لماذا يتباهى متحف الإنسان في باريس بعرض جماجم الثوار العرب؟

تمتدّ آثار القوى الاستعماريّة في الزمن؛ فهي لا تكتفي بتخريب المكان؛ بل أيضاً التاريخ وتعريفات الأفراد ضمنه، ليس فقط أولئك الذين خضعوا لسلطتها بالقوّة، بل أيضاً مواطنيها، وذلك في سبيل خلق حكاية وطنيّة، تبرر العنف ضدّ الغريب، وتخلق التمايز بين المواطن والمُستَعمَر.

اقرأ أيضاً: ألا تستحق الثورة الفلسطينية تخليدها في متحف؟
هذه الحكايات التي ما تزال آثارها حاضرة حتى الآن، نراها في المتاحف الوطنيّة، المساحات التي لا تختزن فقط الفنّ، بل تنتج الاختلاف عن الآخر، وتولّد حكايات تعليميّة وأكاديمية وثقافيّة موجَّهة للمواطنين، لتعريفهم بالتاريخ وتطوره إلى شكله الحالي، وهي تتضمن كذلك الآثار الماديّة، التي يعاد تعريفها وتصنيفها وفق سياسات المتحف، لخدمة الحكاية الوطنيّة بأسلوب يضمن تماسكها وتفوق المواطن على الغريب.
الجماجم الجزائريّة في قبو متحف الإنسان في باريس

بطل قوميّ في مصر وديكور في فرنسا
تنتهك الكثير من الآثار الموجودة في المتاحف الأوروبيّة الكرامة الإنسانية، كحالة جمجمة سليمان الحلبيّ، الذي اغتال قائد الحملة الفرنسية على مصر، الجنرال كليبر، عام 1800، ونقرأ ضمن نصوص محاكمته التي نشرتها المكتبة الوطنية؛ أنّ يده أُحرقت حدّ القطع ثم أعدم بالخازوق، لتقوم بعدها فرنسا بنقل جمجمته إلى متحف الإنسان في باريس، وعرضها ضمن منصة المجرمين والبرابرة.

إذا كان النازيون ارتكبوا محرقة في حقّ أوروبيين فإنّ الجيش الفرنسي أحرق جزائريين في مغارات وأباد قرى

الشكل والأسلوب والتعريف الذي تعرض ضمنه الجمجمة لا يكتفي بحرمان الجسد الميت من حقّه بالتراب؛ بل أيضاً يخلق الحكاية الوطنيّة الذاتية، بأنّ "المجرمين" و"البرابرة" هم أقوام محددة، وذوو خصائص طبيعية، ورغم أنّ هذه النظريات لم تعد منطقيّة، لكن وجود الجمجمة في المتحف يعكس هذه الرسالة،  وهذا ما دفع د. محمد عبد الوهاب لإطلاق حملة في مصر لاستعادة الجمجمة في سبيل دفنه في مصر وتكريمه، كونه، بحسب تعبير عبد الوهاب: "ليس إلا قطعة ديكور بالنسبة إلى الفرنسيين، لكنّه بالنسبة إلى المصريين بطل ضحّى بحياته من أجل مصر".
صورة متخيلة لسليمان الحلبي من القرن التاسع عشر

الحكاية الاستعماريّة الفرنسيّة
يُعدّ متحف الإنسان في باريس محطّ هجوم الكثيرين، إذ أطلق الباحث والأركيولوجي الجزائري، علي فريد بلقاضي، عام 2011، عريضة تحمل اسم "من أجل استعادة رفات الشهداء الجزائريين الموجودة في المتاحف الفرنسيّة"، مطالباً بجماجم وبقايا من قتلوا في منصف القرن التاسع عشر، وبتدخل  الرئيس الجزائري السابق، عبد العزيز بوتفليقة، والحكومة الجزائريّة للتحرك في سبيل استعادة رفات مواطنيها.
الأمر ذاته قام به الكاتب والأكاديمي إبراهيم السنوسي؛ إذ أطلق عريضة باسم "جماجم المقاومين الجزائريين المحجوزة في متحف الإنسان في باريس" ووجّهها لمدير المتحف، مطالباً إياه بالعمل لإعادتها للجزائر.

اقرأ أيضاً: مَن وراء تفجير المتحف الكبير في مصر؟
هذه الجماجم ظهرت صورها بوضوح للعلن، عام 2016؛  إذ نشاهد أكثر من ثمانية عشر ألف جمجمة لمقاتلين وثوار جزائريين، قتلوا وأعدِموا في مجازر ارتكبها الجيش الفرنسي، عام 1849، وفي قبو المتحف نرى الجماجم محفوظة في صناديق، يقال إنّها مخصصة لحفظ الرفاة البشريّ، الأهم أنّ من بينها تلك التي تعود للشيخ بوزيان، قائد ثوار الزعاطشة، وسي موسى الدرقاوي، وغيرهما من الثوار الذين ناضلوا ضدّ الاحتلال الفرنسي وقُتلوا وقُطعت رؤوسهم، والأهم، من بين آلاف الجماجم تم التعرّف فقط إلى هوية 500 فقط، وهي مخبأة في خزانة مغلقة في قبو المتحف، ممنوعة من التصوير أو العرض للعلن.

يُعدّ متحف الإنسان في باريس محطّ هجوم الكثيرين إذ أطلق باحث جزائري 2011 عريضة لاستعادة رفات الشهداء الجزائريين

مدير المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي قال إنّ "الجماجم موضوعات علمية، والتعرّف إلى هوية أصحابها لا يحمل قيمة علمية، وتبقى فقط القيمة الأخلاقية لهذه الجماجم، كوننا نتحدث عن مطالب سلالة من الأبناء والأحفاد؛ لذا لا بدّ من منطق مختلف في التعامل معها، خصوصاً أنّ استعادة الجماجم تتم عبر طلب عائلي أو قرار سياسي فرنسي، لا مجرد جمعية أو عريضة يوقع عليها الأفراد، فالجماجم والرفات البشريّة ملكية للدولة، ولا بدّ من قانون لإخراجها من التراث الوطني، وجعلها مباحة للنقل".
الجماجم مقابل الحركي
مطلع العام الماضي، قدّمت الجزائر طلباً رسمياً باستعادة هذه الجماجم، وتكوين لجنة مختصة في سبيل العمل على استرجاعها والأرشيف الاستعماري الموجود في فرنسا، وحين سئل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عن القضية حين زار الجزائر، قال: إنّ حكومة بلاده جاهزة للعمل في سبيل إرجاع الجماجم، بالمقابل على الحكومة الجزائرية تسهيل دخول مقاتلي "الحركي" وأسرهم إلى الجزائر، فهم ما يزالون محطّ العداء هناك، كونهم قاتلوا إلى جانب الجيش الفرنسي ضدّ الجزائريين أثناء الثورة، ويرى كثيرون أنهم خونة لا يجوز التساهل معهم.

اقرأ أيضاً: الروائي البلقاني الأكثر شهرة في العالم يجعل بيته متحفاً
هذه الجماجم ظهرت صورها بوضوح للعلن، عام 2016

جريمة استعماريّة مستمرة
وجود الجماجم والرفات، وغيرها من "الغنائم" الاستعمارية، في المتحف، يعدّ وصمة عار تاريخيّة، وخصوصاً أنّ هذه الأحداث والمجازر وثّقت باللوحات التشكيليّة، لتصبح جزءاً من الحكاية الوطنية والتاريخ الفني الذي يوثق وحشية المرحلة الاستعماريّة، بالتالي؛ لا بدّ من مصالحة مع هذا التاريخ، فكما قامت فرنسا بتشكيل لجان خاصة لاستعادة ممتلكات ورفات اليهود الذين قامت حكومة فيشي بتسليمهم لألمانيا النازيّة، وبيع ممتلكاتهم، لا بدّ من خطوات أشدّ فعالية في سبيل الجزائر، لا تحويل الأمر إلى مقايضة سياسية وترسيخ للتاريخ الاستعماري، هذا الموقف واستمراره عبر الزمن يؤكّده المؤرخ الجزائري، مصطفى نويصير، إذ يقول: "لو نفتح سجل فرنسا في الجزائر لن نصاب بالدهشة، ولكن بالصدمة، فرنسا لم تقم بقطع الرؤوس فقط؛ بل حرقت الإنسان وقتلت الجزائريين بالدخان، جنرالات فرنسا هم المعلمون الكبار في القتل والجرائم ضدّ الإنسانية، ولا بدّ من إبراز مثل هذا النوع الوحشي من الجرائم للرأي العام العالمي، فهذا سلاح في أيدينا كي نقول للغرب إنّ جرائمه تفوق جرائم داعش، وبعض الأطراف في العالم الإسلامي".
المسألة القانونيّة
أهمية هذا النوع من النشاط السياسي والثقافي لا تكمن  فقط في ضرورة إعادة قراءة التاريخ، وتتبع تحولات حكاياته وآثارها الماديّة، حتى الآن؛ بل أيضاً هناك الجانب القانوني، خصوصاً أنّ جرائم الاستعمار لا تسقط بالتقادم، فتصريحات ماكرون أثناء حملته الانتخابية بأنّ "الاستعمار جريمة ضدّ الإنسانيّة" فتحت الباب على التساؤلات القانونيّة حول هذه "الجريمة"، ورغم توقيع اتفاقية "إيفيان"، عام 1962، التي نتج عنها استفتاء في سبيل إسقاط الملاحقة الجنائيّة عن الجرائم التي ارتكبها الطرفان "جزائري- فرنسي"، إلا أنّ المحامية فاطمة الزهراء بن براهم تؤكد أنّ معاهدة روما (1998) المتعلقة بجرائم الحرب، تبيح للجزائريين محاكمة فرنسا؛ لأنّ "جرائم الحرب وجرائم الدول لا تسقط بالتقادم، وفق ما هو متعارف عليه قانوناً، الجرائم التي ارتكبتها النازية في حقّ اليهود، وحتى في حقّ الفرنسيين أنفسهم، ارتكبها أيضاً الجيش الاستعماري في الجزائر، فإذا كان النازيون، قد ارتكبوا محرقة في حقّ أوروبيين، فإنّ الجيش الفرنسي أحرق جزائريين في مغارات وأباد قرى بأكملها بقنابل النابالم، كما استعمل المدنيين الجزائريين فئران تجارب في تفجيراته النووية، التي قام بها في صحراء الجزائر، وهي الجرائم التي يمكن اعتبارها أفظع من جرائم أدولف هتلر، خاصّة إذا تمّ الأخذ في الحسبان طول مدة حرب الإبادة التي امتدت على مدار قرن و32 عاماً".

الأقسام: