طهران تستخدم الفضاء السيبراني للقرصنة والتجسس على المعارضة والمسؤولين الإيرانيين

طهران تستخدم الفضاء السيبراني للقرصنة والتجسس على المعارضة والمسؤولين الإيرانيين

مشاهدة

04/10/2020

تعد الهجمات السيبرانية إحدى الوسائل التي تعتمد عليها إيران في صراعاتها السياسية والعسكرية الخارجية؛ حيث تلاحقها العديد من الاتهامات المتصلة باستخدامها الهجمات الإلكترونية، بهدف التجسس أو القرصنة، وذلك ضد أفراد أو شركات أو دول، الأمر الذي يتكرر في سياقات وحوادث متباينة، لاسيما في ظل تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن، أحياناً، وكذا بين الأولى وإسرائيل أو غيرها من الدول العربية والخليجية، وهو ما حدث، مثلاً، بصورة متزايدة، بعد تنفيذ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عقوبات اقتصادية على قطاع البتروكيماويات الإيراني، خلال حزيران (يونيو) الماضي، فأسقط الحرس الثوري الإيراني طائرة أمريكية، بالقرب من مضيق هرمز.

إيران والصراع في الفضاء السيبراني

وفي آب (أغسطس) الماضي، أفصحت القوات المسلحة الإيرانية، للمرة الأولى، وبعد سلسلة الانفجارات الغامضة التي شهدتها مواقع إيرانية عسكرية، ومنشآت أمنية، على صلة ببرامجها للتسلح النووي، والصواريخ الباليستية، أنّها تتعرض لهجمات سيبرانية أثرت على البنية التحتية لها، وذلك عقب "مسلسل الانفجارات والحرائق التي طاولت المواقع النووية، وبعض المناطق المدنية، خلال الشهرين الماضيين".

وهددت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، في بيان رسمي، أنّه "إذا بلغت تلك الهجمات عتبة الهجوم المسلح التقليدي، فإنّ القوات المسلحة الإيرانية لها الحق في الدفاع عن النفس"، دونما تحديد لجهات أو دول بعينها.

في ظل انتقال الصراع بين إيران وخصومها إلى "الفضاء السيبراني"، فإنّ الأهداف التي يمكن الوقوف عليها بناء على دلالة التوقيت، تتمثل في ضبط مسار البرنامج النووي

وبحسب تقارير صحافية أمريكية، فإنّ واشنطن قامت باستهدف أنظمة حاسوبية إيرانية، بعد أن كشفت استخدامها في الهجمات الإلكترونية، وكذا إطلاق الصواريخ، والاستعانة بها ضمن وسائل التجسس. وغرد كريس كريبس، مدير وكالة الأمن الإلكتروني، التابعة لوزارة الأمن الداخلي، على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر": "إنّ المسؤولين الأمريكيين اكتشفوا زيادة النشاط الإلكتروني الخبيث، الموجه ضد الولايات المتحدة من قبل أشخاص مرتبطين بالحكومة الإيرانية".

اقرأ أيضاً: إيران تدخل على خط الحرب في ناغورني قره باغ

ويشير تقرير الخارجية الأمريكية، الصادر، نهاية الشهر الماضي أيلول (سبتمبر)، إلى أنّ إيران تعد جهة تهديد أساسية في الفضاء السيبراني، وهو الأمر الذي تحاول التعمية عنه، وإخفاء الأدلة التي تكشف عن تورطها المباشر في هجمات قامت بها "للتأثير على أمن الدول، وتهديد استقرارها، ومنع الوصول إلى إنترنت مفتوح، وقابل للتشغيل المتبادل، بشكل آمن".

النظام الإيراني في صراع مفتوح

طورت إيران قدراتها السيبرانية، بغية مراقبة خصومها، بحسب التقرير الأمريكي. ويقوم بتنفيذ عمليات القرصنة الإلكترونية الحرس الثوري الإيراني، والأخير يعد الأداة الرئيسية والقوة الفاعلة التي تقف وراء تلك الهجمات، وذلك من خلال تجنيد القراصنة من خارج الحكومة. ويتحرى النظام الإيراني تنفيذ عمليات إلكترونية ضد حكومات معينة، وكذا مجموعة من الكيانات التجارية، ومؤسسات المجتمع المدني، والتي تعتبر، بحسب توصيف تقرير الخارجية الأمريكية "مجموعة من الأهداف السهلة، والأكثر ضعفاً، وضمن البنية التحتية الحيوية، والمنظمات غير الحكومية".

 ومن بين الدول التي تتعرض للهجمات السيبرانية من إيران، واشنطن، والرياض، وإسرائيل. ويلفت تقرير الخارجية الأمريكية إلى أنّ النظام الإيراني "شن هجوماً على عشرات الآلاف من أجهزة الكمبيوتر التي تستخدمها أرامكو السعودية، مما أدى إلى تعطلها عن العمل، وتسببت في خسائر بمئات الملايين من الدولارات"، مضيفاً: "أعاد تكرار الهجوم، مرة أخرى، بين عامي 2016، 2017، بنسخة محدثة، مما ترتب عليه تدمير قواعد البيانات السعودية العامة والخاصة، بما في ذلك التابعة للهيئة العامة للطيران المدني، والبنك المركزي".

الكاتب المصري شريف عبد الحميد لـ"حفريات": إيران ترتبط على نحو مباشر ومتكرر بالحروب الإلكترونية، وأفصح تقرير الخارجية الأمريكية، عن تزايد وتيرة الانفجارات والحرائق الإيرانية التي وصفت بـ"الغامضة"

كما استهدف النظام الإيراني عدة دول غربية، ومن بينها الولايات المتحدة، من خلال تكثيف الهجمات الإلكترونية والقرصنة، بهدف التجسس، حسبما كشف المدعي العام الأمريكي للمنطقة الجنوبية لنيويورك، وقسم مكافحة التجسس ومراقبة الصادرات، التابع لشعبة الأمن القومي؛ إذ دشنت الكيانات الموالية للحرس الثوري الإيراني هجوماً، في الفترة بين نهاية العام 2011 ومنتصف العام 2013، لتعطيل مجموعة من الخدمات في القطاع المالي الأمريكي.

اقرأ أيضاً: الرئيس الأمريكي يضغط والاقتصاد الإيراني يواصل السقوط

في العام 2018، كشف المصدر ذاته، عن لائحة اتهام شملت تسعة أفراد مرتبطين بمعهد "مابنا" الإيراني؛ إذ قاموا بهجوم إلكتروني ضخم، في الفترة بين عامي 2013 و2017، بتوجيه مباشر من الحرس الثوري، وقد نجم عنه استهداف نحو 144 جامعة أمريكية، وما لا يقل عن 176 جامعة أخرى، في 21 دولة مختلفة. كما نجح القراصنة في اختراق أنظمة الكمبيوتر للوكالات الفيدرالية الأمريكية، والأمم المتحدة، وصندوق الطفل، التابع للأمم المتحدة، إضافة إلى شركات القطاع الخاص الأمريكية والأجنبية.

الحرس الثوري على لائحة اتهام غير تقليدية

وتشير لائحة الاتهام، الصادرة عن مكتب المدعي العام الأمريكي، إلى أنّ "معهد "مابنا" سرق أكثر من 31 تيرابايت من الوثائق والبيانات، إضافة إلى وثائق الملكية الفكرية، ومحتويات صناديق البريد الإلكتروني، مما دفع وزارة الخزانة إلى وضع المعهد والأفراد المرتبطين به في قوائم الإرهاب".

وبالعودة إلى التقرير الصادر عن الخارجية الأمريكية، فإنّ النظام الإيراني، لم يكتف باستخدام الهجمات السيبرانية ضد خصومه السياسيين من الأفراد أو الدول والمؤسسات، إنّما استعان بتلك القدرات الإلكترونية لمراقبة المسؤولين الحكوميين، والتجسس عليهم، وتتبع أنشطتهم المختلفة، فضلاً عن قمع المعارضة، سواء كانوا إيرانيين عاديين، أو أعضاء ونشطاء في المجتمع المدني، أو مسؤولين حكوميين منتخبين.

اقرأ أيضاً: بدعم إيراني.. حزب الله يوسع شبكته الإرهابية في أوروبا

وكشف التقرير الأمريكي، أنّ "الميلشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني، استهدفت كيانات السلك الدبلوماسي الإيراني، بواسطة مراقبة مسؤولين في الخارجية الإيرانية، وعلى رأسهم وزير الخارجية، محمد جواد ظريف، فضلاً عن رجال الدين الإصلاحيين، والقادة السياسيين المعتدلين. ويستخدم النظام الإيراني قدراته السيبرانية لحرمان الإيرانيين من الوصول غير المقيد إلى الإنترنت، بما في ذلك منع الوصول إلى مواقع وتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، وإجراء عمليات إغلاق للإنترنت".

اقرأ أيضاً: لماذا ترغب إسرائيل في قمع إيران النووية قبيل الانتخابات الأمريكية؟

وتابع: "بالرغم من حجب النظام الإيراني لتطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي، غير أنّ مسؤولي النظام يستخدمونها، وعلى رأسهم المرشد الأعلى، علي خامنئي، ووزير الخارجية، محمد جواد ظريف، وكذلك الصحفيون المتعاطفون مع النظام، بغية نشر دعايته إلى العالم الخارجي"، الأمر الذي دفع "فيسبوك" و"تويتر"، وشركات أمريكية أخرى، في آب (أغسطس) العام 2018، إلى إزالة أكثر من ألف صفحة ومجموعة وحساب، يستخدمها النظام الإيراني، لنشر معلومات مضللة، حسبما يشير التقرير الأمريكي. كما أنّه في أيار (مايو) الماضي، حذف فيسبوك أكثر من 500 حساب تنشر معلومات مضللة مرتبطة بإذاعة إيران.

وعليه، وفر هذا "الظلام الرقمي"، بحسب توصيف التقرير، البيئة المواتية لارتكاب العديد من الانتهاكات ضد حقوق الإنسان من جانب النظام الإيراني، مما حرض الإدارة الأمريكية بوضع الأشخاص والكيانات المتهمة بهذه الممارسات العدوانية، في قوائم الإرهاب، ومن بينهم أبو الحسن فيروز آبادي، الأمين الأعلى لمجلس الفضاء الإلكتروني في إيران، والذي لعب دوراً غير محدود في ما يتصل بعملية حجب مواقع وتطبيقات منصات التواصل الاجتماعي، وكذا محمد جواد آذري جهرمي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإيراني، وهو مهندس متخصص في أمن المعلومات.

ضبط سلوك إيران

يشير الكاتب الصحافي المصري، شريف عبد الحميد، المتخصص في الشأن الإيراني، إلى أنّ إيران ترتبط على نحو مباشر ومتكرر بالحروب الإلكترونية، لكن اللافت إلى جانب ما أفصح عنه التقرير الصادر عن الخارجية الأمريكية، هو تزايد وتيرة الانفجارات والحرائق الإيرانية التي وصفت بـ"الغامضة"، لاسيما وأنّها وقعت في المرافق الحيوية بإيران، والتي في غالبيتها مواقع أمنية وعسكرية؛ إذ وقع انفجار كبير في مجمع بارشين العسكري، شرق طهران، والذى ينتج صواريخ باليستية، إضافة إلى منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم، كما اشتعلت النيران في حوض لبناء السفن، في مدينة بوشهر، جنوب شرق طهران، والتي تضم محطة الطاقة النووية الوحيدة في إيران.

ويضيف عبد الحميد لـ"حفريات": "بينما تضاربت المعلومات حول الجهة المسؤولة عن تلك التفجيرات، ومصدر تلك الحرائق؛ إذ اتهم بعض المسؤولين في إيران، كما هي العادة، إسرائيل والولايات المتحدة، إلا أنّ البعض الآخر، أنكر حدوثها تماماً، وثمة فريق ثالث، أرجعها إلى تسرب الغاز، لكن جملة التحليلات والتكهنات الأقرب للصحة، رجحت أنها هجمات إلكترونية، وقد دعم الاتجاه الأخيرة، وقوع هجمات مماثلة، بنفس الطريقة، في العام 2010، المعروفة بهجمات "ستوكسنت"، والتي استهدفت أنشطة التخصيب، وأجهزة الطرد المركزي في إيران".

اقرأ أيضاً: بعد تنكيل إيران بالمعارضين: هل يكشّر المعسكر الغربي عن أنيابه؟

وفي ظل انتقال الصراع بين إيران وخصومها إلى مواجهة مفتوحة في ما يمكن أن نسميه "الفضاء السيبراني"، بحسب الكاتب الصحافي المصري، والتي تفاوتت نتائجه بين الطرفين؛ إلا أنّ الأهداف التي يمكن الوقوف عليها بناء على دلالة التوقيت، والمواقع المستهدفة، تتمثل في ضبط مسار البرنامج النووي الإيراني، ومنع طهران من امتلاك السلاح النووي، أو تحقيق تفوق نوعي في مجال الصواريخ الدقيقة، إضافة إلى مواصلة الإدارة الأمريكية لإستراتيجية "الضغط القصوى"، التي تتبعها ضد الجمهورية الإسلامية.

الصفحة الرئيسية