أزمة الحداثة في مصر.. قراءة في فكر السيسيولوجي أحمد زايد

صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
7198
عدد القراءات

2018-10-16

منذ فترة مبكرة في تاريخ الفكر العربي الحديث، كان مشروع التحديث في مصر يعدّ النموذج الأوروبي للحداثة؛ هو النموذج الأوحد الذي ينبغي أن تأخذ به مصر في طريقها للتقدم، فكان طه حسين يرى أنّ كلمة الخديوي إسماعيل؛ بأنّ مصر ينبغي أن تكون قطعة من أوروبا، هي هدف ومبتغى نسعى إلى تحقيقه، وأنّ مصر لدى طه حسين هي جزء من ثقافة البحر الأبيض المتوسط، وكذلك كان سلامة موسى يدعو إلى ربط مصر بالغرب، وأن نفكر كما يفكر، وأنه لا سبيل لنا في التقدم  إلا بتقليد الحداثة الأوروبية في كلّ شيء.

يعدّ أحمد زايد الثقافة الدينية أحد الأسباب المسؤولة عن تناقضات الحداثة؛ فالحداثة البرانية لم تسمح بتطوير الخطاب الديني

وبعد مرور أكثر من قرنين من الزمن على بدء الحداثة الأوروبية، يأتي المفكر السيسيولوجي، أحمد زايد، ليرى أنّ مشروع الحداثة المصرية قد أخفق في ترسيخ الحداثة في مجتمعاتنا، وقد حاول أن يبحث في بعض أعماله عن أسباب إخفاق مشروع الحداثة في مصر، وذلك من منطلق أنّ أيّ خطاب فكريّ حول الأصالة والمعاصرة، والتقليد والحداثة، يعاني قصوراً واضحاً؛ لأنّه يتجاهل ديناميات الجماعة والمجتمع؛ فمشروع الحداثة لم يستقر عند المستوى السياسي والفكري، لكنّه مشروع للمجتمع؛ لذا فإنّ درس مشروع الحداثة بمعزل عن المجتمع وطبقاته اليومية سيكون درساً منقوصاً.

الحداثة ومدّ العولمة 

يرى زايد أنّ مشروع الحداثة كما نبت في الغرب، قدّم نفسه، منذ البداية، على أنّه مشروع عولميّ منذ ظهوره مع المدّ الكولونيالي، في منتصف القرن التاسع عشر، حتى المرحلة الأخيرة، مرحلة عدم اليقين، التي أصبحت فيها مفاهيم الزمان والمكان مفاهيم مفتوحة، ورأى أنّ الحداثة المعولمة تنطلق من المركز، رغبة في توحيد المجتمع العالمي، وحركة السوق، وحركة الأفراد في العالم، ومحاولة خلق صور عديدة من التجانس التي تخدم ثقافة المركز على حساب ثقافة الأطراف، وذلك من خلال وسائل الاتصال والإعلام الحديث، والبحث عن تنميط صورة واحدة للعالم، وفق آلياتها ورؤيتها للعالم.

اقرأ أيضاً: في نقد الحداثة إسلامياً

ويؤكد زايد؛ أنّ المدّ العولميّ للحداثة أسهم في خلق حالة من الصراع داخل ثقافة الأطراف، فظهرت الجماعات الأصولية لتتحدث عن التعلق بالتراث والهوية، والحنين للماضي، وكل هذه العمليات التي هي مظهر من مظاهر العولمة، وما الحركات الأصولية إلا طور حداثي، فظهرت المواجهة بين ما هو كونيّ وما هو محليّ، والمواجهة بين عالم ماك والجهاد الإسلامي، المواجهة بين عالم الحداثة والجهاد الإسلامي، ومن ثمّ؛ فقد خلقت الحداثة صوراً من الصراع بين الحداثيّ والتقليديّ في المجتمعات الطرفية؛ لذا صارت الحداثة الطرفية عرضة للتفكك؛ لأنّها لم تنطلق أو تتأسس على جذر حداثي داخلي صلب، لكنّها تستمدّ قوانين تطورها وآليات حركتها من خارجها.

اقرأ أيضاً: هل الحداثة الإسلاميّة ممكنة؟

ويذهب زايد إلى أنّ المشروع الحداثيّ بدأ منذ القرن التاسع عشر، في شكل نظم سياسية وتعليمية حديثة، لكنّ إدارة هذه النظم لم تتم وفق سياسة مدنية حديثة؛ بل ظلّت ثقافة الإمبراطورية هي الثقافة الحاكمة، التي تعمل من وراء ستار في عملية إضفاء الشرعية على صور الممارسات السياسية، وهو ما يعني أنّ الحداثة الطرفية في مصر كانت انتقائية وقشرية، في معظم الأحيان، وأنّها مجرّد حداثة برانية.

جدل الحداثة والثقافة الدينية

من ثم؛ يرى زايد أنّ الحداثة المعولمة تسعى، على المستوى الكونيّ، إلى التوحيد، وتجاوز حدود الزمان والمكان، بينما الحداثات الطرفية كان يتعارض فيها زمن الحداثة مع زمن التراث، كما أنّ الثقافات الطرفية كانت تعيد التشبث بالمكان والزمان الخاص بها، وتعيد توظيف الدين والعرف لمقاومة الحداثة المركزية؛ ففي الوقت الذي تميل فيه الثقافة المركزية للحداثة إلى تحرير الجسد، خاصّة جسد المرأة، فإنّه في الحركات الاجتماعية تميل الأطراف إلى تقييد الجسد وحركته بالرموز، وتكبيل المرأة بالقيود، ومن ثمّ؛ فإنّ الحداثة الطرفية هي حداثة برانية، لا تتمتع بالتماسك والاستقرار والتراكم الزمنيّ.

المدّ العولميّ للحداثة أسهم في خلق حالة من الصراع داخل ثقافة الأطراف؛ فظهرت الجماعات الأصولية لتتحدث عن التعلق بالتراث والهوية

ويعدّ أحمد زايد الثقافة الدينية أحد الأسباب المسؤولة عن تناقضات الحداثة؛ لأنّ علاقة الإسلام بالحداثة حملت أشكالاً للتكيف معها وأشكالاً أخرى للرفض، فلم تسمح الحداثة البرانية بتطوير الخطاب الديني، هذا الخطاب الذي قام على استهلاك منتجات الحداثة، باعتبارها من نعم الله، ومن ثم حاولت المؤسسات الدينية أن تقدم الفتاوى للدولة الحديثة في المسائل الخلافية التي أفرزتها الحداثة، مثل: فوائد البنوك، وتنظيم الأسرة، واستخدام التكنولوجيا، وزراعة الأعضاء، وغيرها.

وينتهى زايد في تحليله للحداثة على أنّ عمليات التحديث خضعت لأهواء الجماعات المسيطرة، والنخب السياسية، واعتمدت على ضروب من التحديث القسري والانتقاء المتعسف، واهتمت بالجوانب التي تعنى بالغريزة والطاقة، أكثر من الجوانب التي تغذي العقل والروح، وبالتالي؛ فإنّ ما نقل من الحداثة ليس أفضل ما فيها، فجاءت حداثة برانية قشرية لا تؤدّي إلى إحداث تغيير جوهري، بقدر ما تؤدّي إلى تغييرات سطحية وتناقضات متعددة المستويات، ومن ثم أدت الحداثة إلى تخليق سمات تختلف عن سماتها في أرض المنشأ، لقد فكّكت الحداثة علاقات الزمان والمكان، فأخرجت البشر من تاريخهم عنوة، كما أخرجت البشر من مكانهم عنوة، فكانت النتيجة مزيداً من التحصين في الزمان والمكان، ولم تخلق الحداثة انطلاقاً مدعوماً بالثقة، بقدر ما خلقت عجزاً مصحوباً بالتوجّس والشكّ، وبالتالي؛ فهي لم تطور معياراً واحداً للمراجعة النظامية، بقدر ما خلقت معايير مضاربة تقوم على التسلط الفردي تارة، ومرجعية التراث تارة، والمرجعية الغربية تارة ثالثة.

اقرأ أيضاً: الحداثة وعقلنة الخطاب الإسلامي

ومن ثم؛ فإنّ زايد يرى أنّ تناقضات الحداثة في مصر، وغيرها من دول الأطراف، جاءت من كونها حداثات برانية طرفية، يتصارع فيها الكوني مع الإقليمي، وتميل الثقافة التقليدية في الأطراف إلى التشبث بالعناصر التقليدية في المجتمع، للمحافظة على الهوية، كما أنّ عمليات التحديث كانت نخبوية فوقية، وتخضع في الغالب لإرادة النخبة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أفكارنا الدينية.. من أين تأتي؟ وما حدود الخطأ والصواب؟

2019-07-15

"يجب أن تكون الإجابات موجودة حتى لو عجزنا عن معرفتها.. وإلا فإنّ الأسئلة تكون غير أصيلة"

أشعيا برلين

تتحول التجربة الدينية بعد لحظة الإيمان والتصديق إلى توقعات إنسانية، فلا يمكن ممارسة الدين من غير توقعات، وهذه التوقعات هي بطبيعة الحال مستمدة من الإنسان نفسه، ولا تهبط عليه من خارجه، ولا يملك المؤمن سوى أن ينشئ تديّنه مستمداً من الحقيقة التي أدركها، وكما يقول نورثروب فراي "مركز الحقيقة حيث يتصادف أن يكون المرء، ومحيطها ما يدركه خيال المرء".

تتحول التجربة الدينية بعد لحظة الإيمان والتصديق إلى توقعات إنسانية فلا يمكن ممارسة الدين من غير توقعات

وهكذا أيضاً فإنّ الدين حين يتجاوز الفرد في علاقته الحصرية بالمقدس، يتحول إلى تديّن أو خطاب ديني لا يمكن وصفه بأنّه "مقدس ديني" وإن كان مستمداً من الدين، ففي التدين يعالج المؤمن النص الديني متحرّياً بأدواته الإنسانية ما يريده الله تعالى، تقول كارين آرمسترونغ: "الدين والفن يرتبطان ببعضهما، فالفن والدين كلاهما يحاولان استخلاص معنى أقصى من هذه الدنيا المعيبة الغاصة بالكوارث، وإن كان الدين يختلف عن الفن لأنه لا بد أن يتخذ بعداً أخلاقياً، وربما كان من الممكن وصف الدين بأنّه شرعة جمالية أخلاقية، فتجربة الإحساس بالقداسة أو الكيان المتعالي لا تكفي، بل يجب بعد ذلك تجسيد تلك التجربة في سلوكنا تجاه الآخرين". ويظلّ الصواب مقتصراً على وجدان وقلب المؤمن في اعتقاداته وممارساته الفردية، وكذلك المعنى الديني نفسه، وبغير هذه المقولة لن يتقدم الجدل الديني خطوة واحدة، لكن يظلّ في مكانه، يدور حول تأكيد ما هو مؤكد ومتفق عليه، ولا ينشئ ذلك فكرة جديدة.

اقرأ أيضاً: موجة البديل الإسلامي في جماعات الإسلام السياسي

يقال لدينا الكتاب والسنّة لن نضل ما تمسكنا بهما... ولكن الخلاف هو في فهم الكتاب والسنّة وتطبيقهما، وفي ذلك يقال هناك المحكم والمتشابه، ولكن الله تعالى لم يقل لنا ما المحكم والمتشابه، ويقال العلماء والمجتهدون يوضحون المعنى والمحكم والمتشابه، ولكن من هو العالم؟ هو من يتبعه الناس ويثقون به، أو تعينه السلطة، المفتي أو وزير الأوقاف أو المعلم أو الداعية بمن هم موظفو السلطة وأساتذة التعليم الديني في المدارس والجامعات والمفتون والقضاة، العالم لا يعرف إلا بثقة الناس أو بقرار سلطوي، وقد تكون السلطة بيد ضابط في الجيش أو حاكم عائلي (ملك أو أمير أو سلطان) أو مواطن منتخب، وفي المحصلة فإنّ من يحدد من هو العالم ومن ثم  المعنى الديني ومراد الله تعالى وتأويل وتفسير الآيات الكريمة والأحاديث النبوية وما المحكم والمتشابه وما الصحيح أو الخطأ واحد من ثلاث فئات: العسكري، أو زعيم عائلة حاكمة، أو المواطن العادي بما هو ناخب أو متّبَع أو ثقة، وفي الحالات الثلاث لا يمكن لأحد أن يجزم بالصواب والخطأ ولا أن يعرف من العالم ومن ليس عالماّ، لا نملك في الواقع سوى عدم يقين، ولا يرشدنا في الاختيار سوى عدم اليقين، والحال أنّ الصواب هو عدم اليقين.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي كأزمة في تاريخ الأفكار
لن يكون فعل ما خطأً أو حراماً حتى لو حرّمه الدين أو القانون أو الثقافة السائدة حتى تراه الذات بما هي فرد مستقل مفكر ومسؤول خطأ أو حراماً، قد تلتزم القانون أو الدين أو الثقافة السائدة، ولكن ذلك لا يعني أنك تعتقده خطأ أو حراماً، فالالتزام غير الاعتقاد، ولا يحدد الاعتقاد أو يقرره أو ينفيه سواك، ولا يمكن إجبارك عليه ولا منعك عنه.

الدين حين يتجاوز الفرد في علاقته الحصرية بالمقدس يتحول لتديّن أو خطاب ديني لا يمكن وصفه بأنّه مقدس ديني

وبالطبع فإنّ الصواب قائم بذاته، ولا يغير فيه حجة أو دليل، وما نفعله ليس سوى إدراك الصواب أو محاولة الاقتراب منه، لكن سيظل هناك فرق بين الصواب الحقيقي وبين إدراكنا، حتى عندما يكون إدراكنا للصواب مطابقاً له، فإنّ فرقاً مستمداً من الشك وعدم اليقين يظل قائماً في اعتقادنا وأفكارنا، وعلى نحو عملي وتطبيقي فإنّ الصواب غير موجود، ما هو موجود بالفعل هو الحجة والخيال والمشاعر والاعتقادات التي لا نعلم إن كانت صواباً أم لا.

فإذا كان ثمة صواب فهو صواب لا يغير فيه أحد، وكيف يكون صواباً إذا كان متغيراً أو مستمداً من الحجة والبرهان القاصرين حتماً والمتغيرين؟ الصواب إذن هو الفكرة القادرة على البقاء والمواجهة حتى نثبت خطأها، وفي المحصلة فإنّ الصواب هو ما نظنه صواباً، إنه ليس أيقونة نقصدها أو نلجأ إليها أو نحميها، لكنه سراب نتبعه، نمضي حياتنا نبحث عنه، ولا نجده أو لا نصل إليه، أو لا نعلم إن كنّا وجدناه أو وصلنا إليه، لكننا ربما نقترب منه، أو على الأقل نحاول ذلك بصدق. ولا نملك سوى الصدق! "قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم" (المائدة 119).

اقرأ أيضاً: إشكالية العلاقة بين السلطة والمعرفة في التاريخ الإسلامي
إنّ السلوك الدعوي والفقهي الغالب الذي يعكس شعوراً بامتلاك الحقيقة لدرجة الوصاية على الله تعالى، أو احتكار الحق، ليس من الدين في شيء، وليس سوى وهم أو تسلط على الناس، واعتداء على الدين، لا بأس أن تعتقد أنّ الله تعالى طلب من الناس أشياء ونهاهم عن أخرى، ولكنك لا تملك وصاية على هذه الرسالة، الناس يطلعون مثلك على المصادر وإذا احتاجوا إليك يسألونك ويقصدونك.

للمشاركة:

نصر حامد أبو زيد كما عرفته

صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
2019-07-15

مع ذكرى رحيل المفكر المصري نصر حامد أبو زيد التي صادفت الخامس من تموز (يوليو) 2010، عادت بي الذاكرة إلى نيسان (إبريل) 1995 حين شكّل قسم الفلسفة بجامعتي لجنة لمناقشة أطروحتي للماجستير عن (إشكالية التراث في الفكر العربي المعاصر.. دراسة مقارنة بين حسن حنفي ومحمد عابد الجابري)، ولكم سعدت عندما علمت أنّ أبو زيد هو عضو تحكيم الرسالة، فقد كنت مفتوناً به حتى أنّي قرأت كل كتبه، وحتى المقالات التي كان يكتبها في مجلة القاهرة مع غالي شكري، وما سطّره في مجلة (ألف) التي تصدرها الجامعة الأمريكية.

حدثتني عن محنته في أيامه الأخيرة بمصر وخذلانه من كبار رموز الثقافة في بلده ما بين تراجع ومراوغة

اتصلت به لأوصل إليه نسخة من الرسالة في مكتبه بقسم اللغة العربية، يومها وجدت عنده المحامي عبد الرؤوف النويهي وقد أحضر له نسخة من كتاب (نحو ثورة في الفكر الديني) للدكتور محمد النويهي، وأهداني نصر يومها كتابه (التفكير في زمن التكفير) وجلست لأستمع منه عن أزمة ترقيته للأستاذية، وما جرى بينه وبين عبد الصبور شاهين، وفي كلامه ألم وحسرة تجاه المقربين الذين خذلوه في بداية محنته.. كنت أستمع أكثر مني مشاركاً في الحوار، واستأذنت منه للعودة إلى طنطا مجدداً، وكان ذلك لقائي الأول به.

اقرأ أيضاً: نصر أبو زيد مشتبكاً مع ابن عربي: تصالح العقل والتصوف

وحدث ما لم يكن في الحسبان حيث أصدرت المحكمة حكمها بالتفريق بين نصر وزوجته في الدعوى التي أقامها الشيخ يوسف البدري، وهنا  فرضت الدولة لنصر أبو زيد حراسة خاصة ترافقه خشية على حياته، وبعد مرور شهر من صدور الحكم أبلغني أستاذي المشرف أنّ الجامعة لا تريد حضوره للمناقشة خشية تعرّضه للأذى، وكلّفني أن أحضر منه اعتذاراً حتى يتم تشكيل لجنة جديدة.

ولفرط سذاجتي هاتفته عارضاً عليه ما كُلّفت به دون أن أنتبه إلى ما وُرّطت به، فإذا به ينفجر بي "يا بني كان أولى بأستاذك أو جامعتك أن تقوم هي بمهاتفتي، بلغ أستاذك وجامعتك أن نصر أبو زيد ليس جباناً، وأنا لن أقدم اعتذاراً عن المناقشة، وسوف أحضر متى اتفقنا على تحديد الموعد".

شعرت بالذنب، وقلت له وأنا يا دكتور بدوري مصمم على أن تناقشني، وحين تحدثت مع مشرفي عما دار بيننا، قال لي عليك بالذهاب إلى نائب رئيس الجامعة للدراسات الدكتور عبد التواب اليماني لعرض الأمر عليه، وفعلت لكنه أصر على عدم حضور نصر مؤثراً السلامة، وأبلغني أن علي الانتظار ثلاثة أشهر، وحينها يسقط تشكيل لجنة المناقشة حُكماً، وتشكَّل لجنة جديدة، يومها شعرت بالاحترام والتقدير تجاه نصر أبوزيد الذي يقف وحيداً شجاعاً في مواجهة تيارات الجمود والتحجر داخل الجامعة وخارجها.. بعدها سافر الرجل إلى هولندا، وناقشت الرسالة بعد اختيار الدكتور حامد طاهر عميد كلية دار العلوم مكانه في اللجنة.

اقرأ أيضاً: نصر حامد أبو زيد غرّد خارج السرب فأزهرت كلماته ومات غريباً

بعد مرور تسع سنوات؛ أي في العام 2004، عاد أبو زيد إلى مصر بدعوة من حسن حنفي لحضور مؤتمر الجمعية الفلسفية، وكانت أيامه الأخيرة تعقد في المعهد السويدي بالإسكندرية، فلم أفوّت الفرصة، وقضيت معهم يوماً جميلاً وأهديت نصر كتابي الجديد وقتها عن الشيخ أمين الخولي.

بعد مرور عام، فوجئت به يبحث عني من خلال الدكتورة مني النموري قريبته وزميلتي بالكلية، وذلك لأنّه رشحني للسفر معه إلى دمشق في مؤتمر نظمه المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الأدنى عن الإمام محمد عبده، بمناسبة مرور مئة عام على رحيله، وكان ذلك في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2005، وهناك كان اكتشافي لنصر أبو زيد الإنسان والمفكر حيث أُتيح لي أن أجلس معه فترات طويلة، وأشاهده عن قرب.

آنذاك، صادفت باحثين من مختلف أرجاء العالم قد جاؤوا  للقائه في دمشق؛ من إيران والسعودية وباكستان، ومن إندونيسيا.. كنت أجلس وأستمع وأتعلم، وأرى مدى حب الناس وتقديرهم لهذا العلاّمة الكبير، ثم سافرنا من دمشق إلى حلب بالحافلة التي منحتني ست ساعات أخرى لأجلس بجواره وأتناقش معه في مختلف قضايا الفكر.

مرت الساعات دون أن أشعر، وفي الصباح وجدت نفسي في المؤتمر أمام جيل من المستشرقين الأجانب وباحثين من كافة أرجاء العالم، وتملّكتني الرهبة من تقديم ورقتي في جلستي التي يديرها نصر أبوزيد، ولم يهدأ لي بال حتى سألته إن كنت عند حسن ظنه بي، ولم أتمالك نفسي حين أبلغني أن ورقتي كانت الأفضل في الجلسة!

رحل أبوزيد في نفس العام الذي رحل فيه أركون والجابري لتتساقط أوراق مركزية في ثقافتنا العربية

في الصباح التالي تجاذبنا أطراف الحديث، فقلت له إنّي أشعر بالحسرة والألم بعد أن شاهدت الشباب الباحثين من المستشرقين الأجانب وحتى الطلاب العرب الذين يتعلمون بالخارج، وكل واحد منهم يجيد بدل اللغة ثلاثاً أو أكثر، ويعرفون عن تاريخ بلادي أكثر مما أعرف، فرد علي بأريحية وقال: "يا أحمد لا تقسُ على نفسك، أنت ابن واقع وثقافة ونظام مختلف عن واقعهم ونظامهم وثقافتهم، أي واحد من هؤلاء الشباب لو طلب أي مهمة لتعلم اللغة العربية، جامعته ستعطيه منحة لهذا الهدف في مصر أو أي دولة عربية.. يا بني أنا كنت موظف لاسلكي، حفرت لكي أبني نفسي، المهم أن تكون صادقاً مع نفسك، وراغباً في التعلم المستمر".

اقرأ أيضاً: بعد ربع قرن على مناظرة أبو زيد وعمارة.. هل اختلف خطاب الإسلامويين؟

في المساء ذهبت إليه في غرفته بفندق اسمه (ديوان رسمي)، وهو عبارة عن بيت الوالي في حلب القديمة، كانت غرفة نصر هي غرفة الوالي نفسه، دهشت من مستوى العمارة وتفاصيل الزخارف فيها، فقلت له لا بد أن أصورك لقطات تذكارية في هذا الجناح، وأمسكت الكاميرا، وأخذت أصوّره بالغرفة، وهو يضحك كالطفل، كان بطبعه الإنساني بسيطاً جداً، ولكنه فائق في ذوقه وأناقته.

حكى في تلك الليلة محنته في أيامه الأخيرة بمصر، وخذلانه من كبار رموز الثقافة في بلده، ما بين تراجع ومراوغة في المواقف، كان نصر يملك من الشجاعة في المواجهة ما عجز عنه أساتذته وزملاؤه، كان يحكي بأسى وحزن بأنّه كان يرغب في الزرع داخل وطنه، وأن يؤدي رسالته في جامعته، ولم يكن من الرحيل بدّ حفاظاً على حياته.

اللقاء التالي كان في شهر نيسان (إبريل) 2006 عندما عاد إلى مصر حين توفي شقيقه محمد بأزمة قلبية، لكن ظلت المراسلات الإلكترونية مستمرة بيننا، وراجع لي كتابي (نقد الفقهاء لعلم الكلام) ووضع ملاحظاته عليه، وما زلت أحتفظ بها، رحل نصر أبوزيد في 2010 في نفس العام الذي رحل فيه محمد أركون، ومحمد عابد الجابري، لتتساقط أوراق مركزية في ثقافتنا العربية.. رحل نصر الشخص، وبقى نصر الفكرة والأثر والتوجّه.

للمشاركة:

أين ذهبت تجربة الصومال بالمساواة بين الجنسين؟

صورة رباب كمال
إعلامية وكاتبة مصرية
2019-07-14

كانت تركيا، كبلد إسلامي، سبّاقة في مجال المساواة في الإرث منذ بدايات تأسيس الجمهورية في العشرينيات، وبعد سنوات طويلة طرحت تونس مبادرة للمساواة، العام 2017، وهي مبادرة ما تزال ممكنة، رغم تحدياتها، إلا أنّ هناك حالة لا يتم التطرق لها كثيراً في هذا المجال؛ وهي تجربة الصومال رغم أنّها تعود إلى سبعينيات القرن الماضي. 

الاشتراكية أساس للمساواة

الاتجاه إلى الاشتراكية كان القاسم المشترك بين البلدان التي تحررت من الاستعمار الغربي، فاتجهت إلى القضاء على النظام الإقطاعي أولاً، ومن ثم إقرار قوانين للمساواة بين الجنسين، أو على أقلّ تقدير، سعت تلك البلاد إلى تقليل الفجوة بينهما.

رغم أنّها تعود إلى سبعينيات القرن الماضي إلا أنّ تجربة الصومال بالمساواة بين الجنسين تكاد تكون منسيّة

ومن هنا بدأت هذه البلاد في تفعيل التمكين السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمرأة، لكن قانون الأحوال الشخصية في معظم البلاد ذات الأغلبية الإسلامية ظل مستمداً من الشريعة، حتى في أعتى البلاد الاشتراكية؛ فتولّت النساء الحقائب الوزارية والمناصب الحكومية في بلدان استمرت فيها القوامة وقوانين الطاعة والنشوز، ...إلخ، ولم ُيواجه المشرّع المدني أو العسكري هذا التمييز ضدّ النساء كما كان الحال في مصر، على سبيل المثال.

الصومال وتجربة العام 1975

استقلّ الصومال عن الاستعمار البريطاني والإيطالي العام 1960، وهو العام الذي أعلنت فيه البلاد الوحدة بين شمالها وجنوبها، وتشكّلت أول حكومة من حزب وحدة الشمال الصومالي، لكنّ شيوع الفساد أدى إلى اندلاع أزمات سياسية بين قبائل الشمال والجنوب، وحدثت إثره خلافات حادة في الحزب، واغتيل الرئيس الصومالي، شيرماركي، على يد أحد حراسه، في خضم أزمات سياسية عديدة، ناتجة عن تورط حزب وحدة الشمال الصومالي في فساد مالي، فضلاً عن إحياء التوتر بين القبائل والعشائر.

إثر ذلك، عمّت الفوضى في البلاد، ما أسفر عن تدهور الحالة السياسية وتدخل المؤسسة العسكرية في الحكم؛ من خلال انقلاب ناعم، غير دموي، على الحكومة المدنية (العام 1969)، ليتولى بعد ذلك محمّد سياد بري (1919- 1995) مقاليد الحكم.

اقرأ أيضاً: "النساء شقائق الرجال".. إقرار بالمساواة أم غلق لباب الاجتهاد؟

ووسط هذا المشهد؛ تبنّى محمد سياد بري، العام 1975، قانوناً اشتراكياً داعماً للمساواة بين الطبقات من جهة، والنساء والرجال من جهة أخرى، فقام بمبادرة قانون الأحوال الشخصية، التي ألغت تعدّد الزوجات والقوامة الزوجية للرجال، وكان من بين بنوده المساواة في الميراث، وأدّت أصداء هذه التشريعات إلى إلغاء عقد مؤتمر جامعة الدول العربية، الذي كان مقرَّراً في الصومال، في العام ذاته، وفق تقرير نشر بموقع مركز مقديشيو للبحوث والدراسات، بتاريخ 24 أيار (مايو) 2016، تحت عنوان "قوانين الصومال: نظرة في الأحوال الشخصية".

عودة التشريع الإسلامي

جاء هذا الإصلاح التشريعي وسط تناحرات قبلية، وحكم شمولي، وأميّة متفشية بين النساء، وهنا كانت الأزمة والتحدي الأكبر لتجربة الصومال في المساواة؛ لأنّ غالبية النساء في الصومال لم يستطعن التمكّن من حقوقهن؛ بسبب قوة القبيلة وسطوتها من خلال نظام أبوي، فإن طالبت المرأة بحقها القانوني، وجدت نفسها في مواجهة مع الأعراف والتقاليد والشريعة، في مجتمع شديد القبلية، يعيش مع صراعات التنظيمات الجهادية.

اقرأ أيضاً: تركيا تتراجع في تصنيف المساواة بين الجنسين.. هذه مرتبتها

استمر حكم محمد سياد بري حتى العام 1991، قبل عزله عن الحكم، وسقوط الصومال في مزيد من التناحرات العشائرية، وهنا عادت المحاكم الشرعية للظهور، وسط التناحرات السياسية والعشائرية، وفي آذار (مارس) 2009 ، قامت الحكومة الائتلافية الجديدة بإقرار الشريعة الإسلامية مصدراً وحيداً للتشريع. 

بهذا، تضافرت قوى القبيلة والأصولية ضدّ إقرار هذه المساواة، والسلطة العسكرية، التي نكّلت بالمعارضين على جميع الأصعدة، من جهة أخرى؛ صنعت شرخاً كبيراً، فوجدت المرأة الصومالية، التي تعاني أزمات في التعليم والاقتصاد، نفسها بين المطرقة والسندان.

ما بين الواقع المدني والقبلي

هنا قد يوضع الصومال في مقارنة مع تركيا، لنجد أنّ قوانين المساواة قد تتحطم وسط انتشار الأفكار الأصولية المحافظة من جهة، والواقع القبلي الذي تتسم به معظم البلاد الإسلامية، رغم أنّ الثقافة العشائرية قد لا تظهر في قلب العاصمة والمدن والمناطق النخبوية؛ بسبب "مركزية الحكم والثقافة"، التي تتسم بها معظم البلدان العربية الإسلامية، إلا أنّ تلك الثقافة القبلية حاضرة في العمق، وفي الأطراف، وبسببها ما تزال الفتيات يعانين من الأميّة والمنع من التعليم.

تضافرت قوى القبيلة والأصولية ضدّ إقرار هذه المساواة والسلطة العسكرية التي نكّلت بالمعارضين على جميع الأصعدة

وضع تجربة الصومال نصب الأعين، ليس لإنكار حقّ المساواة الجندرية، بما فيها حقّ المساواة في الميراث، ولكن لمحاولة دمج دراسات أنثربولوجية تسير بالتوازي مع المبادرات الحقوقية والسياسية، بهدف استيعاب آليات التغيير وتعزيزها، والتقليل من آثارها العكسية، حتى تأتي بالمرجوّ منها.

أكبر تحدّ تواجهه البلاد العربية الإسلامية؛ هو وصف المساواة بشكل عام بأنّها "درب من دروب الانحلال والفساد والاستبداد السلطوي"، ورغم أنّ الحكومات التي تدعو للمساواة في قضية المرأة، قد تمارس الاستبداد والتنكيل بمعارضيها (كما في حالة الصومال المذكورة)، إلا أنّ هذا لا يعني بالضرورة أنّ معارضيها ليسوا مستبدين، وإنّما هم مُدافعون عن مصالحهم سواء في العصبية الدينية أو في الاقتصاد الذكوري الأبوي، مما يشكّل بؤرة استبداد قائمة بذاتها، كما أنّ توصيف المساواة الجندرية بالاستبداد لغط كبير؛ فالمساواة ليست استبداداً، إنما مواجهة للاستبداد وما يتبعه من أزمات اجتماعية.

للمشاركة:



"دير شبيغل": الخليفي يواجه اتهامات جديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

كشفت مجلة "دير شبيغل" الألمانية ؛ أنّ المالك القطري لنادي باريس سان جيرمان الفرنسي، ناصر الخليفي، "ضلّل المحققين، وانتهك قواعد انتقال اللاعبين".

ووفق الوثائق التي نشرتها المجلة؛ فإنّ الخليفي "أرسل خطاباً لمسؤول قطري كبير، يطلب فيه دفع ٢ مليون يورو لوكيل اللاعب الأرجنتيني خافيير باستوري، الذي انتقل للنادي الفرنسي في صفقة قيمتها ٤٠ مليون يورو، عام ٢٠١١".

وطلب الخليفي أيضاً، بحسب المصدر ذاته، ٢٠٠ ألف دولار تحت بند "نفقات" لشركة قطرية خاصة "Oryx QSI" يديرها شقيق الخليفي.

مجلة "دير شبيغل" الألمانية تكشف بالوثائق انتهاك ناصر الخليفي قواعد انتقال اللاعبين

وتحظر قواعد انتقال اللاعبين دفع رؤساء الأندية أيّة مبالغ مالية لوكلاء اللاعبين، وتنصّ هذه القواعد التي وضعها الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، على أن يدفع مستحقات الوسيط، اللاعب الذي وكّله، أو النادي الذي وكّله فقط.

وأكّد الاتحاد الفرنسي لكرة القدم لـ "دير شبيغل"؛ أنّ ما يتضمّنه خطاب الخليفي للمسؤول القطري، يعدّ مخالفة واضحة لقوانينه وقوانين الاتحاد الدولي".

الخطاب المكتوب باللغة العربية يكشف أيضاً؛ أنّ الخليفي ضلل المحققين الفرنسيين حينما قال، في تحقيق خضع له مؤخراً: إنّه لا يملك سلطة التوقيع على أيّة أوراق رسمية تخص شركة "Oryx QSI"  القطرية، وإنه لم يكن يستطيع طلب، أو صرف، أيّة أموال من الشركة عام ٢٠١١.

وعلقت "دير شبيغل" قائلة: "هذه الاتهامات تعزز الاتهامات التي تطول الخليفي".

ولفتت إلى أنّ "الاتهامات الموجهة للخليفي سيكون لها جانب سياسي؛ لأنها ستقوض المشروع السياسي الذي تستثمر فيه قطر منذ أعوام طويلة، ويهدف لتحسين صورتها دولياً عبر الاستثمار في كرة القدم".

ويواجه الخليفي اتهامات كثيرة بالرشوة، تتعلق باستضافة الدوحة لبطولات رياضية دولية، كأولمبياد 2016 و2020، وكأس العالم لألعاب القوى.

 

 

للمشاركة:

الجيش اليمني يدكّ معاقل الحوثيين في صعدة وحجة.. آخر انتصاراته‎

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

أحرزت قوات الجيش اليمني انتصارات واسعة في معقل ميليشيا الحوثي الإرهابية، بمحافظتي صعدة وحجة.

ففي محافظة صعدة؛ تمكّنت قوات الجيش الوطني، وبإسناد التحالف العربي، من إحراز تقدم ميداني جديد في جبهة "الصفراء"، وفق ما نقلت وكالات أنباء يمنية.

قوات الجيش اليمني تحرز انتصارات واسعة في معقل ميليشيا الحوثي الإرهابية بصعدة وحجة

وقالت مصادر عسكرية: إنّ "قوات المهام الخاصة في "لواء حرب" نفذت عملية مباغتة ضدّ مواقع عناصر الميليشيا الانقلابية بالصفراء، سيطرت خلالها على سلسلة تباب "مكحلات"، وتبة "راكان"، وجبل "نواف" الإستراتيجي، في اتجاه وادي "الأشر"".

وتكبّدت الميليشيا الحوثية خسائر فادحة في العتاد والأرواح، فيما تمّ اغتنام عدد من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة التي خلّفها الانقلابيون قبل فرارهم.

 وفي محافظة حجة؛ حققت قوات الجيش الوطني اليمني تقدماً بمحور حرض، وذلك بعد هجوم مباغت على مواقع تمركز ميليشيا الحوثي الانقلابية.

وأسفرت المعارك التي تمت مساندتها بعدد من الغارات الجوية عن مقتل وإصابة عدد من الحوثيين، بينهم قيادات ميدانية.

من ناحية أخرى، نجحت الدفاعات الجوية لقوات الجيش اليمني في إسقاط طائرة مسيَّرة لميليشيا الحوثي الانقلابية في مدينة مأرب، عاصمة المحافظة، الواقعة شرق البلاد.

الدفاعات الجوية اليمنية تسقط طائرة مسيرة لميليشيا الحوثي في مأرب كانت محملة بالمتفجرات

وقالت مصادر عسكرية؛ إنّ الطائرة التي تحمل متفجرات كانت تستهدف مواقع الجيش الوطني اليمني.

إلى ذلك، تصدّر تثبيت وقف إطلاق النار وتصحيح المرحلة الأولى من إعادة الانتشار، اجتماعات اليوم الأول للجنة الحديدة اليمنية، برئاسة الجنرال الدنماركي، مايكل لوليسجارد، وفق ما أورد موقع "العين" الإخبارية.

وفي الاجتماع الذي بدأ أمس، تحدث الفريق الحكومي في لجنة إعادة الانتشار الخروقات الحوثية المتصاعدة منذ سريان وقف إطلاق النار، وأكّد ضرورة إيجاد آلية فاعلة لذلك.

الاجتماع الثلاثي، الذي عُقد بعد تخلف أعضاء مليشيا الحوثي في لجنة الحديدة لأكثر من 4 ساعات عن توقيته، ناقش آلية تثبيت وقف إطلاق النار.

واستعرض فريق الحكومة خلال الاجتماع الأعمال العسكرية الحوثية، وعملية إطلاق الصواريخ والمقذوفات على البلدات المحررة وضدّ سكانها الأبرياء، والتي أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، بينهم نساء وأطفال، مستنداً إلى الأدلة والشهادات.

فريق الحكومة في اجتماع لجنة الحديدة يستعرض جرائم الحوثيين الإرهابيين واستهدافهم  للأبرياء

وشدّد فريق الحكومة على ضرورة فتح معابر الحديدة أمام المساعدات الإغاثية، ولعقد اللقاءات المشتركة داخل مدينة الحديدة، وفق النصوص التي تمّ الاتفاق عليها في السويد.

كما ناقش الاجتماع خطوات تنفيذ المرحلة الثانية والانسحاب من مدينة الحديدة، وإنهاء المظاهر المسلحة، وتطرق إلى هوية القوات المحلية، التي ستتولى مهام التأمين في المدينة والموانئ الثلاثة.

ومن المقرر أن يستمر 48 ساعة قبالة ميناء الحديدة، في سفينة يستأجرها برنامج الغذاء العالمي، ترسو على بعد 30 كيلومتراً من المياه الإقليمية اليمنية.

 

 

للمشاركة:

أمريكي يشنّ هجوماً مسلحاً على مركز لاحتجاز المهاجرين.. تعرف إليه (فيديو)

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

أعلنت الشرطة الأمريكية مقتل رجل مسلح شنّ هجوماً، أمس، على مركز لاحتجاز مهاجرين في واشنطن.

المسلّح ألقى عبوات حارقة على المبنى وسيارات مركونة في موقف المركز قبل أن يقتله رجال الشرطة

وقالت السلطات الأمريكية: إنّ "رجلاً يبلغ 69 عاماً من العمر ألقى عبوات حارقة على المبنى وسيارات مركونة في موقف المركز، قبل أن يفتح عناصر الشرطة النار عليه"، بحسب ما نقلته "أسوشييتد برس" عن مسؤول في الشرطة الأمريكية.

وقالت شرطة تاكوما، في بيان أصدرته فور وقع الحادثة: إنّ "أحد الموظفين في مركز اعتقال "نورث وست في تاكوما" ذكر أنّ النار اشتعلت في مركبة، وأضاف أنّ المشتبه فيه كان يحاول كذلك إشعال النار في مستودع ضخم لمادة البروبين خارج المركز".

وأطلق أربعة ضباط النار على الرجل لدى وصولهم، وأعلنوا وفاته في الموقع، وكشفت هويته في وقت لاحق، ليتبين أنّه رجل في 69 من العمر، واسمه ويليم فان سبرونسن.

ومركز اعتقال "نورث وست" تديره مجموعة "جي إي أو" نيابة عن إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، ويعدّ رابع أكبر مركز لاحتجاز المهاجرين في الولايات المتحدة.

المسلح من أتباع عقيدة اللاسلطوية (أناركية) وكان يعتقد أنّ الهجوم سيطلق شرارة نزاع قاتل

وقالت متحدثة باسم الشرطة لوكالة "رويترز"؛ إنّها فتحت تحقيقاً مع مكتب التحقيقات الفدرالي وأجهزة أمنية أخرى، للتأكد من دوافع الرجل، وأضافت أنّ التقرير الطبي الخاص به من المتوقع أن يصدر اليوم.

غير أنّ صديقة للرجل قالت لصحيفة "التايمز"؛ إنّها تلقت مع مجموعة من الأصدقاء رسالة وداع منه، مضيفة أنّه كان من أتباع عقيدة اللاسلطوية (أناركية)، وأنّه كان "يعتقد أنّ الهجوم على المركز سيطلق شرارة نزاع قاتل".

للمشاركة:



نجيب محفوظ يعود لـ"أولاد حارته"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

فتحية الدخاخني

يطل الأديب العالمي نجيب محفوظ مجدداً على "أولاد حارته" عبر متحف يوثق مسيرته الأدبية بمبنى تكية محمد بك أبو الذهب في حي الأزهر بقلب القاهرة الفاطمية التي ألهمت «أديب نوبل»، عشرات القصص الإبداعية خلدتها أعمال سينمائية مختلفة.

واختارت وزارتا الآثار والثقافة مبنى تكية أبو الذهب لإنشاء متحف محفوظ لقربها من المنزل الذي ولد فيه بحي الجمالية.

بعد نحو 13 عاماً على قرار إنشائه، افتتح الدكتور خالد العناني وزير الآثار المصري، والدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة المصرية، نيابة عن الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، متحف الأديب العالمي نجيب محفوظ، بمبنى تكية أبو الذهب بحي الأزهر، بقلب القاهرة التاريخية، الذي يوثق مسيرة حياة الأديب العالمي الحاصل على جائزة نوبل في الآداب.

وقالت الدكتورة عبد الدايم إن «افتتاح متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ يعد حدثاً عالمياً مهماً، لأن الأديب الراحل أحد الحاصلين على جائزة نوبل في الآداب»، مشيرة إلى أن «نجيب محفوظ يعد أيقونة مصرية خالدة لفن الرواية».

ويأتي افتتاح المتحف نتيجة للتعاون المشترك بين وزارتي الآثار والثقافة، حيث نفذته وزارة الثقافة في مبنى تكية أبو الذهب الأثري. وأوضح الدكتور جمال مصطفى، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار، أن «اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية وافقت عام 2017 على الطلب المقدم من وزارة الثقافة لاستغلال مبنى التكية كمتحف لنجيب محفوظ، في إطار خطة استغلال المواقع الأثرية في أنشطة ثقافية»، مشيراً إلى أن «اختيار مبنى تكية أبو الذهب يرجع لقربها من المنزل الذي ولد فيه محفوظ بحي الجمالية، كما أنه يقع وسط منطقة القاهرة التاريخية، التي استوحى منها محفوظ أغلب شخصيات وأماكن رواياته».

وقال العناني لـ«الشرق الأوسط» إن «الوزارة وضعت خطة لإعادة استغلال 12 موقعاً أثرياً في أنشطة ثقافية، على غرار متحف محفوظ، إذ يجري حالياً دراسة هذه الخطة، وإعدادها بشكل متكامل».

ويقع المتحف وسط حارة شعبية من تلك الحارات التي أبدع أديب نوبل في تصويرها، ليستقر الأديب العالمي صاحب رواية «أولاد حارتنا» مرة أخرى بين أولاد حارته، ولكن المكان يحتاج إلى إعادة تطوير وتنسيق، وهو أمر بدأته محافظة القاهرة، وجهاز التنسيق الحضاري، بجدارية لمحفوظ، تغطي واجهة سوق شعبية أمام مدخل المتحف. وأكد الدكتور فتحي عبد الوهاب، رئيس صندوق التنمية الثقافية، لـ«الشرق الأوسط» «وجود خطة متكاملة لتطوير المنطقة المحيطة بالمتحف».

ولتجهيز المتحف، انتهت وزارة الآثار من أعمال ترميم وصيانة مجموعة محمد بك أبو الذهب، التي تضم السبيل والمسجد والتكية وحوض الدواب، وذلك ضمن مشروع ترميم وتطوير المباني الأثرية بالقاهرة التاريخية.

ويتكون المتحف من طابقين، يتوسط الطابق الأرضي منهما صحن به صورة لمحفوظ، تحيط به مجموعة من الأبواب باللون الأزرق، وهو اللون الذي تم الاتفاق عليه مع وزارة الآثار ليكون مميزاً للمتحف، ويضم الطابق الأرضي مجموعة قاعات للدراسة والندوات والاطلاع، بينما يحكي الطابق الثاني سيرة حياة نجيب محفوظ، من خلال مجموعة من القاعات تضم الأوسمة والنياشين التي حصل عليها، بينها قاعة خاصة لجائزة نوبل، ومكتبة نقدية تضم الدراسات النقدية عن محفوظ، وأخرى لأعماله بمختلف الطبعات العربية والإنجليزية، وقاعات أخرى تضم بعض متعلقاته الشخصية، أهدتها للمتحف أسرة الأديب الراحل، لعل أهمها مكتبته الشخصية التي تضم كتباً تحمل إهداءً لمحفوظ من مؤلفيها، وبعض الأوراق التي كتبها محفوظ بخط يده في الفترة التي كان يتدرب فيها على الكتابة في أعقاب محاولة اغتياله.

ومحفوظ هو أول مصري يحصل على جائزة نوبل في الآداب، وقد بدأ رحلته مع الكتابة في الأربعينات من القرن الماضي، وبرع في تجسيد الحارة المصرية في «الثلاثية»، وأثارت روايته «أولاد حارتنا» كثيراً من الجدل بسبب تفسير بعض الرموز الدينية بها، حتى تم منعها من النشر في مصر، وكانت واحدة من أربع روايات حصل بموجبها على نوبل للآداب عام 1988، كما كانت سبباً في محاولة اغتياله عام 1995، وتم نقل عدد من رواياته للتلفزيون والسينما.

وتعود فكرة إنشاء المتحف إلى الفترة التالية لوفاة محفوظ، في 30 أغسطس (آب) 2006، حيث طالب المثقفون بإنشاء متحف لنجيب محفوظ لتخليد ذكراه، ليصدر فاروق حسني، وزير الثقافة المصري في ذلك الوقت، قراراً وزارياً عام 2006، يحمل رقم 804، بتخصيص تكية أبو الذهب لإقامة متحف لنجيب محفوظ، وذلك لقرب التكية من المنزل الذي ولد فيه محفوظ بحي الجمالية، وهي المنطقة التي استوحى منها محفوظ معظم شخصيات رواياته، وكتب عن كثير من الأماكن بها. وتعرض المشروع لكثير من فترات التوقف بسبب الأوضاع السياسية في أعقاب ثورة 25 يناير (كانون الثاني)2011، وغيرها من الأسباب، ليبدأ التنفيذ الفعلي في عام 2016. وبلغت تكلفة إنشاء المتحف نحو 15 مليون جنيه.

وتكية أبو الذهب أنشأها الأمير الكبير محمد بك أبو الذهب، وتوجد في منطقة الأزهر، وأنشأت عام 1774.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

مساعدات سعودية إماراتية لإنقاذ الموسم الزراعي بالسودان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

تنطلق سفينة محملة بما يزيد على 50 ألف طن من المغذيات الزراعية «اليوريا» واحتياجات المزارعين، من ميناء الجبيل الصناعي بالسعودية إلى ميناء بورتسودان بالخرطوم، بشكل عاجل، لإنقاذ الموسم الزراعي في السودان.

وحسب وكالة الانباء السعودية "واس"، فقد اكد مصدر مسؤول أن هذا الدعم جاء بتوجيه مباشر من قيادتي الإمارات والسعودية استمرارا للمواقف الأخوية والمستمرة لمساندة شعب السودان الشقيق في أزمته الحالية، ولتخفيف العبء عن المزارعين من أبناء السودان، نظرا لكون الزراعة تمثل مصدر دخل رئيسياً لعدد كبير من أهل السودان.

وأوضح المصدر أن هذه المساعدات جاءت امتدادا للدعم المالي البالغ 3 مليارات دولار والذي قدمته السعودية والإمارات، منها 500 مليون دولار كوديعة في بنك السودان المركزي، لدعم الاقتصاد وتخفيف الضغوط على الجنيه السوداني.

وأضاف أن الدعم المباشر للشعب السوداني الذي تقدمه المملكة والإمارات ينطلق من عمق العلاقات بين شعبي الدولتين والشعب السوداني والمصير المشترك الذي يربطهم، واستنادا إلى تاريخ طويل من العلاقات الاستراتيجية والأخوية التي تربط بين شعوب الدول الثلاث في النواحي كافة.

وكانت مصادر اعلامية افادت بوجود خلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في السودان، وذلك عقب إعلان الوسيط الأفريقي، محمد الحسن ولد لبات، تأجيل مراسم توقيع الإعلان الدستوري بين الطرفين. ووفق المصادر فإن الخلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير تتعلق بتبعية وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية، هذا إلى جانب نسب توزيع أعضاء المجلس التشريعي. كذلك ترفض قوى الحرية والتغيير توفير حصانة لأعضاء المجلس السيادي.

فيما أفادت مصادر «سكاي نيوز عربية»، أمس، بأن قوى التغيير طلبت من الوسيط الإفريقي تأجيل الاجتماع ليوم غد الثلاثاء، وذلك لمزيد من التشاور في ما بينها حول المسودة، أكد المتحدث باسم المجلس العسكري الفريق ركن شمس الدين الكباشي عدم تلقي المجلس أي إخطار من الوسيط الإفريقي بشأن تأجيل الاجتماع.

في غضون ذلك، طالب المجلس العسكري الانتقالي السوداني القضاء السوداني بإلغاء قراره بإعادة خدمة الإنترنت في البلاد، وإصدار أوامره بوقف الخدمة على الفور، وذلك بعد أيام من أمر صادر عن محكمة الخرطوم الجزئية بإعادة الخدمة للمشتركين، لحين البت في الدعوى القضائية، حيث ألغت بذلك قرار المجلس العسكري الانتقالي الذي قطع خدمة الإنترنت باعتبارها «مهددة للأمن القومي».

وأمرت محكمة الخرطوم الجزئية شركات الاتصالات السودانية الثلاثاء الماضي، بإعادة خدمة الإنترنت لمشتركيها، لحين البت في الدعوى القضائية المرفوعة من قبل «الجمعية السودانية لحماية المستهلك».

وقال الأمين لجمعية حماية المستهلك د. ياسر ميرغني لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن شخصاً اسمه «حيدر أحمد عبد الله»، تقدم بطلب للمحكمة بإلغاء قرارها بإعادة خدمة الإنترنت للبلاد، باعتباره مستشاراً قانونياً لرئاسة الجمهورية.

عن "إيلاف"

للمشاركة:

الشعبويات العربية الجديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

السيد ولد أباه

في تونس تفيد استطلاعات الرأي حول الانتخابات الرئاسية المقررة في أكتوبر القادم أن المركز الأول في التوقعات يحتله رجل الأعمال المثير للجدل نبيل القروي، مالك قناة «نسمة» الخاصة، بينما يحتل المركز الثاني مدرس القانون الدستوري المغمور «قيس سعيد»، في حين تراجعت إلى حد بعيد حظوظ كل الزعامات السياسية المعروفة بما فيها رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي كان يعتبر الوريث الطبيعي للرئيس الحالي الباجي قايد السبسي.
بعض المعلقين التونسيين ذهب إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة تبين أن «الشعبوية الإسلامية» التي تمثلها حركة «النهضة» تراجعت لصالح أنماط جديدة من الشعبوية تستخدم الشعارات الاجتماعية الأكثر رواجاً، وتتبنى المطالب التعجيزية للشارع.
في السودان حالة شعبوية مماثلة تبرز لدى بعض قوى «الحرية والتغيير» من أقصى اليسار ومن التنظيمات القومية الراديكالية الرافضة لمنطق التوازنات الواقعية، وفي الجزائر هناك الظاهرة نفسها التي قد تعرقل مسار التحول وفق الضوابط الدستورية.
من الواضح إذن تنامي النزعات الشعبوية في الشارع العربي على غرار السيناريو الذي حدث في أوروبا وأميركا الجنوبية، بما يعني تراجع تنظيمات الإسلام السياسي التي استفادت سابقاً من انهيار الأحزاب السياسية التقليدية.
المشكل الذي تطرحه النزعات الشعبوية العربية الجديدة، كما هو حال التيارات الشعبوية إجمالا، هو عدم إدراك الفرق الجوهري بين ثلاثة معاني مختلفة لمفهوم الشعب: المفهوم السياسي الذي يعني الكتلة المندمجة في إطار هوية روحية مشتركة، والمفهوم الاجتماعي الموضوعي الذي يحيل إلى التنوع الطبقي والفئوي بين قوى متصادمة من حيث المواقع والمصالح، والمفهوم الانتخابي الذي يتحدد وفق الموازين الكمية المؤقتة.
فالحركات الشعبوية عموماً تتفق في تحميل الموازين الانتخابية دلالة الهوية الروحية العميقة للأمة بالقفز على اعتبارات التعددية الاجتماعية والتنوع السياسي، بما يعني تمويه الرهانات المجتمعية الحقيقية التي هي الموضوع السياسي الفعلي.
وبالرجوع إلى التحديدات التي بلورها الفيلسوف «جرار براس»، يتبين أن المفهوم الحداثي للشعب يعود في مرجعيته العميقة للتقليد اليوناني الروماني الذي ميز بين المفهوم النخبوي للشعب الذي تعبر عنه مقولة populis التي تشمل المواطنين المشاركين في نظام الدولة، والمفهوم الاجتماعي الذي تعبر عنه مقولة plebs أي عموم الناس من الطبقات السفلى التي لا مكان لها في دائرة التشاور والقرار، والمفهوم العرقي النسبي الذي تحيل إليه مقولة ethnos أي المجموعة التي تتقاسم الأصول والثقافة والتقاليد الخصوصية.
وفي القرن السابع عشر، برزت لدى فلاسفة الحداثة مقولة «الجمهور» multitude التي تعني الكتلة الحية من الفرديات الحرة المستقلة قبل حالة الانتظام السياسي في شكل الدولة التعاقدية (الشعب من حيث هو أمة).
لقد لاحظ المفكر المغربي عبد الله العروي أن الدولة الإسلامية التقليدية لا مكان فيها للعامة، من حيث هي جسم سياسي، بل هي مسألة سلطان وخاصة، فالعامة مصدر خطر دائم يتهدد النظام العام واستمرار السلطة والحكم، في حين أن الخاصة هي عماد المجتمع ومركز القرار. وإذا كان البعض يربط بين هذه الملاحظة وهشاشة القاعدة السياسية للدولة العربية، فإن هذه الحقيقة لا تنفي أن المجتمع السياسي العربي الوسيط كان أقوى من الدولة وأكثر تماسكاً، وإن لم يعرف من التركيبة التي يتحدث عنها «براس» سوى العامة (أو الدهماء) التي تحيل إلى شبح الفتنة أو مقولة الشعب التي تعني في المعجم الوسيط القبيلة الكبيرة.
وقد يكون مفهوم الأمة في ما وراء دلالته الدينية الضيقة (جماعة الدعوة أو جماعة الاعتقاد) هو الأقرب لمفهوم الشعب في دلالته الحديثة، لما يربط بينهما من فكرة الائتلاف المؤسس على نواميس جامعة: الشريعة في التقليد الإسلامي والقانون المدني في التقليد الحديث.
بيد أن ما يميز الأمة في التجربة التاريخية الإسلامية عن الأمة بالمفهوم الحديث ليس الطبيعة الدينية للولاء والانتماء، فقد كانت الدولة الإمبراطورية الإسلامية في الغالب متعددة النسيج الديني، كما أنها طورت أشكالا متعددة من الرابطة السياسية تدخل في باب المواطنة بالمعنى الراهن، إلى حد أن المستشرق المعروف ماسينيون اعتبر أن الدلالة الوحيدة للأمة في السياق الإسلامي هي إرادة العيش المشترك وليس الهوية الدينية أو العصبية. إن الفارق الأساسي بين الدلالتين هو أن المفهوم الحديث للشعب أو الأمة يقوم على نفي الطابع التعددي الاختلافي في الجماعة (أي الجمهور)، في حين أن الحقل السياسي في نظام الاجتماع السياسي في الإسلام الوسيط لم يقوض أو يذوب حركية المجتمع الأهلي.
ومن هنا نخلص إلى أن الخطر الذي تمثله الشعبويات في نسختيها، الإسلامية المؤدلجة واليسارية الراديكالية، هي تأجيج الفتنة داخل مجتمعات هشة لم تستطع فيها الدولة بعد عقود من الاستقلال تأمين الجسم الاجتماعي وبناء هوية وطنية متماسكة وصلبة، في حين أن الجماعة التي كانت في السابق محور توازن وتماسك هذه المجتمعات تحللت وانهارت بانهيار التقليد الوسيط نفسه.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية