غزو أم فتح؟ .. كيف يعيد المنتصر والمهزوم صياغة التاريخ؟

غزو أم فتح؟ .. كيف يعيد المنتصر والمهزوم صياغة التاريخ؟

مشاهدة

18/06/2020

صياغة المنتصر للتاريخ من الأمور التي لفتت انتباه الفيلسوف الفرنسي فولتير، فقال: "وما تاريخنا إلّا مرويّات أسطوريّة اتفق البشر على الإيمان بحقيقتها"، وهي العبارة التي وردت في قصّته القصيرة Jeannot et Colin العام 1764، كذلك صرّح فولتير فيما بعد -من باب الأمانة الأدبيّة- أنّ العبارة استلهمها من مقال للمؤرّخ والكاتب الفرنسي Bernard Le Bovier de Fontenelle بعنوان: De l’origine des fables  (منبع الأساطير) العام 1724، والذي أشار فيه إلى أنّ كلّ ثقافات العالم تحتوي على شيء من أساطير العظمة التي تحمل شيئاً من المبالغة والمرويّات غير الدقيقة.

اقرأ أيضاً: الغزو التركي وتفكيك ليبيا
استئثار المنتصر بكتابة التاريخ ليست فكرة جديدة، بل هي من قديم الأزل، حتى وإن كانت العبارة المأثورة حديثة الشيوع نسبيّاً، وقد يحمل المنتصر نزعة انحياز لإيديولوجيته التي تُعبّر عن مواقفه، وقد يُبرّر المنتصر  فعله السياسي العسكري على أساس ديني أو إيديولوجي، مع ادّعاء التقيّة التامّة، ممّا يثير الشكوك -حسب منهج الاستقصاء العقلاني Rationalism - في صحّة الرؤية التاريخيّة التي يرويها المنتصر ومؤيّدوه،  سواء أكان مؤيّدوه من زمانه نفسه، أم من المؤيّدين الذين ورثوا تلك المرويّات، وقرّروا التمسّك والإيمان بما وصلهم من أساطير قديمة دون قبول أيّ مراجعة أو قراءة مختلفة عمّا ورثوه.   
التأريخ الأيديولوجي للأحداث وفرض العزلة المعرفيّة
كلمة المنتصر نفسها حمّالة أوجه، قد يكون المنتصر مدافعاً عن أرضه، وقد يكون وافداً من بلاد أخرى تحت رغبة الاستيطان، وحين ينتصر المستوطن الراغب في التوسّع من أجل إمبراطوريّة أكبر، لا يصف نفسه في المرويّات التاريخيّة بالغازي أو المحتل، بل يصف نفسه بالفاتح المُخلّص، وقد يتمّ التأريخ لصالح المنتصر على هذا الأساس.
الفاتح أو الغازي أو المحتل... إلخ، كلّها مرادفات لا تدلّ بالضرورة على الانتصار العسكري وحده، بل تدلّ  على الموقف الأيديولوجي المؤيّد لكلّ قوّة عسكريّة، حتى وإن انهزمت فيما بعد، أكثر ممّا يُعبّر عن  الظروف التاريخيّة للمعارك.

الفاتح أو الغازي أو المحتل.. كلّها مرادفات لا تدلّ بالضرورة على الانتصار العسكري وحده

وعلى صعيد آخر، فإنّ المصادر التاريخيّة لروايات المنهزمين ليست منعدمة تماماً، علماً أنّ المنهزم قد يكون مُسلّحاً منازعاً على السلطة، وقد يكون المنهزم (في موقف آخر) من الجماهير التي تعرّضت للتنكيل ولم تقوَ على التصدّي للقوّة العسكريّة الزاحفة.
وقد يبدو أنّ المستعمر قادم لتحرير المغلوبين على أمرهم من نير الاحتلال الغاشم، وبعدما يتمكّن من التخلّص من ذلك الاحتلال ينقلب على سكّان البلاد ليمارس دور القوّة الغاشمة التي تخلّص منها، لكن تحت ادّعاءات أخلاقيّة. وقد يفرض المستعمر الجديد على المغلوبين على أمرهم والمهمّشين ضرائب من نوع آخر تحت مسمّيات إصلاحيّة أو دينيّة سماويّة في الأزمنة الفائتة، وهذا في تاريخ البشريّة بشكل عام.
الأزمنة الفائتة قد يُقصد بها تلك الأزمنة البعيدة أو الماضي القريب الذي لم يشهد وسائل الإعلام الحديثة، تحديداً الإعلام الرقمي.
وهذا لا يعني أنّ كلّ ما يكتبه الأفراد أو المؤسّسات في الإعلام الرقمي في التاريخ المعاصر لا تشوبه شائبة، وإنّما يعني أنّه لم يعد هناك من يستأثر بصياغة الأحداث (تاريخيّاً)، حتى وإن كان منتصراً أو قام بترويج نيته الخالصة في الزحف المقدّس حسب رؤيته، فلم تعد هناك عزلة معرفيّة يفرضها المنتصر أو صاحب السلطة على الجماهير بلا منازع، ولم يعد هنالك يقين معرفي تام في قراءة التاريخ، وإنّما هناك محاولة لاستحضار التاريخ وفهم أبعاده.

 

الدفاع عن الماضي  أم الاعتذار عنه 
تلعب اللغة ومفرداتها دوراً كبيراً في سيكولوجيّة الجماهير حسب قناعاتها، وقد تطرّق الباحث في جامعة ستكهولم Benjamin Weber (بنجامين ويبير) الحاصل على الدكتوراه في العام 2009 لهذا الأمر من خلال تخصّصه في دراسة الحروب الصليبيّة، وركّز في دراسته على مصطلح الحملات الصليبيّة (Crusade) وتنوّعاتها في اللغات اللّاتينيّة، يقول ويبير: إنّ الكلمة كان لها وقع القداسة والدفاع عن الإيمان والعقيدة، بل والقتال من أجل الحجّ إلى الأماكن المقدّسة حين تمّ استخدامها أوّل مرّة العام 1210م، فكانت بمثابة الدفاع عن الحقّ الإلهي ونشر كلمة الله على الأرض، لكن فيما بعد أصبحت تلك الحملات مرتبطة بالغزو والتوسّع والتنكيل بسبب ممارساتها.
وهذا قد يأخذنا إلى التفكّر في الغزو العسكري، أيّاً كان مصدره وعقيدته، لا يُمكن أن يكون ملائكيّاً ناصع البياض كما يرد في كتب التاريخ والتراث.
ولعلّ هذا ما دفع الكنيسة الكاثوليكيّة في التاريخ المعاصر إلى الاعتذار العام 2000 عمّا بدر في تلك الحروب، وتحديداً من خلال كلمة ألقاها البابا John Paul II حين قال نصّاً: "الاعتراف بخطايا الماضي وانحرافاته يهدف إلى صحوة الضمائر".
وقبل الاعتذار الكنسي، قال الفيلسوف التنويري الإسكتلندي (ديفيد هيوم)  العام 1754 في المجلّد الأوّل من موسوعته تاريخ إنكلترا The History of England: "إنّ الحملات العسكريّة الصليبيّة إرث أحمق في تاريخ البشريّة".
نستدلّ هنا أنّ الاعتذار عن ماضي الأجداد ليس  شيئاً معيباً، فالماضي يخصّ من اقترفه، لهذا فإنّ الدفاع عنه ليس مهمّة الأحفاد بالوراثة، وهنا يطرح التساؤل نفسه: إن كان الماضي لا يخصّ الأحفاد، فهل ُيمكن الاعتذار عن الإرث القتالي؟ قد يكون هذا جائزاً فعلاً بل ضروريّاً كذلك، إن كان الهدف من الخطاب الاعتذاري التنصّل من أيّ أحداث دمويّة وقعت في خضمّ هذا التاريخ.
ربّما التنديد يصبح  أكثر يُسراً وأريحيّة حين يتوجّه هذا التنديد بسهامه إلى أصحاب ثقافة وعقيدة مغايرة، لكنّ المندّدين بممارسات الآخرين قد يرفضون إخضاع المنطق نفسه إلى إرث أجدادهم، بل قد يشنّون حرباً تكفيريّة تخوينيّة على أقرانهم الذين يسعون إلى سبيل القراءة التاريخيّة الحرّة من منطق أكاديمي بحت، بلا انحياز عقائدي أو أيديولوجي.
الفتح والغزو في سيكولوجيّة الجماهير العربيّة 
قبل الدخول في إشكاليّة تصنيف أحداث ماضويّة بالفتح أم الغزو، تجدر الإشارة إلى التأثيرات النفسيّة لوقعهما على المُتلقي الذي قد يرى في كلمة "فتح" عملاً بطوليّاً وفي كلمة "غزو" تدنيساً تاريخيّاً، والمتلقي المشار إليه في هذه الفقرة يُمثل العقل الجمعي للجماهير العربيّة الإسلامويّة لكن دون تعميم، لأنّ البعض قد يرى في كلمة "غزو" قيمة أخلاقيّة تحمل انتصاراً على من لا يحكم بشريعة الله، كما هي الحال في بعض التنظيمات الجهاديّة المعاصرة. 

يسعى الخطاب الإسلاموي المعاصر إلى الدفاع عن الماضي في صورته المجملة وصنع حالة يوتوبيا منه

تتباين التعريفات في بحر شاسع من المصطلحات، وتتسبّب في أزمات بين المؤرّخين أنفسهم، لكن بشكل لغوي بحت، يُعدّ الغزو (حسب معجم لسان العرب) تحرّكاً إلى القتال في عقر ديار العدو، أي إنّ الغزو  "الإغارة" قد لا ينتج عنه بالضرورة احتلال لأرض الخصم، وقد ينتج عنه نيل الغنائم، والغنائم أنواع: منها الأموال والعتاد أو الأسرى من السبايا كالنساء أو الأطفال. 
أمّا الفتح، فهو الزحف العسكري بهدف ضمّ البلاد المفتوحة إلى الدولة الفاتحة، أي إنّ هدفه توسعيّ في نهاية المطاف، وهذه التعريفات اللغويّة تسبّبت في نشوب جدال يسعى لأن ينأى بكلمة الفتوحات في تاريخ الإسلام  عن نيّة التوسّع العسكري.
ومن باب التأريخ، فهناك فتوحات تمّت غزواً، وبعضها تمّ صلحاً وليس غزواً، لكنّ حالة الصلح (أو التفاوض) تتمّ في وجود القوّة العسكريّة، وليس في غيابها، لهذا فإنّ الغرض التوسّعي، من أجل بسط النفوذ على أراضٍ محلّ النزاع  بين إمبراطوريّات مختلفة العقائد، موجود في الحالتين.

اقرأ أيضاً: هل حمى العثمانيون العالم العربي من الغزو الاستعماري الأوروبي؟
وحسب وجهة النظر العربيّة الإسلامويّة التي ورثتها الأجيال، فإنّ الفتوحات تمّت في إطارين: الأوّل هو نشر كلمة الله تعالى ودينه، والثاني تحرير الشعوب من نير احتلال آخر غاشم، حتى وإن ثارت طوائف هذه الشعوب فيما بعد ضدّ الجبايات والضرائب. 
وتعتمد وجهة النظر هذه على تقديم النوايا الحسنة للفتوحات، لكنّ النوايا لا تنفي حقيقة التوسّع العسكري للجيوش الإسلاميّة في حقب متعاقبة منذ الفتوحات الأولى حتى الدولة العثمانيّة. كما أنّ نشر دين الله الحق   وتحرير الشعوب كان جزءاً من الخطاب الكنسي كذلك في خضمّ الحروب الصليبيّة، أي إنّه بالرغم من الجذور التاريخيّة المختلفة، إلّا أنّ خطاب الخلاص هو القاسم المشترك في الحروب التوسّعيّة، الذي نتج عنه استعمار الأراضي التي تمّ الزحف نحوها.
بسبب هذه المقاربات، تُعدّ كلمة الفتوحات هي الأقرب إلى سيكولوجيّة الفكر العربي الإسلاموي المعاصر؛ لأنّها تحمل تبرئة من التوسّع الاستعماري لشعوب سبق احتلالها، فهنالك شعور بأنّ إعادة قراءة وفهم التاريخ واستحضاره بمثابة الطعن في العقائد، لهذا يسعى الخطاب الإسلاموي المعاصر إلى الدفاع عن الماضي في صورته المجملة وصنع حالة يوتوبيا منه، والإصرار على صياغته بشكل ملائكي النزعة؛ ممّا يفقده القراءة الموضوعيّة.

الصفحة الرئيسية