هل تمثل كوريا الجنوبية ملاذاً بديلاً لجماعة الإخوان المسلمين؟

10986
عدد القراءات

2019-03-12

يقع الجامع الكبير "مسجد سيؤول المركزي" في منطقة "إيتوان"، ويطل على شرق العاصمة الكورية الجنوبية، تزدان جدرانه بفسيفساء على الطراز الإسلامي العريق، يقع في جواره ملحق المدرسة الإسلامية، وتنتشر حوله المطاعم التي تقدم اللحم الحلال.

اقرأ أيضاً: ماليزيا ترحّل 6 أشخاص.. ما علاقة جماعة الإخوان؟!
كانت الحالة الدينية في المسجد وما حوله تبدو طبيعية، حتى رصدت تغيرات في الخطاب الديني فيه، من نقد بعض المشايخ للباس النساء، فضلاً عن خشية الشعب الكوري من تنامي التشدد مع تزايد أعداد المهاجرين، خاصة بعد إلقاء الشرطة القبض على "داعشي" هارب من العراق.

الهجرة إلى سيؤول

تعرضت عناصر من جماعة الإخوان المسلمين في السودان، لتضييق من السلطات هناك، فضلاً عن دخولهم في مشاكل تنظيمية مع جبهات مختلفة داخل التنظيم، فلجأوا للحصول على لجوء سياسي إلى عدة دول وكان على قائمة أولوياتهم كوريا الجنوبية.

يبلغ تعداد الجالية المصرية في كوريا الجنوبية 10 آلاف، مكّنها ذلك الرقم لاحتلال الترتيب الثاني في نسبة الجاليات الأجنبية في البلاد حالياً، وفق ما أوردت صحيفة "اليوم السابع" المصرية.

مسجد سيؤول المركزي

ويذكر أنّ السلطات التركية قد ألقت القبض في نهاية العام الماضي على عدد من عناصر الإخوان المنتهية إقامتهم في تركيا، فيما بدأت العناصر الأخرى التي أوشكت إقامتهم على الانتهاء، أو يتعرضون لضوائق حياتية ومادية، في الحديث على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، عن البحث عن وجود دول تعد ملاذاً آمناً لهم، لا يتعرضون فيه لما تعرضوا له في تركيا وماليزيا، وهنا ظهرت كوريا الجنوبية كإحدى الدول المرشحة للهجرة.

لم يواجه الإسلام والمسلمون أي مصاعب في كوريا فهم ودودون ومقاربون للعرب والمسلمين في الكثير من العادات

وبحسب الخارجية الكورية الجنوبية، فإنّ طلبات اللجوء السياسي المنهمرة على سفارتها، وخاصة القادمة من المصريين المقيمين في مصر أو في دول أخرى كتركيا والسودان واليمن قد بلغت هذا العام مستوى لم تشهده من قبل.
ووفقاً لوزارة العدل، فقد قام 276 شخصاً بتقديم طلبات لجوء في كوريا الجنوبية بين كانون الثاني (يناير) وأيار (مايو) من العام الماضي، وكان من بينهم 112 مصرياً في العشرينيات والثلاثينيات من عمرهم، ومعظمهم لم تكن لديهم خبرة سابقة بزيارة بلدان أجنبية.

اقرأ أيضاً: شكوى للأمم المتحدة ضد تركيا بسبب جماعة الإخوان
ومنذ العام 1994، حين بدأت الحكومة الكورية الجنوبية في تلقي طلبات اللاجئين، وحتى عام 2017، قدم حوالي 4344 مصرياً طلبات لجوء في كوريا الجنوبية، في حين بلغ عدد طلبات الباكستانيين 4268 طلباً، والصينيين (3639) فقط.
العام 2018 كان حوالي نصف طالبي اللجوء من المصريين

من يستهدف كوريا؟
جاءت غالبية طلبات اللجوء إلى كوريا، وفق مصادر، من عناصر منتمية إلى جماعة الإخوان المسلمين، ادّعوا تعرضهم لاضطهاد على خلفية سياسية أو دينية، كما حمل البعض منهم صوراً ضوئية لمحاضر شرطية أو تحقيقات نيابية أجريت معهم في أوقات سابقة.
وقال مسؤول في قسم الهجرة بمطار "إنتشون" الدولي في كوريا، إنّ الكثير ممن يتقدمون لطلبات اللجوء، يقدمون مستندات مزيفة تظهر أنّهم يواجهون محاكمات في مصر لانتمائهم لجماعة الإخوان المحظورة، مشيراً إلى أنّ مراجعة كل هذه الوثائق مكلفة من ناحية الموارد البشرية ومن الناحية المادية.

صرح نائب المرشد العام للإخوان رشاد بيومي عام 2012 بأنّه يرغب في تقوية التعاون مع كوريا الجنوبية

ومع ازدياد شدة الطلبات، ألغت السلطات الكورية الجنوبية، سياسة إعفاء المصريين من الفيزا ابتداءً من شهر تشرين الأول (أكتوبر) العام الماضي، كما قررت وزارة العدل طلب الحصول على "تأشيرة مسبقة" لدخول البلاد من حملة جوازات السفر المصرية.

وقال مسؤول حكومي كوري، لصحيفة  The Dong-A Ilbo الكورية الجنوبية العريقة: "العام 2018 كان حوالي نصف طالبي اللجوء من المصريين. إذا استمر هذا الوضع ستخرج الأمور عن السيطرة، لذا قررنا تغيير السياسة الحالية".
لم تبد السلطات المصرية تبرّمها من تلك الخطوة، مع أنّ لديها حق المعاملة بالمثل، في إشارة إلى إدراكها استغلال الجماعة المتطرفة الاتفاقية بين البلدين، والتي تقضي بتسهيل السفر للدولتين دون تأشيرة لمدة 30 يوماً، يمكن بعدها كسر التأشيرة وإحراج الدولة المضيفة بطلبات اللجوء السياسي.

اقرأ أيضاً: المدارس التابعة لـ "الإخوان": هذه تبعات صدمة الهزيمة
تبع ذلك احتجاز السلطات الكورية الجنوبية، مجموعة من شباب الإخوان الهاربين إليها منذ شهر آب (أغسطس) 2013، كان من بينهم، أحمد المقدم، المحكوم عليه من المحاكم المصرية بأحكام تصل للمؤبد على خلفية مشاركته في عمليات إرهاب وقعت في مصر إبان ثورة 30 يونيو، والتي أطاحت بحكم جماعة الإخوان المسلمين.
وكانت السلطات الكورية الجنوبية التي ألمحت إلى عزمها ترحيل "المقدم"، قد رفضت طلباً مقدماً منه باللجوء السياسي، بعد ما فرّ من مصر إلى السودان ومنها إلى كوريا الجنوبية.
وقال محللون، بعد أن مر الكوريون الجنوبيون بأزمة اللاجئين اليمنيين في جزيرة "جيجو" السياحية أقصى جنوبي البلاد، اتَّخذت وزارة العدل مثل هذا الإجراء لاستباق القضايا المماثلة المتعلقة باللاجئين.
كما أدرجت كوريا الجنوبية اليمنيين ضمن المواطنين الذين يشترط حصولهم على فيزا مسبقة لزيارة الجزيرة، على خلفية أكثر من 500 طالب لجوء يمني وصلوا للجزيرة السياحية، حسب تصريحات متحدث باسم الرئاسة الكورية الجنوبية، نهاية أيار (مايو) من العام الماضي.
وفي حوار له مع صحيفة "المصريون" المصرية، قال مساعد وزير الخارجية، وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير رخا أحمد حسن، "نظراً للظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد، خلال تلك المرحلة الحرجة، فإن عدداً من المصريين سعوا للسفر إلى العديد من الدول، ومن بينها كوريا الجنوبية".

اقرأ أيضاً: هل تبرّأت "حماس" من "الإخوان" لتتقارب مع القاهرة؟
وأضاف: "إن كثرة طلبات اللجوء إلى كوريا الجنوبية خلال الفترة الماضية، دفعتها إلى وضع قواعد جديدة أكثر صرامة؛ حتى لا تتفاجأ بمواطنين أصحاب جنسيات أخرى، دون معرفتهم أو معرفة أسباب قدومهم إليها".
وأشار إلى أنّ "كوريا كانت تعتقد أنّ بعد المسافة وصعوبة اللغة، سيقفان عائقاً أمام من يريد اللجوء إليها، لكن تلك الأسباب لم تمثل عائقاً للمصريين"، لافتاً إلى أنّ المواطنين الكوريين الجنوبيين ليسوا معفيين من التأشيرة لدخول مصر.
ونفى أن يكون جميع طالبي اللجوء من المعارضين كما يعتقد أو يزعم البعض، إذ إنّ بعض المواطنين المصريين يختلقون أعذاراً مثل أنّهم مضطهدون أو معارضون لا يستطيعون إبداء رأيهم بحرية؛ من أجل أن يتم قبولهم.
وتابع رخا "وصل الأمر إلى أنّ بعض المسيحيين لكي يتم الموافقة والسماح لهم، يقولون إنّهم يريدون أن يتحولوا من الأرثوذكسية إلى الكاثوليكية، لكن لا يتمكنون من ذلك داخل مصر"، مؤكداً أنه عندما يسأل هؤلاء عن صحة كلامهم، يقولون إنه ليس له أساس من الصحة، ولكنها أعذار حتى يحصلون على الموافقة.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون وسلاح المظلومية
من جانبه، يقول عبدالله الأشعل، مساعد وزير الخارجية الأسبق، والموصوف بالمعارض للسياسات المصرية:  "إنّ عدد المصريين الذين هاجروا إلى خارج البلاد منذ عام 2013 وحتى الآن، تجاوز الـ4 ملايين شخص، واستمرار الأوضاع على ما هي عليه بمصر، سينتج عنه تزايد العدد".
وأضاف الأشعل في تصريحاته لصحيفة "المصريون"، أنّ "هؤلاء هاجروا بسبب ملاحقتهم أمنياً؛ لكونهم معارضين للسلطة الحالية، أو لأنهم محسوبون على جماعة الإخوان المسلمين".
وأشار إلى أنّ "بعضاً من هؤلاء المهاجرين، فضّل بعد مكوثه بإحدى الدول لفترة زمنية معينة، أن يطلب اللجوء لكوريا الجنوبية؛ نظراً لأنها تعفي المصريين من الفيزا أو التأشيرة لدخول البلاد، ولكونها دولة متحضرة، وشعبها يتصف بالتسامح والرقي".
ويرى الأشعل أنّ "عدد طالبي اللجوء على ما يبدو فاق توقعاتها، وبات أعلى من الحد الذي تم وضعه سابقاً، ما دفعها إلى إلغاء إعفاء المصريين من الفيزا"، مشيراً إلى أنّ معظم الدول تقوم بذلك؛ لمواجهة الأعداد المتزايدة من المهاجرين إليها"، لافتاً إلى أنّ "لها الحق بذلك للحفاظ على هويتها، وعلى علاقاتها مع الدول الأخرى، إذ إنّ قبول كل هذه للأعداد قد ينتج عنه تعكير صفو العلاقات مع مصر".

فرصة للاختراق

تمثل كوريا الجنوبية بالنسبة لتلك الجماعات، فرصة جديدة للوجود والتجمع وعمل مشروعات تجارية بعيداً عن الملاحقات القانونية لهم في العديد من دول العالم، بعد أن تم تصنيفهم باعتبارهم "جماعة إرهابية وضد القانون"، فضلاً عن كون المجتمع الكوري مجتمع اقتصاد وأعمال، يمكن أن يتيح لهم بناء إمبراطورية اقتصادية جديدة، تسهم فى دعم تحركاتهم وتوجهاتهم غير المشروعة، بعد الحصار عليهم فى مصر وعلى تنظيمهم الدولي في العالم.

اقرأ أيضاً: "البيان" الذي لم يُصدره الإخوان المسلمون

ووفقاً للكاتب هاني لبيب، في مقال له نشرته جريدة "الوطن" المصرية بعنوان "الإخوان يعودون من كوريا الجنوبية" فإنّ هذه الجماعات ما تزال تمارس أسلوبها المعهود فى خلق تجمعات خاصة بها في أماكن جديدة وآمنة حتى تستطيع إعادة بناء أنفسها.. خاصة بعد الملاحقات القانونية التي تمت لقيادتها في الصفوف الثلاثة الأولى.
لم تكن كوريا الجنوبية بعيدة عن محط أنظار الإخوان، الذين ما إن صعدوا لحكم مصر في العام 2012، حتى ذهبوا لوكالات كورية لإرسال رسائل ترحيبية بإقامة شراكات معها.
فقد صرح، نائب المرشد العام للإخوان، رشاد بيومي، لوكالة "يونهاب" في أواخر العام 2012، بأنّه يرغب في تقوية التعاون مع كوريا الجنوبية.
ومن مقر الجماعة في حي المقطم قال بيومي: "نأمل في التعاون مع كوريا الجنوبية في مجالات العلوم والاقتصاد والصناعة والتسويق وغيرها، وتأمل مصر أن تكون بوابة لكوريا في هذه المنطقة".

اقرأ أيضاً: كيف يتحرك العمل الإخواني المسلح في مصر؟

وكانت شبه الجزيرة الكورية والصين هدفاً للنواة الأولى للتنظيم الدولي والذي أسسه، حسن البنا، في أربعينيات القرن الماضي، إلا أنّ الجماعة لم تتمكن من وضع قدم لها هناك، سوى في منتصف تسعينيات القرن الماضي، بعدما ضربت شركة "دايو" المصنعة للسيارات، أزمة مالية عنيفة، استغلها أباطرة الجماعة بالإيعاز إلى وسطاء أردنيين موالين للجماعة، بشراء عدد كبير من أسهم الشركة، بعد أن تعرضت للإفلاس.
تذكر مصادر أمنية مصرية، أنّ وراء عملية الشراء هذه، هو الملياردير الإخواني يوسف ندا، ورفيقه غالب همت، حيث دعما صفقة الشراء بنحو 100 مليون دولار.

السيطرة على المساجد
وفي تسعينيات القرن الماضي، وخلال عام واحد من افتتاح مسجد سيول المركزي، بلغ عدد المسلمين في كوريا أكثر من 15 ألف مسلم. كما ارتفع هذا العدد مرة أخرى تصاعدياً ووصل حوالي 150 ألف، مع تدفق أعداد كبيرة من العمال الأجانب من دول إسلامية مثل: باكستان وبنغلاديش وإندونيسيا.

كما تشير التقديرات اليوم، إلى أنّ هناك مئة ألف مسلم على الأقل في كوريا الجنوبية، يشكل الكوريون الذين أسلموا ما بين 35 إلى 40 ألف من إجمالي المسلمين.
بني مسجد سيؤول المركزي، في عام 1976م في حي "إيتوان" في مدينة سيؤول الكورية، وتقام فيه مُحاضرات باللغات العربية، الكورية والإنجليزية. ويأتي إلى صلاة يوم الجمعة ما يقارب 800 شخص غالبيتهم من العرب والأتراك والهنود ومن باكستان. مع أنّه المسجد الوحيد في عاصمة كوريا الجنوبية سيؤول، إلا أنّه أصبح محل جذب للكوريين وذلك للتعرف على الدين الإسلامي.

اقرأ أيضاً: رسمياً.. بدء سريان حظر "رموز الإخوان" في النمسا
قام المسلمون في كوريا عام 1969م قبل بناء مسجد سيول، باستئجار قاعة صغيرة لأداء الصلوات فيها وخصوصاً صلاة الجمعة، في ذلك الوقت كان عدد المسلمين في كوريا لا يتجاوز 3 آلاف شخص، بعد ذلك عرض الرئيس الكوري باك تشونغ هي أرضاً في مكان مرتفع وبمساحة 1500 مترمربع، لتكون مسجداً للمسلمين.
لم تتردد السعودية ودول أخرى عربية وإسلامية باستغلال هذه الفرصة، وإتمام بناء المسجد، بدأ العمل على إنشائه في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1974 وانتهى في أيار (مايو) عام 1976.
أما عن المساجد المشهورة في كوريا الجنوبية  بخلاف مسجد سيؤول المركزي فهي: مسجد غوانغجو في مدينة غوانغجو، ومسجد آن يانغ في مدينة آن يانغ محافظة غيونغ غي، ومسجد جونجو في مدينة جونجو جولا الشمالية، مسجد بوسان في مدينة بوسان.
لم يواجه الإسلام و المسلمون أي مصاعب في كوريا فالكوريون لا يعانون من الإسلاموفوبيا كالغرب، وعلى العكس فهم ودودون ومقاربون للعرب والمسلمين في الكثير من العادات، إلا أنّه في عام 2007 حصل ما كدر هذه العلاقة، حين تعرض كوريون جنوبيون للخطف في أفغانستان، فاستغل مسيحيو كوريا الحادثة، واعتصموا أمام المسجد وهددوا بتفجيره، لكن تواجد عناصر الشرطة لحماية المصلين والمسجد حال دون حدوث أي أذى، ومرت العاصفة بسلام بعد إطلاق سراح المختطفين.

اقرأ المزيد...

الوسوم: