ما أسباب اهتمام الأديان بشَعر الرأس واللحى؟

ما أسباب اهتمام الأديان بشَعر الرأس واللحى؟

مشاهدة

02/10/2018

عندما بدأ القيصر بطرس الأعظم حملته التحديثية في روسيا بداية القرن الثامن عشر، كان حلْق شعر اللحى لرجال الدين الأرثوذوكس إحدى الخطوات الأولى التي اتخذها في تلك الحملة.

هكذا، بدا شَعر اللحية بالنسبة للقيصر حداً تاريخياً فاصلاً بين الحداثة والتقليد. بينما تُخبرنا البيولوجيا الحديثة بأنّ الشعر هو مجرد زوائد بروتينية تظهر على جسم الثدييات، فكيف امتلك هذا الجزء العضوي من الإنسان كل تلك القيمة والرمزية؟ وإذا كانت الأديان من أهم المنظومات الرمزية عند البشر، فكيف نظرت الأديان المختلفة لشعر الرأس والوجه؟ وما هي أهم الأحكام الدينية بخصوصه؟

الشعر الطويل للرجال.. أحكام دينية مختلفة

حثّت تعاليم الديانة اليهودية على إطالة الشعر عند الرجال وعمله على شكل جدائل، وهي التي تعتبر أحد العلامات المميزة لليهود "الحريديم" (المتدينون)، وذلك تفسيراً منهم للأمر التوراتي "لاتقصّروا رؤوسكم مستديرا" (سفر اللاويين)، كما أن هناك نهياً وارداً في العهد القديم بخصوص حلق الشعر: "لا يجعلوا قرعة في رؤوسهم، ولا يحلقوا عوارض لِحاهم" (سفر اللاويين).

اقرأ أيضاً: فيلم "واحد منا" وإماطة اللثام عن السلفية اليهودية

وبالإضافة إلى إطالة الشعر، هناك تعاليم توجب تغطيته، عبر وضع القبعة، أو ما يسمى في العبرية بـ "الكيباه"، وخصوصاً أثناء تأدية الصلاة. فقد ذكرت التوراة عن داود وأنبياء آخرين أنهم كانوا يغطون رؤوسهم، وجاء في شروحات التوراة، في "الهالاخاه"، أن التغطية تعتبر دليلاً على توقير الله، عز وجل، وأنه "لا يجوز ذكر اسم الرب على فم من كان رأسه مكشوفاً".

أما في المسيحية، فتميزت الكنيسة الأرثوذوكسية بإطالة الشعر عند الرجال، وهو ما فُسّر في جانب منه بأنه متابعة للتعليمات اليهودية، كما أنّ الشعر المقصوص كان منتشراً عند الوثنيين من الرومان، فأرادت الكنيسة التأكيد على مخالفتهم عبر إطلاق الشعر، كما نجد بأن جميع رسومات المسيح تصوّره بأنه صاحب شعر طويل.

يهود يمنيون من طائفة حبّان ويظهر إطالتهم لشعر الرأس وتغطيته

وفي الإسلام، تعتبر إطالة الشعر للرجال، سُّنة ثابتة، وتشبّهاً بهيئة الرسول، عليه السلام، الذي تنقُل الأحاديث أنّ شعره "كان يصل إلى منكبيه". وقد انتشرت هذه العادة بين الشعوب المسلمة، إلى حد أنه مما يذكر في التاريخ، أنه بعد سقوط الأندلس، كان الشعر الطويل سبباً كافياً للشك بأنّ صاحبه من المسلمين، وبالتالي إرساله إلى محاكم التفتيش الإسبانية.

أما اليوم فقد تُركت هذه العادة عند المعظم، وأصبحت إطالة الشعر علامة مميزة لفئات محددة من المتدينين، كما  نجد عند "الجهاديين" مثلاً، وتشتهر بينهم صورة المقاتل "خطّاب" بشعره الطويل، التي تحوّلت إلى ما يشبه الأيقونة المناظرة لـ "تشي غيفارا" عند الثوار العلمانيين.

تحوّلت صورة خطّاب بشعره الطويل إلى أيقونة بين الجهاديين

وباتت عادة إطلاق الشعر اليوم "مرفوضة دينياً" عند قطاع واسع من المسلمين؛ أحياناً تعتبر من باب "التشبه بالنساء"، وفي أحيان أخرى يُتهم الشباب مطيلو الشعر بأنهم من "عَبَدة الشياطين"، حيث باتت مثل هذه المظاهر مرتبطة بتقليد ممارسات غربية.

اقرأ أيضاً: أيّ مستقبل لعلمانية المسلمين؟

أما حلق الشعر، فهو في الإسلام شرطٌ من شروط التحلّل من الإحرام للمعتمر والحاج. في المقابل يستنكر المسلمون حلقات معيّنة، كحلقة "القزع"، التي تأخذ جزءاً من الشعر وتترك آخر، وترد أحاديث تنصّ على النهي عنها. كما يتم اعتبار حلقات أخرى من قبيل التشبه بـ "الكُفّار"، كما نجد في الفتوى الشائعة خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي بالنهي عن حلقة "المارينز" الخاصّة بالقوات البحريّة الأمريكية.

الشعر مجرد زوائد بروتينية تظهر على جسم الثدييات فكيف امتلك هذا الجزء العضوي من الإنسان كل تلك القيمة والرمزية؟

أما أشدّ الأحكام المتعلقة بالشعر، فجاءت في الديانة السيخية؛ حيث توجد عقيدة "الكيش"، أحد الركائز الخمسة في الديانة، ومفادُها وجوب إطلاق الشعر منذ الولادة حتى الوفاة، وكل من يحلقه يصبح مرتداً عن الدين؛ لأنه يغير بذلك من خلق الله، فيعمد الرجال إلى تصفيفه في لفائف فوق رؤوسهم، ومن ثم تغطيتها بالعمائم المميزة للسيخ.

وعلى خلاف الأديان السابقة، فَرَضَت التعاليم البوذية حلق الشعر على الرهبان، كجزءٍ من نظام الرهبنة؛ لأن قيام الراهب بإطالة الشعر سيزيد من تعلقه بمظهره وجماله، في حين تسعى البوذية إلى التخلص من أي حالة تعلّق بشيء خارجي.

كل من يحلق شعر رأسه في الديانة السيخية يعتبر مرتداً عن الدين

شعر المرأة.. التغطية واجبة

ينتشر ارتداء الحجاب عند النساء المتدينات في اليهودية، وقد جاء في شرائع "المشناة": "ما الذي يعدّ انتهاكاً لشريعة موسى؟ الجماع عند حيضها. ما الذي يعدّ انتهاكاً للعرف اليهوديّ؟ الخروج برأس مكشوف". بينما وردت أحكام أخرى في "التلمود" تؤكد فرض الحجاب على المرأة المتزوجة، حتى أنه يُمنع الصلاة في مكان توجد فيه امرأة متزوجة حاسرة الرأس.

 

 

وفي المسيحية، جاء في رسالة بولس إلى أهالي كورنثيوس: "وأما كل امرأة تصلّي أو تتنبأ ورأسها غير مغطى، فتشين رأسها؛ لأنها والمحلوقة شيء واحدٌ بعينه". و"المحلوقة" هنا المقصود بها "العاهرة"؛ حيث كان العُرف السائد في زمن ظهور المسيحية هو تمييز العاهرات عبر حلق شعورهن. وقد اختلقت تفسيرات هذا الحكم، فبعض الطوائف كـ "الأميش" تفرض الحجاب بشكل دائم، وبعضها الآخر كالأرثوذكسية والكاثوليكية، تفرضه على الراهبات في الكنيسة فقط.

جاء في شروحات التوراة أنّ التغطية تعتبر دليلاً على توقير الله ولا يجوز ذكر اسم الرب على فم من كان رأسه مكشوفاً

أما في الإسلام، فتُجمع المدارس الفقهية على وجوب حجاب الرأس على المرأة البالغة؛ حيث يعتبر شعرها جزءاً من "العورة". وفي الصلاة يجب تغطية شعر الرأس بشكل كامل. وعبر التاريخ كان الحجاب عند المسلمين وسيلة لتمييز النساء الحرائر عن الإماء. كما وردت الفتاوى الفقهية التي تستنكر قيام المرأة بحلق وتقصير شعر رأسها، باعتبار ذلك عادة جاهلية عند البعض، فيما اعتبر آخرون بأنه نوع من التشبه بالرجال وتغيير خلق الله.

تفرض طائفة الآمش ارتداء الحجاب للنساء بشكل دائم

اللحى.. قداسة وطهارة

ارتبطت صورة رجل الدين المسنّ في الشرق الأقصى باللحية الطويلة البيضاء، كما نجد عند حكماء الكونفوشيوسية والطاوية، ودائماً ما تصوّر الرسومات "لاوتسه" مؤسس الطاوية بلحيته الطويلة البيضاء؛ حيث اقترنت اللحية عندهم بالحكمة والوقار.

اقرأ أيضاً: الوصاية المزعومة لرجل الدين على العقل والوجدان

وفي شبه القارّة الهنديّة، نجد أغلب الكهنة الهندوس لا يفضّلون حلقها، ويعتبرون إعفاءها علامة على الطهارة. وفي السيخية، كما الشعر، تعتبر اللحية جزءاً لا يتجزأ من الجسم عند الذكور، ويجب تركها كما خلقها الله.

تصوّر الرسومات "لاوتسه" بلحية بيضاء طويلة

أما في الشرق الأدنى، فنجد في التوراة الأمر: "لا يجعلوا قرعة في رؤوسهم، ولا يحلقوا عوارض لحاهم" (سفر اللاويين)، كما وردت اللحية في وصف أشكال الأنبياء: "مثل الدهن الطيب على الرأس، النازل على اللحية، لحية هارون، النازل إلى طرف ثيابه" (مزامير داود). وهو ما تمسّك به الأحبار ورجال الدين اليهود، فالتزموا بإطلاق اللحى.

وفي المسيحية، نجد متابعة اليهودية، حيث اعتبرت التعاليم بأن الله خلق اللحية لتمييز نوع الذكور عن الإناث. واتفقت جميع رسومات المسيح على تصويره على أنه صاحب لحية متوسطة الطول. وارتبطت إطالة اللحى بشكل أكبر برجال الدين في الكنيسة الأرثوذوكسية، وعند طائفة الآميش في الولايات المتحدة، أما الكنيستان؛ الكاثوليكية والبروتستانتية فكانتا أكثر تساهلاً، بل إنّ الكاثوليكية قررت تحريمها.

اقرأ أيضاً: مغربيات يروين حكاياتهن بعد تحولهن من الإسلام إلى المسيحية

كان الاتجاه نحو الحلق في الكاثوليكية قد بدأ ضمن سلوكيات التبتل وكنوع من التمييز عن طبقة الفرسان، والنبلاء، والإقطاعيين، الذين كانوا يطيلون لحاهم، ثم جاء فرض الحلق في الكاثوليكية منذ القرن الحادي عشر، ضمن "الحرومات" التي أعلن عنها الكاردينال "هامبرت" العام 1054، بعد وقوع الانفصال التامّ بين الكنيستين؛ الشرقية والغربية، كنوع من التمييز والانفصال.

بدأ الاتجاه نحو الحلق في الكاثوليكية كنوع من التمييز والمخالفة لطبقة الفرسان والنبلاء

أما في الإسلام، فوَرد ذكر اللحية في القرآن على لسان هارون: "قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي" (طه 94). وجاء في حديث النبي، عليه السلام،: "خالفوا المشركين؛ وفرّوا الِلحى، وحفّوا الشوارب". فكانت علّة الإطلاق هي مخالفة المشركين، وفي روايات أخرى للحديث "اليهود والنصارى". واعتبرت اللحية عند الزُهاد دليلاً على التقوى، وضبط النفس. وعند الفقهاء، اعتبر سلوك "إعفاء اللحى" إحدى سنن الفطرة العشر.

واليوم، تعتبر اللحية مكوّناً أساسياً في صورة "الشيخ"، المسلم المتديّن المعاصر، ويتفاوت شكل اللحية عند المتدينين؛ حيث يميل المنتمين للحركات الإسلامية إلى تحديدها وتشذيبها، في حين يفضل السلفيون إطلاقها.

ملصق دعوي يدعو الرجال المسلمين إلى اعفاء اللحى وحفّ الشوارب

ومهما اختلفت في الأحكام، تبقى السِّمة المشتركة بين الأديان في رؤيتها للحية باعتبارها مسألة رمزية تتجاوز حدود الشكل المادي، وتستوجب بذلك إصدار الأحكام والأوامر.

الصفحة الرئيسية