قطر وحزب الله… حين تخدم الدبلوماسية التطرف

قطر وحزب الله… حين تخدم الدبلوماسية التطرف

مشاهدة

12/08/2020

محمد منصور

على مدار محطات عديدة، تكشفت رويداً رويداً، خيوط تواجد حزب الله اللبناني، داخل المجتمع الأوروبي بشكل عام، والمجتمع الألماني بشكل خاص، وهو تواجد، امتزج مع الدور القطري (بشقيه الدبلوماسي والمالي)، ومع أنشطة تراوحت بين المخدرات وغسيل الأموال، وصولاً إلى المواد المتفجرة والأسلحة الواردة من أوروبا الشرقية لصالح الحزب.

وقد أفضت هذه المحطات في النهاية، إلى توصية البرلمان الألماني، في ديسمبر الماضي، بحظر الجناح المسلح للحزب في عموم الأراضي الألمانية، وهو ما تم فعلاً أواخر أبريل 2020. إلا أن خلفيات نشاط حزب الله في أوروبا، مازالت تتكشف دورياً، وأخرها كان دور السفير القطري في بروكسل (عبد الرحمن بن محمد سليمان الخليفي)، في دعم نشاط الحزب، وإفشال أية محاولات رفع الغطاء عن هذا النشاط.

قرار برلين، بحظر الجناح المسلح للحزب، جاء لأسباب عديدة، وبناء على معلومات استخباراتية، جمعها على مدار السنوات الماضية، جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني، المعروف أيضاُ باسم (الهيئة الاتحادية لحماية الدستور)، لكن نستطيع أن نعتبر عثور أجهزة الأمن الألمانية، على كميات من مادة “نترات الأمونيوم”، بأحد المخازن جنوبي البلاد، في أبريل الماضي، بمثابة الشرارة التي أفضت إلى هذا القرار. العثور على هذا المخزن، بجانب ما تم التحصل عليه من معلومات، بعد مداهمة عدد كبير من المكاتب والجمعيات المشتبه بها، تم بناء على معلومات نقلها جهاز الموساد الإسرائيلي إلى جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني، وذلك حسب ما بثته القناة الثانية عشر الإسرائيلية، التي أشارت أيضاً إلى أن هذه المعلومات، تضمنت تفاصيل حول نشاط عدد من رجال الأعمال اللبنانيين، ساهموا في غسيل ونقل الأموال، إلى حسابات بنكية ألمانية تابعة للحزب، تم استخدامها في تمويل أنشطة الحزب في البلاد.

المعلومات التي نقلها الموساد إلى الأجهزة الألمانية، تقاطعت مع المعلومات التي جمعها جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني، الذي أصدر أوائل العام الجاري، تقريراً مبدئيا، رصد في طبيعة أنشطة حزب الله على الأراضي الألمانية، وأفاد فيه، ان أعداداً كبيرة من منتسبي هذا الحزب، وصلت إلى الأراضي الألمانية، منذ عام 2015، تحت ستار طلبات اللجوء، وواجهات أخرى مثل العمل والدراسة، وانضمت هذه الأعداد، إلى منتسبي الحزب المتواجدين فعلا في ألمانيا، وشكلوا ما يشبه (شبكة لتوفير الدعم المالي واللوجيستي) لأنشطة الحزب في أوروبا.

وقد توافقت المعلومات التي وردت في هذا التقرير، مع معلومات أخرى وردت في تقارير لفروع جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني في عدد من الولايات، ومنها ولاية شمال الراين وستفاليا، وهي من أكبر الولايات الألمانية من حيث الكثافة السكانية، حيث أفاد فرع جهاز الاستخبارات فيها، أن عدد منتسبي حزب الله على أراضي الولاية، وصل عام 2018، إلى مائة وعشرة أشخاص، يتخذون من مركز إسلامي يسمى (الإمام المهدي)، يقع في ضواحي مدينة (مونستر)، نقطة تلاقي وانطلاق، لممارسة أنشطتهم، التي تشمل مدن رئيسية أخرى في الولاية، منها دورتموند وبوتروب.

في يونيو الماضي، صدر في فرنسا كتاب من أهم الكتب التي تناولت الدور القطري في تمويل أنشطة الجماعات المسلحة، ومنها حزب الله، في أوروبا، وهو كتاب (أوراق قطر – كيف تمول الإمارة الإسلام السياسي في فرنسا وأوروبا)، للصحفيين الفرنسيين جورج مالبرونوت وكريستيان شيسن، وهو مؤلف من 295 صفحة، يقدم دلائل ووثائق على تدفق مبالغ كبيرة من الأموال القطرية إلى قادة وأفراد عدد من الجماعات الأصولية والمسلحة، منها جماعة الإخوان المسلمين، بهدف تمويل مشاريعهم في جميع أنحاء أوروبا.

من ضمن المعلومات التي تضمنها هذا الكتاب، تفاصيل حول دور “مؤسسة قطر الخيرية”، في دعم أنشطة الجماعات الأصولية في عدد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا، فقد موّلت المؤسسة القطرية الحكومية، نحو 140 مسجدًا ومركزاً إسلامياً، في عموم أوروبا، يسيطر عليها منتسبي التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، وذلك بمبالغ مالية تعدت ال 70 مليون يورو، تحت ستار تقديم إعانات نقدية وعينية لغير القادرين، من ضمن هذه المشاريع، تمويل عشرة مشروعات خيرية وخدمية رئيسية في عموم الأراضي الألمانية، علماً أن النشاط الاقتصادي القطري في ألمانيا، بلغ حجمه حسب السفير الحالي في برلين، محمد جهام الكواري، 25 مليار يورو، وتتخذه الدوحة ستاراً لأنشطتها الداعمة للجماعات الأصولية على الأراضي الألمانية،

وقد أشارت التقارير الصحفية الألمانية، ومنها تقرير لصحيفة “شتوتغارتر تسايتونغ”، إلى أن هذه المؤسسة ضخت عام 2016، نحو خمسة ملايين يورو، لتمويل عدد من المشاريع، في مدن ألمانية رئيسية كبرلين وميونيخ، وقد تضمنت هذه المبالغ، تمويل أنشطة المراكز الإسلامية، التي باتت العلاقة بينها وبين هذه المؤسسة مباشرة، لدرجة أن طلب التمويل يتم بصورة مباشرة، من خلال خطابات يرسلها مدراء هذه المراكز، إلى رئيس المؤسسة.

هذه المعلومات تم تأكيدها بصورة قطعية، عبر سلسلة من الوثائق المسربة، نشرتها صحيفة (اليوم السابع) المصرية، في يونيو 2019، وقد تضمنت هذه المستندات، تأكيداً على إشراف السفارة القطرية في برلين، على أنشطة مؤسسة قطر الخيرية، في تمويل شراء أحد المساجد، لصالح جمعية خيرية أردنية.

بالإضافة إلى ما سبق، تناول الكتاب أيضاً، الدور القطري في تمويل بعض المتاحف والفعاليات الثقافية الأوروبية، من أجل الترويج لجماعة الإخوان، مثل متحف (Civilisations de l’Islam)، الذي يعرض مواد تروج للإخوان المسلمين، وقد تلقت هذه المتاحف ما مجموعه مليون نصف مليون دولار من قطر. هذا النهج كان جزء من استراتيجية عامة اتبعتها قطر، من أجل دعم وتحسين صورة الجماعة في أوروبا.

كشفت سلسلة من التحقيقات الصحفية، التي نشرتها عدة صحف وقنوات إخبارية، منها الصحف الألمانية (دي تسايت)، و(برلينر تسايتونج) ومجلة (شتيرن)، بجانب صحيفة (جيروزاليم بوست) الإسرائيلية، وقناة (فوكس) الأمريكية، عن دور السفير القطري في بروكسل وحلف شمال الأطلسي “عبد الرحمن بن محمد سليمان الخليفي”، في دعم أنشطة حزب الله في ألمانيا وبلجيكا، والتغطية على محاولات كشف هذا النشاط للعلن.

صحيفة (دي تسايت) الألمانية، سلطت الضوء على دور الخليفي، الذي كان سابقاً سفيراً للدوحة في الولايات المتحدة وألمانيا، إلى أن تم تعيينه في مايو 2017، سفيراً في بلجيكا، في التفاوض عبر وسيط، مع أحد عملاء الاستخبارات الغربية، الذي عمل سابقاً على الأراضي القطرية، وتحصل على معلومات سرية، حول صفقات السلاح، التي أبرمتها الدوحة، مع بعض دول أوروبا الشرقية، لصالح عدد من الجماعات المسلحة، وعلى رأسها حزب الله.

عميل الاستخبارات، الذي تمت الإشارة له في تقرير الصحيفة باسم “جيسون جي”، حاول أواخر عام 2017، مساومة القطريين، وابتزازهم للحصول على أموال طائلة، مقابل عدم كشفه عن المعلومات التي توصل إليها، والتي أشارت الصحيفة الألمانية، أنها تؤكد شخصيات في العائلة المالكة في الدوحة، في تسليح عشرات المنظمات الأصولية والتكفيرية، خاصة وأن من ضمن المعلومات التي اطلعت الصحيفة عليها، قوائم بالتبرعات والمبالغ النقدية، التي تم إرسالها إلى مؤسسات وأشخاص مرتبطين بحزب الله، بواسطة بعض المسئولين في الحكومة القطرية، وسفاراتها في أوروبا، وذلك عبر جمعيتين قطريتين، هما جمعية الشيخ عيد بن محمد آل ثاني الخيرية، ومؤسسة (التعليم فوق الجميع).

وهنا جاء دور السفير الخليفي، الذي قاد عملية التفاوض بين قطر والعميل الاستخباراتي، وذلك عبر إشرافه على فريق من الدبلوماسيين القطريين، الذين اجتمعوا عدة مرات مع العميل، للتفاوض معه، وذلك بمشاركة شخص ألماني يدعى (ميشيل أينكر)، يشغل منصب رئيس مجلس إدارة شركة (يوروكوم)، للاستشارات القانونية، صاحبة التاريخ الطويل، من العلاقات مع الحكومة القطرية. أينكر، الذي يتمتع بعلاقات صداقة شخصية مع السفير القطري الخليفي، كان بمثابة الوسيط بين القطريين والعميل الاستخباراتي، الذي أمتلك ملفاً قدرت صحيفة (جيروزاليم بوست) الإسرائيلية قيمته، بنحو عشرة ملايين يورو.

منتصف عام 2019، وبعد مفاوضات مضنية، توصلت الأطراف المتفاوضة، إلى تفاهم يعمل بموجبه العميل جايسون، مستشاراً للحكومة القطرية، براتب شهري قدره عشرة آلاف يورو، مع التزام القطريين بعدم ملاحقة العميل قضائياً، وذلك كله مقابل التزامه الصمت حيال ما توصل إليه من معلومات. الصحيفة الإسرائيلية أشارت إلى أن العميل تلقي خلال أشهر المفاوضات مبالغ مالية تعدت مائة ألف يورو، وتلقى خلال عام 2019، عدة تحويلات مالية مباشرة من قطر.

لم يتم تفعيل هذا الاتفاق، وحاول السفير القطري الخليفي، مطلع العام الجاري، أن يغري العميل، بمبلغ يصل إلى 750 ألف يورو، الا أن جيسون، الذي يعلم تماماً قيمة الملف الذي توصل إليه، رفض بشكل قاطع، في مايو الماضي، هذا العرض، وأبلغ الصحافة بما توصل إليه من معلومات، وبتفاصيل عملية التفاوض معه منذ بدايتها.

جدير بالذكر أن الوثائق التي كشفت عنها سابقاً صحيفة اليوم السابع المصرية، تضمنت تمويلاً قطرياً، لعدد من المؤسسات المشبوهة، في بلجيكا، من بينها تخصيص مبلغ 104206 يورو، لتدشين مركز (جينيراسيون) للتربية والتعليم.

عن "صحيفة المرصد"

الصفحة الرئيسية