الأوروبيون الجدد: مسلمو فرنسا وبريطانيا

الأوروبيون الجدد: مسلمو فرنسا وبريطانيا
10350
عدد القراءات

2018-06-10

ترجمة: محمد الدخاخني

أحد مآلات هزيمة تنظيم داعش في العراق وسوريا يتمثّل في أنّ العديد من الأوروبيّين، الذين يقدّر عددهم بخمسة أو ستة آلاف شخص ممّن ذهبوا إلى بلاد ما بين النّهرين للقِتال من أجل العيش في ظلّ ما يسمّى بالخلافة، يعودون الآن إلى ديارهم. وتبعاً لسياسات بلدانهم، قد يتمّ سجنهم، أو إخضاعهم للمراقبة عن كثب، أو وضعهم في برامج إعادة التّأهيل (وفي ذلك، فرنسا هي الأصعب، والدنمارك بين الدّول الأكثر تفهماً). ما مِن أحد يعرف مقدار التّهديد الّذي يشكله هؤلاء العائدون. فهم قد يكونوا نادمين على ما اقترفوه ومستعدّين لأن يصبحوا مواطنين شرعيّين، أو ربّما يخطّطون لأعمال انتقاميّة. وبغض النّظر عن النّكسات التي عانى منها تنظيم داعش في ساحة المعركة، فإنّ قائمة الأعمال الوحشيّة التي يرتكبها جهاديون مسلمون على الأراضي الأوروبيّة ما تزال تتزايد. فمن سلسلة اعتداءات بالمتفجّرات والسّيارات والسّكاكين في بريطانيا في مطلع عام 2017 - والتي كان أسوأها الهجوم الذي أودى بحياة 22 شخصاً خلال حفل موسيقيّ في مانشستر أرينا - إلى اعتداءات أخرى أكثر حداثة في إسبانيا وفرنسا، يبدو واضحاً أنّ شهيّة عدد بالغ الصّغر من المسلمين لقتل الكفّار ما تزال منتعِشة.
بالرّغم من أنّ الهجمات الإرهابيّة في أوروبا ما تزال تجذب الكثير من الاهتمام، إلّا أنّها لا تُهيمن على الأخبار بالقدر نفسه الّذي كانت عليه الحال عندما كانت بِدْعة مروّعة في عامي 2014 و2015. ومسألة أنّ الإرهابيّين يمكن أن يخلقوا ذعراً متمركزاً ولكن ليس ذا انتشار واسع ثَبُت على نحو متكرّر. وكان السير جيرمي غرينستوك، الرّئيس السّابق للجنة الأمم المتّحدة لمكافحة الإرهاب، قد وصف بشكل ملائم الإرهاب الإسلامويّ بأنّه "مصدر إزعاج فتّاك".

زوار في مدينة ملاهي في لندن خلال احتفال العيد ، يوليو 2014

اشتهاء الصّدْع
لكن هذا الإزعاج قد أحرز بعض التّقدّم في تحقيق ما أكّد عالِم الاجتماع الفرنسيّ جيل كيبيل، وهو في طليعة المنظّرين الأوروبيّين المرجعيّين في التّشدّد الإسلامويّ، أنّ الهدف من وراء جلب الجهاد إلى الوطن: خلق "صَدْع" غير قابل للجسر بين مسلمي أوروبا وغير مسلميها. وفقاً لكيبيل، بعد انخراط الجهاديّين في حرب مقدّسة ضدّ السوفييت في أفغانستان، انتقلوا إلى "الخارج القريب" (البوسنة والجزائر ومصر)، قبل أن يتوجّهوا إلى الغرب نفسه، وجاءت أوّلاً -وبطريقة هي الأكثر دراماتيكيّة- الولايات المتحدة، ومنذ عام 2012، أوروبا الغربيّة، وذلك في حملة من الهجمات شنّها أفراد وخلايا غالباً ما "ترعرعوا محليّاً" . ذاك الصّدْع المُشتهى بقوّة قدّم لكيبيل عنوان آخِر إضافة له ضِمن الأدبيّات الضّخمة الّتي تدور حول هذا الموضوع، La Fracture، وهو الكتاب الّذي نُشِر بعد بضعة أشهر من إدراج مؤلّفه على قائمة تضمّ سبع شخصيّات عامّة فرنسيّة انتُقِيَت لإيقاع حكم الإعدام بها على يد القاتل الجهاديّ العروسي عبد الله. (وقد قتلت الشّرطة عبد الله في حزيران (يونيو) 2016 بعد قتله ضابط شرطة وزوجته). "إذا كنتم تريدون قتلي، فافعلوا"، هكذا استهزأ كيبيل بالجهاديّين خلال مقابلة مع النيويورك تايمز في نيسان (إبريل) 2017.

إنّ الهجمات الجهاديّة لها تداعيات على المجتمعات والتّقاليد الّتي يُعتقد أنّها شجّعت عليها

وعلى النّقيض من الهجمات الّتي ارتكبها غير مسلمين مثل ستيفن بادوك، الّذي قتل 58 شخصاً في حفل موسيقيّ في لاس فيغاس في الأوّل من تشرين الأول (أكتوبر) 2017، فإنّ الهجمات الجهاديّة لها تداعيات على المجتمعات والتّقاليد الّتي يُعتقد أنّها شجّعت عليها. فكلّ فظاعة تتعاظم بخوف يُضاعِف من عدم الثّقة، والمراقبة، والتّدخل الّذي يتعرّض له المسلمون في الغرب. ففي الشّهر الّذي أعقب تفجير أرينا، سجّلت شرطة مانشستر 224 حادثة معادية للمسلمين، مقارنة بـ 37 حادثة في الفترة نفسها من العام الماضي. وفي 19 حزيران (يونيو) 2017، عندما قام بريطانيّ أبيض، هو دارين أوزبورن، بدهس مجموعة من المسلمين في شمال لندن بشاحنته، ممّا أسفر عن مقتل واحد، شعر العديد من البريطانيّين، بما في ذلك بعض من تحدّثت إليهم، بأنّ المسلمين يحصدون ما زرعوا . وهذا ما يعنيه كيبيل بالصّدْع: تولِّد الجهاديّة ردّ فعل "ضدّ كلّ المسلمين"، في الوقت الّذي يقوم فيه السّياسيّون الشّعبويّون "بإلقاء الّلائمة على المهاجرين أو 'الإسلام'".

تولِّد الجهاديّة ردّ فعل معادياً "ضدّ كلّ المسلمين"

حجّة دائمة: هؤلاء لا يمثّلون الإسلام

يُسهِم العديد من الأوروبيّين ذوي الإرث الإسلاميّ، بطبيعة الحال، في حياة الأُمم الّتي احتضنتهم، وذلك في كثير من الأحيان مع الاحتفاظ بعناصر من إيمانهم وثقافتهم . لكن مع كلّ هجوم جهاديّ، فإنّ الصّيغة الّتي كثيراً ما تُذكر هي أنّ الإسلام هو دين سلام جرى تحريفه على يد ثلّة معزولة تفتقر إلى الرّواج.

اقرأ أيضاً: المسلمون والسياسة في أوروبا: معضلة لا تجد حلاً
كان ذلك واضحاً بالنّسبة إليّ بعد بضعة أيام من هجوم شمال لندن أثناء استماعي إلى مناقشة في برنامج إذاعي شهير بين كلّ من المقدّم نيك فيراري وخولة حسن، وهي عضوة بارزة في إحدى مجالس الشّريعة في بريطانيا. (وتقضي هذه الهيئات معظم وقتها في حلّ زيجات غير سعيدة جرى عقدها بموجب الشّريعة الإسلاميّة وقد جرى انتقادها بسبب قيامها بواجبات الدّولة). بدأت المناقشة بنبذ خولة حسن لتنظيم داعش لأنّه يقوم على "عِبادة الموت الّتي تتظاهر بأنّها نمت من داخل العقيدة الإسلاميّة". وهكذا كان ارتباط الجهاديّين بالإسلام انتهازيّاً للغاية، فهؤلاء القتلة الجماعيّين الّذين هتفوا صارخين "الله"، يمكنهم بسهولة، وفقاً لها، أن يصرخوا "بوذا" أو "يسوع". لكنّ فيراري قاطعها بنبرة باردة قائلاً: "ذكّريني بالمرّة الأخيرة الّتي قامت فيها مجموعة من المسيحيّين.. بتفجير أطفال بينما هم يخرجون من حفل موسيقيّ، لأنّه لا شكّ أنّني كنت غائباً عن العمل ذلك اليوم". وتابع قائلاً: "إنّ شيئاً ما له صِلة بالإيمان" قد تسبّب في المشكلات الحاليّة. وفي انزعاج واضح، أجابت خولة: "هذا هو بيت القصيد!". وأضافت: "لا يتعلّق الأمر بالإيمان"، قبل أن ينقطع الاتّصال بشكل غامض - ورمزيّ إلى حدّ ما.

بيّن استطلاع للرّأي أجري في بريطانيا عام 2016 أنّ 43% من البريطانيّين يعتقدون أنّ الإسلام قوّة سلبيّة في بريطانيا

ووفقاً لاستطلاع للرّأي أجرته "لوفيغارو" في نيسان (إبريل) 2016، فإنّ 63 بالمئة من الفرنسيّين يعتقدون أنّ الإسلام يتمتّع "بنفوذ وظهور" أكثر من الّلازم في فرنسا، وهي نسبة أعلى من الـ 55 بالمئة الّتي سُجّلت في عام 2010، بينما يعتبر 47 بالمئة وجود مجتمع مسلم كـ "تهديد"، وهي أيضاً نسبة من الـ 43 بالمئة الّتي سُجّلت سابقاً. وقد أظهر استطلاع للرّأي أجري في بريطانيا في الوقت نفسه أنّ 43 بالمئة من البريطانيّين يعتقدون أنّ الإسلام "قوّة سلبيّة في المملكة المتّحدة". وقد أخبرني أحد النّاشطين المسلمين في ليدز أنّ الكثير من المسلمين البريطانيّين أنفقوا السّاعات التّالية لمذبحة لاس فيغاس "في صلاة بأن يكون الجاني غير مسلم"، لأنّه لو كان كذلك، لأدّى ذلك إلى ردود فعل غاضبة على الإنترنت، بالإضافة إلى الدورة المعتادة من خلع الحجاب وتلقّي الشّتائم في الشّوارع، إن لم يحصل أن كانت هناك تهديدات جسديّة فعليّة.

جيل كيبيل: الهدف من وراء جلب الجهاد إلى الوطن خلق صَدْع بين مسلمي أوروبا وغير مسلميها

نماذج اندماج المسلمين في أوروبا

لقد أصبح اندماج المسلمين قضيّة سياسيّة في أوروبا في الثّمانينيّات. في بريطانيا، أخذ النّشطاء المسلمون في الانفصال عن مجتمع البريطانيّين من أصل إفريقيّ، وتطوّرت التّوتّرات بين الاثنين. وفي فرنسا، أدّت سنوات من الإهمال الحكوميّ، إلى جانب تعميم الأفكار السّلفيّة عبر الجهاد الأفغانيّ، إلى تقويض الافتراض القديم القائل بأنّ مهاجري شمال أفريقيا في البلاد من الاشتراكيّين والعلمانيّين حتماً. وتأتي كلّ من سيطرة، أو تدخُّل الثّقافة الفرنسيّة، والتّعدديّة الثّقافيّة البريطانيّة -مقاربة كلّ من فرنسا وبريطانيا لدمج المهاجرين- كامتدادين منطقيّين لنسختين متناقضين للإمبراطوريّة (مهمّة التّحضّر في فرنسا مقابل سياسة عدم التّدخّل البريطانيّة)، وفي حالة بريطانيا يرفد ذلك مبدأ التّنوّع المتأصّل في مملكة متّحدة جامِعة لتكتّلات مختلفة. (وقد اعتمدت ألمانيا مزيجاً غير مستقرّ من الاثنين).
وعندما اندلعت أعمال الشّغب في الضّواحي الفرنسيّة عام 2005، ومجدّداً، عندما ضرب الإرهاب الجهاديّ فرنسا في كانون الثّاني (يناير) 2015، عزا الكثير من البريطانيّين متاعب فرنسا إلى سياستها غير الحكيمة المتمثّلة في إجبار المهاجرين من شمال أفريقيا على تبنّي جميع جوانب الثّقافة الفرنسيّة، بما في ذلك تبجيل اللغة الفرنسيّة وأيديولوجيا العلّمانيّة والجمهوريّة. فعلى النّقيض من ذلك، سمح البريطانيّون للمجتمعات/الجاليات المختلفة بالحفاظ على خصائصها المتنوّعة مع إغوائها برموز مثل البرلمان والتّاج. وحتّى تفجيرات لندن عام 2005، الّتي قُتِل فيها 52 شخصاً، لم تُلحِق ضرراً مستديماً بهذا النّهج المتفائل، ويرجع ذلك جزئيّاً إلى أنّ الفجوة الّتي دامت ثمانية أعوام قبل الهجوم الجهاديّ التّالي شجعت البريطانيّين على التّفكير في الأمر على أنّه انحراف.

اقرأ أيضاً: أوروبا إذ تكتشف خطر الإخوان المسلمين
وبالعودة إلى عام 1975، جادل مؤلّفو وثيقة حكوميّة بريطانيّة حول التّعليم بأنّه "لا ينبغي أن يُتوقّع من أي طفل أن ينبذ لغة وثقافة وطنه الأصليّ أثناء عبوره عتبة المدرسة". هنا كان جوهر التّعدديّة الثّقافيّة، والّذي بموجبه رأت الدّولة أنّه لا فائدة من إضعاف روابط الجاليات والتّقاليد الّتي تربط بين المواطنين من أصل أجنبيّ. على العكس، ينبغي تشجيعهم -كما قال مجلس لندن الكبير- على "التّعبير عن هويّاتهم الخاصّة، واستكشاف تواريخهم الخاصّة، وصِياغة قيمهم الخاصّة، ومتابعة أنماط حياتهم الخاصّة".
كان التّعليم والإسكان العام مجالين حيث حقّقت التّعدديّة الثّقافيّة تقدّماً كبيراً. في العديد من الحالات، لم تُبذل أيّة جهود لتمييع أي مجتمع مُهاجر مُتجانس، وهو ما أدّى إلى مناطق أُحاديّة الثّقافات من قبيل - كما تقول عبارة جيمس فيرغسون في كتابه Al-Britannia, My Country، وهو عبارة عن دراسة استقصائيّة جديدة ومتعاطِفة بقوّة حول المسلمين البريطانيّين - "الأحياء المسلمة في شرق برمنغهام"، حيث يتمّ تشجيع المدارس على الإقرار بتواريخ وثقافات "الوطن الأُمّ". ونتيجة لبرنامج بريطانيا متعدّد الثّقافات، الّذي تمّ تشجيع المجتمعات بموجبه على تمثيل نفسها، بطريقة ما على نمط "الراج البريطانيّ"، حصلت المناطق ذات الأغلبيّة المسلمة على أعضاء مجالس وعُمَد وأعضاء برلمان مسلمين بأعداد أكبر بكثير من المناطق المُماثلة في فرنسا .

غلاف كتاب "Al-Britannia, My Country" لجيمس فيرغسون

وتُعدّ برادفورد، في غرب يوركشاير، واحدة من العديد من المدن الصّناعيّة السّابقة في إنكلترا الّتي أعطت شكلاً للتّعدديّة الثّقافيّة في أكثر أشكالها إثارة للجدل. لا يعيش كلّ مسلمي بريطانيا في مجتمعات مُغلقة، بأيّة حال؛ إذ يمتزج مسلمو شرق لندن وليستر مع عدد آخر من أصحاب الدّيانات المختلفة. لكنّ أجزاء من برادفورد - في الشّوارع الصغيرة الضّيقة حول أتوك بارك، على سبيل المثال، حيث ترتدي النّساء الجلباب الباكستانيّ - تعدّ مناطق أحاديّة الثّقافة بجُرأة. ويهيمن على المجتمع المسلم في برادفورد، والبالغ 130 ألف نسمة على الأقل، أسر من منطقة واحدة من كشمير الخاضعة لإدارة باكستان، والّذين هاجر العديد منهم في السّتينيّات. ويتخلّل أفق المدينة مآذن 125 مسجداً، وأنظمة المدينة التّعليميّة، والخيريّة، والتّجاريّة (ناهيك عن الزّواج والطّلاق) قد تشكّلت على أساسٍ من مواقف مجتمع متماسك وشديد المحافظة. كما أصيبت المدينة بالفقر والجرائم المرتبطة بالمخدّرات، لكنّي أُخبِرت مراراً أثناء زياراتي الأخيرة أنّه لولا تماسكهم، واعتمادهم على أنفسهم، وإيمانهم بإله صارم وإنّما رحيم، لكان وضع مسلمي برادفورد أسوأ من ذلك بكثير.

نهاية التّعدديّة الثّقافيّة
في الأعوام الأخيرة، ضَعُف تشجيع إنكلترا للتّعدديّة الثّقافيّة كردّ على الهجمات الإرهابيّة والزّيادة السّريعة في عدد السّكان المسلمين، وهو العدد الّذي تضاعف منذ عام 2000 إلى أكثر من ثلاثة ملايين شخص. وبحلول عام 2020، سيكون نصف سكان برادفورد - الّتي إلى جانب كونها إحدى أكثر المدن إسلاميّة في البلاد، فإنّها تمتلك واحداً من أعلى معدلات المواليد الموجودة بها - أقلّ من عشرين عاماً. وردّاً على هذا التّحول الدّيموغرافيّ والخوف من الإرهاب، قامت بريطانيا في ظلّ قيادة ديفيد كاميرون، ومؤخّراً تيريزا ماي، بقبر سياسة التّعدديّة الثّقافيّة بشكل علنيّ، وهو تحوّل يبدو متناغماً كليّاً مع البواعث الدّفاعيّة الّتي قادت غالبيّة ضئيلة من النّاخبين لاختيار البريكست (خروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبيّ). (قيل لي في برادفورد إنّ العديد من سكّان المدينة المسلمين صوّتوا أيضاً لصالح البريكست، للإشارة إلى استيائهم من وصول مهاجري بولندا وروما مؤخّراً). ويأتي في إطار هذا التّخلّي المذعور عن بَنْدٍ موقّرٍ للإيمان ردّ فعل ماي على الهجوم الإرهابيّ على جسر لندن في أوائل حزيران (يونيو) 2017، حيث طالبت بعد الحادث بأن يعيش النّاس "ليس في سلسلة من المجتمعات المنفصلة والمغلقة، ولكن كمملكة متّحدة حقّاً". وكان أحد العناصر الأساسيّة في سياسة الحكومة لمكافحة التّطرّف هو التّرويج للقيم "البريطانيّة" مثل الدّيمقراطيّة وسيادة القانون والحريّة الفرديّة والتّسامح.

ترك العديد من الإسلامويّين مجتمعاتهم المحليّة الخانِقة للعثور على عائلة بين أُناسٍ من دول مختلفة!

ومن بين الملاحظات الّتي وردت في تقرير الحكومة لعام 1975 حول التّعليم هو أنّ أمّهات بعض التّلاميذ في المدارس البريطانيّة ربما كن يعشن "وفق عادات محافظة للغاية فيما يخصّ علاقتهن بالجنس الآخر، أو لا يتحدّثن الإنكليزيّة". كانت نبرة التّقرير محايدة - ولم يُشِر في أيّ موضع إلى أنّ هذا يمثّل تهديداً للدّولة المدنيّة. ولكن في بيئة اليوم، قد يبدو أنّ هذا البيان يقدّم دليلاً على قيام المجتمعات المحليّة برفض أسلوب الحياة البريطانيّ - ومعه قِيَم التّحرّر والالتزام الفرديّ الّتي تحظى بها الثّقافة البريطانيّة الرّسميّة. فالغيتو [الحي المغلق على أقليّة معيّنة]، إذْ يفعّل هذا النّمط من التّفكير، هو أوّل محطّة في رحلة نحو التّطرّف والإرهاب.
إنّ وجود مثل هذه العلاقة المباشرة بين المجتمعات المسلمة والمنظّمات المتطرّفة هو بطبيعة الحال موضع خلاف كبير. ففي الواقع، ترك العديد من الإرهابيّين الإسلامويّين المجتمعات المحليّة الخانِقة من أجل العثور على "عائلة" جديدة بين أُناسٍ من دول مختلفة يحملون تصوراً عالميّاً، أو على حدّ تعبير باحث فرنسي آخر مختصّ في الجهاديّين، هو أوليفييه روي، "نوع جديد من المسلمين، منفصل تمامًا عن الرّوابط العرقيّة والوطنيّة والقبليّة والعائليّة" .

اقرأ أيضاً: مسلمو بريطانيا الشباب أكثر ليبرالية لكنهم ليسوا أقل تديناً

وفي كثير من الأحيان ما تقوم هذه" العائلة "الجديدة، وليس مسقط الرّأس الّذي يُهيمن عليه المسلمون، بغرس الأيديولوجيا الجهاديّة. قد تكون المجتمعات والمدارس الإسلاميّة الّتي ينتقدها البريطانيّون بسبب مواقفها غير الّليبراليّة، لأنّها تشجّع التّماسك الأسريّ والمجتمعيّ، عقبة أكثر فعّاليّة أمام الجهاديّة الثّوريّة من أي قدر من البروباغندا الحكوميّة. لكنّ البريطانيّين من اليسار الّليبراليّ واليمين الوطنيّ ينظرون إلى المجتمعات الإسلاميّة المحافظة على أنّها أبويّة وشوفينيّة ومعادية للمثليّة - وفي كثير من الحالات لأسباب وجيهة. كما أنّ السّياسة القديمة المتمثّلة في الإذعان إلى الجماعات الإسلاميّة الأكثر "اعتدالاً" قد قوّضتها النّظرة القائلة بأنّهم عملاء للحكومات، أو ليسوا معتدلين حقّاً.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرف في أوروبا يزيد وتيرة جرائم الكراهية ضد المسلمين
يتعاطى كتاب فيرغسون، Al-Britannia، بشكل مفصّل مع نهاية التّعدديّة الثّقافيّة واستبدالها بتشديد المراقبة والتّأكيد على القيم الثّقافيّة الوطنيّة. في إطار برنامج تفكيك الرّدكلة الّذي أطلقته الحكومة، والمسمّى Prevent، يجب على المعلّمين وموظّفي المستشفيات وغيرهم من العاملين في القطاع العام الإبلاغ عن أي شخص يعتبرونه متطرّفاً فعليّاً أو مُحتملاً. يتّفق الجميع على ضرورة تحديد الرّاديكاليّين المحتملين، سواء كانوا إسلامويّين أو فاشيّين جدد، ولكن وفق هذا البرنامج تمّ تصنيف الكثير من المسلمين بشكل ظالم، ممّا يجلب عاراً يستمرّ إلى ما بعد الاستشارات "الطّوعيّة" الّتي تلي الإحالة. كما أنّ الحماقات التي ارتُكبت باسم البرنامج كثيرة. حيث تمّ تفتيش غرفة طالبة في جامعة أكسفورد (وهي من السيخ، كما ظهر) بعد أن استُمِع إليها تتلو بضع صلوات، وتمّ استجواب تلميذ في الرّابعة عشرة من عمره بعد أن استخدم كلمة "الإرهاب البيئيّ".

كان هناك جهد متضافر لجلب المزيد من الموظّفين المسلمين للمدارس في الأجزاء ذات الأغلبيّة المسلمة من برمنغهام

كما تجلّى العداء البريطانيّ الجديد تجاه الجيوب المسلمة غير الّليبراليّة في فضيحة وطنيّة في عام 2014، عندما كشفت تفاصيل عن مؤامرة مزعومة لأسلمة المدارس في برمنغهام، وهي ثاني أكبر مدينة في البلاد. خلال العقد الماضي، كان هناك جهد متضافر لجلب المزيد من الموظّفين المسلمين إلى المدارس في الأجزاء ذات الأغلبيّة المسلمة من برمنغهام. وكانت الصلوات الاعتياديّة والصّيام الرمضانيّ من الأمور المدعومة من جانب السّلطات المدرسيّة، وتمّ إدخال شيء من الفصل بين الجنسين. وفي بعض الأحيان، أعرب المعلّمون عن وجهات نظر غير مرغوب فيها حول المثليّة الجنسيّة وحقوق المرأة. لكن من خلال تعزيز هذه القيم الإسلامويّة - والتّقليل من القيم "البريطانيّة" الّتي يفترض أن يدعموها - خلق المعلّمون في هذه المدارس أيضاً الشّروط الّلازمة لزيادة المعايير الأكاديميّة والضّبطيّة، مع ما يصاحب ذلك من تأثير على نتائج الامتحانات وفرص العمل.
وبعد الفضيحة، تمّ إيقاف المعلّمين في ثلاث مدارس في بيرمنغهام، وهو ما كان له تأثير سلبيّ على معنويات ونتائج الامتحانات. وأيّدت لجنة التّحقيق الّلاحقة تهمّة تأديبيّة واحدة فقط، كما أنّ الادّعاءات بوجود مؤامرة فقدت مصداقيتها. لكن الأضرار التي لحقت بسمعة المدارس وتلاميذها كانت كبيرة.

حول علاقة الجاليات المسلمة بالتّطرّف

بالنّسبة إلى فريغسون، فإنّ الصّدْع في بريطانيا اليوم ليس كبيراً بين المسلمين وغير المسلمين كما هو الحال بين المسلمين أنفسهم: الشّباب يضغطون على آبائهم، ويخلق مزيج الإغراء الجنسي والدّخُول المتوقّفة عن الزّيادة (والزّواج ترف لا يستطيع الكثيرون تحمله) الإحباط الّذي يمكن أن ينزلق إلى العدميّة. وقد تعرّض فريغسون لانتقادات بسبب تعاطفه الشّديد مع بعض الإسلامويّين الّذين صُوِّروا كمصدر تهديد من جانب وسائل الإعلام، مثل عاصم القريشي، العضو البارز في جماعة الدّعوة الإسلاميّة "كيج"، الّذي وصفَ في عام 2015 محمد إموازي، المتشدّد الدّاعشيّ البريطانيّ المعروف باسم "الجهاديّ جون"، بأنّه "شاب لطيف". لكن اعتقاد فريغسون بأنّه ينبغي تقدير المسلمين البريطانيّين بسبب إيمانهم، وليس بالرّغم منه، يُعتبر تحسّناً كبيراً على التّسامح القائم على المصلحة الذّاتيّة الّذي غالبًا ما كان يُعتبر موقفاً مستنيراً حول مسألة المسلمين.
وكان عالم السّياسة الأمريكيّ الرّاحل روبرت س. لايكين، على سبيل المثال، الّذي أُعيد إصدار كتابه Europe’s Angry Muslims مؤخّراً مع مقدّمة حول صعود داعش، قد جادل بأنّ أحد أسباب وجوب محاربة الغربيّين للتّميّيز ضدّ المسلمين يتمثّل في أنّ "مثل هذا التّعصّب يسرق منّا الحلفاء، بما في ذلك المسلمون في الغرب، عندما تكون لدينا حاجة ملحّة إلى إخباريّين من داخل هذه المجتمعات". ومن الصّعب التّفكير في تصريح ضدّ التّعصّب أكثر عداءً لفكرة أنّ المسلم قد يكون فعلاً "واحداً منّا".

غلاف كتاب "Europe’s Angry Muslims" لعالم السّياسة الأمريكيّ الرّاحل روبرت س. لايكين

نقاش لأطروحات جيل كيبيل

وفي حين يعتقد فيرغسون أنّ الاعتراف بعقيدة المجتمعات المسلمة وقيمها أمر ضروريّ لتماسك المجتمع ككلّ، فإنّ كيبيل يعتبرها سلاحاً وُضع في أيدي الإسلامويّين بسبب القلوب الّليبراليّة النّازفة. إنّ رحلة كيبيل مثيرة للاهتمام. في عام 2004، كان كيبيل عضواً في لجنة أوصت بـ - وحصلت على - حظر الرّموز الدّينيّة التّفاخريّة في المدارس الفرنسيّة (ما يُطلق عليه "حظر الحجاب"). لكنّه قضى الكثير من حياته المهنيّة أيضاً كأكاديميّ رفيع المستوى يحقّق في مزيج الفقر والشِراك الثّقافيّة والأفكار السّلفيّة الّذي خلق شعوراً بالاغتراب لدى الجيل الحاليّ من المسلمين. وقد طرح في كتابه السّابق، Terror in France، تاريخاً عصريّاً متقناً لفرنسا المسلمة من خلال تناول قضايا مختلفة ومشهورة، بداية من نشر الرّسوم الكاريكاتوريّة المسيئة للنّبيّ محمّد في عام 2005، ومروراً بشكوى مارين لوبن في عام 2010 من أنّ أجزاء من المجتمع تقع تحت "الاحتلال" (ورغم هذا التّصريح إلّا أنّها برّئت فيما بعدها من تهمة ارتكاب جرائم تحضّ على الكراهية)، ووصولاً إلى الهجمات الجهاديّة الأولى على الأراضي الفرنسيّة في عام 2012.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الإسلاموية في أوروبا: ما هي وماذا تريد؟
من المثير للاهتمام بشكل خاصّ، في ضوء الانقسام بين الأجيال المسلمة، الّذي يركّز عليه فريغسون، وَصْف كيبيل لمحاولة فاشلة قام بها "اتّحاد المنظّمات الإسلاميّة في فرنسا" لفرض النّظام على الأحياء الّتي عمّها الشّغب في عام 2005. فهذه الهيئة الّتي تضمّ زعماء دينيّين وعلمانيّين، والّتي اعتبرها الكثيرون الأقوى في فرنسا، فقدَت هيبتها بسبب عدم قدرتها على منع تمرير حظر الحجاب، وكان يُهيمن عليها مجموعة مسنّة من الإخوان المسلمين ليس ثّمة صلة بينهم وبين الشّباب الّذين كانوا بدورهم في الخارج يحطّمون السّيارات. أعلنت الفتوى الّتي أصدرها لاهوتيّو هذا الاتّحاد أنّ التّخريب محرّم، أو غير مشروع، لكن كان لها الأثر المعاكس للهدف المقصود. ففي اليوم التّالي، تمّ تدمير أكثر من 1400 سيارة وأصيب 35 من رجال الشّرطة.

وكتاب كيبيل، La Fracture، هو عبارة عن مجموعة من المقالات والتّعليقات الّتي تدور حول أحداث في فرنسا والعالم الإسلاميّ. والجزء الأكثر إثارة للاهتمام هو الخاتمة المطوّلة، الّتي يُظهِر فيها انعدام الثّقة، المشترك بين المثقّفين المكرّسين، في السّياسات المجتمعيّة، والّتي تُعتبر متعارضة مع تأكيد الجمهوريّة الفرنسيّة على تكافؤ الفرص. إنّ المشكلة، كما يراها كيبيل، لا تكمن ببساطة في أعمال العنف الّتي يرتكبها الجهاديون، بل في الّلعبة الطويلة الّتي يقوم بها أقرانهم الّذين يهدفون إلى إثارة الصّدْع أثناء عملهم في إطار القانون. وفي جمهوريّة علمانيّة مثل فرنسا، كما يكتب، "لا يمكن تمثيل مجتمع دينيّ على هذا النّحو في المجال السّياسيّ" - لكن هذا هو بالضّبط المبدأ الّذي يحاول جيل جديد من النّشطاء المسلمين أن يفسدوه.

اقرأ أيضاً: مسلمو بريطانيا يحاربون التطرف بمأسسة العمل الديني
ويرى كيبيل أنّ مروان محمّد، القائد الشّاب النّشِط والمتعلّم جيّداً لجماعة ضغط تُدعى "التّجمّع ضدّ الإسلاموفوبيا في فرنسا"، ربّما يكون أخطر هؤلاء الّذين يضرب بهم المثل. ففي صيف عام 2016، بعد هجوم جهاديّ في نيس قُتِل فيه 86 شخصاً، أصدرت عدة بلدات ساحليّة حظراً على البوركيني. وكان محمّد بارزاً في تنظيم الاحتجاجات الّلاحقة ضدّ ما أسماه "إسلاموفوبيا هستيريّة وسياسيّة"، وهو الأمر الّذي منح فرنسا الكثير من الدّعاية غير المحبّبة وانتهى بقرار قضائيّ يقضي بعدم قانونيّة الحظر. ينظر كيبيل إلى العاصفة الّتي تحيط بالبروكيني - إلى جانب موجة الغضب الأخرى في الوقت نفسه بسبب إساءة معاملة امرأتين مسلمتين في مطعم - على أنّها اهتياجات شعبويّة تتنكّر في شكل حملات لحقوق الإنسان. وهو يتّهم مثل هذه الحركات باستدعاء حالات "الإسلاموفوبيا" (وعلامات الاقتباس من عند كيبيل) بهدف صريح وهو جعل المسلمين يشعرون بأنّهم ضحايا.

رغم عدد المسلمين الكبير بفرنسا لكنها ليست  آيلة للسّقوط بأيدي الإسلامويّين الجدد بقيادة أردوغان

وهنا لا مجال للسّذاجة في هذه المناقشة. لقد أخبر آية الله الخمينيّ الكثير من الغربيّين بينما كان في منفاه الفرنسيّ أنّه لا يرغب في تطبيق حكم إسلاميّ في إيران. وفي غضون عام من عودته إلى إيران في شباط (فبراير) 1979، صارت البلاد جمهوريّة إسلاميّة. من الوارد أن يكون لدى مروان محمّد، وغيره، حلم فرنسا المسلمة. ولا أعرف ما إذا كان هذا هو الحال ولا يعرف كيبيل أيضاً - بالرّغم من أنّ لديه شكوكه. بالتّأكيد، يذكّرني الكثير في التّطبيق الفرنسيّ العقائديّ للّائكيّة بالتّدابير اليائسة للجمهوريّة العلمانيّة في تركيا قبل أن يطغى عليها في النّهاية الإسلامويّون الجدد بقيادة رجب طيب أردوغان. ولكن فرنسا، بالرّغم من عدد سكانها من المسلمين الكبير والسّريع النّمو -والّذي يصل إلى حوالي 8.4 مليون نسمة، أو ما يعادل ثُمن مجموع السّكان- ليست على وشك السّقوط في أيدي الإسلامويّين الجدد. وبغض النّظر عن الهدف النّهائيّ لنشطاء مثل محمّد، فإنّ دخولهم في التّيار السّياسيّ ودفاعهم الماهر عن حقوق متزايدة يبشّر بالخير فيما يتعلّق بتحقيق هدف دمج المسلمين في المؤسّسات الأوروبيّة.

أخبر الخمينيّ الغربيّين وهو بمنفاه الفرنسيّ أنّه لا يرغب بتطبيق حكم إسلاميّ في إيران!

زيادة أعداد المسلمين

لقد تقدّم الرّئيس إيمانويل ماكرون بمبادرات وديّة لمسلمي فرنسا، وخلال حملته في العام الماضي، أقرّ بأنّ هناك جرائم مروّعة ارتكبها الفرنسيّون في الجزائر. وفي 1 تشرين الثّاني (نوفمبر) بدأ سريان مفعول قانون مكافحة الإرهاب الّذي نقل بعض أكثر الأحكام القمعيّة في حالة الطّوارئ الفرنسيّة -التي انتهت في اليوم نفسه- إلى القانون العادي. وبناء على ذلك، سيستمرّ السّماح للقادة الشُرطيّين بتقييد حركة المشتبهين بالإرهاب وإغلاق أماكن العبادة دون أمر من المحكمة، حتّى وإن كان تفتيش منازل النّاس، وهي سمة مثيرة للجدل خاصّة بحالة الطّوارئ، ممكن الآن فقط بإذن من القاضي. أن يكون المرء مسلماً يعني أن يكون موضع اشتباه، وأن يتمّ التّقليل من شأنه، وتجمع عنه معلومات، وما هو أسوأ من ذلك. وكما هو الحال في بريطانيا، فإنّ ضرورة الحفاظ على سلامة النّاس على المدى القصير تُثبت صعوبة التّوفيق بينها وبين بناء مجتمع متناغم.

نادراً ما يُفسِح الخطاب الغربيّ المجال لما يقوم به الإسلام من أفعال جيّدة كاستقرار المجتمعات وتقديم العون للملايين

أصبحت أوروبا أكثر معاداة للمسلمين؛ لأنّها أصبحت أكثر إسلاميّة. وبالرّغم من صعوبة العثور على العديد من الصّلات الثّقافيّة بين الباكستانيّين في برادفورد، والجزائريّين في مرسيليا، والأتراك في برلين، إلّا أنّ الإسلام لا يزال هو المحدّد الرئيس لهويّة ملايين البشر. ويشير هذا الوضع إلى أنّ بريطانيا متعددة الثّقافات وفرنسا الّلائكيّة حتّى الآن، مع الإقرار بجميع الاختلافات بين أنظمة البلدين والتّسامح النّسبيّ البريطانيّ، لم يتمكنا من حلّ مشكلة دمج المسلمين. وما دام هذا هو الحال، وطالما أنّ السكّان المسلمين يستمرّون في الزّيادة بسرعة كبيرة، فإنّ الإسلام سيستمر في التّسبّب في مخاوف بين أعداد كبيرة من الأوروبيّين. وقد أوضح هؤلاء مشاعرهم من خلال دعم المرشّحين المناهضين للهجرة في انتخابات تلو أخرى في جميع أنحاء القارّة، وهو الأمر الّذي حفّه جزئيّاً قرار أنجيلا ميركل غير الحكيم في عام 2015 بقبول أكثر من مليون لاجئ إلى ألمانيا.

اقرأ أيضاً: إخوان بريطانيا: إمبراطورية الظل
إنّ سبب الذعر هو ارتفاع الأعداد، والمخاوف من الإرهاب تزيده حدّة. يمكن للحكومات أن تعمل على تهدئة كلّ من هذه الأشياء، وهي تعمل على ذلك فعلاً. لكن عليها أيضاً أن تعترف بالإسلام على حقيقته: ديانة أوروبيّة. فنادراً ما يُفسِح الخطاب الغربيّ السّائد المجال لما يقوم به الإسلام من أفعال جيّدة؛ كاستقرار المجتمعات وتقليل الجريمة والانحراف وتقديم العون للملايين. وعلى غرار الحركات المسيحيّة الّتي امتنعت عن المشروبات الكحوليّة في القرن التّاسع عشر، يحمي الإسلام من الفوضى الكحوليّة الّتي تعيشها العديد من المدن في ليالي الجمعة والسّبت؛ وإنك تحتاج فقط لزيارة غرفة الطوارئ في مستشفى حضري في بريطانيا "البيضاء" لرؤية الخراب النّاجم عن ذلك. هناك العديد من العوامل الّتي تقف وراء أزمة المسلمين في أوروبا، ولكن ربّما يكون الأمر الأكثر جوهريّة هو أنّ الإسلام لم يمثل أبداً جزءاً من أي اعتبار عام للقيم في مجتمع حديث ناجح. فموقعه على هامش المجتمع، ويجري الحديث عنه عوضاً عن التّعاطي معه.

كريستوفر دو بيليغ، النيويورك ريفيو أوف بوكس / المصدر: 

The New Europeans

 

هوامش:

______________

1- ودعماً لهذه الأطروحة، يستشهد كيبيل بخطبة مؤثّرة متاحة على الإنترنت لمحاربٍ محنّك، سوريّ المولد، في الجهاد الأفغانيّ يحمل اسم "أبو مصعب السّوريّ"، حيث تتنبّأ دعوته من أجل مقاومة إسلاميّة عالميّة (2005) بحرب أهليّة في أوروبا من شأنها أن تخلق الظّروف الّلازمة لانتصار الخلافة العالميّة.

2- انظر/ي مقالتي بعد ذلك الهجوم:

“Britain: When Vengeance Spreads,” NYR Daily, June 24, 20

3- على سبيل المثال، يتمتّع عمدة لندن، صادق خان، بشعبيّة كبيرة بين سكان لندن من ذوي التّفكير الّليبراليّ من كافّة الخلفيّات، في حين لا يُخفي حقيقة أنّ إيمانه مهمّ بالنّسبة إليه.

4- بالرّغم من أنّ المسلمين أصبحوا اليوم أكثر تمثيلاً في الحياة العامّة الفرنسيّة أكثر من أي وقت مضى، وقد دخل ما يقدّر بخمسة عشر منهم الجمعية الوطنيّة في انتخابات عام 2017، فإنّه، في بعض الكوميونات ذات الأغلبيّة المسلمة حول باريس، ما يزال يتكوّن لدى المرء انطباع بأنّه في مستعمرة فرنسيّة. فداخل وخارج الإدارات الإقليميّة يخطو رجال ونساء "من سلالة فرنسيّة"، كما تقول العبارة الزّراعيّة إلى حدّ ما، لديهم رواتب، ويرتدون البِدَل، وكلّهم ثقة في الحصول على معاش لائق. إنّهم مدراء لسكانٍ بنيّي البشرة كما كان أسلافهم في وهران أو الرباط.

5- انظر/ي:

Olivier Roy, Jihad and Death: The Global Appeal of Islamic State, translated by Cynthia Schoch (Hurst, 2017)

اقرأ المزيد...
الوسوم:



السؤال الدائم: لماذا يدعم المعتدلون الجماعات المتطرفة؟

2020-05-28

ترجمة محمد الدخاخني

كان نمو الجماعات الإسلامويّة المتشددة من بين المفاجآت الكبرى الّتي وقعت منذ نهاية الحرب الباردة، لا سيّما تلك الجماعات الّتي تلتزم بالجهاديّة السّلفيّة، وتِلكَ حركة تصحيحيّة تسعى إلى إقامة خلافة عابِرة للقوميّات تستند إلى الشّريعة الإسلاميّة. ترفض هذه المنظّمات الدّيمقراطيّةَ وتعتقد أنّ العنف والإرهاب لهما ما يبرّرهما في عمليّة السّعي وراء تحقيق أهدافها. ويُذكر أنّه قبل العام 1990، لم يكن هناك سوى عدد قليل من الجماعات الجهاديّة السّلفيّة النّشِطَة. لكن بحلول العام 2013، صارت هناك 49 جماعة.

على أنّ استشراء هذه الجماعات يُعدّ من الأمور المحيّرة بما أنّ أهدافها أكثر راديكاليّة من أهداف السّكان السّنّة الّذين تسعى إلى تمثيلهم. فوفقاً لدراسة استقصائيّة أُجريت العام 2013 على 38,000 مسلم في 39 دولة قام بها مركز بيو للأبحاث، فإنّ معظم السّنّة يفضّلون الدّيمقراطيّة على الأتوقراطيّة وترفض الأغلبيّة الكبيرة بشدّة العنف باسم الإسلام. ومن هنا، إذا كان العديد من المسلمين يختلفون مع أهداف وطُرُق هذه الجماعات الرّاديكاليّة، فلماذا تضاعفت أعدادها؟

معظم السّنّة يفضّلون الدّيمقراطيّة على الأتوقراطيّة وترفض الأغلبيّة الكبيرة بشدّة العنف باسم الإسلام

إنّ الجواب ليس له علاقة تُذكَر بالدّين أو الأيديولوجيا وإنّما له كلّ العلاقة بالسّياسيّة والأمن. ففي بيئات تتميّز بالتّغيير السّياسيّ السّريع، والسّيادة المحدودة للقانون، والفساد المُزمن، يمتلك المواطنون المعتدلون أسباباً عقلانيّة لتفضيل الجماعات المتطرّفة أيديولوجيّاً. وهذا أمر صحيح في أيّ بلد، كان مسلماً أم غير مسلم. وهو أمر صحيح حتّى لو كان معظم المواطنين لا يؤمنون بما هو كامن في أهداف وأيديولوجيا مثل هذه الحركات. إنّ صعود الإسلامويّة الرّاديكاليّة ليس نتيجة لزيادة دعم الأفكار المتطرّفة وإنّما هو نتيجة لتصرّف السّنّة العاديّين بشكل استراتيجيّ خلال الأوقات العاصِفة.

قبل العام 1990 لم يكن هناك سوى عدد قليل من الجماعات الجهاديّة السّلفيّة النّشِطَة

الميزة التّطرّفيّة

عندما تندلع الحروب الأهليّة، كما هي الحال في تشاد والعراق وليبيا ونيجيريا ومالي وباكستان والصّومال وسوريا واليمن، فإنّ المواطنين المعتدلين يصبحون أمام خيارين: إمّا اختيار جانب أو محاولة البقاء على الحياد. وأفضل خيار هو التّحالف مع الفصيل المسلّح الّذي يُرجّح انتصاره في الحرب وإقامته لإصلاح سياسيّ حقيقيّ. فدعم المنتصر يحمي الفرد من الأعمال الانتقاميّة الّتي تعقب الحرب، والوقوف إلى جانب جماعة تَعِدُ بالإصلاح يفتح إمكانيّة التّغيير السّياسيّ الإيجابيّ. غير أنّ المواطنين لا يعرفون من سيصعد إلى القمّة أو كيف سيتصرّف المنتصر بمجرّد وصوله إلى السّلطة.

اقرأ أيضاً: الذئاب المنفردة: هل هي إستراتيجية أم تكتيك؟

هذا الوضع الإستراتيجيّ يمنح الجماعات المتطرّفة ميزة. فوجود أيديولوجيا متطرّفة يسمح لجماعة ما بتجنيد المتعصّبين، الّذين هم على استعداد للقتال من أجل النّصر، لفترة أطول وببساَلة أكبر من المعتدلين. يقوم هؤلاء المقاتلون المثابرون بمساعدة الجماعة على كسب المعارك المبكّرة وبناء سمعة تقوم على الانضباط والفعّاليّة. والنّتيجة تبدو كما لو أنّها لعبة تقوم على التّكهّن: ينضمّ المؤمنون الحقيقيّون أوّلاً بسبب إخلاصهم الّذي لا يتزعزع للقضيّة؛ ثمّ ينضمّ أفراد أكثر عمليّة لأنّهم يعتقدون أنّ الجماعة ستنتصر على الأرجح. وهذا هو بالضّبط ما يعتقد خبير الإرهاب ويل ماكانتس أنّه حصل في سوريا: فالنّجاح المبكّر لتنظيم الدّولة الإسلاميّة (أو داعش) أقنعَ العديد من المقاتلين السّابقين في الجيش السّوريّ الحُرّ بالانشقاق لصالح ما شعروا أنّه الجماعة الجهاديّة المموّلة بشكل أفضل والأكثر تنظيماً.

في بيئات تتميّز بالسّيادة المحدودة للقانون،والفساد يمتلك المعتدلون أسباباً عقلانيّة لتفضيل الجماعات المتطرّفة

يفضّل المواطنون المعتدلون أيضاً دعم الفصيل الّذي من المرجّح أن يستمرّ بعيداً عن الفساد بعد توليه السّلطة. ومع ذلك، فإنّ تحديد من سيحكم بشكل عادل من الأمور الصّعبة للغاية. فالقادة المتمرّدون يمتلكون حوافز للادّعاء بأنّهم مختلفون عن النُّخَب الحالية ويطمحون إلى التّغيير السّياسيّ، حتّى لو كانوا مدفوعين في الحقيقة بالطّموح أو الجشع. وفي البلدان الّتي ليس لديها سوى القليل من الضّوابط المؤسّسيّة على السّلطة التّنفيذيّة، يكون إخلاف الوعود بمجرّد تولّي السّلطة من الأمور الشّائعة.

اقرأ أيضاً: بمشهد مؤثر.. أم فرنسية تروي قصة تطرف ابنتها

مرّة أخرى، تُعلي الأيديولوجيا المتطرّفة من كعب الجماعات. أوّلاً، من المتوقّع أن يرفض المتشدّدون صفقات متواضعة أكثر من المعتدلين، ممّا يُجبِر الحكومات على تقديم عروض أفضل. ولهذا السّبب، على سبيل المثال، قد يفضّل الفلسطينيّون حركة حماس على السّلطة الفلسطينيّة عندما يتعلّق الأمر بالتّفاوض مع إسرائيل. ثانياً، إنّ تبنّي أيديولوجيا متطرّفة يوحي بأنّ الزّعيم المتمرّد مهتمّ بما هو أكثر من مجرّد السّلطة أو الثراء. وهذا صحيح بشكل خاصّ إذا كانت الأيديولوجيا تتطلّب تضحيات شخصيّة باهظة الثّمن من قادتها مثل التّقشُّف أو الفقر. وقد تمكّن أسامة بن لادن من الإشارة إلى التزامه بحكم أكثر مبدئيّة بما أنّ الجميع كان على عِلم بأنّه تخلّى عن ثروته في سبيل القتال. أخيراً، غالباً ما يكون للجماعات الدّينيّة المتطرّفة أنظمة قضائيّة خاصّة بها، ممّا يضع مُمكنات ضبطٍ إضافيّة على السّلوك السّيئ. فالتّطرّف الإسلامويّ، على سبيل المثال، يأتي بفقهه القانونيّ الشّامل. وقد بدا أنّ قيادة تنظيم القاعدة تفهم هذه الميزة عندما استهدفت المناطق الّتي احتاج السّكان المحليّون فيها إلى الحوكمة الأساسيّة. وفي المجتمعات الدّينيّة، هناك أيضاً أطراف ثالثة موثوقة، مثل الأئمة والمفتين وآيات الله، الّذين يمكنهم التّدخّل للتّحكيم في النّزاعات ومعاقبة القادة الّذين يسيئون استخدام سُلطتهم.

تبنّي أيديولوجيا متطرّفة يوحي بأنّ الزّعيم المتمرّد مهتمّ بما هو أكثر من مجرّد السّلطة أو الثراء

القضاء على التّطرّف

لا يحتاج الأفراد إلى الاعتقاد في تفسيرٍ راديكاليّ للإسلام لدعم جماعة متطرّفة. ولهذا آثار مهمّة على إستراتيجيّة مكافحة الإرهاب في الولايات المتّحدة. وإذا كان ثني المؤمنين الحقيقيّين عن الانضمام إلى هذه الحركات من الأمور الصّعبة للغاية، فإنّ إقناع المعتدلين بالانشقاق قد لا يكون كذلك.

إنّ أفضل طريقة لتقويض الدّعم المعتدل لمنظّمات مثل القاعدة وداعش تتمثّل في تشجيع التّسويّات السّياسيّة للحروب الأهليّة الّتي تغذّي على هذه الجماعات وتؤويها. فالتّسويّات السّياسيّة هي الآلية السّحريّة لإخضاع الجهاديّة السّلفيّة. كما أنّ اتّفاقات تقاسم السّلطة تُنهي الخلاف السّياسيّ العنيف. وبالنّسبة إلى المعتدلين، يعني هذا أنّ الخيار لم يَعُد حول ماهية الجماعة الّتي يجب دعمها، وإنّما القبول بدور في الحكومة أو مواصلة القتال. والخيار الأفضل واضح. وبمجرّد أن يكتسب المعتدلون تمثيلاً سياسيّاً، تنخفض قاعدة الدّعم للجماعات المتطرّفة. هذا هو بالضّبط ما حدث للعديد من الجماعات شبه العسكريّة في أيرلندا الشّماليّة بعد توقيع اتّفاق الجمعة العظيمة لعام 1998. واليوم، تمّ نزع أسلحة معظم الجماعات الرّاديكاليّة في أيرلندا الشماليّة وتراجع العنف بشكل دراماتيكيّ. لذلك، لا ينبغي أن يكون مفاجئاً أن يقوم داعش بتحذير السّنّة العراقيّين من الانخراط في انتخابات أيار (مايو) 2018، معلناً أنّ "مراكز الاقتراع وأولئك الّذين هم داخلها أهداف لسيوفنا". فلم تكن الجماعة خائفة من فقدان المؤمنين الحقيقيّين. بل كانت خائفة من فقدان أولئك المعتدلين.

وجود أيديولوجيا متطرّفة يسمح لجماعة ما بتجنيد المتعصّبين، الّذين هم على استعداد للقتال من أجل النّصر

يجب على الولايات المتحدة أيضاً مساعدة الحكومات في مناطق النّزاع على تطوير قيود أقوى على السّلطة التّنفيذيّة. فعدم وجود ضوابط على القادة العرب والفساد الاستثنائيّ الّذي ميّز هذه الأنظمة على مدى عقود يعنيان أنّ معظم السّنّة لا يعتقدون ببساطة أنّ الزّعماء المعتدلين سيظلّون على عهودهم إذا وصلوا إلى السّلطة. وليس من قبيل المصادفة أن أيديولوجيا تؤكّد على الأخلاق والعدالة قد برزت في منطقة هيمنت عليها الحكومات القمعيّة والسّيئة بشكل صادم. إنّ الاستثمار في سيادة القانون وإجراء المزيد من الضّوابط والتّوازنات لَهي أمور من شأنها أن تلغي الحاجة إلى نظام عدالة ثانويّ وتُضعِف أحد الأسباب الّتي تدعو المعتدلين إلى دعم الجماعات المتطرّفة. وبطبيعة الحال، يسهل قول هذا من القيام به. ومع ذلك، فقد حقّقت الولايات المتّحدة بعض النّجاح في تشجيع حلفاء مثل كوريا الجنوبيّة وتايوان على إجراء إصلاحات ديمقراطيّة. هذا، وكلّما كانت سيادة القانون أقوى، كلّما كان التّطرّف على الأرجح أقلّ جاذبيّة.

أقنع الجهاديّون السّلفيّون بعض المعتدلين بأنّهم أكثر قابلية لإقامة نظام سياسيّ عادل من معارضيهم

هناك طريقة أخرى لتقويض الجماعات المتطرّفة تتمثّل في مواجهة دعايتها. فقد أقنع الجهاديّون السّلفيّون على الأقل بعض المعتدلين بأنّهم أكثر قابلية لإقامة نظام سياسيّ عادل من معارضيهم. وإحدى طرق مكافحة هذه السّرديّة تتمثّل في التّعريف بالعديد من الحالات الّتي تمّ فيها الإمساك بقادة هذه الجماعات وهم ينحرفون عن القواعد والمبادئ الّتي يعظون بها. ومن الأمثلة الكلاسيكيّة على ذلك شريط فيديو، يعود إلى شهر تمّوز/ (يوليو) 2014، لزعيم تنظيم داعش، أبو بكر البغداديّ، يظهر فيه وهو يرتدي ساعة ماركة رولكس بينما يدعو المؤمنين إلى شنّ الجهاد في العراق. وتستطيع الولايات المتّحدة أيضاً تشجيع السّلطات الدّينيّة المعتدلة (وأغلبها من زعماء القبائل) على الطّعن في شرعيّة الزّعماء الرّاديكاليّين الّذين يحاولون استخدام تديّنهم في خدمة مصالح هذه الجماعات. وهذا هو بالضّبط ما حدث أثناء صحوة الأنبار، عندما عملت الولايات المتّحدة مع زعماء القبائل ضدّ تنظيم القاعدة في العراق.

اقرأ أيضاً: كيف تمدّد تطرف الإسلاميين في بريطانيا وأوروبا؟

إنّ الأيديولوجيا المتطرّفة ستجذب دوماً بعض المؤمنين الحقيقيّين، ولكن في أوقات عدم اليقين وعدم الأمان، ستجذب المعتدلين أيضاً. وإذا كانت الولايات المتّحدة قادرة على تغيير الشّروط الّتي تجعل من دعم هذه الجماعات خياراً عقلانيّاً للمواطنين العاديّين، فسيكون من الصّعب جداً على التّطرّف أن يزدهر.

باربرا ف. والتر، الفورين أفيرز

المصدر: Why Moderates Support Extreme Groups

للمشاركة:

عجلات الضمّ تنطلق بسرعة: كيف سيتصرّف نتنياهو؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-28

أعلن رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، أول من أمس، أن "التاريخ المحدد لبداية الضم هو الأول من تموز، ولا ننوي تغييره". وأن الأمر يتعلق بـ"فرصة لن نسمح لها أن تمر". ما المقصود بالضبط بـ"الضم"؟ بصورة عامة القصد من تعبير "ضم" أو "فرض السيادة" هو الإعلان عن مناطق تعتبر محتلة، حسب القانون الدولي، كجزء لا ينفصل من أراضي الدولة، التي تقوم بالضم، بالأساس من ناحية القضاء والقانون والإدارة التي تسري عليها، بدلاً من الحكم العسكري (أو باسمه الرسمي "الاحتلال بالقوة" المتبع حسب القانون الدولي في المناطق المحتلة).
بشكل عام القصد هو خطوة تتم بصورة أحادية الجانب من قبل الدولة المحتلة، وليس بوساطة المفاوضات واتفاقات سلام مع الطرف المحتل. هكذا مثلا، أعلنت إسرائيل في السابق عن ضم هضبة الجولان وشرقي القدس بواسطة خطوات أحادية الجانب على الأرض، وبمرافقة قرارات حكومية وتشريع في الكنيست. لم تعترف الأغلبية الساحقة في المجتمع الدولي في أي يوم من الأيام بذلك، إلى أن قامت الإدارة الأميركية الحالية، برئاسة دونالد ترامب، وغيرت في السنوات الأخيرة سياسة بلادها بهذا الشأن، واعترفت بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان والقدس، على الرغم من أنها أكدت بأن هذا الاعتراف لا يناقض من ناحيتهم مفاوضات مستقبلية على مصير هذه المناطق.
في هذه الأثناء، يريد رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بدعم أميركي أيضا الإعلان عن سيادة إسرائيل في كل المستوطنات التي أنشئت في الضفة الغربية منذ العام 1967 بما في ذلك غور الأردن. أعلن نتنياهو ذلك مرات كثيرة خلال الجولات الانتخابية الثلاث الأخيرة. في البداية ركز على ضم غور الأردن، وبعد ذلك بدأ بالوعد بضم يشمل جميع المستوطنات في الضفة، طبقاً لخطة ترامب.

ما الذي تسمح خطة ترامب بضمه؟
على الورق، تقوم خطة ترامب على حل الدولتين، وترسم مستقبلا بعيدا تتعايش فيه جنبا إلى جنب دولة إسرائيل مع دولة فلسطينية. ولكن من ناحية المنطقة التي ستقام عليها كما يبدو هذه الدولة الفلسطينية، يدور الحديث عن منطقة مقلصة ومقطعة جدا عرضت على الفلسطينيين من قبل المجتمع الدولي. المبدأ الموجه للإدارة في هذا الشأن، حسب أقوال ترامب، هو "عدم إخلاء أي شخص من بيته". لذلك، تسمح الخريطة المرفقة بالخطة لإسرائيل بأن تضم جميع المستوطنات القائمة، إضافة إلى مناطق تحيط بها وطرق للوصول إليها.
حسب الإدارة الأميركية، يدور الحديث عن ضم إسرائيل لحوالي 30 في المئة من أراضي الضفة. ولكن خبراء يقدرون على أساس الخرائط التي طرحها حتى الآن نتنياهو والإدارة الأميركية بأن الأمر يتعلق فعليا بنحو 20 في المئة من الأرض، الى جانب "تبادل أراض وسكان" كما يظهر في الخطة في منطقة النقب والمثلث، والتي من غير الواضح هل لا تزال موجودة ضمن الخطة بعد أن حظيت الخطة بإدانة واسعة.
من المهم التذكير بأنه لم تنشر بعد خريطة مفصلة نهائية. شكلت الإدارة الأميركية لجنة مشتركة من إسرائيل والولايات المتحدة عملت منذ نشر الخطة على ترسيم الحدود الأكثر دقة. وحسب أقوال شخصيات أميركية رفيعة، هذه الخريطة جاهزة تقريبا. إضافة إلى ذلك وتحضيرا لنشر خطة ترامب أعلن وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، في السنة الأخيرة، بأن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر المستوطنات خرقا للقانون الدولي بالضرورة، بل إن إسرائيل حرة في تحديد المكانة القانونية لنفسها، وتعترف الولايات المتحدة بذلك.

هل الضم مشروط بقبول دولة فلسطينية؟
حسب خطة ترامب وأقوال شخصيات أميركية رفيعة، منها وزير الخارجية الأميركي، فإن الضم الإسرائيلي مشروط بقبول كل الخطة، بالأساس بموافقة إسرائيل على التفاوض المباشر مع الفلسطينيين خلال أربع سنوات على الأقل. في هذه الفترة، مطلوب من إسرائيل تجميد أي بناء وأي هدم في المناطق المخصصة للدولة الفلسطينية، وربما أيضا في مناطق أخرى. تشمل الخطة أيضا إنشاء عاصمة فلسطينية في أحياء شرقي القدس وإطلاق سراح سجناء. كل هذه البنود تعارضها جدا قيادة المستوطنين، التي ترى في الخطة تنازلا كبيرا عن "حلم أرض إسرائيل الكاملة"، وهي مترددة في دعم الضم من خلال الأمل بأن ما بقي سيذوب. تشمل الخطة أيضا قائمة شروط طويلة للفلسطينيين، وكما حددها السفير الأميركي في إسرائيل، دافيد فريدمان، اذا تحققت فهذا يعني أن الفلسطينيين "سيتحولون الى كنديين".
مع ذلك، في الوقت الذي عادت فيه الإدارة وأكدت بأن على إسرائيل قبول كل الخطة من اجل الضم، عملت اللجنة الموكلة بترسيم حدود الضم، أي فعليا تستعد إسرائيل والولايات المتحدة لتطبيق الضم حتى بصورة أحادية الجانب، بذريعة أنه اذا أصبحت المنطقة أصلا إسرائيلية في الخطة المستقبلية وكان الفلسطينيون غير معنيين بالمفاوضات، عندها لا يوجد أي مانع كما يبدو لضمها من البداية. في هذا الشأن، تصرح الإدارة مرات كثيرة بأصوات مختلفة وحتى متناقضة. صهر الرئيس ترامب، جارد كوشنير، الذي قاد الخطة، يميل الى إطلاق رسائل مهدئة للعالم العربي تقول، إن الخطة هي رزمة واحدة، في الوقت الذي يطلق فيه السفير فريدمان في المقابل رسائل مهدئة لليمين في إسرائيل تقول إنه فعليا يمكن الضم حتى بصورة منفصلة عن الخطة.

متى سيحدث الضم؟
قال الأميركيون، مؤخراً، إنهم مستعدون لذلك (خلال أسابيع). وحسب الاتفاق الائتلافي بين "الليكود" و"ازرق - "ابيض" فإنه في الأول من تموز، أي بعد شهر، يمكن لنتنياهو أن يقدم الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع الولايات المتحدة بشأن فرض السيادة للنقاش في "الكابنت" وفي الحكومة والمصادقة عليه في الحكومة و/أو الكنيست. أعلن نتنياهو، أول من أمس، في جلسة قائمة "الليكود" في الكنيست بأن "الموعد الهدف لبداية الضم هو الأول من تموز، ولا ننوي تغيير ذلك". وأن الأمر يتعلق بـ"فرصة لن نسمح لها بالمرور". من جهة أخرى، في جميع الاتفاقات الائتلافية فإن ماهية الاتفاق الدقيق الذي سيقدم للحكومة من اجل المصادقة عليه أو للكنيست ضبابية بصورة متعمدة. الشركاء في الائتلاف ملزمون بأي قرار يتفق عليه نتنياهو مع الإدارة الأميركية، سواء أكان ضما أو تأجيلا أو تطبيقا جزئيا أو تدريجيا. أي أنه ما زال من غير الواضح أي صورة بالضبط ينوي نتنياهو طرحها وتطبيقها.

التداعيات المحتملة للضم
منذ العام 1967 نفذت إسرائيل في أراضي الضفة الغربية نشاطات كثيرة تعتبر "ضما زاحفا" أو "ضما فعليا". مثلا من خلال توسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية وربطها بإسرائيل بوساطة بنى تحتية، إلى جانب تقييد وهدم بناء فلسطيني في مناطق "ج" في المقابل وخطوات كثيرة أخرى. ستسمح الخطوة الحالية بصياغة هذا الواقع على الأرض، بصورة قانونية شرعية، لكن أيضا تعميقها.
في المقام الأول، سيكون بالإمكان استبدال الحكم العسكري بقانون وإدارة إسرائيلية. بصورة مبدئية، اليوم، الجيش هو السلطة القانونية العليا في "المناطق"، وفوقه توجد وزارة الدفاع. هذا من خلال الاستناد إلى القانون الذي كان قائما في المنطقة قبل الاحتلال الإسرائيلي. مع ذلك، في إطار "الضم الزاحف" يسري القانون الإسرائيلي فعليا على المستوطنين انفسهم (وليس على الفلسطينيين الموجودين في المنطقة ذاتها).
ربما أن الضم الإسرائيلي سيشكل صياغة قانونية للوضع القائم الذي يوجد فيه نظامان قانونيان منفصلان لليهود وللفلسطينيين. ولكن ربما يتضمن ايضا فرض القانون الإسرائيلي على مناطق كثيرة يعيش فيها، اليوم، فلسطينيون، عددهم يرتبط بالخريطة النهائية. في هذا الوضع تطرح أسئلة صعبة بخصوص مكانتهم: هل ستمنحهم إسرائيل الجنسية؟ تداعيات أخرى، على سبيل المثال، ستكون على أصحاب الأراضي الفلسطينية التي سيتم ضمها، والذين يمكن أن يفقدوا نهائيا ممتلكاتهم الخاصة. وحسب د. شاؤول اريئيلي، يدور الحديث عن نحو 23 في المئة من الأراضي المضمومة.
مسألة أخرى هي قانون الأساس: يحتاج الاستفتاء، الذي بحسبه التنازل عن مناطق فيها يسري القانون الإسرائيلي، الى مصادقة 80 عضو كنيست على الأقل أو إجراء استفتاء. حتى الآن لم يشمل هذا القانون الضفة الغربية؛ لأنه لم يسر هناك رسميا القانون الإسرائيلي. إن شمل الضفة الغربية في القانون سيصعب جدا على تنازلات مستقبلية في إطار اتفاقات سلام، إذا كانت هناك اتفاقات كهذه. وبسبب هذه التداعيات وغيرها من التداعيات الكثيرة الأخرى، فإنهم في اليسار يحذرون من أن الضم سيغلق فعليا الدائرة على حل الدولتين، ويؤدي إلى دولة واحدة تعرض للخطر الهوية اليهودية لإسرائيل، أو حكم "ابرتهايد" رسمي، (نظام فصل وتمييز عنصري).

كيف سيرد العالم؟
عند نشر خطة ترامب، رد كل العالم في البداية بدعم مبدئي متحفظ على إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات. ولكن بعد فترة قصيرة، وعند تزايد تصريحات الضم من قبل إسرائيل، عبرت معظم الدول عن معارضة شديدة لعملية أحادية الجانب، وهذا هو الخط البارز، اليوم، في النظام الدولي. أشارت معظم الدول الى أن ضما أحادي الجانب سيشكل خرقا للقانون الدولي، وسيكون بمثابة نهاية لحل الدولتين، ومعه احتمالية تقرير المصير الفلسطيني.
يقود الاتحاد الأوروبي المعارضة الدولية في هذا الشأن، إلى جانب الأردن الذي سيتضرر بالفعل من ضم غور الأردن ودول كثيرة في العالم الإسلامي تقف الى جانبه والى جانب الفلسطينيين. في الأردن، يقولون، إن الضم سيشكل خرقا لاتفاق السلام معهم. مع تشكيل الحكومة الجديدة في إسرائيل بدأت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في مناقشة العقوبات المحتملة على إسرائيل في حال قيامها بضم المستوطنات.

هل ستفرض أوروبا عقوبات على إسرائيل؟
مثل أي قرار في مجال سياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية، تحتاج عقوبات رسمية على إسرائيل إلى إجماع كامل بين الدول الأعضاء. في السنوات الأخيرة لم ينجح الاتحاد في التوصل الى إجماع كهذا في أي موضوع تقريبا، وضمن ذلك أيضا بخصوص إسرائيل والفلسطينيين. دول مثل هنغاريا والنمسا، التي تعتبر مقربة من حكومة نتنياهو، تقطع الطريق مرة تلو الأخرى على بيانات وقرارات مشتركة ضدها.
ولكن هناك أيضا خطوات عقابية لا تحتاج إلى إجماع كهذا، وعلى رأسها إقصاء إسرائيل عن اتفاقات تجارة، منح، وتعاون. يعتبر هذا قرارا ضمن مجال ممثلية الاتحاد وليس ضمن السياسة الخارجية. توجد على الأجندة في هذه الأثناء اتفاقات في مجال الأبحاث والتعليم، التي يمكن أن يضر منع انضمام إسرائيل إليها جدا بالموارد الأكاديمية والعلمية. قرار كهذا يمكن تبريره ايضا بمنع انضمام دول أخرى، أي عقوبات غير رسمية.
خطوات أخرى كهذه يمكن أن تكون في مجال تعميق سياسة مقاطعة المستوطنات. مثلا، وسم المنتوجات. اضافة الى ذلك كل دولة يمكنها أن تقرر بصورة مستقلة القيام بخطوات ضد إسرائيل دون صلة بقرارات الاتحاد. مجموعة دول، على رأسها فرنسا، تفحص في الوقت الحالي القيام بذلك. من المهم أيضا رد ألمانيا التي بشكل عام تقف الى جانب إسرائيل في معظم المواضيع، لكن في هذا الامر تعارض الضم بشدة. في المقابل، أكد المسؤول عن العلاقات الخارجية في الاتحاد، جوزيف بوريل، عدة مرات بأن الطريق الى عقوبات كهذه "لا تزال طويلة". العجلات في بروكسل تتحرك ببطء شديد وبشكل دبلوماسي جداً، ومن خلال الإيمان بأنه من المهم الحفاظ على القنوات مع القدس مفتوحة بقدر الإمكان من اجل الحفاظ على موقف تأثير.

وموقف "أزرق - أبيض"
وقع "أزرق - أبيض" على اتفاق يمكن نتنياهو من أن يقدم خطة الضم من اجل الحصول على مصادقة الكنيست أو الحكومة. وهو تعهد أيضا بعدم إزعاج عملية التشريع إذا تم ذلك في لجان الكنيست. رئيس الحزب، بني غانتس، ووزير الخارجية، غابي اشكنازي، حرصا، مؤخراً، على التصريح فيما يتعلق بخطة ترامب بصورة تعبر عن دعم الخطة بمجملها وليس الضم كعملية أحادية الجانب بصورة منفصلة عن باقي مكونات الخطة.

مصدر الترجمة: نوعا لنداو- "هآرتس"/ نقلاً عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:

مناورة المخابرات والخطاب المفاجئ: الدقائق التي سبقت بدء محاكمة نتنياهو

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-27

قبل دقائق من دخول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أمس الاول الى المحكمة المركزية في القدس قبل البدء في محاكمته، ابلغ قادة وحدة حماية الشخصيات في الشاباك حراس المحكمة بأنهم سيغيرون ترتيبات الحماية في المكان والتي تم تنسيقها معهم. رجال الشباك عملوا خلافا للاتفاق ايضا لاحقا، وسيطروا على نصف الممر في الطابق الثالث الذي توجد فيه قاعة المداولات.

ترتيبات الحماية لوصول نتنياهو حددت بجولة مشتركة قام بها في الاسبوع الماضي رجال وحدة حماية الشخصيات وحراس المحاكم. حسب الاتفاق بين الطرفين، نتنياهو كان يمكن أن يصعد على الدرج الرئيسي للمحكمة والوصول الى غرفة الانتظار في الطابق الثالث، قرب القاعة التي فيها يجري النقاش. في الطريق، حسب الخطة، كان عليه أن يمر قرب طواقم الاعلام الموجودة في الطابق الاول وحتى الثالث.

حسب مصدر مقرب من رئيس الحكومة فانه عند وصول نتنياهو الى المكان أعلنوا في الشاباك بأنه سيصعد عبر درج جانبي. الشاباك لم يحضر رئيس الحكومة الى غرفة الانتظار المخصصة له، بل سيطر على نصف الممر الموجود في الطابق الثالث في المحكمة وأدخل نتنياهو بدون مصادقة الى احدى القاعات. الشاباك منع أي حارس من حراس المحاكم من الدخول الى المكان الذي أغلقوه في الطابق الثالث، وفي ذاك المكان تواجد فقط رجال نتنياهو.

مصدر امني في حاشية رئيس الحكومة اوضح للصحيفة بأن الشاباك غير ترتيبات الحماية في اللحظة الاخيرة كجزء من مناورة تمويه روتينية. وحسب المصدر، رجال الشاباك يحددون وينشرون المسار الذي سيمر فيه رئيس الحكومة، لكنهم يغيرون في اللحظة الاخيرة المسار لمنع محاولة المس به. الشاباك لم يبلغ حراس المحاكم بذلك بسبب اهمية السرية في المناورة. فعليا المناورة خطط لها في يوم اجراء الجولة مع حراس المحاكم الذين اعتقدوا بأنهم ينسقون المسار الذي سيمر فيه نتنياهو فعليا. المناورة نفذت رغم أن جميع من كانوا موجودين في المحكمة أجري لهم فحص أمني دقيق من قبل الشباك والدخول سمح فقط لمن حصل على مصادقة مسبقة.

بعد دخول نتنياهو الى المنطقة المحمية، سمح الشاباك لوزراء واعضاء كنيست من الليكود بالوصول الى قاعة المحكمة التي كان يوجد فيها رئيس الحكومة. وفي نفس القاعة ايضا تم التقاط الصورة التي ظهر فيها جميعهم. هذا خلافا لقواعد المحاكم التي تقوم بأنه ممنوع التصوير في قاعات المحكمة دون تنسيق ومصادقة.

حراس المحاكم ايضا لم يعرفوا أن نتنياهو ينوي القاء خطاب قبل بداية المداولات. ولأن الشاباك منع الحراس من الدخول الى نصف الممر في الطابق الثالث فانهم اكتشفوا ذلك فقط بعد أن بدأ رئيس الحكومة في الحديث. في خطابه هاجم نتنياهو المستشار القانوني للحكومة افيحاي مندلبليت وجهاز انفاذ القانون. وقد ادعى أن التحقيقات ضده "تم تلويثها وحياكتها" وأن لائحة الاتهام ضده لا اساس لها و"تمت حياكتها" وأنها قدمت من اجل استبدال حكم اليمين.

ادارة المحكمة اعدت منصة قرب القاعة التي جرى فيها النقاش استعدادا لوضع فيه يرغب المتهم أو محاموه باعطاء بيان لوسائل الاعلام. هكذا تم ايضا في محاكمات اخرى اثارت اهتمام صحافي كبير مثل محاكمة رئيس الحكومة السابق اهود اولمرت. ولكن حاشية رئيس الحكومة احضروا معهم منصة خاصة بهم ووضعوها في طرف الممر. في المقابل الشباك صادق على أن يدخل الى المنطقة المحمية تماما المخرج الذي كان مسؤول عن تصوير الفيديو في ذاك الطابق لصالح وسائل الاعلام من اجل تصوير الخطاب.

وجاء من الشاباك ردا على ذلك: "مجمل ترتيبات حماية رئيس الحكومة نسقت واتفق عليها مسبقا مع حراس المحاكم. الادعاء بأنه تم القيام بتغييرات في يوم المحاكمة لا اساس له، وجاء كما يبدو من قبل جهات غير مطلعة على التفاصيل".

مصدر الترجمة: نتعئيل بندل - هآرتس / نقلاً عن "الحياة الجديدة" الفلسطينية

للمشاركة:



ما آخر تطورات المعارك في اليمن؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-28

قصفت مقاتلات التحالف العربي، اليوم، مواقع حوثية في محافظة الجوف شمال شرقي اليمن.

مقاتلات التحالف تستهدف مواقع حوثية في محافظة الجوف والبيضاء وتكبد الميليشيات خسائر كبيرة

وقالت مصادر محلية نقل عنهم موقع "اليمن العربي"، إنّ مواقع للميليشيا في مناطق متفرقة من مديرية الحزم بالمحافظة تعرضت لقصف جوي عنيف.

ولم يتسنّ للمصادر الحصول على معلومات حول الخسائر التي أسفر عنها القصف الجوي.

وقصفت أيضاً مقاتلات التحالف العربي، مواقع حوثية في محافظة البيضاء وسط اليمن، ملحقة الكثير من الخسائر البشرية والمادية بالميليشيات.

وفي سياق متصل، صدّت قوات الجيش، أمس، هجوماً لميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، في جبهة نهم، شرق العاصمة صنعاء.

الجيش اليمني يصد هجوماً لمجاميع ميليشيا الحوثي بعد ان حاولت التقدم باتجاه مواقع في نهم

ووفقاً لموقع "سبتمبر نت" التابع للجيش اليمني، حاولت مجاميع من الميليشيا التقدم باتجاه مواقع في مفرق الجوف جنوب مديرية نهم، إلا أنّ قوات الجيش رصدت تلك المحاولة وأحبطتها.

وأسفرت المواجهات عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الميليشيا الحوثية، وتدمير عربات تابعة لها.

هذا وصرح الناطق الرسمي للقوات المسلحة العميد الركن عبده مجلي، أنّ دماء الشهداء الذين قضوا في الاستهداف الإجرامي الغادر الذي قامت به ميليشيا الحوثي لن تذهب هدراً وسيتم الرد عليها بقوّة على يد أبطال الجيش الوطني في مختلف الجبهات القتالية.

يذكر أنّ الصاروخ الباليستي الذي أطلقته ميليشيا الحوثي على أحد المعسكرات في محافظة مأرب واستهدف اجتماعاً لقيادة وزارة الدفاع، أسفر عن استشهاد 8 من الضباط والصف وإصابة آخرين من أبطال القوات المسلحة (من مرافقي رئيس هيئة الأركان العامة).

للمشاركة:

المتشدد قاليباف رئيساً للبرلمان الإيراني.. ماذا تعرف عنه؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-28

فاز المرشح المتشدد، محمد باقر قاليباف، برئاسة البرلمان الإيراني الجديد، بعد حصوله على الأكثرية الساحقة من الأصوات، خلال اقتراع البرلمان اليوم، خلفاً لعلي لاريجاني، الذي شغل منصب رئيس البرلمان من عام 2008 حتى أيار (مايو) الجاري.

قاليباف آتي من تجربة طويلة في الحرس الثوري حيث خدم فيه خلال الحرب مع العراق

وحصل قاليباف على 230 صوتاً، فيما نال فريدون عباسي، رئيس هيئة الطاقة الذرية في حكومة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، 17 صوتاً، بينما صوت 12 نائباً لصالح مصطفى ميرسليم، وزير الثقافة في حكومة الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني، وبلغ عدد الأصوات الباطلة ثمانية، وفق ما نقل التلفزيون الإيراني الرسمي.

وكان قاليباف الآتي من تجربة طويلة في الحرس الثوري والبالغ من العمر (58 عاماً) أحد المنافسين للرئيس حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية الإيرانية لعام 2017، حيث خدم في الحرس الثوري الإيراني خلال حرب الثمانينيات الدموية مع العراق. وبعد هذا الصراع، شغل لعدة أعوام منصب رئيس مؤسسة "خاتم الأنبياء"، الذراع الإنشائية للحرس الثوري، وعمل في وقت لاحق رئيساً للقوات الجوية في الحرس.

وبعد 12 عاماً من تولّيه منصب عمدة طهران، اتهمه خصومه بإهدار الأموال العامة في مشاريع غير ضرورية مع عدم الاهتمام بالجوانب الاجتماعية والثقافية للمدينة.

وقبل أكثر من أسبوعين على انتخابه، وصفت صحيفة "آفتاب يزد" الإصلاحية (في 10 أيار (مايو) الجاري قاليباف، بأنّه دائم الخوض في الهوامش السياسية، فضلاً عن إحداثه ضجيجاً سياسياً بين الحين والآخر.

كما أشارت إلى تعطشه للمشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، متسائلةً عن سبب ترشحه لعضوية البرلمان، وعن علاقته بحكومة الرئيس حسن روحاني، مضيفة أنّه لطالما كان ينتقدها، متوقعةً أن يهاجمها بشكل أعنف من ذي قبل، بحسب ما نقل موقع "جاده إيران".

شغل لعدة أعوام منصب رئيس مؤسسة "خاتم الأنبياء" وعمل رئيساً للقوات الجوية في الحرس

أما النائب الإصلاحي عن مدينة "باكدشت" محمد قمي فأكد في حديث نشره موقع "خبر أونلاين" الإيراني عدم امتلاك قاليباف معرفة كافية بقوانين ولوائح البرلمان الإيراني، تخوله رئاسة البرلمان، إضافة لعدم خوضه التجربة البرلمانية سابقاً.

في المقابل، أكد رئيس القوات الجوفضائية التابعة للحرس الثوري أمير علي حاجي زادة، في فيديو بثته المواقع الإيرانية، على ضرورة وجود "مدراء جهاديين" كأمثال قاليباف للتغلب على المعضلات الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

وقاليباف هو سياسي متشدد، من المنتقدين لأداء حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني، وبخاصة في الملفات الاقتصادية.

وشغل قاليباف، الضابط السابق في الحرس الثوري، مناصب عدة سابقاً، فقد كان عمدة طهران ما بين 2005 و 2017، وكان قائداً لمقر خاتم الأنبياء للإعمار في فترة 1994-1997 ، وقاد سلاح الجو في الحرس الثوري من 1997 إلى 2000 ، وكان رئيساً للشرطة الإيرانية في الفترة من 2000 إلى 2005.

للمشاركة:

دراسة دولية: 86 مليون طفل عرضة للفقر بسبب كورونا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-28

حذرت دراسة دولية من أنّ التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا قد تدفع ما يصل إلى 86 مليون طفل إضافي إلى الفقر بحلول نهاية العام الجاري.

الدراسة أظهرت أنّ عدد الأطفال الذين يعانون من الفقر سيبلغ 672 مليون طفل بحلول نهاية العام

وقالت الدراسة التي أعدتها منظمتا "اليونيسف" (منظمة الأمم المتّحدة للطفولة) و"سايف ذي تشيلدرن" (أنقذوا الأطفال) في بيان مشترك، اليوم: "الدراسة أظهرت أنّ إجمالي عدد أطفال الكوكب الذين يعانون من الفقر سيبلغ بحلول نهاية هذا العام 672 مليون طفل، بزيادة بنسبة 15% عن العام الماضي"، وفق ما أوردت "فرانس 24".

وأوضح البيان أنّ ثلثي هؤلاء الأطفال تقريباً يعيشون في دول أفريقية تقع جنوب الصحراء الكبرى، ودول أخرى في جنوب آسيا.

ووفقاً للدراسة، التي استندت إلى تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وإلى معطيات ديموغرافية في حوالي مئة دولة، فإنّ الزيادة الأكبر في عدد الأطفال الذين سيعانون من الفقر بسبب الجائحة ستحدث في أوروبا وآسيا الوسطى.

مناشدة الحكومات لتعزيز أنظمة التغطية الاجتماعية والتغذية المدرسية للحدّ من آثار كورونا على الأطفال

ونقل البيان عن المديرة التنفيذية لليونيسف، هنرييتا فور، قولها: "حجم الصعوبات المالية التي تواجه الأسر يهدد الإنجازات التي أحرزت منذ سنوات في مجال الحدّ من فقر الأطفال وحرمانهم من الخدمات الأساسية".

بدورها، قالت رئيسة منظمة أنقذوا الأطفال، إنغر آشينغ، إنّه من خلال تحرّك فوري وفعّال "يمكننا احتواء الخطر الذي تشكّله هذه الجائحة على الدول الأكثر فقراً وعلى بعض الأطفال الأكثر ضعفاً".

وحذّرت آشينغ من أنّ هؤلاء الأطفال هم ضعفاء للغاية في مواجهة فترات جوع، حتى وإن كانت قصيرة، وسوء تغذية قد تؤثّر عليهم طوال حياتهم.

وناشدت المنظمتان الحكومات تعزيز أنظمة التغطية الاجتماعية والتغذية المدرسية للحدّ من آثار الجائحة على الأطفال.

للمشاركة:



أطماع تركيا تتخطى ليبيا سعياً لاحتواء دول الساحل والصحراء

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-28

محمد أبوالفضل

مخطئ من يظن أن أطماع تركيا سوف تتوقف عند ليبيا أو شمال أفريقيا. ومخطئ أكثر من يتصور أن الروابط التي جمعت أنقرة والتنظيمات الإرهابية قاصرة على التغلغل في الدول العربية.

لقد مهد النظام التركي لمشروعه الإسلاموي منذ سنوات في أفريقيا، وبدأ في تجريف التربة عبر أدوات ناعمة وأخرى خشنة. استخدم في الأولى سلاح المساعدات عن طريق “تيكا” وأخواتها، وفي الثانية عمل على احتضان المتشددين ومدهم بالدعم اللوجستي الذي مكنهم من اختراق العديد من الجبهات المحلية في أنحاء القارة.

سلاح التطرف
ربما لم يلتفت كثيرون إلى عمق الروابط التحتية وتفاصيلها بين تركيا والمتطرفين في دول مثل تشاد والنيجر ومالي ونيجيريا والكاميرون وغيرها، لأن الواجهة القطرية حرفت أنظارهم بعيدا عنها مبكرا.

وانصب الرصد على العلاقات التي تربط الدوحة والحركات المتطرفة العاملة في هذه الدول، وضبطت قطر متلبّسة بتقديم الدعم في أوقات كثيرة وجرى توجيه اتهامات لها، إلى أن تكشفت الكثير من الأدلة حول الدور المشترك لكل من تركيا وقطر في ليبيا، وما صاحب ذلك من توقعات تخص استعداد أنقرة لمد نفوذها إلى ما وراء الحدود الليبية.

تبدو البيئة القريبة من ليبيا مهيأة لتوثيق التعاون والتنسيق بين أنقرة والطيف الواسع من التنظيمات الإرهابية النشطة، والتي ضاعفت من تحركاتها خلال الأسابيع الماضية بالتزامن مع تزايد معالم الحضور التركي في ليبيا، واكتسبت مساحات جديدة من الأرض والنفوذ على إثر انهماك قوى كبرى في محاربة كورونا، وتخفيف حملاتها على المتطرفين، بما ساعدهم على التقاط الأنفاس، وشن حملات موسعة على نقاط ارتكاز جديدة.

ارتاح هؤلاء لرمي تركيا بثقلها في الساحة الليبية، لأن التركيز الإقليمي ينصب عليها هناك، ما يمنح التكفيريين مناسبة أكبر للحرية في الحركة إلى ما هو أبعد. وبدأت جماعة بوكو حرام التي ولدت أصلا في نيجيريا تتواجد بكثافة في المنطقة المعروفة بدول حوض تشاد مؤخرا، كأنها تلقت إشارات بالمزيد من التوسع، وتحقيق انتصارات بالتزامن مع تحويل المقاربة التركية في ليبيا إلى واقع ملموس.

ونجحت في جر الجيش التشادي للالتحام معها مباشرة، بما يخفف الضغط على الجبهة الليبية الجنوبية التي تحولت إلى مسرح عمليات مفتوح لقوى تشادية متباينة، ومصدر لضخ المرتزقة وتوريدهم لخوض الحروب التي تنخرط فيها حكومة طرابلس. قد تظهر عليها مكونات برودة أو سخونة، لكن في الحالتين يصعب تغييبها في الحسابات الليبية.

أصبحت تشاد خلال الفترة الماضية هدفا محوريا لجماعة بوكو حرام، ووقعت معارك ضارية بين القوات التشادية وعناصر تنتمي لهذه الجماعة، سقط فيها ضحايا بالعشرات من الجانبين. فقد كان الهدف الرئيسي وضع جبهة تشاد فوق بركان من التوترات المتلاحقة، وإحياء الدور الذي تقوم به حركات متطرفة تكبدت خسائر على يد قوات الجيش الوطني الليبي منذ عامين بالتعاون مع القبائل هناك، منها الذي تلاشى أو فضل الكمون أو الهروب.

لتشاد تاريخ مرير مع المتطرفين، وقطر ربيبة تركيا في المعادلة التي تتحكم في هؤلاء، وقطعت العلاقات مع الدوحة في أغسطس 2017، وأغلقت سفارتها في إنجامينا، ودعتها إلى وقف جميع الأعمال التي من شأنها أن تقوض أمن تشاد، فضلا عن أمن دول حوض بحيرة تشاد والساحل، واتهمتها مباشرة بمحاولة زعزعة أمنها واستقرارها عن طريق ليبيا.

دعم الإرهاب لبسط النفوذ في أفريقيا
حاولت قطر إفساد العلاقات بين ليبيا وتشاد عن طريق تيمان إرديمي، رئيس ما يسمى باتحاد قوى المقاومة، وهو ابن أخ الرئيس إدريس ديبي وأحد معارضيه، ولعب دورا مهما في منطقة فزان الليبية، وأقام لفترة طويلة في الدوحة، وعندما توارت نسبيا وأعادت علاقتها مع إنجامينا، ظهرت في الواجهة أنقرة، حيث أجبر افتضاح أمر الأولى على تهدئة تحركاتها المعلنة وطبخ تسوية مرضية مع تشاد وتقديم تنازلات سياسية ومساعدات مادية، مع فتح المجال أمام تفعيل أذرع تركيا.

واتهم الجيش الليبي قطر بدعم إرديمي الذي ألقي القبض عليه من قبل القوات التشادية في فبراير العام الماضي، وهو يقود فصيله المسلح في الجنوب الليبي، إلى جانب عشرات الحركات المسلحة والمتمردة، من السودان وتشاد والتنظيمات الإرهابية والمتطرفة لضرب الجيش وسلخ مناطق واسعة من الجنوب الليبي لإقامة بؤرة إرهابية جديدة في المنطقة.

تمكن الجيش التشادي من ملاحقة الكثير من العناصر الإرهابية، منها أسر نحو 250 إرهابيا، بعد دخول قافلة من المتمردين إلى تشاد قادمة من الأراضي الليبية في نهاية يناير 2018، وتدمير أكثر من أربعين سيارة، ومصادرة قطع كبيرة من السلاح، والاتجاه لمواصلة عمليات التطهير في منطقة أنيدي في شمال شرق تشاد، على مقربة من الحدود مع ليبيا والسودان.

ودخل هذا المثلث حزام الفوضى منذ سنوات، نتيجة نشاط المتمردين والتكفيريين وتجار المخدرات ومهربي البشر والبارعين في الهجرة غير الشرعية، الأمر الذي جعل السيطرة الأمنية عليه عملية غاية في الصعوبة، وبدا الطريق منفتحا حتى ربوع مالي وما خلفها، بصورة استفزت الكثير من القوى الإقليمية والدولية.

في فبراير 2019 قامت مقاتلات فرنسية بضرب قافلة مسلحة تابعة لمتمردين مدعومين من تركيا وقطر، عبرت من جنوب ليبيا لاستهداف الرئيس التشادي إدريس ديبي، إلا أنه تم تدمير نحو 20 شاحنة صغيرة، بعد أن طلب ديبي دعما من باريس، وضمت القوة المشتركة المدعومة من فرنسا وتحارب تنظيم بوكو حرام قوات من تشاد والكاميرون والنيجر ونيجيريا.

تتجه أنظار الكتائب المسلحة والمرتزقة والإرهابيين إلى الجنوب الليبي، إذا تمكنت من تأمين طرابلس والغرب، لأن الشرق لا يزال يمثل خطا أحمر بالنسبة لها في هذه المرحلة، وقد يجرها للتحرش مبكرا بمصر وتكبد خسائر باهظة، بينما يمثل التمدد في منطقتي الوسط والجنوب مسألة حيوية لتفريغهما من الجيش الليبي، ومنه يمكن الالتحام مع الجماعات الإسلامية في دول الساحل والصحراء التي تعد الذخيرة التي تدخرها تركيا للاعتماد عليها.

توترات متلاحقة
تحتفظ التنظيمات المتشددة بدرجة من الخلافات البينية، لكنها تستطيع صهرها وتذويبها أو تجاوزها عندما تواجه خصما واحدا، وهذه هي الثيمة التي اشتغلت عليها تركيا، نجحت فيها أحيانا وأخفقت في أحيان أخرى، وطبقتها في الأراضي السورية، ومكنتها في النهاية من الاحتفاظ بمظلة معنوية لكل الأجنحة التكفيرية، وشرعت في إعادة تكرار هذه اللعبة في دول الساحل والصحراء، وحتى المعارك التي جرت بين تنظيمي القاعدة وداعش في مالي أو غيرها، من السهولة أن تحتويها تركيا، لأن المصلحة التكتيكية تقتضي ذلك.

يكتشف المراقب أن هذا المشروع جرى الإعداد له بوتيرة متسارعة منذ سنوات، عندما اتجهت قطر ومن بعدها تركيا، لتمديد خيوط التعاون مع الفصائل المعارضة في تشاد والسودان ومالي ونيجيريا، تارة بذريعة رعاية مفاوضات تهدف لتحقيق السلام، وأخرى عبر قنوات مختلفة لتوصيل الدعم للإرهابيين، حتى تغول هؤلاء وهؤلاء، وباتت الحكومات المحلية هشة وغير قادرة على المجابهة، وضعف بعضها إلى درجة الرضوخ للضغوط الخارجية، والقبول بفتح الأراضي لما يسمى بالقوى الناعمة التي تحولت لستار تتدثر به أجهزة المخابرات التركية.

تأتي الخطورة من امتلاك أنقرة لجملة من الأوراق في منطقة الساحل والصحراء، من أن تتفرغ تركيا بعد تجميع الآلاف من إرهابيي سوريا لتتجه إلى المخزون الأفريقي السخي، وتحاول ربط أعضائه من خلال شبكة مصالح معقدة تتجاور فيها الأبعاد المحلية مع الإقليمية.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

أهالي قرية سورية يتهمون تركيا بسرقة آثار عفرين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-28

اتهم أهالي قرية "قسطل جندو" قرب عفرين شمال غربي سوريا الفصائل المسلحة الموالية لتركيا بالعمل على تخريب المزارات والمواقع الأثرية في القرية.

ونشر الأهالي مقطع فيديو قالوا إنه يكشف عمليات الحفر في المنطقة بإشراف من المخابرات التركية بحثا عن آثار يبلغ عمرها آلاف السنين.

وبحسب المرصد السوري، تتواصل أعمال التنقيب عن الآثار وحفر وتخريب المزارات الدينية بحثا عن تحف أثرية في عفرين الخاضعة لنفوذ الفصائل الموالية لتركيا.

وفي سياق ذلك، شهد مزار "شيخ حميد" في قرية قسطل جندو التابعة لناحية شران في ريف عفرين أعمال حفر وتخريب. ويعتبر مزار "شيخ حميد" مكانا مقدسا للكرد الإيزيديين ويرتاده مسلمو المنطقة أيضا، ويعد من المعالم التاريخية لمنطقة عفرين.

وفي وقت سابق، ذكر المرصد أن مسلحين من فصيل السلطان سليمان شاه "العمشات" بدأوا بعمليات حفر بهدف التنقيب عن الآثار في تل "أرندة الأثري" الواقع في ناحية "الشيخ حديد" في ريف عفرين الغربي.

ووفقا لمصادر المرصد السوري، يتعرض التل بشكل شبه يومي لعمليات حفر بمعدات ثقيلة بحثا عن الآثار من قبل عناصر فصيل السلطان سليمان شاه الموالي لتركيا، الأمر الذي أدى لتضرر التل بشكل كبير وإحداث دمار هائل به نتيجة عمليات البحث العشوائية المتواصلة.

عن "العربية.نت"

للمشاركة:

هل ستعيد تركيا استخدام ورقة اللاجئين بعد انتهاء أزمة كورونا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-28

عادت إلى الواجهة قضية المهاجرين غير الشرعيين وطالبي اللجوء الذين تستخدمهم السلطات التركية ضد خصومها الأوروبيين وقتما تشاء.

وتخشى اليونان من موجات جديدة من المهاجرين الى حدودها مع تركيا بعد أن قال وزير الخارجية التركي أن عودة المهاجرين واللاجئين إلى الحدود مع اليونان ممكنة ومتوقعة مع انتهاء البلدين من عمليات الإغلاق بسبب فيروس كورونا.

ونقلت صحيفة الغاردين البريطانية عن مولود جاويش اوغلو قوله في حديث لمحطة تلفزيون محلية في أنطاليا، "بسبب الوباء ، تباطأت حركة المهاجرين. لكنهم سوف يعودون بالتأكيد بعد انتهاء الإجراءات الإحترازية ضد الوباء" .

أعلنت قيادة الشرطة اليونانية الأربعاء أنها سترسل بحلول الجمعة المزيد من رجال الشرطة إلى حدودها البرية مع تركيا في شمال شرق البلاد في إجراء وقائي لمنع تدق محتمل لمهاجرين.

وقال ناطق باسم إدارة الشرطة تيودوروس خرونوبولوس لوكالة فرانس برس إن "الهدف هو تعزيز دوريات الشرطة وقائيا" على طول نهر إيفروس الذي يشكل الحدود البرية مع تركيا.

ويفترض أن يتوجه الوزير اليوناني لحماية المواطن ميخاليس خريسوهويديس الأربعاء إلى إيفروس لإجراء محادثات مع الشرطة والسلطات المحلية.

وتخشى أثينا أن تمارس تركيا ضغوطا جديدة على أوروبا عبر المهاجرين بعد انحسار وباء كوفيد-19، على أثر تدفق لاجئين إلى منطقة إيفروس في نهاية فبراير.

وأعلنت أنقرة أنها لن تمنع المهاجرين بعد الآن من التوجه إلى أوروبا.

وتجمع آلاف من طالبي اللجوء في مركز كاستانيس (بازراكولي في الجانب التركي) الذي أغلق منذ ذلك الحين.

وطلبت اليونان مساعدة أوروبية لمنع المهاجرين من عبور الحدود وحصلت عليها بينما دانت منظمات للدفاع عن حقوق الإنسان طرد المهاجرين بطريقة غير قانوينة.

لكن وباء كوفيد-19 أجبر تركيا على التراجع في نهاية مارس واضطرت أنقرةلإعادة المهاجرين إلى مخيمات داخل الأراضي التركية.

لكن التوتر بقي قائما بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي.

نفت اليونان الأحد معلومات تفيد ان جنودا أتراكا احتلوا اراض يونانية عند مجرى نهر إيفروس الحدوديّ.

وقال وزير الخارجية نيكوس ديندياس إن المعلومات التي نشرتها وسائل إعلام بريطانية أن القوات التركية احتلت قطعة أرض عادة ما تكون مغمورة بالمياه في هذا الوقت من العام، تقع في الجانب اليوناني من الحدود خاطئة تماما.

إلا أنه أقر في مقابلة مع تلفزيون سكاي، بأن "وجود القوات التركية لوحظ في قطاع من الأرض حيث كان الجيش اليوناني يقوم ببعض الأعمال التحضيرية" بعد أن أعلنت أثينا أنها لن تعطي تركيا إحداثيات توسيع سياجها في إيفروس مقدما.

وتقول مراسلة الغارديان من أثينا، أن الحكومة اليونانية أطلقت أجراس الإنذار في أثينا بعد نصريحات الوزير التركي، حيث يعرب المحللون بشكل متزايد عن مخاوفهم من تكرار الأزمة التي اندلعت في وقت سابق من هذا العام عندما أعلن الرئيس التركي ، رجب طيب أردوغان ، أن أبواب أوروبا مفتوحة ، وللمهاجرين حرية العبور إلى اليونان.

وبعد توقف دام نحو ثلاثة أشهر ، أبلغت السلطات اليونانية عن وصول عدة قوارب محملة بالرجال والنساء والأطفال هبطت على شواطئ جزيرة ليسبوس الأسبوع الماضي.

ولا يزال نحو 37 ألف طالب لجوء يتكدسون في ملاجئ في ظروف صعبة للغاية كانت قد ادانتها جماعات حقوق الإنسان.

وفي الأيام الأخيرة ، تجدد التوتر على الحدود مما دفع أثينا لبناء  سياج من الأسلاك الشائكة بطول 12.5 كم على طول الحدود في الأراضي المتنازع عليها مع أنقرة.

قال أنجيلوس سيريغوس ، أستاذ القانون الدولي في جامعة بانتيون ونائب في حزب الديمقراطية الجديدة الحاكم: "من المتوقع انه مع خروج المنطقة تدريجياً من حالة الإغلاق بسبب فايروس كورونا ،اتوقع أن نشهد زيادة في التوترات على جميع الجبهات".

من الواضح أن تركيا تريد مواصلة استخدام ورقة المهاجرين واللاجئين للحصول على  دعم اوروبي لأهدافها الجيوسياسية. ما يقلقني هو أننا قد نشهد أزمة حدودية جديدة قريبًا جدًا. "

وطلبت حكومة يمين الوسط الحاكم في اليونان دعما من الاتحاد الأوروبي لمواجهة المساعي التركية لدفع المزيد من المهاجرين الى الحدود. وفي وقت سابق من هذا العام نشرت شرطة مكافحة الشغب ودوريات عسكرية على طول الحدود البرية مع تركيا.

وفي مارس الماضي، حذر وزير الداخلية التركي سليمان صويلو أيضًا من أن المهاجرين المتجهين إلى أوروبا سيكونون قادرين على العودة إلى الحدود البرية اليونانية التركية بمجرد انحسار الوباء. وقال بعد أن أمر بإخلاء الرجال والنساء والأطفال من المنطقة "عندما ينتهي هذا الوباء لن نمنع من يريد المغادرة".

وتصاعدت التوترات على خلفية التقارير المثيرة للقلق من قيام السلطات اليونانية بإعادة اللاجئين قسراً إلى تركيا. واتهم نشطاء حقوق الإنسان الحكومة باستغلال الوباء للقيام بعمليات الترحيل خارج نطاق القضاء لطالبي اللجوء.

وتزعم جماعات حقوق الإنسان أن الظروف في معسكرات الجزيرة قد ساءت أيضًا نتيجة للتدابير التقييدية لوقف انتشار الفيروس. على الرغم من أن سياسات الإغلاق قد تم رفعها تدريجيًا في جميع أنحاء اليونان ، إلا أنها لا تزال تُنفذ في مراكز الاحتجاز حيث لا يزال حظر التجول الليلي ساريًا.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية