قاسم أمين.. تحولات في قراءة واقع المرأة

2678
عدد القراءات

2019-01-31

في أواخر القرن التاسع عشر؛ كان هناك إجماع من قبل النخب المثقفة في العالم الإسلامي على واقع التخلف الذي تعيشه الأمة وضرورة تجاوزه، وإجماع موازٍ على أنّ الإسلام ليس نقيضاً للتمدّن، وأنّ التأخّر والانحطاط واقع دخيل، أما سبل تخطّي هذا التأخر فقد اختلفت اختلافاً بيّناً.

اقرأ أيضاً: محمد عبده... النهضة الفكرية والإصلاح المتدرج
ورغم ذلك، فقد كان أشدّهم تأثيراً على معاصريه هو الإمام محمد عبده؛ الذي انطلقت من مدرسته الخصبة اجتهادات متباينة، منها ما انشغل بتكريس الثوابت الإسلامية، التي رفض الإمام المساومة عليها، ومنها ما انخرط في دعم إصلاحاته الاجتماعية، التي أراد لها الإمام أن تصبح شرارة الثورة على الجمود والتقليد، لتصبح نقطة انطلاق في التأصيل لعملية تحديث اجتماعي علمانية.
الإمام محمد عبده

نزاع على إرث محمد عبده
ينطوي فكر محمد عبده، إضافة إلى ردوده الدفاعية عن الإسلام، التي استغرقته جزئياً، ومنعته من تطوير آرائه، على توتر بين حقيقة الإسلام كتعبير عما أراده الله تعالى لحياة الإنسان، وبين المدنية الحديثة الآخذة في التغلغل في المجتمعات الإسلامية، كما يشير ألبرت حوراني، في كتابه "الفكر العربي في عصر النهضة"، وسواء في تأملاته الهادئة، أم في سجالاته الدفاعية، أراد محمد عبده البرهنة على أنّ الإسلام الحقيقي (المحدد في ذهنه بالاجتهادات العقلانية للمتكلمين الأوائل) لا يناقض التمدن بل يفترضه، وهو بتعاليمه الجليلة يمثّل مهمازاً في خاصرة المسلمين تدفعهم للأعمال العظيمة، أو بالأحرى يدفعهم دفعاً للمدنيّة".

سواء في تأملاته الهادئة أم في سجالاته الدفاعية أراد محمد عبده البرهنة على أنّ الإسلام الحقيقي لا يناقض التمدن بل يفترضه

انخرط الإمام في تحليل دقيق لتعاليم الإسلام الاجتماعية، بهدف إبراز (وتأويل) طابعها التقدمي، لكنه مع ذلك، وبسبب تبحره في العلوم الشرعية، ولانطلاقه بهَدي منها، لم يعتقد أنّ بين الإسلام والمدنية توافقاً؛ بل على النقيض من ذلك؛ لم يرَ أنّ الإسلام مطالب بإعطاء شرعية لكلّ مظاهر الحياة الحديثة التي لها مثالبها أيضاً، فضلاً عن أن افتراض التماهي التام بين الإسلام والمدنية لن يسفر سوى عن ضياع جوهر الإسلام؛ عبر التخلي عن ثوابته العقيدية والتشريعية والأخلاقية، التي تشكل قوامه كدين، ويفقده دوره الأكثر أهمية في أن يكون رقيباً أخلاقياً على المدنيّة.

اقرأ أيضاً: بين محمد عبده وفرح أنطون.. ما تبقى من سجالات النهضة المُجهضة
هذا الوعي الحاد بالتمايز بين الإسلام كمبادئ عليا وكتقليد تاريخي، لم ينتقل إلى تلاميذه، الذين انخرطوا في مساراتٍ متباينة، بها يختلّ التوازن الدقيق الذي وضعه محمد عبده بين الإسلام والمدنية، ويظهر ذلك جلياً مع الدفاع الحماسي عن الإسلام، باعتباره مرادفاً لـ "التقدم العلمي" عند محمد فريد وجدي، ومع التشديد على ثوابت الإسلام التي لا يمكن المساومة بشأنها مع رشيد رضا، ومع مشروعية التغيير الاجتماعي برسم الإصلاح كما لدى قاسم أمين، قبل أن ينحاز تماماً للمدنية.
قاسم أمين ردا على داركور
في كتابه الأول "المصريون: ردّاً على الدوق داركور" انشغل قاسم أمين بتبرير وتمجيد وضع المرأة في الحضارة العربية الإسلامية، ووضعها كذلك في الشريعة الإسلامية، وبالدفاع غير المشروط عن وضع المرأة في المجتمع المصري، ومثل كلّ طرحٍ سجاليّ لا يرمي لفهم الواقع الاجتماعي ولا إلى تغييره، انصب اهتمام أمين على تفنيد ادعاءات الدوق داركور بشأن "الوضع المزري للمرأة في الحضارة العربية الإسلامية، والقيود التي تحاصرها بها الشريعة، التي هي بمثابة معادل قانوني للعقوبات الجنائية في الغرب إزاء (الأشرار)".

اقرأ أيضاً: مذكرات محمد عبده.. كيف ودّع رائد التنوير كراهية العلم؟

وهي ادعاءات تنهل عموماً من أدبيات الاستشراق الاستعماري التي "عمّمت الصورة النمطية للنساء المسلمات على أنهنّ مستعبدات في مؤسسة الحريم، ومحرومات من الحرية مقارنة بالنساء المسيحيات" كما يشير جوزيف مسعد في كتابه "الإسلام والليبرالية" (2017).

يحاجج أمين في "المصريون"؛ بأنّ المرأة في مصر، وفي الشرق، وفي الإسلام، مساوية "مساواة تامة ومطلقة" للرجل، ولأنّ هدف الكتاب هو "الرد على" وليس مجرد معالجة موضوعية لواقع اجتماعي معين؛ فإن أمين يلجأ لعقد "مقارنة حضارية" بين الوضعين: التشريعي والاجتماعي للمرأة المسلمة والمرأة الغربية، فيلحّ على أن المرأة المسلمة تحظى بامتياز "الحق المدني" في الملكية والبيع والشراء والرهن والتقاضي والإدارة، على عكس المرأة الفرنسية، التي تفتقر إلى هذا الامتياز؛ فليس لها حق التملك أو البيع أو الشراء إلا بإذن زوجها.

كتاب "تحرير المرأة" لقاسم أمين

خطوة نحو التحرير

مثل الإمام محمد عبده؛ انطلق قاسم أمين في "تحرير المرأة" من الإجماع السائد على "تأخر المسلمين"، لكنّ الجديد الذي أتى به يكمن في تأكيده على أنّ الأمة الإسلامية أضعف من أن تجابه الضغوط التي تشد عليها من مختلف الجهات، وإذا بقيت على ضعفها فلن تتمكن من البقاء في عالم تسوده قوانين "الانتقاء الطبيعي"، وهكذا تطلّ "الدارونية الاجتماعية" برأسها من بين سطور أمين، وهكذا يؤسس، ولو جزئياً، لطريقة في التفكير تستبعد "العودة إلى الأصل" تمهيداً للانخراط في علمنة مأمولة.

في خطوة واحدة انتقل أمين من الدفاع التبريري عن وضع المرأة في مواجهة العنصرية الاستشراقية لنقد الوضع ومحاولة إصلاحه

يحصر أمين أسباب تدهور الأمة في "زوال القيم" الذي تسبّب به الجهل، الجهل بالعلوم التي يمكن من خلالها استنباط قوانين السعادة البشرية، الجهل الذي يبدأ في العائلة التي هي أساس المجتمع، وهكذا ينوط بالمرأة إصلاح "أخلاق الأمة" عبر إصلاحها "أخلاق العائلة"، لكنّ المرأة في البلدان الإسلامية، وفقه، لا تحصل على التربية اللازمة لإنشاء عائلة حقيقية، ولا تتمتع بالحرية والمكانة اللازمين للقيام بدورها، وعليه يصبح "تحرير المرأة" ضرورة سياسية للنهوض الشامل بالأمة.

ويرى أمين أنّ "الشريعة الإسلامية هي أول قانون ساوى بين المرأة بالرجل..". ويمركز قضية المرأة كجوهر للقضية الاجتماعية برمتها، وعلاجه المقترح بصدد هذا يكمن في التربية والتثقيف، إلا أنّه، خضوعاً لمحاذير ذلك الزمان، لا يدعو إلى أن تُثقف المرأة تثقيفاً عالياً كالرجل، وإنّما نادى بألّا يقلّ تحصيلها عن التعليم الابتدائي، لتتمكن من إدارة أسرتها، وأن تلعب دوراً في المجتمع.

وبحسّه العملي؛ أدرك أمين أنّ مجرد تعليم المرأة وتثقيفها لا يكفل لها التحرر، فدعا لإعداد المرأة للعمل بقصد كسب رزقها؛ إذ في العمل تكمن الضمانة الوحيدة لحقوق المرأة؛ فما لم تكن المرأة قادرة على إعالة نفسها، تبقى تحت رحمة الرجل بصرف النظر عن حقوقها (الإسمية) المعطاة من قبل الشريعة.

اقرأ أيضاً: حبيب جرجس: نظير محمد عبده في المسيحية المصرية

ومع عادة "مكوث المرأة في المنزل"؛ يلجا أمين إلى الإمام محمد عبده الذي أشار إلى أن الآية القرآنية القائلة: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ موجّهة صراحة إلى نساء النبي محمد، صلّى الله عليه وسلّم، وبما أنّه لا يوجد نصّ صريح في المسألة يجب تقرير الأمر، وفقاً للخير العام الذي سيعطيه أمين تحديداً خاصاً؛ فللمكوث في المنزل، أو ما يعرف بـ "الخدر"، وفق أمين، "مضار اجتماعية وشرور؛ فهو يمنع المرأة من أن تصبح كائناً كاملاً؛ إذ إنّ المرأة لا تكون كاملة ما لم تتصرف بنفسها، وتتمتع بالحرية التي منحتها إياها الشريعة والطبيعة، كما أنّ طبيعة الخدر نفسها تقوم على عدم ثقة الرجل في المرأة، فهو لا يحترمها حين يقفل عليها الأبواب، لظنّه أنها ناقصة إنسانياً؛ لقد جرّدها من مزاياها الإنسانية، وحصر وظيفتها في أمر واحد: تمتّعه بجسدها".

خاتمة للتحولات المفاجئة

في "تحرير المرأة"؛ أنجز أمين انقلاباً حقيقياً على أطروحته في "المصريون"، لكن ليس فيما يتعلق بالموقف من المرأة، بمعنى الانتقال من موقف العداء لها إلى موقف الانتصار لها، بل كان انقلاباً في تقييم وضع المرأة، كما يقول جورج طرابيشي.

يحصر أمين أسباب تدهور الأمة بزوال القيم الذي تسبّب به الجهل بالعلوم التي يمكن من خلالها استنباط قوانين السعادة البشرية

كان أمين تابعاً، بالنقيض، للاستنتاجات الاستشراقية، فقدم تبريراً لوضع المرأة في المجتمع الإسلامي، إلا أنه بمجرد تخلصه من الضغط الاستشراقي ومعالجته للوضع، اعتمد على المنجز الإصلاحي للإمام محمد عبده في مجال الفتوى، واستعمل إستراتيجيته في مخاطبة الجمهور، عبر الاستعانة بالقرآن الكريم والأحاديث النبوية لتدعيم آرائه.
كما خضع مثل الإمام إلى محاذير عصره وضغوط الثقافة المحافظة مع فتح ثغرات بها، لكنه، ومع عاصفة الرفض والغضب التي أثارها كتابه، أصبح غير مكترث بالمرة بهذه الإستراتيجية المهادنة؛ فوظّف كتابه الثاني "المرأة الجديدة" 1900 للردّ على مهاجميه، متخلياً تماماً عن لغته الفقهية وإصلاحه الشرعي المتدرج، ليصبح مستنداً إلى منجزات الفكر الاجتماعي في الغرب، وميراث عصر التنوير الأوروبي، ومفاهيمه من الحرية والعدل والعقلانية، معتمداً بشكل أخص على الفيلسوف هربرت سبنسر.

أطروحة "مصريون"

في "المرأة الجديدة"؛ أطلق أمين صرخته، التي تمثل الجوهر الصلب لأطروحته الجديدة والمختلفة كلياً عن "تحرير المرأة": "الحرية أساس التقدم البشري، وحرية المرأة أساس كل الحريات الأخرى؛ فعندما تكون المرأة حرة يكون المواطن حراً".
في خطوة واحدة؛ انتقل قاسم أمين من الدفاع التبريري عن وضع المرأة في مواجهة العنصرية الاستشراقية، إلى نقد الوضع ومحاولة إصلاحه، وفي خطوة أخرى انتقل من الإصلاح إلى التغيير، انتقل من "نقيض دار كور" إلى مُطبّق لفكر محمد عبده، إلى مستلهم للفيلسوف هربرت سبنسر، وأجبره الاستشراق على أن يصبح رجعياً، وأجبره الأمل على أن يصبح فقيهاً، وأخرجه الغضب من عباءة الفقه، ليفتتح عصراً جديداً؛ عصراً لا يقال فيه نصف الكلام.

اقرأ المزيد...

الوسوم: