كتب عدة، ارتأى نقّاد آنذاك أنّها قد تكون جنساً نادراً اسمه "الرواية غير الخيالية"، وفي حالة الحروب بالوسع قول إنّ بعض نصوصه "قصة غير خيالية".

"حبر الشمس" الصادرة في العام 2016

"حبر الشمس"
أكثر ما يتجلّى السابق، فيما اصطلحت عليه الدار الأهلية "قصص"، تحت عنوان "حبر الشمس"، والصادرة في العام 2016؛ ذلك أنّ نمطها يراوح بين السيرة الذاتية وأدب الرحلات والقصة، وبين المقالات في مرات والتغطيات الصحافية في مرات أخرى لحفل ما أو فعالية في فلسطين.

أنجبت فلسطين مثقفين على سويّة عالية ومفكّرين يُعتدّ بهم في المحافل العالمية وخالد الحروب من صفوتهم

ولم يكن الحروب يراوح بين أجناس كتابية متنوعة فحسب، بل كان كذلك يذهب ويجيء بين التفاصيل والخطوط العريضة، التي تطرّق إليها من خلال تجربة الروائي الأمريكي جوناثان فرانزن في روايته "فريدوم".
المُلاحَظ في مجموعة "حبر الشمس"، التي يُفرِغ فيها الحروب حمولات ثقيلة عن كتفيه، عنوانها العريض فلسطين، المُلاحَظ أمور عدة، أبرزها تغوّل الأكاديمي والمفكّر على الأديب في مرات كثيرة، وهو التغوّل الذي جعل الحروب يعرض وجهات نظره السياسية وفي مرات أن يستشهد بالأرقام والمعلومات، على حساب السرد الأدبي لحادثة بعينها، ما كان يقطع على المتلقي حبل الاندماج في المادة إن أُخِذت على محمل قراءة الأدب، لكن سيعود المتلقي لاستذكار أنّ التصنيف لربما جاء غير دقيق من قِبل دار النشر، ثم إنّ الحروب أكاديمي ومفكر في المقام الأول، قبل أن يكون أديباً أو بعد لا يهمّ، لكن هذه هي صبغته الأبرز. ما يجعل من تقديم المعلومات والرؤى والمقارنات وارادً لديه أكثر من الخيال والصور البديعية، التي لم يغفلها بل جاءت مكثفة وحاضرة بقوة، لكن كان المفكر والأديب يشدّه من جديد وبقوة كلما أراد ترك نفسه على سجيّته في الكتابة الوجدانية.

اقرأ أيضاً: رينيه جينو.. رحلة حيرة تنتهي في الشرق
وفي مرات، كان الجانب الإعلامي يطغى على كتابة الحروب (كما في تغطيته حفل الفرقة الجولانية في رام الله)، وهو أمر ليس مستغرباً أيضاً؛ إذ مارس الحروب الإعلام مرات كثيرة، مرئياً ومكتوباً، وهذا التنوّع ليس مستهجناً؛ إذ هو قبل ما سبق كله مهندس، ودارس مزمن، إن جاز التعبير، في علوم الفلسفة والعلوم السياسية والإحصاء السكاني، كما مارس مهنياً الإعلام والعمل الأكاديمي والهندسي، وفي بقاع شتى آسيوية وأفريقية وأوروبية. كل ذلك، يحضر بقوة في كتابة الحروب، وإن لم يتم ذكره بالفم الملآن، لكنه حاضر.
الطرافة كانت متواجدة إلى حد كبير في بعض النصوص التي كتبها الحروب في "حبر الشمس"، وقد عادَ من خلالها الفلاح الفلسطيني الذي يجلس في مضافة القرية ويتندّر على طرائف أهالي قريته والقرى الملاصقة، كما في النص الذي يتناول خلاله السجال الذي جرى بينه وبين السيدة البتّيرية، حول نسبة الباذنجان البتّيري لقرية بتّير، فيما هو من قريته وادي فوكين.

اقرأ أيضاً: علي مبارك "أبو التعليم في مصر" لا تمثال له في القاهرة
أكثر ما ظهر الجانب الأكاديمي البحت لدى الحروب، في حديثه عن غزة في المادة الأولى؛ إذ ما كاد القارئ يستغرق معه في المشاهد التي ينقلها من هناك، حتى عاد به لخانة العمل الأكاديمي الجدّي، مثيراً قضية بالغة الأهمية وهي التناول الإعلامي لقطاع غزة، وبوسع المتلقي القول إنّ عقل المفكر وانضباط الأكاديمي كانا يوقفان الحروب كلما حاول الانطلاق كأديب. وليس الأمر متعلقاً باللغة هنا، بل التناول. لذا، يبقى الحروب رقيباً على النص ويديره بعقلية الأكاديمي الذي لا يرتاح حتى يُسلّم المتلقي معلومة مفيدة.

اقرأ أيضاً: رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية

نص "ساحرة الشعر" يأخذ المتلقي بعيداً، ولربما يكون من أكثر النصوص التي تجمع الجزالة والطرافة وتحمل فكرة فريدة، وهو النص الذي يظهر فيه الحروب مهجوساً بمحمود درويش، أكثر من بقية النصوص التي يبقى درويش فيها حاضراً بشكل أو بآخر.
ولعل النص الوحيد الذي خرجَ فيه الحروب من جلد الأكاديمي كان "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، والذي استعرضَ فيه بغضب بعض تنظيرات النخب، وبعض استسهالات العامة، بلغة رشيقة متمردة يشتاق المتلقي لها خلال استغراقه بلغة الأكاديمي الرصينة.

"أصفع وجه السماء وأمضي" الصادرة في العام 2017

"أصفع وجه السماء وأمضي"
ضمّن الحروب بعض قصائده في مجموعة حملت عنوان "أصفع وجه السماء وأمضي"، والصادرة كذلك عن دار الأهلية في العام 2017. وفي هذه المجموعة، تطلّ قصيدة بالغة الأهمية، وهي تصبغ وجدان الحروب وحديثه كثيراً، وتحمل عنوان "تينة مريم".
يعود الحروب من خلال هذه القصيدة يافعاً يحوم حول عمته مريم، ويعود شاباً يزورها ويطلّ عليها ويهجس بيومياتها:
كل الحكاية
يا عالم التعقيد والآلات
والغزوات
أن لا حكاية عند مريم
فهي الحكاية قبل أن تُحكى،
وهي النهاية بعد أن تُحكى
وبصدد معرفة المزيد عن الحروب، هناك قصيدة "ليته لم يعد"، التي يحضر فيها بشجنه دونما مواربة. يقول في مقطع منها:
يُطلّ المساء حزيناً
صبايا الحي وراء النوافذ
ستائر تسترُ دمعاً وهمساً:
ألا ليته لم يعد؟
لماذا يا بلد الغرباء
تعيد إلينا فتانا
وقد شاب... أو مات،
وتخلعُ عن كتفيه الكبرياء،
وتسرقُ من عينيه اللهب؟
يا بلد الغرباء: أما كان فيك اتساع
لوقت جديد
يعود لزهر البداية
ليبقى فيكَ
ويأتي منكَ
شباباً ورُمحاً
كما كان يوم ارتحل

"المثقف القلق ضد مثقف اليقين" الصادر عن دار الأهلية في العام 2018

المثقف القلق ضد مثقف اليقين
في كتابه "المثقف القلق ضد مثقف اليقين"، الصادر عن دار الأهلية في العام 2018، يصول الحروب ويجول باقتدار، من دون أن تتنازعه تيارات كتابية شتى. يحضر واثقاً ويُغرِق القارئ تماماً من دفّة الكتاب الأولى للثانية دونما انقطاع، خلال تشريحه ظاهرة المثقف العربي وأدواره وتصنيفاته، مجدّداً قلقه من تعويل الجماهير على المثقف بطريقة تحمّله في مرات ما لا يحتمل، وهو الحديث ذاته الذي كان قد صارحَ الجمهور به ذات مرة في نادي الجسرة الثقافي، قائلاً إنّ المثقف في نهاية المطاف إنسان عادي بالتزامات حياتية كثيرة وبتضييقات أمنية شأنه شأن أي إنسان آخر.

في كتابه "المثقف القلق ضد مثقف اليقين" يصول الحروب ويجول باقتدار من دون أن تتنازعه تيارات كتابية شتى

من يقرأ للحروب كلا الطيفين: الأدبي والفكري، يجد الجانب التنظيري والأكاديمي ميدانه الأوسع، الذي يكتب فيه بزخم لافت، مستشهداً بتجارب كثيرة وممسكاً بتلابيب الخطاب وأدواته كمن يمسك معجونة ليّنة بين أصابعه، يشكّلها ويصوغها كيفما شاء. ثمة زخم لافت في المراجع والمقارنات والاستشهادات والتصنيفات، تجعل القارئ نهماً بالضرورة لكتاب "المثقف القلق ضد مثقف اليقين"، وستتكرّس قناعة أكيدة لدى المتلقي في حينها بأنه أمام مفكر نوعي موسوعي ممسك بأدواته باقتدار لافت.

تصنيفات كثيرة يجترحها الحروب في كتابه ويبني على السابق منها لدى مفكرين آخرين، من قبيل: المثقف العضوي ومثقف القطيع والمثقف الاعتذاري والمثقف الشعبوي الطوباوي والمثقف المهرج ومثقف السلطة والمثقف القلِق والمُقلِق، وغير ذلك.

اقرأ أيضاً: صلاح فضل: أديب أزهري يفتش في جذوره الوجدانية
وبعد أن يوغل الحروب في التصنيفات والتقسيمات والتأملات، يعرض مجموعة من مقالاته السابقة في هذا السياق، ما يترك المتلقي مطمئناً للنتاج الذي يغرف منه، لدى مفكر من عيار ثقيل بلغة رصينة وأفكار مرتبة وخلفية أكاديمية محكمة أيما إحكام.
ما بين الحروب المفكر والأكاديمي، والحروب الشاعر والقاصّ، وما بين الخطوط العريضة والتفصيلات، سيجد المتلقي ما يحتمل الجدل في مرات أو التوافق، لكن شيئاً واحداً سيكون جازماً بشأنه: أنجبت فلسطين مثقفين على سويّة عالية ومفكّرين يُعتدّ بهم في المحافل العالمية، وخالد الحروب من صفوتهم.

للمشاركة:

رينيه جينو.. رحلة حيرة تنتهي في الشرق

2019-07-14

بسبب ذلك الجسد الهزيل الذي لم يفارقه الاعتلال، ظل ذلك الطفل ابن الأسرة الكاثوليكية المتدينة، دائم التفكير والتأمل في الأسباب التي تقف وراء هذه الصحة الواهنة، وباحثاً عن إجابات لأسئلة أخرى أشد تعقيداً، لعلّها تبعث في نفسه القلقة تلك الطمأنينة التي طالما تاق لها، وكان لـ"رينيه جينو" أو الشيخ العارف بالله عبد الواحد يحيى، في النهاية ما أراد.

رينيه جينو شاباً

تيه المدارس الروحية

ولد رينيه جينو في الخامس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 1886، في مدينة بلوا الفرنسية، أنهى دراسة البكالوريا عام 1903، ثم انتقل إلى باريس العام 1904، وسجّل اسمه لدراسة الرياضيات في كلية رولين، العام 1906، ورغم نبوغه اللافت في هذا التخصص؛ فإنّه ترك الكلية ولم يكمل الدراسة فيها، ثم حصل على الليسانس في كلية الآداب من جامعة السوربون، العام 1915، وبعد ثلاثة أعوام بدأ يعد لدرجة الأجريجاسيون (شهادة تؤهل للتدريس بالمدارس الثانوية الفرنسية) في الفلسفة.

انبهار جينو بالغنى الثقافي الباريسي دفعه للانصراف عن دراسة الرياضيات والاغتراف من المذاهب الصوفية المسيحية

لم يلبث أن انجذب جينو إلى مجتمع باريس الذي ضمّ عدداً لا يحصى من أتباع الأفكار والأديان والمذاهب والمعتقدات، هذا الانبهار بعالم مدينة النور دفعه للانصراف إلى المذاهب الصوفية المسيحية التي انشغلت بأسئلة سقوط الإنسان في المادية، بعيداً عن النبع الإلهي المقدس، وكيفية العودة إلى هذا النبع مجدداً.
في هذه الأجواء انجذب الشاب المتدين إلى الطريقة المارتينية؛ التي أشرف عليها الطبيب الفرنسي جيرار انكوز (Gérard Encausse)، تدرّج في تلك الطريقة، حتى وصل إلى أعلى رتبة فيها، ثم تركها لينضم إلى الكنيسة الغنوصية، كما شارك في تأسيس دوريتها الغنوص  (La Gnose)، والكتابة فيها حتى عام 1922.

اقرأ أيضاً: ساراماغو حين لا يعبأ بمعاداة السامية: مع فلسطين ضد إسرائيل

وبسبب ظمئه الروحي، الذي لم تروِه تلك المعتقدات الغريبة، وملاحظته لعدد من المخالفات والتجاوزات التي سجلها على تلك الطرق؛ اتجه إلى عدة منظمات دينية مسيحية وماسونية، وكان كدأبه مع كلّ جماعة يصل إلى أعلى مكانة ورتبة، ثم يتركها بعد أن يعاوده الظمأ الروحي وشعور الاغتراب عن الحقيقة الروحية التي يصبو إليها، حتى انتهى به الحال بوصف ذلك النمط من الروحانيات بالزائف.

عاد جينو إلى الحياة العامة مجدداً، في أوائل عشرينيات القرن الماضي، تاركاً خلفه تلك المذاهب؛ لينغمس في دراسة المذهب الكاثوليكي، مدفوعاً بقلقه، وباحثاً عن إمكانية وجود صوفية كاثوليكية بتصحيح الانحراف الحادث بها عن طريق ما أسماه "الإدراك".

اقرأ أيضاً: علي مبارك "أبو التعليم في مصر" لا تمثال له في القاهرة
أثناء تقلّبه من جماعة دينية إلى أخرى؛ درس جينو الأديان الشرقية القديمة، الهندوسية والبوذية والطاوية، عبر اتصاله بأشخاص ينتمون إلى ما يعرف بأدفيتا فيدانتا (طريقة فلسفية من الطرق الكلاسيكية الهندوسية، لتحقيق الإدراك الروحي، ترى إمكانية تحرر الإنسان في العالم)، كما درس الإسلام، ليصدر بعد هذه التجربة الغنية كتاب "مقدمة لدراسة العقائد الهندوسية" العام 1921، ثم تبعه بكتاب عن فلسفة أدفيتا فيدانتا، بعنوان "الإنسان ومصيره وفقاً للفيدانتا" العام 1925.

نشأ المتصوف الفرنسي في سياق غربي مضطرب

الرحلة إلى الله
نشأ المتصوف الفرنسي، إذن، في سياق غربي مضطرب؛ فشهد في شبابه أحداثاً عظيمة، بلغت ذروتها مع الحرب العالمية الأولى، كما تدهورت أمام عينيه مبادئ التنوير والحداثة تدهوراً حاداً، فكانت الأزمة الحضارية الغربية والحلول الهشة غير الناجزة سببين لبحثه عن مخرج آخر باحثاً عن الحقيقة الميتافزيقية الخالدة، كما أسماها.

أثناء تقلّبه من جماعة دينية إلى أخرى درس الأديان الشرقية القديمة: الهندوسية والبوذية والطاوية ثم الإسلام

تعرّف جينو أخيراً إلى فنان تشكيلي سويدي شهير، تحوّل إلى الإسلام، يدعى جون جوستاف أجيلي (John Gustaf Agelii) أصبح اسمه بعد إسلامه، الشيخ عبد الهادي عقيلي، وكان عقيلي هذا مهووساً بالشيخ محيي الدين بن عربي، وأسّس طريقة صوفية في باريس، العام 1911، تسمى الأكبرية، نسبة إلى طريقة الشيخ محيي الدين بن عربي، وقد ضمّ معه رينيه جينو.

في العام 1912، أثمرت مصاحبة الشيخ عبد الهادي، بإعلان الفتى القلق إسلامه، وكان عمره يناهز السادسة والعشرين، واتخذ اسم "عبد الواحد يحيى" الذي سيرافقه حتى وفاته.

بعد وفاة زوجته الفرنسية سافر جينو إلى القاهرة بحثاً عن نصوص صوفية إسلامية، بمرور الوقت تخلى عن فكرة العودة إلى فرنسا، ليستقر به الحال بجوار مسجد الأزهر، تزوج من بنت الشيخ سلامة الراضي من الطريقة الشاذلية، العام 1934، ثم حصل على الجنسية المصرية العام 1948.

اقرأ أيضاً: رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية

أسس جينو ما يسمى بالمدرسة التقليدية (Traditionalist)، التي كانت ترى أنّ كلّ المذاهب التراثية التقليدية لها نفس المبادئ الخالدة، وترفض المادة كحدود نهائية أو كلية، للإنسان، وتؤمن بالعالم الغيبي غير المنظور إيماناً غير محدود؛ كان يقول إنّ المعرفة الغيبية والتحقق الذاتي الذي تتضمنه واحدة في كلّ مكان، ولكن هناك مناخ عام للحضارة، يؤدي إلى نوع من الاختلافات البينية، مؤكداً أنّ مناخ الحضارة الغربية غير مهيأ إلى تقبل وإنتاج المعرفة الغيبية هذه، على عكس الحضارة الشرقية، وكان يقصد حضارات الشرق عموماً، بما فيها الهندوسية والطاوية والكونفشيوسية والإسلام.
نقد الغرب روحياً
آمن جينو أنّ الغرب عانى من عدة انقطاعات عقلية وفكرية عن ذلك التراث الميتافزيقي المقدس، ما سبّب له الضياع والشتات الروحي، وأنّ الثورة الغربية العدمية على القيم أزاحت القيم والتقاليد الميتافزيقية، وأحلت محلها الفوضى والقلق الوجودي الدائم، وزاد من حجم الاهتمام بالمادة ومنجزاتها على حساب الروح وتدرّج القيم؛ ففقد القدرة على التمييز بين عتامة المادة ونور الروح، وظهور مشكلات خطيرة، مثل صراع الطبقات الاجتماعية، وتغذية تلك الخلافات، ما أوصل إلى اندلاع حربين عالميتين أودتا بملايين الأبرياء.

اقرأ أيضاً: صبحي غوشة: شمس مقدسية تطل من النافذة العالية
نقد جينو المذهب التجريبي الكمّي، الذي أسسه بيكون، رغم انبهار الغربيين بمنجزاته التي حققها، واعتبارها علامة فارقة في تاريخ حضارتهم؛ إذ رأى أنّ التجريبية ناجحة فقط في دراسة الجزئيات وإدراكها، لكنها عاجزة تماماً عن إدراك الصورة كاملة؛ فالغرب، كما يقول، مدفوع بالرغبة في التعمية على الفشل الروحي بإنهاك الغربيين عبر حصرهم في مجموعة هائلة من البيانات، بزعم استخدام المناهج العلمية الدقيقة "الوضعية" و"التجريبية".

 لم يشترط جينو الثقافة في المتصوف أو حتى القدرة على القراءة بل ما أسماه ملكات خُلقية

الصوفي والمتصوف
فرّق "الشيخ عبد الواحد يحيى" بين الصوفي والمتصوف؛ فالأخير، كما يرى، اتخذ الطريق بحثاً عن الحقيقة، أما الصوفي فهو من وصل للدرجات العليا، ويستحيل على متصوف حقيقي أن يطلقها على نفسه؛ لأنّ الصوفي الحقيقي هو من امتلك الحكمة الإلهية.
واعتبر جينو التصوف مكوناً رئيسياً في الإسلام، يعود إلى السنن النبوية، وأنّ للطرق الأصيلة سلسلة من الشيوخ يرجع نسبهم إلى الرسول، عليه السلام، والتوصل إلى مبادئ التصوف يتطلب قراءة وفهم القرآن الكريم، والتصوف الإسلامي، بنظره، مذهب ميتافزيقي يضمّ مجموعة من العلوم الموروثة المرتبطة بالمبادئ الميتافزيقية، وهو لا يشترط الثقافة في المتصوف، أو حتى القدرة على القراءة، ولكنّه يشترط نوعاً مما أسماه "ملكات خُلقية"، وأن يرتبط بسلسلة منتظمة في طريقة، وما إن يحصل المريد على الوصل، حتى يبدأ العمل الداخلي المنتظم وصولاً إلى درجة "الهوية العليا" أعلى مراتب التصوف.

اقرأ أيضاً: صلاح فضل: أديب أزهري يفتش في جذوره الوجدانية

من القاهرة، ظلّ الشيخ عبد الواحد يحيى يراسل مجلة "دراسات نقلية" (Études Traditionnelles)  التي ساهم في تأسيسها حينما كان في باريس، وظلّ يراسل المفكرين ويناظرهم حول مدرسته التقليدية.

في منتصف شهر كانون الأول (ديسمبر) العام 1950؛ أصيب بعدة قروح، ثم عاودته بعد عام، فانتابتْه تشنجاتٌ حادة، وفي مساء السابع من كانون الثاني (يناير) 1951، جلس في فراشه، محاطاً بأبنائه الثلاثة وزوجته الحامل، وقال بالعامية المصرية: "النَّفَس خِلِصْ!"، وأخذ يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يردد: "الله.. الله"، ليرحل عن عالمنا عن عمر يناهز الرابعة والستين ويدفن في مدافن الدراسة بالقاهرة، تاركاً 29 كتاباً، وما يزيد على خمسمئة مقال ومراجعات للكتب، دافع فيها عن الإسلام وفلسفته الروحية مثل: ملك العالم أو "القطب"، الشرق والغرب، و"أزمة العالم المعاصر" الذي أعيد طبعه عدة مرات.

للمشاركة:



حماس تواصل تعزيز علاقاتها مع إيران.. آخر اللقاءات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

 تواصل حركة حماس الإسلامية تعزيز علاقتها مع جمهورية إيران الإسلامية، ومع الميليشيات التابعة لها في لبنان؛ حيث التقى وفد من حركة حماس، برئاسة نائب رئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية، أسامة حمدان، اليوم، المساعد الخاص لرئيس مجلس الشورى الإسلامي في إيران، حسين أمير عبد اللهيان، في مقر سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت.

وضمّ الوفد ممثل حركة حماس في لبنان، الدكتور أحمد عبد الهادي، ونائب المسؤول السياسي جهاد طه، ومسؤول العلاقات الإعلامية، عبد المجيد العوض، وفق ما نقلت وكالة "معاً" الفلسطينية.

وفد من حماس يلتقي مساعد رئيس مجلس الشورى في إيران بسفارة الجمهورية الإسلامية في بيروت

وقال بيان صادر عن حماس: إنّ "الوفد قدّم شرحاً وافياً عن الأوضاع في فلسطين، لا سيما تداعيات صفقة القرن على القضية الفلسطينية وانتقاصها من حقوق الشعب وحقّ اللاجئين الفلسطينيين بعودتهم إلى أرضهم التي هجروا منها".

وشدّد الوفد على تمسّك حركة حماس بالمقاومة لتحرير فلسطين واستعادة الحقوق.

من جهته، رحّب عبد اللهيان بوفد حماس، مجدِّداً دعم بلاده للشعب ومقاومته الباسلة، مشيداً بدور حركة حماس وفصائل المقاومة في مواجهة الاحتلال والدفاع عن مقدسات الأمة.

وفي نهاية اللقاء؛ ثمّن الجانبان العلاقة الإيجابية بينهما، وأكّدوا الاستمرار في خدمة القضية المركزية للأمة.

وكان رئيس مكتب العلاقات الدولية لحركة حماس، موسى أبو مرزوق، قد أكّد، أول من أمس، خلال زيارته لموسكو؛ أنّ "علاقات الحركة مع إيران هي بأفضل حالاتها"، قائلاً: "هناك علاقات متينة مع الجمهورية الإسلامية، ولم تنقطع إطلاقاً في أيّة مرحلة من المراحل، ولكنها بين شدّ وجذب، وهي الآن في أحسن صورها".

 

للمشاركة:

إحباط هجوم حوثي جديد في الحديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

 أحبطت القوات المشتركة، فجر اليوم، هجوماً للميليشيات الحوثية الإرهابية، شرق مدينة الحديدة.

وقال المركز الإعلامي لقوات العمالقة: إنّ "ميليشيا الحوثي شنت هجوماً على مواقع القوات المشتركة شرق مدينة الحديدة، بالتزامن مع محاولات مستميتة للميليشيا، لتحقيق أيّ اختراق أو تقدم نحو مواقع القوات المشتركة في منطقة "كيلو 16"، بمديرية الحالي جنوب الحديدة"، وفق موقع "المشهد" اليمني.

القوات المشتركة تحبط هجوماً للميليشيات الحوثية الإرهابية بالحديدة وتكبّد الحوثيين خسائر كبيرة

وبحسب المركز؛ فإنّ وحدات من القوات المشتركة، أحبطت الهجوم وكبدت الحوثيين خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

وقمعت ميليشيا الحوثي بصنعاء تجمعاً لأحد قبائل الطوق، كانوا يطالبون بالإفراج عن أمين عام حزب العمل اليمني، مختار القشيبي.

إلى ذلك، قال قيادي حوثي رفيع، أمس: إنّ "جماعته ستواصل ضرب عمق السعودية ".

جاء ذلك خلال لقاء المبعوث الأممي، مارتن غريفيث، رئيس ما يسمى "المجلس السياسي الأعلى" التابع للحوثيين، مهدي المشاط، بالعاصمة اليمنية صنعاء، بحسب ما نقلت "الأناضول" عن وكالة الأنباء التابعة للجماعة الإرهابية.

مهدي المشاط يؤكد أنّ جماعة الحوثي الإرهابية ستواصل ضرب عمق المملكة العربية السعودية

وأضاف أنّه "طالما استمرت عمليات الجيش اليمني والتحالف العربي، سنستخدم كلّ متاح لضرب السعودية في عمقها، حتى إجبارها على وقف هجومها".

 وكانت ميليشيات الحوثي الإرهابية قد استهدفت، خلال الفترة الماضية، منشآت حيوية؛ كالمطارات بطائرات مسيرة، وصواريخ إيرانية المنشأ، وقتلت وأصابت العشرات من المدنيين في المملكة العربية السعودية.

 

للمشاركة:

تفاصيل مقتل الدبلوماسي التركي في كردستان وردود الأفعال..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

لقي أحد أعضاء السلك الدبلوماسي التركي المعتمدين لدى إقليم كردستان العراق مصرعه برصاص مسلحَيْن مجهولَيْن في أحد مطاعم أربيل، داخل مجمّع سكني راقٍ، وسط المدينة، وقتل مدني آخر، وأصيب ثالث بجروح.

وقال بيان لمديرية الأمن الكردي (الأسايش) في أربيل: إنّ "مسلحَيْن مجهولَيْن أطلقا النار من مسدسات كاتمة للصوت على نائب القنصل التركي داخل مطعم حقاباز، وأردياه قتيلاً في الحال، كما قُتل مدني آخر من زبائن المطعم، وأصيب آخر بجروح"، وفق ما نقلت وكالة "رويترز".

مسلحان مجهولان كانا متنكرين بزيّ جهات رسمية قتلا نائب القنصل التركي بمسدسات كاتمة للصوت

وفرض الأمن الكردي طوقاً محكماً على موقع الحادث في مجمع "إمباير"؛ الذي يضمّ مساكن عدد من كبار المسؤولين، ومنع الصحفيين من الوصول إليه، وتعهّد بالقبض على الجناة في أقرب وقت ممكن، وتقديمهم للعدالة، مديناً بشدة العملية التي وصفها بالإرهابية، فيما أصدر رئيس الدائرة الإعلامية في قوات حماية شعب كردستان الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني ديار دنيز، بياناً مقتضباً نفى فيه أيّة صلة لحزبه بعملية الاغتيال.

واستخدم منفّذا الهجوم مسدسات كاتمة، وكانا متنكرَيْن بزيّ جهات رسمية، مما سهّل عليهما التسلّل إلى داخل المطعم، الذي كان يستضيف في إحدى قاعاته اجتماعاً تجارياً لممثلي عدد من الشركات التركية مع نظرائهم في إقليم كردستان.

وتمكّن الجناة من الفرار إلى جهة مجهولة، فيما بدأت الجهات الأمنية، بمختلف اختصاصاتها، تحقيقات مكثفة بالاعتماد على صور كاميرات المراقبة في موقع الحادث، وأغلقت مداخل أربيل ومخارجها بحثاً عن القاتليْن.

وقالت دائرة الأمن في أربيل: إنّ "الهجوم أسفر أيضاً عن مقتل شخص آخر، وهو رجل كردستاني"، وأضافت أنّ "شخصاً كردستانياً آخر أصيب في الهجوم، ولاذ المهاجمان بالفرار".

وتوعّدت الرئاسة التركية بـ "الردّ المناسب" على الهجوم. فيما كتب الناطق باسم الرئاسة، إبراهيم كالين، على تويتر "سنقوم بالردّ المناسب على منفذي هذا الهجوم الجبان"، لكن دون تحديد مَن يقف وراء الهجوم، بحسب صحيفة "الشرق الأوسط".

وأكّد وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، في بيان؛ أنّه أجرى على الفور اتصالات هاتفية بكل من رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، ورئيس الحكومة، مسرور بارزاني، للتنسيق المشترك في عمليات التحقيق، مؤكّداً أنّ بلاده ستوفد فريقاً من المختصين في التحقيقات الجنائية إلى أربيل للمشاركة في عمليات التحقيق.

الرئاسة التركية تعهّدت بالردّ بالشكل المناسب على الهجوم الشنيع، وأشارت إلى بدء التدابير لضبط مرتكبيه

وتعهدت الرئاسة التركية بالردّ "بالشكل المناسب" على الهجوم الشنيع، وأشارت إلى أنّ "التدابير بدأت للعثور على مرتكبيه".

وكتب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عبر تويتر؛ أنّ "بلاده تواصل الاتصالات بالسلطات العراقية والمسؤولين المحليين من أجل الوصول بسرعة لمرتكبي الهجوم".

وفي إطار ردود الفعل الداخلية؛ دان الزعيم الشيعي، عمار الحكيم، رئيس تيار الحكمة الوطني العراقي، اليوم، قتل الدبلوماسي التركي، ووصفه بأنّه "اعتداء غادر"، وقال الحكيم في بيان صحفي: "نعبّر عن أسفنا البالغ إزاء نبأ مصرع نائب القنصل التركي، ومرافقيه في محافظة أربيل بسبب اعتداء غادر".

وحثّ الجهات الأمنية على "بذل قصارى جهودها لكشف ملابسات الحادث وتقديم مرتكبيه إلى العدالة".

 

 

للمشاركة:



التسامح.. طريق الشعوب للتقدم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-19

أحمد السعداوي

تنهض الأمم وترتقي بالتسامح القائم على التفاهم والتعايش.. وبإعلاء قيمة الآخر يزداد الترابط بين أفراد المجتمعات فيسودها الاستقرار والسلام، وتصل البلدان إلى أعلى درجات التقدم والرفاهية. فالتسامح نقل قارة أوروبا إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار، بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 77 مليون قتيل وعشرات الملايين من المصابين وخسائر مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، حيث برئت القارة من آثار هاتين الكارثتين الكبريين في تاريخ البشرية، اعتماداً على سيادة مبدأ التسامح ونسيان الجروح الغائرة.وفي أفريقيا، تعافت العديد من الدول من تجارب مريرة، وحافظت على وحدتها وشيدت نهضتها بالتسامح، وحالياً تشهد الكثير من مظاهر التقدم والازدهار، وباتت تضاهي بنظافتها شوارع العواصم الأوروبية.

«التجربة الماليزية».. الأقلية في «قلب» الأغلبية
النموذج الماليزي في التعايش بين مختلف الأجناس والأديان، يستحق الوقوف أمامه طويلاً، خاصة أنه يجسد تلاحم الأصول المختلفة دون تعصب من أغلبية ضد أقلية، ودون احتقان أقلية في وجه أغلبية.
ويتشكل سكان ماليزيا من الملاويين أهل البلد منذ القدم ونسبتهم حالياً حوالي 65% علاوة على الصينيين ونسبتهم تقترب من 20% والهنود15%، ويتعايش هذا الخليط في احترام وتقدير متبادلين تحت مظلة القانون، والصينيون والهنود جاؤوا إلى ماليزيا منذ عشرات السنين طلباً للعيش، فاستقبلهم المسلمون من سكان البلاد واستوعبوهم في المجتمع وسمحوا لهم بكل رضا ببناء معابدهم ودور عبادتهم إلى جوار مساجد أهل البلد الأصليين، ولم يجدوا غضاضة في ذلك.
وفي العاصمة كوالالمبور ترى مجموعة من المعابد البوذية الخاصة بالصينيين، وكذلك المعابد الهندوسية الخاصة بالهنود، وأشهرها معبد «كهف باتو» الشهير الذي أقيم في جبل على أطراف المدينة وسكن به الهنود الذين لم تكن لهم مساكن تؤويهم، وبنوا به دار عبادتهم على ارتفاع شاهق، ومع مرور السنين انتقل الهنود للسكن في بيوت وبقي معبد الكهف مزاراً للسياح.

ومن الشواهد الواضحة على سيادة مفهوم التسامح في ماليزيا ذات الأغلبية من المسلمين، أن بها أكبر تمثال هندوسي في العالم بالقرب من العاصمة كوالالمبور، ويزوره الهندوس من شتى بقاع الأرض، كما أن الدستور الماليزي يكفل للمواطن حق ممارسة الحريات والشعائر الدينية بسلام وتآلف، علماً بأن أحكام الشريعة الإسلامية تطبق في المحاكم الشرعية على المسلمين، أما أصحاب الديانات الأخرى، فيحتكمون إلى شرائعهم.
وينعكس تسامح الأغلبية على سيكولوجية الشباب الماليزي الذين يُشكلون قرابة 70% من إجمالي عدد السكان هناك، فالشباب الماليزي، سواء المسلم والهندوسي والسيخي والمسيحي، وغيرهم من الفئات والجماعات العرقية المتنوعة، ورث هذه الروح المتسامحة والمتعاونة، فهم يعملون معاً وبدرجة عالية من التنسيق والتوافق وهدفهم الجامع شعاره «ماليزيا الموحدة».

مانديلا.. رمز السلام
بات نيلسون مانديلا، الزعيم الأفريقي، رمزاً للتسامح والسلام في القرن العشرين لما رسخه من قيم العفو والتغاضي عن أخطاء الآخرين، بعدما قضى نحو 27 عاماً في سجون نظام الفصل العنصري في دولة جنوب أفريقيا، ليخرج من المعتقل ويتولى رئاسة البلاد، ويرسي قيم التسامح والمصالحة التي كانت الأساس في نهضة دولة جنوب أفريقيا وتقدمها، وعمل خلال مراحل حياته على نشر ثقافة السلام، وقيم الحرية والعدالة، ليتوج ذلك بحصوله على جائزة نوبل للسلام عام 1993.

أوروبا.. في المقدمة
نقل مفهوم التسامح قارة أوروبا إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار، بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 77 مليون قتيل وعشرات الملايين من المصابين وخسائر مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، حيث برئت قارة أوروبا من آثار هاتين الكارثتين الكبريين في تاريخ البشرية، اعتماداً على سيادة مبدأ التسامح ونسيان الجروح الغائرة التي تسببت فيها هاتان الحربان.
والآن نرى القارة الأوربية في مقدمة الركب العالمي في المجالات كافة تقريباً، بعدما اعتمدت التسامح والاعتراف بأهمية تعدد الثقافات والمذاهب والأفكار كقيمة عظيمة تضمن الحياة على كوكب الأرض.

رواندا.. «مصالحة» تتجاوز «الدماء»
صنعت رواندا التي كانت ضحية حرب أهلية راح ضحيتها 800 ألف قتيل في مائة يوم، عام 1994، المستحيل واستردت عافيتها بالتسامح وإعلاء ثقافة الاعتراف بالتعددية، وصارت نموذجاً حضارياً رائعاً في القارة الأفريقية، بعد تسامح أطراف النزاع عن الكوارث التي حلت بهم خلال فترة الحرب الأهلية.
وفي سبيل الوصول إلى هذا النجاح، انتهجت رواندا أسلوباً فريداً للمصالحة يستند إلى نظام قضائي تقليدي يعرف باسم «جاكاكا»، أمكن بموجبه التعامل مع مئات الآلاف من الأشخاص المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية، وبموجب هذا النظام يجتمع سكان القرية بأكملها ليشهدوا على عمليات الاعتراف وعلى صدقيتها، وتشجيع الضحية على الصفح والغفران، والاتفاق على بعض التعويضات مثل المساعدة في حراثة حقل الضحية لفترة من الوقت.

وبفضل السياسة الحكيمة وترسيخ أهمية التسامح، نجحت رواندا في تسجيل تغيير لافت نحو الأفضل لتتحول إلى قصة نجاح حقيقية، فأصبحت مركزاً اقتصادياً وتكنولوجياً في المنطقة، وتمكنت من جذب أكثر من مليون سائح عام 2014، وما كان هذا العدد ليتوافد على رواندا لولا انتشار الأمن والسلام ومظاهر الجمال في كل ربوعها، حتى أن عاصمتها كيجالي اختيرت في 2015 كأجمل مدينة أفريقية.
وحالياً تشهد رواندا كثيراً من مظاهر التقدم والازدهار، منها تضاعف دخل الفرد ثلاث مرات في السنوات العشر الأخيرة، وتوصف الحكومة الرواندية بأنها من أكثر الحكومات كفاءة ونزاهة في أفريقيا، كما تضاهي شوارع مدينة كيجالي، بنظافتها وحسن صيانتها، معظم شوارع العواصم الأوروبية. ويصل مستوى بعض مراكز التسوق فيها نظراءها في الغرب بدرجة تدفع كثيراً من وسائل الإعلام الغربية إلى وصفها بـ«سنغافورة أفريقيا».

روسيا.. تعددت الطوائف و«الشعب واحد»
من ماليزيا إلى روسيا تلك الدولة التي تنتشر حدودها بين قارتي آسيا وأوروبا، فنجد أن 80 بالمائة من سكانها يتبعون طائفة الأرثوذكس، ويمثل المسلمون 15 بالمائة، وهناك الطوائف اليهودية، وطائفة من البوذيين، واللاما وغيرها من الطوائف الصغيرة التي تتعايش جميعاً في ظل الاحترام المتبادل وقبول الآخر.
وبسبب هذه الروح العظيمة في التآلف بين مختلف الفئات، وروح التسامح التي يشعر بها كل من يعيش في روسيا، حصل مركز التسامح واللاعنف التابع للحكومة الروسية على جائزة من منظمة اليونسكو في أكتوبر 2018، لنشاطاته الكثيرة في مجالات البحوث والبرامج التعليميّة لتعزيز الحوار بين الديانات ووجهات النظر المختلفة مع تركيز خاص على الشباب، وسيراً على هذا النهج، كشفت روسيا التي تضم 20 مليون مسلم أنها ستطلق قناة فضائية للمسلمين.

والمتابع للحالة الروسية، يمكنه مشاهدة طقوس واحتفالات أعياد الطوائف المختلفة تجرى في أجواء من السعادة والاحترام بين الجميع، ويمكن ملاحظة الجانب المعماري الفريد لدور العبادة لتلك الطوائف، حيث نجد المساجد المتأثرة بالنمط المعماري الروسي، والكنائس مختلفة الحقب التاريخية، بخلاف المعابد التي تكشف جانباً مهماً من تنوع النمط المعماري والحضاري الروسي وانفتاحه على مختلف الثقافات.
من أبرز نماذج حالة التسامح الديني في روسيا، مدينة قازان التي تحتضن دور عبادة لمختلف الطوائف الدينية، غير أن درة الشواهد على هذا الانسجام بين الجميع، هو معبد كل الأديان المشيد على شاطئ نهر الفولجا والذي يسمى أيضاً «المعبد الكوني»، الذي تم تشييده عام 1994، ويعتبر تحفة معمارية رائعة يعكسها جمال قبابه الساطعة والملونة على صفحة المياه. حيث يتكون المعبد من 16 قبة لـ16 ديانة سماوية، بما في ذلك الأديان السابقة التي لم تعد تمارس. حيث يتجاور النمط الإسلامي مع المعالم الكنسية الأرثوذكسية والكاثوليكية، وتوجت القباب بالهلال الإسلامي والصليب بالإضافة إلى نجمة داوود والقبة الصينية، وغيرها من الرموز الدينية في العالم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

هل يتم حظر جماعة الإخوان في ألمانيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

جاسم محمد

كشفت مصادر موثوقة من داخل الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني، الذي تتزعمه أنجيلا ميركل ويقود الائتلاف الحاكم، والذي يتشكل من كل من الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، أن هناك نقاشا داخل الحزب، لطرح مشروع قرار إلى البرلمان الألماني (البوندستاغ) لوضع الإخوان على قائمة الإرهاب.

بدأ المشروع في ولاية فوتمبيرغ ومن المقرر أن يُبحث من قبل الحزب في غضون شهر واحد، من أجل تقديمه للتصويت داخل البرلمان الألماني. وإذا تبنى حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي طلب حظر جماعة الإخوان، يتم عندها رفعه للبرلمان لمناقشته والتصويت عليه ليصبح قانونا نافذا بعد ذلك. وقبل أشهر، دارت نقاشات شبيهة داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الشريك في الائتلاف الحاكم، الذي يشهد أيضا نقاشات داخلية للاتفاق على طرح حظر الإخوان على البرلمان.

وأظهرت نتائج الاستطلاع الأخيرة في ألمانيا، مكانة الأحزاب في الخارطة السياسية الألمانية، حيث مثل الحزب المسيحي الديمقراطي أقوى حزب في الغرب بنسبة 29 في المئة، وعقبه حزب الخضر بنسبة 20 في المئة، ثم الحزب الاشتراكي الديمقراطي بنسبة 19 في المئة، في حين بلغ تأييد حزب البديل اليميني هناك 11 في المئة فقط.

ولكن حظر الإخوان في ألمانيا قد لا يكون سهلا؛ فالمساجد والجمعيات التي تصنفها المخابرات الألمانية على أنها مرتبطة بـالإخوان، تنفي تلك العلاقة، لكن دون شك تمتلك الاستخبارات الألمانية بعض الشواهد والأدلة لإثبات ذلك.

ومن ذلك أن الاستخبارات الداخلية الألمانية كشفت منذ العام 2014، الكثير من عمل “إمبراطورية الإخوان في ألمانيا”. ورغم أن التقارير في البدء كانت سرية، إلا أن المعارضة السياسية في البرلمان طلبت الكشف عن هذه المعلومات التي تتضمنها تقارير الاستخبارات في سبيل أن يطلع المواطن الألماني على حقائق التهديدات الأمنية في البلاد.

الاستخبارات الألمانية تعتبر جماعة الإخوان أكثر خطرا من تنظيم داعش، وتنظيم القاعدة، لأسباب عديدة أبرزها:

* أن جماعة الإخوان تجيد العمل السياسي والنشاط المجتمعي في ألمانيا، وهي قادرة على التواصل مع شريحة كبيرة من المجتمع الألماني.

* تختفي جماعة الإخوان تحت شبكة عمل واسعة من الواجهات من شركات ومراكز دينية وثقافية ومساجد.

* جماعة الإخوان تعمل على إيجاد مجتمع مواز للمجتمع الألماني، وذلك من أجل أسلمة الشارع الألماني.

* تعمل جماعة الإخوان بطريقة “ذكية” على خلاف التنظيمات المتطرفة، التي يبدو نشاطها ظاهرا ومكشوفا بالنسبة لأجهزة الاستخبارات الألمانية، عكس عمل الإخوان القائم على التخفي والسرية والازدواجية.

* إن جماعة الإخوان تمثل خطرا قائما على نظام الديمقراطية في ألمانيا، كونها تعمل على إنشاء “دولة إسلامية” قائمة على الشريعة، وهي الأهداف ذاتها التي يعمل على تحقيقها تنظيم داعش وتنظيم القاعدة.

* تنشط جماعة الإخوان بشكل مشترك بين الجناح التركي المتمثل في جماعة نجم الدين أربكان وجمعية “ديتيب”، والجناح العربي بزعامة عائلة إبراهيم فاروق الزيات “الجمعية الإسلامية”، ضمن إمكانيات بشرية ومالية واسعة مدعومة من الخارج.

وتجدر الإشارة إلى أن جهود ألمانيا في هذه الأيام، هي جهود مرتبطة بالزعيم البافاري هورست زيهوفر، وزير الداخلية الألماني، الذي يقود سياسة جدية نجحت كثيرا في تخطي الثغرات وسدها، وجعلت من ألمانيا ساحة خالية من الإرهاب.

وترتكز جهود وزير الداخلية الألماني على قواعد ثابتة، وهي رصد ومتابعة مصادر تهدد ألمانيا من الداخل والخارج، وفيما يتعلق بمصادر التهديدات الداخلية ركزت وزارة الداخلية الألمانية -خاصة في ما يتصل بجماعة الإخوان المسلمين- على ما يلي:

* اعتبار التنظيمات الإسلامية، جميعها، خطرا محدقا بألمانيا، واعتبار جماعة الإخوان هي الأكثر خطورة.

وهذا يعني أن جماعة الإخوان تقع الآن ضمن دائرة الشبهات والمراقبة من قبل وزارة الداخلية، وتحديدا من وكالة الاستخبارات الداخلية، ووكالة حماية الدستور الألمانية.

وتقول التقديرات بأن النقاش داخل الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني يمكن أن يستغرق مدة شهر، وذلك لكي يتمكن الحزب من طرحه كمشروع قرار في البرلمان الألماني البوندستاغ.

ومن أهم العوامل الداعمة لمشروع القرار في البرلمان الألماني:

* أن المشروع سوف يطرح من قبل أكبر الأحزاب الألمانية CDU، الممثلة في البرلمان، وهو الحزب الذي يقود الائتلاف الحاكم بزعامة المستشارة الألمانية ميركل.

* الحزب الديمقراطي المسيحي هو شريك بل توأم للحزب المسيحي الاجتماعي، الذي ينتمي إليه الوزير البافاري هورست زيهوفر، إلى جانب الحزب الاشتراكي العريق، وتشير التقديرات إلى أن أصوات الاشتراكيين سوف تكون داعمة لمشروع القرار المزمع اتخاذه.

إن مناقشة مشروع هذا القرار تأتي بالتوازي أو تماشيا مع سياسات وزارة الداخلية الحالية، التي تقوم على اتخاذ إجراءات صارمة ضد كل مصادر التهديدات لأمن ألمانيا، أبرزها الجماعات الإسلامية المتطرفة، ومن ضمنها جماعة الإخوان.

* تحرص الحكومة الألمانية -وأيضا الائتلاف الحاكم- على تعزيز شعبيتها في أي انتخابات عامة أو بلدية، من خلال اتخاذ إجراءات صارمة ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة، لكي لا تذهب أصوات المواطنين إلى اليمين الشعبوي، وهذا ما تحرص عليه الحكومة الحالية.

ويأتي طرح مشروع قرار حظر جماعة الإخوان في ألمانيا، وسط مناخ أمني وسياسي داعم لاتخاذ هذا القرار، في أعقاب نتائج الاستطلاعات التي كشفت أن أكثر من 50 بالمئة من المواطنين الألمان يخشون الجماعات الإسلامية بمختلف أنواعها وانتماءاتها ويعتبرونها تهديدا وخطرا محدقا بأمن ألمانيا.

ويبقى هذا المشروع مثل باقي المشاريع، يعتمد نجاحه على قدرة الحزب المسيحي الديمقراطي على حشد الأصوات والدعم داخل البرلمان. أما في ما يتصل بعامل الوقت، فإن اتخاذ مشروع بهذا الحجم ربما يحتاج إلى المزيد من الوقت والكثير من الاستعدادات على المستوى السياسي، أكثر من الإجراءات الفنية التي اتخذتها أجهزة الاستخبارات.

ولعل ما ينبغي أن تركز عليه الأحزاب الداعمة لهذا المشروع، هو إيجاد قاعدة بيانات جديدة حول “إمبراطورية” الإخوان في ألمانيا، وتكشف عن قياداتها الجديدة، ومقراتها ومصادر تمويلها، وهي المسائل التي تعتبر أكثر تحديا وعسرا وتعقيدا بالنسبة لأجهزة الاستخبارات الألمانية.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

تونس بين الغنوشي وشعبها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-18

فاروق يوسف

بسبب كرة القدم فازت حركة النهضة في الانتخابات البلدية في مدينة باردو.

تابع الناخبون مباراة تونس ضد السنغال وبددوا حقهم الانتخابي.

تلك نتيجة محزنة أفرحت راشد الغنوشي الذي يعد نفسه لرئاسة البرلمان التونسي بعد ترشحه للانتخابات التشريعية.

ستكون مناسبة سعيدة للغنوشي للعب بالقانون. تلك فكرة نهضوية يُراد من خلالها السيطرة على المجتمع التونسي من خلال تغيير القوانين بعد أن صار استعمال العنف فضيحة.

الغنوشي يسعى إلى دولة القانون. ولكنه القانون الذي ينسجم مع مشروعه في بناء إمارة إسلامية تكون بمثابة إعلان عن بدء المشروع الإخواني.

ما لم يحققه الآخرون عن طريق العنف يأمل الغنوشي في تحقيقه عن طريق الديمقراطية. وهي ديمقراطية غادرة، سيكون الشعب التونسي مسؤولا عن نتائجها المأساوية إذا ما تعامل معها بالطريقة التي أدت إلى فوز النهضة في بلدية باردو.

الرجل المراوغ ينتظر أن تغفو تونس ليقفز إلى رئاسة البرلمان.

حينها ستحكم حركة النهضة تونس بغض النظر عن شخصيتي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. سيكون الاثنان تابعين للغنوشي بسبب طبيعة نظام الحكم المتبع.

ذلك يعني أن تونس ستستمر في وضعها الرث. لن يمارس البرلمان دوره الرقابي في ما يتعلق بالخدمات وبالأداء الحكومي وبهدر الأموال بقدر اهتمامه بإنشاء آليات لمراقبة المجتمع في كل حركة من حركاته.

بدلا من أن يراقب الحكومة سيراقب البرلمان المجتمع.

ذلك ما تسعى إليه حركة النهضة. أن تكون رقيبة على المجتمع.

هناك انتقام مبيت ضد النساء ستمارسه النهضة من خلال "الأحوال المدنية" وهو ما سيمرره الغنوشي إذا ما جلس على كرسي رئاسة البرلمان.

ذلك التحدي الذي تعرفه التونسيات وهن مدعوات إلى تجنيد المجتمع ضد وصول الغنوشي إلى البرلمان بأكثرية مريحة. 

فالرجل لا يبيت لهن إلا الشر. ذلك لأنه يدرك جيدا أن الحقوق المدنية للنساء هي حجر الأساس لمقاومة المجتمع المدني في وجه أصوليته وسلفيته وتشدده العنصري ضد النساء.

أعتقد أن الشعب الذي يطالب بالتغيير من أجل أن تكون تونس أفضل ومن أجل أن لا يقع المجتمع فريسة لاستعباد الجهلة والقتلة واللصوص عليه أن يغير عاداته وينتصر على سلبيته في النظر إلى دوره في العملية الديمقراطية. ذلك هو خياره الوحيد ليثبت أهليته لبناء تونس حديثة.

من غير ذلك فإن ثورته ستكون مجرد ذكرى. سيسمح الثوار للندم بأن يعصف بهم بعد أن تخلوا لأسباب تافهة عن الاستمرار في التعبئة الشعبية والامساك بخيوط الحل التي ما أن تفلت من أيديهم حتى يمسك بها أعداء مستقبلهم الذين يقفون لهم بالمرصاد.

أن يسفر نضال الشعب التونسي عن هيمنة حركة أصولية متخلفة على الدولة والمجتمع فإن ذلك معناه خيانة تاريخية لواحدة من أكثر ثورات عصرنا نبلا ورقياً وبعداً عن العنف.

تلك نتيجة سوداء ستفتح أبواب تونس على عنف، يفخر التونسيون أنهم تخطوا حاجزه. فما يجب أن يكون واضحا بالنسبة لهم أن الغنوشي لا يقول الحقيقة في ما يتعلق بمشروعه السياسي. ذلك لأنه ليس متوقعا منه أن يخبر التونسيين بأنه يخطط لإقامة امارة إسلامية على غرار امارات "داعش".   

ومخطئ من يعتقد أن الرجل الذي سبق له وأن كفر لأسباب سياسية العديد من الكيانات والأشخاص قد تغير بعد أن وصل إلى سدة الحكم. فالإخواني لا يتغير ويظل محافظا على ثوابته في الحاكمية والبراء والولاء، لكنه لن يعلن عنها إلا في الوقت الذي يراه مناسبا.

وأعتقد أن وصول الغنوشي إلى رئاسة البرلمان هو ذلك الوقت.

سيكون الوقت متأخرا لاستدراك الخطأ حين يكشف الغنوشي عن وجهه الحقيقي.

لذلك فإن على الشعب التونسي أن لا يرتكب خطأً، يكون بمثابة الضربة التي تقضي على مستقبله المدني.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية