فرقة "صول باند" تتحدى فتاوى التحريم: سنواصل زرع الأمل في غزة

غزة

فرقة "صول باند" تتحدى فتاوى التحريم: سنواصل زرع الأمل في غزة

مشاهدة

26/11/2019

أشيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ أنّ أعضاء فرقة "صول باند" الموسيقية هاجروا قطاع غزة، متوجهين إلى تركيا. بيْد أنّ أعضاء في الفرقة أكدوا لـ "حفريات" أن سفرهم لتركيا مؤقت من أجل إنجاز أعمال فنية خاصة ببرنامجهم الموسيقي "وصلة"، وأنهم عائدون رغم الترهيب لإكمال مسيرة الفن ونشر الفرح.

اقرأ أيضاً: كيف اختلفت رؤية الفقيه والفيلسوف للموسيقى؟
وأحدث الانتقادات ضد الفرقة، التي تضم شباباً وفتيات، وتقدم أغنيات عاطفية وإنسانية ووطنية، هو هجوم الداعية سلمان الفرا عليهم، بإصداره فتوى شرعية تحرّم عمل الفرقة الموسيقية.
الفرا، الذي يشغل منصب نائب عميد الجامعة الإسلامية جنوب غزة، اتهم الفرقة الفنية بأنّها "تنتهكُ حرمات الله، بالتّرويج للتبرُّج والسفور، وتزيّنُ الاختلاطَ، وتدعُو بأفعالها إلى تمييع الشّباب، والتّشجيع على المآثم، وفعلها منكرٌ ظاهرٌ، ومنعُها واجبٌ في حقّ صاحبِ السّلطان".

مغني الفرقة حمادة نصرالله: لم نترك القطاع وسنعود قريباً لنواصل مشورانا الفني الذي بدأناه من الصفر

وأضافت الفتوى التحريمية: "التّساهلُ معهَا يفضِي إلى فسادٍ كبيرٍ، وشرٍّ مُستطيرٍ، وينتج عنهُ انحرافٌ سلوكيٌّ فكريٌّ لدى الشبابِ، وما كانت هذهِ الفرقةُ لتجاهِرَ بمخالفة موروثنا القيمي، وتعاليم الإسلام في مُجتمعنا المحافظ، لولا السّكوت أو الرضا عن أفعالها من بعض الجهات السياديّة".
فهل يعود أفراد الفرقة، وهم أربعة شبان وفتاة، لقطاع غزة، ليواصلوا مسيرتهم الفنية، ويجوبون شوارع القطاع الحزينة والمنهكة، بآلاتهم الموسيقية، ليعيدوا الأمل ونبض الحياة إلى قلوب مليوني غزّيّ، بعيداً عن الروتين اليومي الذي يعيشونه، فيعزفون ويغنون الأغاني الوطنيّة والتراثية بأساليب متجددة وجذابة، تسعد كلّ من استمع إليها؟


يقول الفنان حمادة نصر الله، مغني فرقة "صول باند"، لـ "حفريات": "نحن فرقة فنية فلسطينية، خرجت من رحم المعاناة، أردنا تسليط الضوء على الجانب الجميل في القطاع، بطريقة فنية جديدة، دون التعدي على الحريات العامة، واحترمنا كافة العادات والتقاليد".
ويؤكد: "سنواصل مشورانا الفني الذي بدأناه من الصفر لنشر الأمل والفرح. نحن لم نترك القطاع، وسنعود قريباً بعد الانتهاء من إنتاج بعض الأعمال الفنية، وسنستكمل بثّ حلقات البرنامج الثلاثين التي تمّ تصويرها في أماكن متفرقة من القطاع".

اقرأ أيضاً: مشايخ في سماء الطرب والموسيقى
وبعيداً عن الأسماء التقليدية التي ارتبطت بالفرق الموسيقية الفلسطينية، اختار الأصدقاء الشباب الموسيقيون تسمية فرقتهم الموسيقية، التي انطلقت عام 2012، باسم "صول باند"، وأصبحوا الوجه المشرق للبقعة الضيقة على الكرة الأرضية، فيما لاقت أعمالهم الفنية رواجاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الويب.
وشارك الفنانون الخمسة، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 إلى 20 عاماً، في برنامج باسم "وصلة"، يُعرض على إحدى الفضائيات الفلسطينية، يقدمون من خلاله أغاني تراثية ووطنية محافظة بطريقة جديدة، تتمّ تأديتها وتصويرها في الشوارع والمرافق العامة.

يوسف الشايب: "صول باند" فرقة تروّج للأمل والفرح وتنتصر لهما في ظلّ الحصار المفروض على قطاع غزة

ورغم إعجاب كثيرين بالطريقة التي أدّى بها الشبان الخمسة أغانيهم، في أول حلقتين من البرنامج، بعد عرضها، إلا أنّها أزعجت بعض رجال الدين المغالين في تطرفهم في قطاع غزة.
فإلى جانب الفرا؛ انتقد الداعية صالح الرقب عمل الفرقة؛ إذ قال: "هذا العمل مشين في غزة، لا يجوز للعامّة ولا الخاصّةِ التّرويجُ لهُم، ولا الاجتماعُ عليهم، ولا الاستماع لأغانيهم، ولو كانت وطنيّة، وليحذر الشبابُ من تقليدهم في فجورهم وانحلالهم، وحبُّ الأوطان لا يكونُ بالتّبرج والاختلاط المُحرّم".
وعقب فتوى التحريم المتشددة، انتشرت الآراء الناقدة لها والمندّدة بها عبر منصات التواصل الاجتماعي، كالنار في الهشيم، مشددة على أنّ أعمال فرقة "صول باند" الموسيقية تعكس الوجه المشرق لغزة، وتنتج أعمالاً جمالية تنعش من خلاها الأغاني الوطنية والثورية والتراثية من جديد.

اقرأ أيضاً: موسيقى الراي من مقاومة الاحتلال وتطرف الإسلامويين إلى التمرد على الجسد
ومن أبرز تلك التغريدات، ما نشره وزير الثقافة الفلسطيني السابق، إيهاب بسيسو، على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث قال: "تخرج فرقة موسيقية من عمق تناقضات الألم اليومي كي تعبّر عن مشهد من أمل، وإن بدا ضئيلاً، يعني أنّ غزة قلب ما يزال ينبض حياة لم تمت، وأن تختصر فرقة موسيقية الجغرافيا في نشيد وأغنية وطنية وتراثية يعني أنّ الانقسام فشل في محاصرة المستقبل، وأنّ هذا الجيل الذي يطل علينا من دروب غزة وأزقتها هو امتداد الذاكرة والتاريخ ونقيض العزلة".
مبدعون يقدمون شيئاً لا يروق لمن ناصبهم العداء

أحلام جيل جديد
وأضاف بسيسو في تغريدته: "أن تعبّر فرقة موسيقية عن أحلام جيل جديد باللحن والإيقاع والغناء يعني أنّ الجدار الذي شُيد من مكعبات العتمة تصدّع ويتصدع، ويتفتت عند إصرار الجيل الجديد في غزة على التحليق في فضاء الإبداع، ففرقة "صول" الغزية الفلسطينية تقدّم نموذجاً جديداً لروح العنقاء التي تنتقل في الزمن الفلسطيني جيلاً بعد جيل".
ووجّه وزير الثقافة السابق رسالة لمصدري الفتوى، قال فيها: "للذين يخشون من الموسيقى وإبداع الكلمة، عليكم قراءة التاريخ مرة أخرى من زاوية أكثر رحابة، زاوية تنتصر للحرية وتنتصر للرواية والحقّ في التعبير، لقد صانت الموسيقى والكلمة وفرشاة الألوان ملامح الوطن جيلاً بعد جيل، وشكلت رافعة أساسية للحكاية الفلسطينية في مواجهة الأزمنة".

اقرأ أيضاً: مواجهة عبر الموسيقى بين التشدد والاعتدال
وشدّد بسيسو في رسالته على أنّه "لا يمكن لأيّة فرقة موسيقية أو أيّ مبدع أو مبدعة في مختلف المجالات أن يكونوا سبباً لهزيمة فكرية، كما قد يظنّ البعض"، مشيراً إلى أنّ "الانتصار للإبداع يعني الانتصار للحرية والانتصار للغد والانتصار لفكرة الحياة".
واختتم وزير الثقافة رسالته قائلاً: "الأفكار لا تموت وإن حوصرت، بل تزداد تحليقاً في الأفئدة".
الترويج للأمل والفرح
من جهته، يقول الصحفي والناقد يوسف الشايب مدير تحرير منصة الاستقلال الثقافية في تصريح لـ "حفريات": "(صول باند) فرقة تروّج للأمل والفرح، وتنتصر لهما في ظلّ الحصار المفروض على قطاع غزة، منها الحصار الجغرافي بفعل الاحتلال، والحصار الاجتماعي السائد، فهم مبدعون يقدمون شيئاً لا يروق لمن ناصبهم العداء على اعتبار أنّ مصدّري الفتاوى، وغيرها يرتعبون من ثقافة الحياة والأمل".

وزير الثقافة السابق إيهاب بسيسو: للذين يخشون من الموسيقى وإبداع الكلمة عليكم قراءة التاريخ من زاوية أكثر رحابة

ويضيف: "صدور فتاوى بحقّ فرقة "صول باند" لا يخرج عن إطار ذلك الجو في غزة، الذي يعادي الثقافة بذرائع وتوصيفات عامة كالتبرج والاختلاط، وهذه كغيرها من الفتاوى المشابهة تحريض على القتل أيضاً".
ويشاطر الشايبَ رأيه، الروائي والأديبُ الفلسطيني، شفيق التلولي، الذي أبلغ "حفريات" أنّ "الفنّ أحد عوامل نهضة الشعوب، ويشكّل رافعة مهمة للمجتمع ويسهم في بناء الإنسان، وما يقدمه الفن من خلال الموسيقى يثري المشهد الثقافي، فهي لغة متعارف عليها في شتى أنحاء العالم على اختلاف لغات البشرية ولهجاتها، ويشكل الهوية على مستوى إظهار الذات الفلسطينية، وكذلك فإنّه يحدّ من التطرف والتوحش ويعزز قيم المحبة والتسامح والسلام خاصّة في ظلّ تمدّد الأفكار المتشددة".
كسر الحصار بالموسيقى
ويؤكد التلولي أنّ "الموسيقى أحد أهم وأبرز ملامح الحضارة التي صاغها الفنانون بإبداعهم، وقدموا لوحات غنائية تحاكي قضايا شعوبهم، وهي ترجمة حقيقية للكلمة التي تشكل النضال الوطني، وفرقة "صول باند" عملت على تقديم هذا الشكل، ومارست دورها في الفعل الثقافي بالفنّ الذي يعدّ أحد ألوان النضال الذي يحرّر الإنسان من الاحتلال، ويكسر الحصار بالأغنية والموسيقى".

اقرأ أيضاً: كيف تساهم الموسيقى في تجاوز البؤس الدنيوي؟
ويشير التلولي إلى أنّ محاولة مسّ وتشويه صورة فرقة "صور باند" الفنية، عبر فتوى بتحريمها واستثارة المجتمع حولها بدعاوى دينية يصبّ في إطار تعزيز ثقافة الجهل والتطرف، ويحدّ من دور الثقافة في النضال الوطني الفلسطيني، لافتاً إلى أنّ ذلك سقطة لا بدّ من الوقوف في وجهها، وعدم السماح بتكرارها.
ويشدّد على وجوب دعم الجهات المعنية لفرقة "صول باند"، ورفض مثل هذه الفتاوى، والعمل على كبح جماحها.
الموسيقى أحد أهم وأبرز ملامح الحضارة التي صاغها الفنانون بإبداعهم

نشر الفتنة
قانونياً، يرى الحقوقي أحمد شبير، أنّ تلك الفتاوى من شأنها نشر الفتنة بين الناس، وتسويق أفكار متطرفة في القطاع، وهي دعوة لمحاربة الفنّ والفنانين، وتوجيه العداء للفرق الموسيقية، لافتاً إلى أنّ الفتوى قد تدفع لأفعال خطيرة مقبلة قد تبيح التعرض لأعضاء الفرقة مما يخلق خطراً على حياتهم.
ويوضح شبير لـ "حفريات": "الهدف من تلك الفتاوى هو توظيف السياسة في كافة القضايا، وفرض آراء ومعتقدات ليس لها وجود، فتلك الفرقة الفنية تعمل بشكل رسمي، وحاصلة على موافقات من المكتب الإعلامي الحكومي في غزة للتصوير في المرافق العامة، والقانون الفلسطيني لم يحظر الغناء في تلك الأماكن، وفعل ذلك لا يعدّ منافياً للشريعة، كما ادّعى مطلقو الفتاوى".


الصفحة الرئيسية