شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز

1838
عدد القراءات

2019-04-10

بصدور روايته الثانية: بأي ذنب رحلت؟، يبدو أنّ الكاتب المغربي محمد المعزوز آثر أن يشيد تجربته الروائية بتروٍّ وعمق، من خلال نص روائي متعدد، يحتفي بالسياسة، والذاكرة، والفن، والفلسفة، والميتافيزيقا، والبحث عن المجهول. هو نص روائي متوتر ومدهش، يتأبّى عن الاختزال في مقولات محددة أو تصنيفات جاهزة.

"بأي ذنب رحلت؟" رواية الوجدان والحلم، واللاوعي وهو ما يفسّره الحضور القوي للحوار الداخلي والاستبطان

ونحسب أنّ ما يَلفتُ النظر في هذا النص الروائي هو ذلك الاهتمام الذي يبديه كاتبها نحو طرائق السرد وأساليبه الفنية، ويتجلى هذا من خلال الحرص على بناء عالم روائي مفتوح لا يشدّ انتباه المتلقي من خلال تواتر الأحداث وتناميها على النحو الذي نجده في السرد التقليدي، بل من خلال استكشاف المناطق الداجية في ذات الفرد، وتعميق التداخل بين الأزمنة، وفي هذا السياق ينهض التذكر بدور أساس ونافذ في تجذير الشخصيات في ماضيها، وربطها باللحظات القوية المؤثرة في حاضرها، ليس فقط من حيث وجودها الفردي، وإنما كذلك لجهة وجودها الجماعي، وما يطاله من تبدلات وتغيرات متسارعة. فالانحدار نحو الأعماق السحيقة الذي يطبع الحاضر، بفعل أفول المعنى، ووطأة الأنساق التقليدية المغلقة التي تخنق أنفاس الفرد، ونزوعه إلى الحرية، لا يترك للشخصيات من هوامش المقاومة سوى الاحتماء بالذاكرة، واستيحاء اللحظات المشعّة التي تلقي بما تبقى من ضوء "وسط سطوة الغبش وقهر السقوط".

اقرأ أيضاً: "بأي ذنب رحلت" للمعزوز بالقائمة الطويلة للبوكر: إعادة الرواية العربية إلى أفق الفلسفة

غلاف الرواية
تتحرك في عالم الرواية مجموعة من الشخصيات تتميز بالاختلاف في المواقف والسلوك، وهي كلها تنتمي إلى النخبة المغربية المثقفة، وتعكس توزّع وانشطار وجهات نظرها حيال ما يعيشه المغرب الراهن من تحولات وتبدلات عميقة تلقي بظلالها على الأحلام التي راودت المغاربة بعد الاستقلال، والمتمثلة أساساً في الحرية والعدالة الاجتماعية، والإخفاق في تكريس مجتمع الحداثة الذي ينقل البلد إلى وضع أفضل. ومن الواضح أنّ الرواية تستبطن هذه الدلالة ابتداء من عنوانها الذي يحيل، عبر التناصّ، على متن واسع يحمل إلى نص الرواية الكثير من الرموز والإشارات الدينية والفلسفية، والصوفية والأنثربولوجية المجسّدة لضياع الإنسان، وإحساسه بالاغتراب واللاجدوى في عالم تتعمّق فيه الشروخ والفجوات بسبب فشو النزعات المتمركزة، والهويات المتصلبة، والسرديات النهائية. لكأنّ المعزوز يجعل من الكتابة الروائية في زمن انجلاء الأوهام ذلك الترياق المضاد للتنميط والاختزالية، والذي يدفع الإنسان إلى استكشاف المطلق في داخله، والسعي لمعرفة ما يجهله.

تتحرك بالرواية مجموعة من الشخصيات تتميز بالاختلاف في المواقف تعكس انشطار وجهات نظرها حيال ما يعيشه المغرب الراهن من تحولات

لعلّ ما نلاحظه هو أنّ شخصية "راحيل" تمثل عالماً مكتفياً بذاته. خاصة عندما نضع سيرتها في سياق التجربة الوجودية التي عاشتها والدتها "راشيل"، وكذلك في سياق تجربة "عبد الله" بائع الخبز، وهو والدها المجهول بالنسبة لها، الذي لم تجد فيه الفيلسوف المتفرد بانشغاله وأفكاره حول الإنسان والعالم وحسب، بل كذلك صاحب اللوحة اللغز التي تحاصرها وتذكرها باللوحة التي ورثتها عن والدتها المنتحرة. ومن المؤكد أنّ اختيار الروائي بناء مفتوحاً يسمح بالانتقال إلى أكثر من موضوع هو الذي أتاح له الانفتاح على شخصيات أخرى تمثل مرايا كاشفة للشخصيات الأساسية، مثل "وليد" عازف البيانو، و"يحيى" الطالب الذي عشقته "راحيل" قبل زواجها، و"عائشة" التي تكفلت بـ"راحيل" قبل أن تسلمها لدار الأيتام بعدما أحست بأنّ الموت يداهمها. بالإضافة إلى "زينب" التي تكفلت بتربية "راحيل" في دار الأيتام، ولقّنتها الأسرار ومبادئ الموسيقى والغناء، كما زرعت فيها مقت السياسة وحبّ الإنشاد والخلوة الصوفية. وليست معزوفات "راحيل" في الرواية سوى مكان لتجليات تلك المعرفة الرؤياوية أو ذلك السر الذي يتعذر على الانكشاف والاكتناه. وما يعزز هذا التأويل هو أنّ الشخصيات في مواجهتها وطأة الزمن وترقبها لصفعته في الطريق الذي تسلكه، تعبّر باستمرار عن الحاجة الماسة إلى الوجدان لقهر الرتابة واللامعنى. وهذا ما يدفعنا إلى اعتبار رواية "بأي ذنب رحلت؟" رواية الوجدان، والحلم، واللاوعي، وهو ما يفسّره الحضور القوي للحوار الداخلي والاستبطان.

اقرأ المزيد...

الوسوم: