ليبيا: منطق "الغنيمة" وغياب الدولة

1536
عدد القراءات

2019-04-16

يوسف الديني

ما يحدث في ليبيا يحيلنا إلى حقيقة واحدة، وهي أنها أصبحت منطقة التوتر الأولى على المستوى الأمني، وانبعاث التنظيمات الإرهابية، وفرضها قوتها على سلطة شكلانية ضعيفة، تعاني من أزمة اتخاذ القرار، وحسم الموقف، والقدرة على رؤية مصلحة البلاد والعباد، بعيداً عن إملاءات خارجية مؤدلجة من حلف رعاية الأزمات، بقيادة وتركيا ودول أخرى تستثمر في الخرائب لتمرير أجندتها الإقليمية، في ظل حيرة وصمت وارتباك الموقف الدولي، خصوصاً المؤسسات الدولية التي لا يملك مبعوثها سوى محاولة إيجاد صيغة توافقية دون جدوى، بسبب تعنت الأطراف المستفيدة من بقاء حالة العنف.
ما لا تقوله القنوات التي تؤجج الحالة الليبية، ومنها قناة «الجزيرة» وحلفاؤها من المنصات الليبية التابعة للإسلام السياسي والتنظيمات المتطرفة، هو أن طرابلس منذ خمس سنوات لم تتوقف فيها حالة العنف والمناوشات بين التنظيمات المختلفة، قبل قرار الجنرال حفتر، فالأطراف التي تقف ضده اليوم كانت تتصارع على المصالح الاقتصادية بشكل لا يمكن أن يعبر عن حالة «دولة»، وهو الأمر الذي سعت دول الاعتدال للتحذير منه، وفي مقدمتهم السعودية والإمارات ومصر. وقد قامت الإمارات برعاية «اتفاق أبوظبي»، بهدف بناء مؤسسة عسكرية موحدة لليبيا، للحد من المناوشات والصراع المناطقي الضيق، وإيقاف ابتلاع المؤسسة السياسية لصالح التنظيمات المتطرفة، في محاولة لاختطاف المشهد السياسي. ورغم أن الاتفاق كان يسعى إلى بناء مؤسسة عسكرية تضمن الاستقرار، من دون حتى أن يكون على رأسها الجنرال حفتر، فإنه تم التنصل من هذا الاستحقاق الذي لا يمكن أن يقف النزاع الليبي الذي يقترب من حدود الحرب الأهلية من دونه.
تسع سنوات تعيشها ليبيا من حالة اللاشرعية الموحدة، وعدم وجود مؤسسة أمنية عسكرية، مع تضخم الحالة السياسية والانقسام حول المصالح، وهي عكس الحالة تماماً في بلدان أخرى، حيث يتضخم حضور المؤسسة العسكرية، مع ضمور للحراك السياسي، وضعف للبدائل، وتكلس لأحزاب المعارضة، إلى الحد الذي جعل الشارع يؤسس للتغيير؛ وهو ما يعني دخول القارة الأفريقية إلى مرحلة جديدة من الصراعات المستقبلية بين شكلانية سياسية دون مؤسسة أمنية تضمن الاستقرار، كما هو الحال في ليبيا، في مقابل دول أخرى لا يمكن لأحزاب المعارضة التقليدية أن تقدم فيها الاستقرار من دون الجيش، رغم معارضات الشارع، كما هو الحال في الجزائر والسودان.
عودة إلى ليبيا، فإن الأزمة قابلة للانفجار، في حال تمكن تنظيمي «داعش» و«القاعدة» المتحالفين هناك من استغلال حالة الانقسام السياسي، والمناوشات بين الأطراف السياسية، بهدف الوصول إلى صيغة اتفاق ترعاها المؤسسات الدولية.
وقبل أسابيع، قام تنظيم «داعش» بالهجوم على بلدة الفقهاء، في منطقة الجفرة الجنوبية، وقطع الاتصالات عن المدينة، وأحرق المنازل، وقام بإعدام رئيس الحرس البلدي، وأطلق على هذه العملية الوحشية «الثأر من الشام». ومثل هذه الحادثة تكررت في المشهد الليبي عدة مرات على مدى الأعوام الماضية. وجزء من إشكالية المجتمع الدولي، بما فيه الدول الكبرى، هو أنه يعاني من الارتباك ذاته الذي يعود إلى مرحلة ما بعد الربيع العربي، حيث ثمة تباين كبير بين المواقف المعلنة والتدخلات على مستوى الاستخبارات والتقارير؛ بين شعارات دعم الاستقرار والشرعيات (ولو كانت شكلية) والهلع من اختطاف الحالة السياسية من قبل التيارات المتطرفة. هذا الارتباك هو ما نشهده أيضاً اليوم في تذبذب المواقف في الأزمة الليبية، إلا أن هذا الارتباك يقابله للأسف تمدد في حالة العنف، وانبعاث للتنظيمات المسلحة، وعلى رأسها «داعش» الذي سيستفيد من الوضع، في حال بقاء المناوشات، لا سيما أنها مرشحة للاستثمار، وبناء المعسكرات، واستقطاب المقاتلين من غرب أفريقيا، في المناطق الصحراوية الجنوبية، باعتبارها أكثر المناطق الخارجة عن سيطرة القانون، وهي المنطقة التي يمكن أن تكون ملاذاً آمناً لـ«القاعدة» في غرب أفريقيا، وحتى لجماعة «بوكو حرام»، والمقاتلين المنضوين تحت تنظيمات صغيرة من تشاد ومالي وباقي الدول الأفريقية.
الحديث عن الانتقال السلمي في ليبيا هو أقرب إلى الأمنيات الساذجة منه إلى الواقعية، في بلد شهد خلال سنوات مضت أكبر حالة تدفق للمقاتلين من كل مكان إلى الداخل الليبي، إضافة إلى عمليات السطو على مقدرات الدولة والمؤسسات العامة، وارتكان كثير من الشخصيات السياسية من الإسلام السياسي إلى التفكير في المكتسبات أكثر من بناء دولة اعتقد المراقبون أن تجربة التغيير فيها هي الأسهل بين كل حالات الربيع العربي، بسبب التجانس الديني والعرقي والثقافي، وقلة عدد السكان، دون أن يدركوا أن موارد ليبيا المالية كانت سبباً لتسلق الانتهازيين من الدول والتنظيمات والمؤسسات التي لم تتجاوز بعد منطق «الغنيمة»!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

اقرأ المزيد...

الوسوم: