حزب الله الحجاز... محاولات إيران لاختراق السعودية

في 25 حزيران (يونيو) 1996؛ انفجرت شاحنة (صهريج) مملوءة بعدة أطنان من مادة الـ "تي إن تي"، بالقرب من مجمّع أبراج الخبر، وهو مجمع سكني للقوات الجوية الأمريكية في قاعدة الظهران، ما أسفر عن مقتل 19 جندياً أمريكياً، وإصابة مئات آخرين، وبعد ذلك بوقت قصير؛ بدأت الحكومة السعودية بإلقاء اللوم على "حزب الله الحجاز"، بأنّه منفّذ الهجوم، وألقي القبض تقريباً على جميع من لهم علاقة، حتّى لو كانت سطحية وغير مباشرة، مع "حزب الله الحجاز".

ألقت الحكومة السعودية باللوم على "حزب الله الحجاز" بأنّه منفّذ هجوم الخبر
لكن ما المعلومات المتوفرة عن هذا التنظيم الإرهابي؟!
تجمّع علماء الحجاز

في كتاب "حزب الله الحجاز – بداية ونهاية تنظيم إرهابي"، للمؤلف توبي ماثيسن، ترجمة حمد العيسي، الصادر عن دار "مدارك" في الإمارات العربية المتحدة، يقول المؤلف: "في السبعينيات تعرّفت مجموعة من الشيعة السعوديين، الذين يدرسون في النجف لدى محمد باقر الصدر، على تعاليم الخميني، وبعد الثورة الإيرانية انتقلوا إلى قم؛ حيث شكّلوا، في منتصف الثمانينيات، تجمّع علماء الحجاز، الذي أصبح فيما بعد جزءاً من حزب الله الحجاز".

اقرأ أيضاً: واشنطن تحاول محاصرة حزب الله
جناح رجال الدين من تجمّع علماء الحجاز، كان يعمل من الحوزة الحجازية في قم، كما يشير المؤلف إلى ذلك، رغم وجود مجتمع شيعي صغير في المدينة المنورة، إلا أنّ مؤسسي التجمع وحزب الله الحجاز، كانوا من المنطقة الشرقية، وفي الأساس من الأحساء وصفوي وتاروت، لكن، ومثل آية الله الخميني، استخدموا مصطلح "الحجاز" لعموم المملكة العربية السعودية، لتقويض شرعية آل سعود.

قام أحمد المغسل بعد الاتفاق مع الإيرانيين بمحاولات لاستقطاب كفاءات شيعية سعودية من مختلف القرى والمدن

وفي كتاب "الحراك الشيعي في السعودية – تسييس المذهب ومذهبة السياسة"، من تأليف بدر الإبراهيم، ومحمد الصادق، وفي فصل بعنوان "حزب الله الحجاز"، جاء فيه: "عام 1971، سافر الشيخ حسين الرضي، ومعه السيد هاشم الشخص، من الأحساء إلى مدينة النجف العراقية للدراسة على يد السيد محمد باقر الصدر، ومكثا فيها عدة سنوات، وحضرا دروس الخميني قبل أن يُطلب منه مغادرة العراق، ويشتد قمع صدام للصدريين، ما استدعى خروجهما من العراق إلى إيران"، ويضيف المؤلف: "انتقلت ثلة من مشايخ القطيف والأحساء، ومنهم الشيخ عبد الكريم الحبيل، والشيخ سعيد البحار مع الراضي، والشخص، والسيد حسن النمر، إلى مدينة قم الإيرانية، عام 1980، لإكمال الدراسة على يد حسين منتظري، وأصبح حسين الراضي مشرفاً على الحوزة العلمية فيما يتعلق بشؤون "العلماء الحجازيين"، ويستخدم الإيرانيون عادة مسمّى "الحجاز" لتوصيف المكان الذي ينتمي إليه شيوخ البحرين والسعودية؛ وذلك لإظهار عدم اعترافهم بشرعية السلطات السياسية في البلدين، بعد ذلك بمدة ليست بالقصيرة، تشكّل "تجمّع علماء الحجاز"، وهو تجمّع يضمّ الشيوخ المقلدين للخميني، وكان هدفهم الرئيس، إضافة إلى تحصيل العلم، نشر مرجعية الخميني، بصفته فقيهاً بولاية مطلقة في منطقة القطيف والأحساء، التي كانت تدين لمرجعية النجف بالولاء.
غلاف الكتاب

الثورة الخمينية في إيران
وحول تأسيس ذلك الحزب الإرهابي؛ ذكرت "بوابة الحركات الإسلامية": أنّه "وعقب قيام الثورة الخمينية في إيران وتولّيها السلطة، عام 1979، حاول النظام الإيراني الجديد دعم حركات الاحتجاج في القطيف، عام 1981، ضدّ الحكومة السعودية القائمة، في محاولة للتحريض على قيام ما يسمّى بثورة الشيعة.

اقرأ أيضاً: حزب الله "السوري".. صناعة الوكلاء المحليين لإيران
وسرعان ما حدث تواصل بين إيران والقيادات الشيعية في السعودية، وعُهد إليهم بإنشاء منظّمة يكون مرشدها ومنظّرها الشيخ حسن الصفّار، وأُطلق عليها "منظمة الثورة الإسلامية لتحرير الجزيرة العربية"، ليتغير الاسم بعد ذلك إلى "منظّمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية"، وتمّ اتخاذ إيران مركزاً لها، ثم انتقلت بعد فترة إلى دمشق، لتستقر مؤخراً في لندن".
في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدًا في 1987، تمّ إنشاء الجناح العسكري لمنظّمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية، واتّفق على تسميتها "حزب الله الحجاز"، الذي عُدّ فيما بعد مسؤولاً عن العمليات الإرهابية في السعودية، من خلال التنسيق مع الحرس الثوري الإيراني.

إيران بتأسيسها حزب الله الحجاز كان هدفها إيجاد أداة عسكرية خفيفة للضغط على النظام في السعودية

وتعود البدايات الأولى للحزب؛ عندما قام الحرس الثوري الجمهوري الإيراني، بإشراف ضابط المخابرات الإيراني، أحمد شريفي، بتجنيد بعض الشيعة السعوديين الذين يدرسون في "قم" الإيرانية.
في 31 تموز (يوليو) 1987، قادت مجموعة من الحرس الثوري الإيراني الحجاج الإيرانيين، يرافقهم عدد من تجمع علماء الحجاز، إلى صدام دموي مع السلطات السعودية، بعد أن طالب السعوديون الإيرانيين بعدم التحرش بالحجاج، عبر رفع الشعارات السياسية التي تفرق ولا تجمع؛ حيث توقّع الخمينيون أنّ شعاراتهم ستجد نصيراً بين الحجاج.
أضرت تلك الحادثة كثيراً بعلاقة السعودية مع إيران، وبدأ صراع علنيّ شرس، وفي المقابل استثمرت إيران ملايين من الدولارات لإنفاقها على الجماعات الشيعية، وحتى السنّية المناهضة للسعودية والكويت والبحرين ودول الخليج الأخرى.

اقرأ أيضاً: حزب الله ورقة إيرانية تفقد جدواها الإقليمية
وترى الباحثة الفرنسية لورانس لوير، في كتابها "سياسات الشيعة عبر الوطنية"؛ أنّ "إيران، بتأسيسها حزب الله الحجاز، كان هدفها إيجاد أداة عسكرية خفيفة للضغط على النظام السعودي، لكن لا تريد لهذه الأداة أن تكون كبيرةً، حتى لا تعرض مصالح إيران وسياساتها للخطر".
وبذلك تكون بداية التنظيم فكرية دعوية لا ترتبط بالسلاح، ورؤوسه معروفة لدى بعض سكان المنطقة فترة الثمانينيات، رغم أنّهم كانوا ينكرون وجودية تنظيمهم، وشيئاً فشيئاً ظهر له جناح عسكري، ليبدأ في التخطيط لعملياته بعد حرب تحرير الكويت.
وتشير "بوابة الحركات الإسلامية" إلى أنّه "في آذار (مارس) 1988، نفّذ الحزب تفجيراً في إحدى منشآت شركة صدف البتروكيماوية في مدينة الجبيل، من خلال أربعة من عملائه من جزيرة تاروت، هم: علي عبد الله الخاتم، وأزهر الحجاجي، وخالد العلق، ومحمد القاروص.

اقرأ أيضاً: هل يُمهّد "حزب الله" لانقلاب كبير؟
علي عبد الله الخاتم، أحد المنفذين؛ كان يعمل في شركة صدف، وسبق له القتال مع حزب الله اللبناني في لبنان، وتدرّب هناك على عمليات التفجير، وبعد تفجير صدف اكتشف حراس شركات البترول والبتروكيماويات شرق السعودية العديد من المتفجرات وفي أماكن متعددة، في معمل التكرير في رأس تنورة، ورأس الجعيمة.
ولم يطُلْ الوقت حتى تمكّنت الحكومة السعودية من تفتيت خلايا متعددة لحزب الله الحجاز، واعتقلت كثيرين من أفراده، كما تمّ تنفيذ حكم الإعدام بالسيف بحقّ الأربعة المسؤولين عن تفجير شركة صدف.
بعد إعدام المتهمين؛ أصدر حزب الله الحجاز من دمشق، ومعه تجمّع علماء الحجاز، بيانيْن يسمّون فيهما منفذي عملية صدف "الشهداء"، وخرج وزير خارجية إيران آنذاك ليعلن عدم وجود علاقة لبلاده بالعملية أو منفذيها.

 

بداية العمليات الإرهابية
ذكر كتاب "حزب الله الحجاز – بداية ونهاية تنظيم إرهابي"؛ أنّ "حزب الله الحجاز بدأ عمليات خارجية ضدّ دبلوماسيين سعوديين، وتخلّل تفجيرات 1989 عمليات كثيرة، وقتل ضدّ دبلوماسيين في سفارات سعودية عديدة من بانكوك إلى أنقرة".
لم يعلن الحزب مسؤوليته عن هذه العمليات، بل استخدم أسماء لمنظمات غير موجودة بالفعل، مثل: "جند الحق"، و"منظمة الحرب المقدسة"، في حين حاولت الدعاية الإيرانية الإشارة إلى أنّ هاتيْن المنظمتيْن لا علاقة لهما بحزب الله الحجاز، وأّنهما نتاج لخليط من جنسيات متعددة، من لبنان والسعودية وفلسطين.

اقرأ أيضاً: بريطانيا تميط اللثام عن أنشطة إرهابية لحزب الله في لندن
لكنّ التحريات أثبتت أنّ العديد من منفذي العمليات خرجوا من دمشق عبر الحدود اللبنانية، ومن بيروت توجهوا لتنفيذ جرائمهم، وفي ظلّ التوتر الذي أصاب تجمعات السعوديين الشيعة في إيران، تحركت السعودية، عام 1987، لتخفيف مواقفها ضدّ الشيعة بعد عفو ملكي سعودي، وفي المقابل بادلت بعض هذه التجمعات هذا العفو بتهدئة، تمّ اتخاذ قرارها في اجتماع لمنظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية.
وتحوّل نشاط الحزب إلى إصدار النشرات والمواقع، وانخرط منتسبوه وأنصاره في شنّ الحملات الإعلامية ضدّ نظام الحكم في السعودية، وقام الحزب بإنشاء دار نشر وخدمات مواقع في دمشق، ثم انتقل الموقع الإلكتروني وإدارته من دمشق إلى بيروت، وتحديداً إلى الضاحية الجنوبية.

بقايا شاحنة استخدمت في تفجير أبراج الخبر في عام 1996
وبعد حرب الخليج الثانية، وعودة الكويت لحكم آل صباح، تنامى الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة، ونتيجة خشية الإيرانيين من استمرار الوجود الأمريكي، والذي يمثل إخلالاً بالخطط التوسعية الإيرانية، لذلك وجهت طهران حزب الله الحجاز ضدّ الأمريكيين ومواقعهم العسكرية في المنطقة.

اقرأ أيضاً: ما هو مصير حزب الله؟
قام أحمد المغسل، أحد قيادات الحزب، بعد الاتفاق مع الإيرانيين، بمحاولات لاستقطاب كفاءات شيعية سعودية، من مختلف القرى والمدن شرق السعودية.
وحينما واجه صعوبات أمنية كبيرة، وكادت آماله تتحطم، بسبب رفض الكثير من الشباب السعودي في تلك المناطق الانخراط في حزب عنيف التوجهات، وجد المغسل ضالته في بعض الشباب الذين كانوا يدرسون في الولايات المتحدة، معظمهم من أعضاء منظمة الثورة الإسلامية، مما أوجد خلافاً بين التنظيميْن، كما يعلّق الباحث توبي ماثيسين.
وفي 25 حزيران (يونيو) 1996؛ حدث تفجير أبراج الخبر، من خلال تفجير خزان كبير مملوء بأطنان من مادة "تي إن تي"، في شاحنة مفخخة جوار مجمّع سكني، كان يتواجد فيه عسكريون أمريكيون من أفراد سلاح الجو الأمريكي، ونتج عن العملية مقتل 19 أمريكياً، وجرح 372 آخرين، وأصيب مئات من جنسيات متعددة، إضافة إلى انهيار جزئي للمبنى السكني.

الأقسام: